«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

صدمة الأيام الأولى تركت مكانها لشعور بالخوف وأمل في المستقبل

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)

بعد مرور شهر على «زلزال الأطلس الكبير»، الذي ضرب المغرب، ليلة الجمعة - السبت 8 و 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وخلَّف خسائر بشرية ومادية فادحة، تبدو العودة إلى المناطق الأكثر تضرراً من الفاجعة أشبه بمحاولة إلقاء نظرة على جرح لم يندمل بشكل كامل... وبعد الاهتمام العالمي والمتابعات الإعلامية الواسعة لهذه الكارثة الطبيعية، لم يكن للذاكرة الفردية والجماعية للمغاربة وغيرهم، إلا أن تحفظ أسماء قرى ودواوير (كفور) تضررت أكثر من غيرها بالزلزال، وخصوصاً «أمزميز» و«مولاي إبراهيم» و«أسني» و«وريغان» و«إجوكاك» و«تلات نيعقوب» و«تنمل»، وغيرها من القرى والدواوير المحيطة بها في إقليم الحوز.

خيام تتوسط دواوير «كفور» تأثرت بالزلزال (الشرق الأوسط)

وحين يتعلق الأمر بزلزال مدمر، لا يكفي شهر واحد لتجاوز صدمة الساعات الأولى، خصوصاً بالنسبة لمن عانى ويلات الكارثة، في الوقت الذي ترك سيل التقارير والصور والمشاهد المتداولة، التي أظهرت قوة الهزة الأرضية التي ضربت أقاليم مراكش والحوز وشيشاوة وأزيلال وتارودانت، وشعر بها المغاربة في محيط يتعدى 400 كيلومتر، انطلاقاً من بؤرته في بلدة «إيغيل» وما جاورها، شعوراً بالحزن في النفوس.

زيارة أكثر المناطق تضرراً بفعل الزلزال، انطلاقاً من مراكش، لا يمكن إلا أن تتولد عنها مشاعر، تجمع بين الأسى والمواساة والتعاطف والتضامن. وصولاً إلى تحناوت، ومنها مباشرة، تنتشر خيام، أكثرها باللونين الأصفر والأزرق، وضعتها السلطات رهن إشارة من دُمرت منازلهم، ضمن عدد من الإجراءات المهمة والنوعية، التي أظهرت قدرة السلطات المغربية على التعامل السريع والجيد مع الأزمات. المسافة الفاصلة بين مراكش و«تلات نيعقوب»، تبلغ 100 كيلومتر، وتتطلب أكثر من ساعتين ونصف ساعة بالسيارة، وتمر عبر عدد كبير من القرى والدواوير والتجمعات السكنية المتناثرة وسط مرتفعات إقليم الحوز.

خيام وتصليحات وطرق مفتوحة (الشرق الاوسط)

في «أسني»، ينقل مشهد مجموعات متفرقة من التلاميذ، وهم في طريق العودة من المخيم الدراسي إلى منازلهم، الإصرار على تجاوز المحنة. على بعد خطوات من الثانوية الإعدادية «الأطلس الكبير»، التي أغلقت أبوابها مكرهة، وفي ساحة قريبة من «دوار لعرب»، تعم حركة لافتة للانتباه.

وفي الفضاء الذي يحتضن المستشفى العسكري. وبالقرب منه، كان هناك صغار في غاية الفرح، بعد أن استعادوا متعة اللعب في كيان ترفيهي تم وضعه رهن إشارتهم، اعتباراً لوضعيتهم النفسية، بعد الكارثة الطبيعية التي ضربت المنطقة.

