«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

صدمة الأيام الأولى تركت مكانها لشعور بالخوف وأمل في المستقبل

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)

بعد مرور شهر على «زلزال الأطلس الكبير»، الذي ضرب المغرب، ليلة الجمعة - السبت 8 و 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وخلَّف خسائر بشرية ومادية فادحة، تبدو العودة إلى المناطق الأكثر تضرراً من الفاجعة أشبه بمحاولة إلقاء نظرة على جرح لم يندمل بشكل كامل... وبعد الاهتمام العالمي والمتابعات الإعلامية الواسعة لهذه الكارثة الطبيعية، لم يكن للذاكرة الفردية والجماعية للمغاربة وغيرهم، إلا أن تحفظ أسماء قرى ودواوير (كفور) تضررت أكثر من غيرها بالزلزال، وخصوصاً «أمزميز» و«مولاي إبراهيم» و«أسني» و«وريغان» و«إجوكاك» و«تلات نيعقوب» و«تنمل»، وغيرها من القرى والدواوير المحيطة بها في إقليم الحوز.

خيام تتوسط دواوير «كفور» تأثرت بالزلزال (الشرق الأوسط)

وحين يتعلق الأمر بزلزال مدمر، لا يكفي شهر واحد لتجاوز صدمة الساعات الأولى، خصوصاً بالنسبة لمن عانى ويلات الكارثة، في الوقت الذي ترك سيل التقارير والصور والمشاهد المتداولة، التي أظهرت قوة الهزة الأرضية التي ضربت أقاليم مراكش والحوز وشيشاوة وأزيلال وتارودانت، وشعر بها المغاربة في محيط يتعدى 400 كيلومتر، انطلاقاً من بؤرته في بلدة «إيغيل» وما جاورها، شعوراً بالحزن في النفوس.

زيارة أكثر المناطق تضرراً بفعل الزلزال، انطلاقاً من مراكش، لا يمكن إلا أن تتولد عنها مشاعر، تجمع بين الأسى والمواساة والتعاطف والتضامن. وصولاً إلى تحناوت، ومنها مباشرة، تنتشر خيام، أكثرها باللونين الأصفر والأزرق، وضعتها السلطات رهن إشارة من دُمرت منازلهم، ضمن عدد من الإجراءات المهمة والنوعية، التي أظهرت قدرة السلطات المغربية على التعامل السريع والجيد مع الأزمات. المسافة الفاصلة بين مراكش و«تلات نيعقوب»، تبلغ 100 كيلومتر، وتتطلب أكثر من ساعتين ونصف ساعة بالسيارة، وتمر عبر عدد كبير من القرى والدواوير والتجمعات السكنية المتناثرة وسط مرتفعات إقليم الحوز.

خيام وتصليحات وطرق مفتوحة (الشرق الاوسط)

في «أسني»، ينقل مشهد مجموعات متفرقة من التلاميذ، وهم في طريق العودة من المخيم الدراسي إلى منازلهم، الإصرار على تجاوز المحنة. على بعد خطوات من الثانوية الإعدادية «الأطلس الكبير»، التي أغلقت أبوابها مكرهة، وفي ساحة قريبة من «دوار لعرب»، تعم حركة لافتة للانتباه.

وفي الفضاء الذي يحتضن المستشفى العسكري. وبالقرب منه، كان هناك صغار في غاية الفرح، بعد أن استعادوا متعة اللعب في كيان ترفيهي تم وضعه رهن إشارتهم، اعتباراً لوضعيتهم النفسية، بعد الكارثة الطبيعية التي ضربت المنطقة.

