بات عدد كبير من سكان درنة الليبية يشتكون من تراجع الاهتمام بكارثة مدينتهم، التي ضربها إعصار «دانيال» الشهر الماضي، وخلف آلاف القتلى والمفقودين، في وقت يجاهدون فيه لتخطي «تجربتهم المؤلمة» بإعادة تأهيل المساكن التي لم تتضرر من السيول.
ولخص مدير «راديو سما» الناشط المدني، معتز الطرابلسي، مآسي الأهالي في مدينته، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن تأبى ذاكرتنا نسيان ما مررنا به من خوف وفزع خلال يوم الكارثة، وما نجم عنهما من فقدان الأهل والجيران والأصدقاء... وتهدم المنازل وتبدل معالم المدينة، التي انجرف ثلث مبانيها تقريبا إلى البحر، لكننا لا نزال نتمسك بالحياة».
شخصان يسيران بجوار جثة إحدى ضحايا الفيضانات التي ضربت درنة الليبية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
ومثل آخرين من سكان درنة، انتقد الطرابلسي انحسار اهتمام الحكومتين المتنازعتين على السلطة في قضية إعادة إعمار المدينة، و«تجاهلهم للعديد من الإشكاليات الراهنة، ما يزيد من معاناة الأهالي»، وقال إن الجميع «قدم جهدا لا يمكن إنكاره، لكن المدينة دمرت، ولولا صمود أهلها لتحولت إلى مدينة أشباح، خاصة مع تدهور جميع الخدمات بها، من مياه الشرب والكهرباء والاتصالات، وتصدع الطرق الرئيسية».
وطالب الطرابلسي بالسماح لأهالي درنة بتشكيل لجنة من صفوفهم لإدارة أزمة المدينة، لكونهم الأقدر على تحديد أولوياتهم، «بدلا من معاملتهم بوصفهم مجرد مستمعين لتصريحات ورؤى متضاربة، تصدر من شرق البلاد وغربها بشأن ما يواجههم من تحديات وعراقيل». عادّا أن تلك اللجنة «ستكون همزة وصل بين الأهالي والأجهزة الرسمية هنا وهناك، بما يضمن الإسراع بحل الأزمات، كالعمل على توحيد اللجان التي أسست من قبل الحكومتين لحصر القتلى والمفقودين، والممتلكات والأضرار المادية».
مجموعة من سكان درنة ينظفون أحد المتاجر وسط المدينة (رويترز)
من جانبه، انتقد مفتاح مكراز، الناشط المدني الذي ينتمي لدرنة: «تغيب وسائل الإعلام، والانتقال سريعا للتركيز على قضية الانتخابات، رغم أنها لا تبدو قريبة في ظل استمرار الخلاف حول قوانينها». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مشكلاتنا لم تنته بعد، ومع ذلك بات الحديث عن درنة مرتبطا فقط بكعكة إعادة إعمارها، بالإضافة إلى تصريحات بعض المسؤولين عن عودة الدراسة، وتسهيل بعض الخدمات، كاستخراج أوراق رسمية دون مقابل»، مستدركاً: «بالطبع هذا كله جيد؛ لكن هناك أولويات أهم، كاستمرار البحث عن جثث المفقودين تحت ركام مئات المنازل المدمرة». موضحا أنه مع «تضاؤل الآمال بوجود أحياء تحت الأنقاض غادرت فرق الإنقاذ الأجنبية المدينة، فيما تفتقد الفرق المحلية للآليات الحديثة، التي تؤهلها لرفع هذا الكم من الأنقاض خلال فترة وجيزة».
طفل ينظف بضاعة متجر أسرته بعد أن دمرته السيول (رويترز)
كما انتقد مكراز عدم اهتمام المسؤولين بتراجع القدرات المادية للعديد من أهالي درنة، موضحا أن كارثة الإعصار «دمرت الأهالي نفسيا وماديا، خاصة أن بعض الناجين في المناطق المدمرة لم يفقدوا فقط أسرهم وبيوتهم ومتاجرهم، وما كان يوجد بها من أموال، بل فقدوا حتى ملابسهم، وغالبيتهم بات يعتمد منذ الأيام الأولى للكارثة، وحتى الآن، على ما يقدم لهم من مساعدات إغاثية، من غذاء وغطاء من أهالي المنطقة الغربية».
كما انتقد الناشط الليبي «عدم اهتمام الحكومة بتبني مطالب أهالي درنة، التي قدموها خلال مظاهراتهم التي نظموها في الـ18 من سبتمبر (أيلول) الماضي، ورغبتهم في وجود تحقيق دولي حول أسباب تعاظم الكارثة بسبب انهيار سدين، وهو المطلب الذي يتزايد الإصرار عليه، في ظل عدم تناسب ما تعلنه جهات رسمية عن أعداد القتلى، وتقديراتنا نحن سكان المدينة».
ووفقا لبيانات صدرت عن القيادة العامة للجيش الوطني، فقد تجاوز عدد ضحايا إعصار «دانيال» في درنة 4200 حالة وفاة.
في سياق ذلك، تطرق مكراز لقضية التعويضات، التي تردد أن حكومة «الاستقرار» قد تقوم بصرفها لمن تضررت منازلهم، وتساءل عن «كيفية تعويض من نجا من أصحاب وسكان العمارات والمتاجر في الأحياء، التي جرفت للبحر وكيفية تحديد ملكية هؤلاء».
وخلال اجتماع عقدته حكومة «الاستقرار» مع عدد من عمداء البلديات المتضررة، تم الإعلان عن تعويضات ستصرف عبر مسؤولي البلديات، بالتنسيق مع لجان حصر الأضرار للمواطنين الذين تعرضت منازلهم للتدمير، بواقع مائة ألف دينار للمنازل المدمرة بالكامل، و50 ألف دينار للمنازل المدمرة جزئيا.
من جهته، أقر عضو مجلس النواب الليبي بمنطقة الجبل الأخضر، خليفة صالح الدغاري، بضعف المبالغ التي تقرر صرفها بوصفها تعويضات لأهالي درنة وبقية المناطق التي اجتاحها الإعصار. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها مجرد «حلول سريعة لمعالجة أزمة بقاء بعض الناجين بالمدارس، خاصة مع بدء العام الدراسي، واقتراب فصل الشتاء؛ وبالتالي فالمبالغ التي تصرف لمساعدتهم في تأجير الشقق، أو لترميم منزل تعرض لتدمير جزئي بسيط لا تكفي لبناء شقة صغيرة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء».
وكان مجلس النواب قد أكد أن التعويضات تتعلق بإعادة بناء المنازل وشراء الأثاث فقط، وليست تعويضا عن بقية الخسائر الجسيمة التي لحقت بالمواطنين.