مباشرة بعد مغادرة «أسني»، تصير الطريق أكثر وعورة وصعوبة... عند الوصول إلى «ويرغان» تبدو الأمور أصعب، فيما ترتفع كمية الدمار الذي ضرب البنايات. التجمعات السكنية المتناثرة على طول الطريق، تطغى عليها الألوان الزرقاء والصفراء والبيضاء والخضراء، الخاصة بالخيام التي تم نصبها لإيواء المتضررين. ومقارنة مع الأيام الأولى للزلزال، يبدو أن جهود السلطات في تيسير التنقل وفك العزلة عن البلدات المتضررة قد أثمرت، بعد الانسيابية الملحوظة التي صارت على مستوى حركة السير بعدد من المناطق الوعرة في المرتفعات. السيارات التابعة للدولة أو الخاصة، أو تلك التابعة للجمعيات، المحملة بالمساعدات وغيرها، صوب المناطق المتضررة، لا تتوقف. للمغاربة قدرة عجيبة على تجاوز المآسي والتعامل معها. يتسلحون، في سبيل ذلك، بالصبر عند الملمات والتضامن مع بعضهم بعضاً، مع إيمان بأن المحنة يمكن أن تتحول إلى منحة، وأن بعد العسر يسراً. لذلك سارعوا إلى التضامن وتقديم المساعدة لمن هم في حاجة إليها من المتضررين، كما حمدوا الله كثيراً، وهللوا لعيون الماء والشلالات العديدة التي تفجرت في أكثر من مكان بالمناطق التي تضررت بفعل الزلزال.

عيون ماء تفجرت بعد زلزال الحوز (الشرق الأوسط)

في مكان يقال له «تلات النص»، وسمي كذلك لأنه يقع بين «أسني» و«تلات نيعقوب». قال رجل في الخمسينات من العمر، واسمه إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن عيون مياه كثيرة «خفف بها الله على الناس ضرر وأهوال الزلزال». وأضاف، أن المتضررين يعيشون في خيام، في انتظار أن تتحسن الأمور، بعد التدابير والإجراءات التي قررتها السلطات على مستوى الدعم وإعادة الإعمار وتنمية المناطق المتضررة. وشدد على أن الشهر المقبل «قد يكون صعباً على المتضررين في المرتفعات، بفعل برودة الطقس والتساقط المحتمل للثلوج».... وغير بعيد عن نبع الماء بـ«تلات النص»، كانت هناك عين أخرى يتدفق منها الماء نحو مجرى نهر «نفيس» القريب، بالقرب من «واد إمزوغني».

أحد سكان المنطقة، وكان أوقف دراجته النارية ليرتاح من تعب الطريق، تحت ظل شجرة قريبة قبل مواصلة السير، قال لـ«الشرق الأوسط»، وعبارات الشكر والحمد لله تؤثث لحديثه، إن النهر الذي يخترق المنطقة، الذي كان قد جفَّ في وقت سابق، استعاد ذاكرة الماء بعد الزلزال.

بعد شهر من وقوع الزلزال (الشرق الأوسط)

على مدى الطريق تنتصب لافتات، تعرف بأسماء عدد من الدواوير بالمنطقة، من قبيل «إمكدال» و«تكرامين» و«توك الخير» و«أنادن» و«تاركة» و«الحناين» و«أوتغري». عند الوصول إلى «إجوكاك»، بدت الدورة الاقتصادية شبه محدودة. سألت «الشرق الأوسط» صاحب محل لبيع المواد الغذائية عن السبب، فأشار إلى مطعم مقابل، وكان مغلقاً، بفعل تأثره بالزلزال. ثم تساءل، بتعب نفسي ظاهر، كيف تفتح المحلات أبوابها وأغلبها مدمر أو به شقوق.

قريباً جداً من البؤرة الرئيسية للزلزال، كان الخراب الذي حل بقرية «تلات نيعقوب» أكبر من أن يمنع الحزن والأسى. هنا، وعلى عكس مناطق أخرى، أكثر البيوت منهارة أو سويت بالأرض... في بعض الأحياء، الباب وحده صمد في وجه الزلزال، فظل واقفاً كما لو أنه ينتظر أحداً ما، في الوقت الذي انهار باقي المنزل. والمنازل التي انهارت بفعل قوة الزلزال ما زالت كما كانت في أولى أيام الكارثة. ما زالت ترقد منهارة، مثل ملاكم سقط فاقداً وعيه، بعد ضربة مباغتة، قاضية من خصم شديد البأس. يمكن القول إن المنازل تركت لمصيرها، بعد أن انتقل أصحابها للعيش تحت الخيام.