مباشرة بعد مغادرة «أسني»، تصير الطريق أكثر وعورة وصعوبة... عند الوصول إلى «ويرغان» تبدو الأمور أصعب، فيما ترتفع كمية الدمار الذي ضرب البنايات. التجمعات السكنية المتناثرة على طول الطريق، تطغى عليها الألوان الزرقاء والصفراء والبيضاء والخضراء، الخاصة بالخيام التي تم نصبها لإيواء المتضررين. ومقارنة مع الأيام الأولى للزلزال، يبدو أن جهود السلطات في تيسير التنقل وفك العزلة عن البلدات المتضررة قد أثمرت، بعد الانسيابية الملحوظة التي صارت على مستوى حركة السير بعدد من المناطق الوعرة في المرتفعات. السيارات التابعة للدولة أو الخاصة، أو تلك التابعة للجمعيات، المحملة بالمساعدات وغيرها، صوب المناطق المتضررة، لا تتوقف. للمغاربة قدرة عجيبة على تجاوز المآسي والتعامل معها. يتسلحون، في سبيل ذلك، بالصبر عند الملمات والتضامن مع بعضهم بعضاً، مع إيمان بأن المحنة يمكن أن تتحول إلى منحة، وأن بعد العسر يسراً. لذلك سارعوا إلى التضامن وتقديم المساعدة لمن هم في حاجة إليها من المتضررين، كما حمدوا الله كثيراً، وهللوا لعيون الماء والشلالات العديدة التي تفجرت في أكثر من مكان بالمناطق التي تضررت بفعل الزلزال.

عيون ماء تفجرت بعد زلزال الحوز (الشرق الأوسط)

في مكان يقال له «تلات النص»، وسمي كذلك لأنه يقع بين «أسني» و«تلات نيعقوب». قال رجل في الخمسينات من العمر، واسمه إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن عيون مياه كثيرة «خفف بها الله على الناس ضرر وأهوال الزلزال». وأضاف، أن المتضررين يعيشون في خيام، في انتظار أن تتحسن الأمور، بعد التدابير والإجراءات التي قررتها السلطات على مستوى الدعم وإعادة الإعمار وتنمية المناطق المتضررة. وشدد على أن الشهر المقبل «قد يكون صعباً على المتضررين في المرتفعات، بفعل برودة الطقس والتساقط المحتمل للثلوج».... وغير بعيد عن نبع الماء بـ«تلات النص»، كانت هناك عين أخرى يتدفق منها الماء نحو مجرى نهر «نفيس» القريب، بالقرب من «واد إمزوغني».

أحد سكان المنطقة، وكان أوقف دراجته النارية ليرتاح من تعب الطريق، تحت ظل شجرة قريبة قبل مواصلة السير، قال لـ«الشرق الأوسط»، وعبارات الشكر والحمد لله تؤثث لحديثه، إن النهر الذي يخترق المنطقة، الذي كان قد جفَّ في وقت سابق، استعاد ذاكرة الماء بعد الزلزال.

بعد شهر من وقوع الزلزال (الشرق الأوسط)

على مدى الطريق تنتصب لافتات، تعرف بأسماء عدد من الدواوير بالمنطقة، من قبيل «إمكدال» و«تكرامين» و«توك الخير» و«أنادن» و«تاركة» و«الحناين» و«أوتغري». عند الوصول إلى «إجوكاك»، بدت الدورة الاقتصادية شبه محدودة. سألت «الشرق الأوسط» صاحب محل لبيع المواد الغذائية عن السبب، فأشار إلى مطعم مقابل، وكان مغلقاً، بفعل تأثره بالزلزال. ثم تساءل، بتعب نفسي ظاهر، كيف تفتح المحلات أبوابها وأغلبها مدمر أو به شقوق.

قريباً جداً من البؤرة الرئيسية للزلزال، كان الخراب الذي حل بقرية «تلات نيعقوب» أكبر من أن يمنع الحزن والأسى. هنا، وعلى عكس مناطق أخرى، أكثر البيوت منهارة أو سويت بالأرض... في بعض الأحياء، الباب وحده صمد في وجه الزلزال، فظل واقفاً كما لو أنه ينتظر أحداً ما، في الوقت الذي انهار باقي المنزل. والمنازل التي انهارت بفعل قوة الزلزال ما زالت كما كانت في أولى أيام الكارثة. ما زالت ترقد منهارة، مثل ملاكم سقط فاقداً وعيه، بعد ضربة مباغتة، قاضية من خصم شديد البأس. يمكن القول إن المنازل تركت لمصيرها، بعد أن انتقل أصحابها للعيش تحت الخيام.

