«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

صدمة الأيام الأولى تركت مكانها لشعور بالخوف وأمل في المستقبل

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» في المناطق المنكوبة بعد شهر من زلزال «الأطلس الكبير» بالمغرب

منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)
منازل مدمرة في «تلات نيعقوب» (الشرق الأوسط)

بعد مرور شهر على «زلزال الأطلس الكبير»، الذي ضرب المغرب، ليلة الجمعة - السبت 8 و 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وخلَّف خسائر بشرية ومادية فادحة، تبدو العودة إلى المناطق الأكثر تضرراً من الفاجعة أشبه بمحاولة إلقاء نظرة على جرح لم يندمل بشكل كامل... وبعد الاهتمام العالمي والمتابعات الإعلامية الواسعة لهذه الكارثة الطبيعية، لم يكن للذاكرة الفردية والجماعية للمغاربة وغيرهم، إلا أن تحفظ أسماء قرى ودواوير (كفور) تضررت أكثر من غيرها بالزلزال، وخصوصاً «أمزميز» و«مولاي إبراهيم» و«أسني» و«وريغان» و«إجوكاك» و«تلات نيعقوب» و«تنمل»، وغيرها من القرى والدواوير المحيطة بها في إقليم الحوز.

خيام تتوسط دواوير «كفور» تأثرت بالزلزال (الشرق الأوسط)

وحين يتعلق الأمر بزلزال مدمر، لا يكفي شهر واحد لتجاوز صدمة الساعات الأولى، خصوصاً بالنسبة لمن عانى ويلات الكارثة، في الوقت الذي ترك سيل التقارير والصور والمشاهد المتداولة، التي أظهرت قوة الهزة الأرضية التي ضربت أقاليم مراكش والحوز وشيشاوة وأزيلال وتارودانت، وشعر بها المغاربة في محيط يتعدى 400 كيلومتر، انطلاقاً من بؤرته في بلدة «إيغيل» وما جاورها، شعوراً بالحزن في النفوس.

زيارة أكثر المناطق تضرراً بفعل الزلزال، انطلاقاً من مراكش، لا يمكن إلا أن تتولد عنها مشاعر، تجمع بين الأسى والمواساة والتعاطف والتضامن. وصولاً إلى تحناوت، ومنها مباشرة، تنتشر خيام، أكثرها باللونين الأصفر والأزرق، وضعتها السلطات رهن إشارة من دُمرت منازلهم، ضمن عدد من الإجراءات المهمة والنوعية، التي أظهرت قدرة السلطات المغربية على التعامل السريع والجيد مع الأزمات. المسافة الفاصلة بين مراكش و«تلات نيعقوب»، تبلغ 100 كيلومتر، وتتطلب أكثر من ساعتين ونصف ساعة بالسيارة، وتمر عبر عدد كبير من القرى والدواوير والتجمعات السكنية المتناثرة وسط مرتفعات إقليم الحوز.

خيام وتصليحات وطرق مفتوحة (الشرق الاوسط)

في «أسني»، ينقل مشهد مجموعات متفرقة من التلاميذ، وهم في طريق العودة من المخيم الدراسي إلى منازلهم، الإصرار على تجاوز المحنة. على بعد خطوات من الثانوية الإعدادية «الأطلس الكبير»، التي أغلقت أبوابها مكرهة، وفي ساحة قريبة من «دوار لعرب»، تعم حركة لافتة للانتباه.

وفي الفضاء الذي يحتضن المستشفى العسكري. وبالقرب منه، كان هناك صغار في غاية الفرح، بعد أن استعادوا متعة اللعب في كيان ترفيهي تم وضعه رهن إشارتهم، اعتباراً لوضعيتهم النفسية، بعد الكارثة الطبيعية التي ضربت المنطقة.

مباشرة بعد مغادرة «أسني»، تصير الطريق أكثر وعورة وصعوبة... عند الوصول إلى «ويرغان» تبدو الأمور أصعب، فيما ترتفع كمية الدمار الذي ضرب البنايات. التجمعات السكنية المتناثرة على طول الطريق، تطغى عليها الألوان الزرقاء والصفراء والبيضاء والخضراء، الخاصة بالخيام التي تم نصبها لإيواء المتضررين. ومقارنة مع الأيام الأولى للزلزال، يبدو أن جهود السلطات في تيسير التنقل وفك العزلة عن البلدات المتضررة قد أثمرت، بعد الانسيابية الملحوظة التي صارت على مستوى حركة السير بعدد من المناطق الوعرة في المرتفعات. السيارات التابعة للدولة أو الخاصة، أو تلك التابعة للجمعيات، المحملة بالمساعدات وغيرها، صوب المناطق المتضررة، لا تتوقف. للمغاربة قدرة عجيبة على تجاوز المآسي والتعامل معها. يتسلحون، في سبيل ذلك، بالصبر عند الملمات والتضامن مع بعضهم بعضاً، مع إيمان بأن المحنة يمكن أن تتحول إلى منحة، وأن بعد العسر يسراً. لذلك سارعوا إلى التضامن وتقديم المساعدة لمن هم في حاجة إليها من المتضررين، كما حمدوا الله كثيراً، وهللوا لعيون الماء والشلالات العديدة التي تفجرت في أكثر من مكان بالمناطق التي تضررت بفعل الزلزال.