لا يملك زائر «تلات نيعقوب»، بعد شهر من الزلزال، إلا أن يتأمل الخراب، الذي لا تحتاج مشاهده إلى تعليق. كل بناية نالت نصيبها من الدمار. والنتيجة بنايات غير صالحة للسكن. هناك منازل في وضعية ميلان. بعضها لم يقاوم الزلزال كثيراً، فتحول إلى ركام. أخرى بدت أشبه بحلوى ألفية داس عليها فيل غاضب. بالقرب من محطة البنزين، التي نالت نصيبها من الخراب وحافظت مع ذلك على خدمة توزيع المحروقات، كانت هناك سيدة، رفقة مجموعة من الشبان، بصدد الحفر وسط ركام بناية تحولت إلى خراب. قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها تريد استعادة وثائق تخصها. قالت إن الخراب المنتشر يعمق المأساة النفسية للمتضررين وأهل المنطقة. «فقطـ لو يقوموا بعملية تشطيب لكل هذا الخراب. ذلك قد يساعد على نسيان الكارثة»، هكذا أضافت بحزن. بالقرب من المنزل المنهار، كانت هناك لافتة كتب عليها «منزل للبيع». قالت السيدة إن الإعلان وضعه مالك المنزل قبل أن يضرب الزلزال ضربته، ويزعزع الأرض والنفوس في أقل من 40 ثانية! وسط الخراب، يمكن التعرف بسهولة على طبيعة كل بناية مدمرة، وإن كانت منزلاً أو محلاً تجارياً، مثلاً. كانت هناك أفرشة وأوانٍ لم تعد صالحة للاستعمال. كما كانت هناك كراسي، يبدو أنها كانت توضع رهن إشارة زبائن مقهى أو مطعم. أما قوارير الغاز، من الحجمين الكبير والصغير، فتشير إلى أن الأمر يتعلق بمحل لبيع المواد الغذائية. كانت هناك، أيضاً، «مانيكانات» كانت تستعمل لعرض ملابس نسائية بغرض بيعها، داخل محلات تحولت بدورها إلى ركام.

من المنازل المهدمة (الشرق الاوسط)

غير بعيد عن محطة البنزين، في زقاق دمره الزلزال بالكامل، جلست سيدة فوق خراب بيتها، بينما كان شابان برفقتها، يستخرجان بعض الأغطية والأفرشة من تحت الركام. قال عبد العالي، أحد مرافقيها لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع سكان الزقاق انتقلوا للعيش في الخيام. وأضاف أن من المستحيل أن يستعيد هذا الزقاق طبيعته الأولى.

عن شعوره بعد شهر من وقوع الزلزال، قال عبد العالي إن الصدمة كانت قوية، «وإن الناس لم يسترجعوا كامل وعيهم بما حدث، بفعل تأثرهم بالخسائر البشرية والمادية».

على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من «تلات نيعقوب»، في اتجاه تارودانت، لم تكن قرية «تنمل» أحسن حظاً مع الزلزال، غير أنها حظيت بتعاطف كبير، بلغ صداه أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، بعد الدمار الذي لحق بمسجد «تنمل» التاريخي، الذي يوجد بها، والذي بني في القرن الثاني عشر الميلادي، خلال حكم الدولة الموحدية.

في «تنمل»، تركت العائلات منازلها المدمرة، لتعيش في خيام، نصب أكثرها في ساحة قريبة من المسجد التاريخي، الذي انهار بشكل شبه كامل، قبل أسابيع قليلة من انتهاء عملية ترميمه وتثمينه من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

حين سألت «الشرق الأوسط» شيخاً، اسمه حسن، كان في طريق العودة إلى دواره القريب، عن شعوره بعد مرور شهر على الزلزال، أجاب بأن الصدمة تركت مكانها لخوف لم يستطِع كثيرون التخلص منه. وقال إن ما حدث كان مفاجئاً ولم يكن بالأمر الهين، ثم استدرك، وابتسامة رضا تملأ وجهه: «الحمد لله على كل حال».


مقالات ذات صلة

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

العالم العربي منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية صباح الأحد لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر شعر بها عدد من المواطنين دون تسجيل أي خسائر

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية المطلة على البحر المتوسط.

محمد السيد علي (القاهرة)
آسيا شاشة تلفزيونية في طوكيو تعرض تقريراً لوكالة الأرصاد الجوية اليابانية يحذّر من موجة تسونامي بارتفاع 3 أمتار (رويترز)

اليابان تحذّر من زلزال «هائل» بعد هزة أرضية قوية تسببت بموجة تسونامي

ضرب زلزال بقوة 7.5 درجة منطقة قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان، ​اليوم، وحثت السلطات السكان على الابتعاد عن المناطق الساحلية بسبب توقعات بحدوث موجات تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.