لا يملك زائر «تلات نيعقوب»، بعد شهر من الزلزال، إلا أن يتأمل الخراب، الذي لا تحتاج مشاهده إلى تعليق. كل بناية نالت نصيبها من الدمار. والنتيجة بنايات غير صالحة للسكن. هناك منازل في وضعية ميلان. بعضها لم يقاوم الزلزال كثيراً، فتحول إلى ركام. أخرى بدت أشبه بحلوى ألفية داس عليها فيل غاضب. بالقرب من محطة البنزين، التي نالت نصيبها من الخراب وحافظت مع ذلك على خدمة توزيع المحروقات، كانت هناك سيدة، رفقة مجموعة من الشبان، بصدد الحفر وسط ركام بناية تحولت إلى خراب. قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها تريد استعادة وثائق تخصها. قالت إن الخراب المنتشر يعمق المأساة النفسية للمتضررين وأهل المنطقة. «فقطـ لو يقوموا بعملية تشطيب لكل هذا الخراب. ذلك قد يساعد على نسيان الكارثة»، هكذا أضافت بحزن. بالقرب من المنزل المنهار، كانت هناك لافتة كتب عليها «منزل للبيع». قالت السيدة إن الإعلان وضعه مالك المنزل قبل أن يضرب الزلزال ضربته، ويزعزع الأرض والنفوس في أقل من 40 ثانية! وسط الخراب، يمكن التعرف بسهولة على طبيعة كل بناية مدمرة، وإن كانت منزلاً أو محلاً تجارياً، مثلاً. كانت هناك أفرشة وأوانٍ لم تعد صالحة للاستعمال. كما كانت هناك كراسي، يبدو أنها كانت توضع رهن إشارة زبائن مقهى أو مطعم. أما قوارير الغاز، من الحجمين الكبير والصغير، فتشير إلى أن الأمر يتعلق بمحل لبيع المواد الغذائية. كانت هناك، أيضاً، «مانيكانات» كانت تستعمل لعرض ملابس نسائية بغرض بيعها، داخل محلات تحولت بدورها إلى ركام.

من المنازل المهدمة (الشرق الاوسط)

غير بعيد عن محطة البنزين، في زقاق دمره الزلزال بالكامل، جلست سيدة فوق خراب بيتها، بينما كان شابان برفقتها، يستخرجان بعض الأغطية والأفرشة من تحت الركام. قال عبد العالي، أحد مرافقيها لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع سكان الزقاق انتقلوا للعيش في الخيام. وأضاف أن من المستحيل أن يستعيد هذا الزقاق طبيعته الأولى.

عن شعوره بعد شهر من وقوع الزلزال، قال عبد العالي إن الصدمة كانت قوية، «وإن الناس لم يسترجعوا كامل وعيهم بما حدث، بفعل تأثرهم بالخسائر البشرية والمادية».

على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من «تلات نيعقوب»، في اتجاه تارودانت، لم تكن قرية «تنمل» أحسن حظاً مع الزلزال، غير أنها حظيت بتعاطف كبير، بلغ صداه أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، بعد الدمار الذي لحق بمسجد «تنمل» التاريخي، الذي يوجد بها، والذي بني في القرن الثاني عشر الميلادي، خلال حكم الدولة الموحدية.

في «تنمل»، تركت العائلات منازلها المدمرة، لتعيش في خيام، نصب أكثرها في ساحة قريبة من المسجد التاريخي، الذي انهار بشكل شبه كامل، قبل أسابيع قليلة من انتهاء عملية ترميمه وتثمينه من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

حين سألت «الشرق الأوسط» شيخاً، اسمه حسن، كان في طريق العودة إلى دواره القريب، عن شعوره بعد مرور شهر على الزلزال، أجاب بأن الصدمة تركت مكانها لخوف لم يستطِع كثيرون التخلص منه. وقال إن ما حدث كان مفاجئاً ولم يكن بالأمر الهين، ثم استدرك، وابتسامة رضا تملأ وجهه: «الحمد لله على كل حال».


مقالات ذات صلة

هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

المشرق العربي هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

أعلن المركز الوطني للزلازل في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تسجيل هزة أرضية في تركيا، شعر بها سكان بعض المناطق في الشمال السوري.

آسيا أرشيفية لمنطقة قوانغشي في جنوب غرب الصين (رويترز)

قتيلان وانهيار مبانٍ في زلزال بقوة 5.2 ضرب جنوب الصين

ضرب زلزال بقوة 5.2 درجة على مقياس ريختر منطقة غوانغشي جنوب الصين، اليوم الاثنين، مما أسفر عن مقتل شخصين وانهيار 13 مبنى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية فِرق الإنقاذ تبحث عن ناجين وسط الركام بعد الزلزال الذي ضرب مدينة كاشمر بشمال شرقي إيران عام 2024 (أرشيفية-إيسنا)

سلسلة هزات أرضية قرب طهران تجدد المخاوف من زلزال كبير

سلسلة من تسعة زلازل صغيرة هزت منطقة برديس في شرق طهران، خلال الليل، مما جدد المخاوف لدى الخبراء والسكان من احتمال تعرض العاصمة لكارثة حدوث زلزال كبير.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية مشاهد للمباني الشاهقة في شمال طهران 12 مايو 2026 (أ.ف.ب)

زلزال بقوة 4.6 درجة يضرب الحدود بين محافظتي طهران ومازندران

ذكرت وسائل إعلام ‌إيرانية ‌أن زلزالاً بقوة 4.6 درجة على مقياس ريختر ​وقع ‌في ⁠العاصمة ​الإيرانية طهران، ⁠اليوم (⁠الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (طهران)
العالم العربي منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية صباح الأحد لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر شعر بها عدد من المواطنين دون تسجيل أي خسائر

محمد السيد علي (القاهرة)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
TT

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)

دعا رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية وطنية واضحة تهدف إلى وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يواجه «معركة وجودية... يكون أو لا يكون»، تهدد بقاء الدولة ومستقبلها. وقال إن الكارثة الإنسانية التي تشهدها البلاد تفوق، من حيث الحجم والتداعيات، ما يحدث في قطاع غزة بفلسطين، مجدداً تأكيده على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد.

وجاءت تصريحات حمدوك خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية لاجتماع «قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي، حيث شدد على أهمية التوافق بين القوى المدنية والسياسية حول أهداف العملية السياسية، موضحاً أن هذه العملية ينبغي أن تبدأ بثلاثة مسارات مترابطة تشمل: الملف الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم إطلاق المسار السياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل ومستدام، مع ضرورة توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية.

صورة جماعية للقيادات المشاركة في إعلان نيروبي (تحالف صمود)

وتركز اجتماعات «قوى نيروبي» على تنسيق العمل المشترك بين القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية، بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وقال حمدوك إن «هناك العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تتناول الشأن السوداني، من بينها مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى منابر دولية أخرى»، لكنه قال إن أهم هذه المبادرات هي «الرباعية» التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، «نظراً لأنها وضعت خريطة طريق واضحة تستند إلى 5 مبادئ و7 التزامات رئيسية». وأضاف أن من أهم ما يميز هذه المبادرة هو موقفها الرافض لإشراك الأطراف التي «خربت الحياة السياسية»، في إشارة إلى جماعات الإسلام السياسي.

كما أعرب حمدوك عن تقديره لدول الجوار السوداني التي استضافت ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، داعياً إلى إجراء نقاش وطني واسع حول خريطة الطريق السياسية وأهدافها والأطراف المشاركة فيها، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة وذات مصداقية. وحذّر من أن فشل القوى المدنية في التوافق على رؤية موحدة سيؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية على السودان دون إرادة السودانيين.

من جانبه، أكّد رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، أن الأولوية الوطنية الراهنة تتمثل في وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، داعياً إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، ومشدداً على ضرورة التصدي لأي مخططات تستهدف تقسيم البلاد. بدوره، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق وآليات واضحة لوقف الحرب، مؤكداً أهمية معالجة الجذور التاريخية للأزمة السودانية وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو المؤقتة.

وفي وقت سابق، اتفقت قوى «إعلان مبادئ نيروبي» على ضرورة تطوير المبادرة وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الداعمة للسلام والاستقرار، مع استثناء حزب المؤتمر الوطني المعزول. كما تضمنت المبادئ التأكيد على ضرورة الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن حزمة واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب اشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في ترتيبات ما بعد وقف الحرب. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن «تحالف صمود»، وحزب الأمة القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان، والتجمع الاتحادي، ومنسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، وهيئة محامي دارفور، إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.


التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
TT

التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

لا يزال التصعيد القائم في المنطقة وصعوبات التكهن بتسوية الحرب الإيرانية، يربكان رهانات خفض أسعار الفائدة في مصر، بعد أن لجأ البنك المركزي المصري لتثبيت «سعر الفائدة» للمرة الثانية على التوالي.

ووفق اقتصاديين، فإنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة»، وأشاروا إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار الأوضاع الإقليمية على وضعها».

وقررت «لجنة السياسات النقدية» بالبنك المركزي المصري في اجتماعها مساء الخميس «الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير»، وأشارت اللجنة في إفادة لها إلى أن «القرار جاء متسقاً مع رؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين».

وبحسب القرار، سيتم تثبيت سعرَي عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00 في المائة، و20.00 في المائة، و19.50 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المائة»، حسب البنك المركزي.

وهذه هي المرة الثانية التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة بعد قرار اللجنة في أبريل (نيسان) الماضي الإبقاء على أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، على وقع تداعيات الحرب الإيرانية، لينهي سلسلة انخفاض تدريجي لأسعار الفائدة من مستوياتها المرتفعة بدأت في أبريل (نيسان) 2025.

وتعقد «لجنة السياسات النقدية» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع، ويتبقى لها 5 اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

ووفق «عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، فإن «حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة وعدم حسم ملف الحرب الإيرانية يسببان ارتباكاً لدى القائمين على السياسات النقدية».

وقال جاب الله لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صعوبات في وضع معايير اقتصادية يمكن البناء عليها في خطط التوسع بالاستثمارات وفي الغذاء والأسمدة»، مشيراً إلى أن «خريطة الاقتصاد العالمي شبه متوقفة لحين وضوح الرؤية على الصعيدين الإقليمي والدولي».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على «فيسبوك»)

ورأى جاب الله أنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة بمصر، في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة»، وأضاف أن «البنك المركزي لا يستطيع خفض الفائدة في الوقت الراهن لتأثير هذا القرار على زيادة معدلات التضخم»، مشيراً إلى أن «التضخم سيرتفع بنسب كبيرة حالة خفض الفائدة، نتيجة خروج جانب من الودائع والمدخرات في أنشطة استهلاكية».

وتراجع معدل التضخم في مصر بشكل طفيف الشهر الماضي بعد أن سجل في المدن المصرية على أساس سنوي 14.9 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي، في حين تراجع على أساس شهري إلى 1.1 في المائة في أبريل الماضي، مقابل 3.2 في المائة في مارس الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويعتقد جاب الله أن قرار «المركزي» تثبيت سعر الفائدة «خيار طبيعي في ظل توقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي»، ويشير إلى أن «(لجنة السياسات النقدية) رأت أن معدلات التضخم القائمة في الأسواق تطور عارض بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء على وقع الحرب الإيرانية».

حركة الأسواق تتأثر في مصر بسبب زيادة الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ويرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أنه «لم يعد خيار خفض الفائدة مطروحاً في ظل الأضرار الاقتصادية للحرب الإيرانية، وتراجع معدلات النمو وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع معدلات التضخم نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة دفع البنك المركزي لتثبيت الفائدة»، وأشار إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار حالة عدم اليقين الحالية».

ويوضح أن «الحكومة تستهدف من تثبيت سعر الفائدة الحفاظ على مستوى التشدد النقدي لإحكام السيطرة على التضخم بالأسواق»، ويشير إلى أن «قرار التثبيت يساهم في تباطؤ حركة السيولة النقدية بالأسواق».

وعدّ بدرة أن ذلك «يساهم في عدم رفع أسعار السلع بالأسواق بشكل مبالغ فيه، وسط تحديات سلاسل الإمداد القائمة».