عيون ماء تفجرت بعد زلزال الحوز (الشرق الأوسط)

في مكان يقال له «تلات النص»، وسمي كذلك لأنه يقع بين «أسني» و«تلات نيعقوب». قال رجل في الخمسينات من العمر، واسمه إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن عيون مياه كثيرة «خفف بها الله على الناس ضرر وأهوال الزلزال». وأضاف، أن المتضررين يعيشون في خيام، في انتظار أن تتحسن الأمور، بعد التدابير والإجراءات التي قررتها السلطات على مستوى الدعم وإعادة الإعمار وتنمية المناطق المتضررة. وشدد على أن الشهر المقبل «قد يكون صعباً على المتضررين في المرتفعات، بفعل برودة الطقس والتساقط المحتمل للثلوج».... وغير بعيد عن نبع الماء بـ«تلات النص»، كانت هناك عين أخرى يتدفق منها الماء نحو مجرى نهر «نفيس» القريب، بالقرب من «واد إمزوغني».

أحد سكان المنطقة، وكان أوقف دراجته النارية ليرتاح من تعب الطريق، تحت ظل شجرة قريبة قبل مواصلة السير، قال لـ«الشرق الأوسط»، وعبارات الشكر والحمد لله تؤثث لحديثه، إن النهر الذي يخترق المنطقة، الذي كان قد جفَّ في وقت سابق، استعاد ذاكرة الماء بعد الزلزال.

بعد شهر من وقوع الزلزال (الشرق الأوسط)

على مدى الطريق تنتصب لافتات، تعرف بأسماء عدد من الدواوير بالمنطقة، من قبيل «إمكدال» و«تكرامين» و«توك الخير» و«أنادن» و«تاركة» و«الحناين» و«أوتغري». عند الوصول إلى «إجوكاك»، بدت الدورة الاقتصادية شبه محدودة. سألت «الشرق الأوسط» صاحب محل لبيع المواد الغذائية عن السبب، فأشار إلى مطعم مقابل، وكان مغلقاً، بفعل تأثره بالزلزال. ثم تساءل، بتعب نفسي ظاهر، كيف تفتح المحلات أبوابها وأغلبها مدمر أو به شقوق.

قريباً جداً من البؤرة الرئيسية للزلزال، كان الخراب الذي حل بقرية «تلات نيعقوب» أكبر من أن يمنع الحزن والأسى. هنا، وعلى عكس مناطق أخرى، أكثر البيوت منهارة أو سويت بالأرض... في بعض الأحياء، الباب وحده صمد في وجه الزلزال، فظل واقفاً كما لو أنه ينتظر أحداً ما، في الوقت الذي انهار باقي المنزل. والمنازل التي انهارت بفعل قوة الزلزال ما زالت كما كانت في أولى أيام الكارثة. ما زالت ترقد منهارة، مثل ملاكم سقط فاقداً وعيه، بعد ضربة مباغتة، قاضية من خصم شديد البأس. يمكن القول إن المنازل تركت لمصيرها، بعد أن انتقل أصحابها للعيش تحت الخيام.

لا يملك زائر «تلات نيعقوب»، بعد شهر من الزلزال، إلا أن يتأمل الخراب، الذي لا تحتاج مشاهده إلى تعليق. كل بناية نالت نصيبها من الدمار. والنتيجة بنايات غير صالحة للسكن. هناك منازل في وضعية ميلان. بعضها لم يقاوم الزلزال كثيراً، فتحول إلى ركام. أخرى بدت أشبه بحلوى ألفية داس عليها فيل غاضب. بالقرب من محطة البنزين، التي نالت نصيبها من الخراب وحافظت مع ذلك على خدمة توزيع المحروقات، كانت هناك سيدة، رفقة مجموعة من الشبان، بصدد الحفر وسط ركام بناية تحولت إلى خراب. قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها تريد استعادة وثائق تخصها. قالت إن الخراب المنتشر يعمق المأساة النفسية للمتضررين وأهل المنطقة. «فقطـ لو يقوموا بعملية تشطيب لكل هذا الخراب. ذلك قد يساعد على نسيان الكارثة»، هكذا أضافت بحزن. بالقرب من المنزل المنهار، كانت هناك لافتة كتب عليها «منزل للبيع». قالت السيدة إن الإعلان وضعه مالك المنزل قبل أن يضرب الزلزال ضربته، ويزعزع الأرض والنفوس في أقل من 40 ثانية! وسط الخراب، يمكن التعرف بسهولة على طبيعة كل بناية مدمرة، وإن كانت منزلاً أو محلاً تجارياً، مثلاً. كانت هناك أفرشة وأوانٍ لم تعد صالحة للاستعمال. كما كانت هناك كراسي، يبدو أنها كانت توضع رهن إشارة زبائن مقهى أو مطعم. أما قوارير الغاز، من الحجمين الكبير والصغير، فتشير إلى أن الأمر يتعلق بمحل لبيع المواد الغذائية. كانت هناك، أيضاً، «مانيكانات» كانت تستعمل لعرض ملابس نسائية بغرض بيعها، داخل محلات تحولت بدورها إلى ركام.

من المنازل المهدمة (الشرق الاوسط)

غير بعيد عن محطة البنزين، في زقاق دمره الزلزال بالكامل، جلست سيدة فوق خراب بيتها، بينما كان شابان برفقتها، يستخرجان بعض الأغطية والأفرشة من تحت الركام. قال عبد العالي، أحد مرافقيها لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع سكان الزقاق انتقلوا للعيش في الخيام. وأضاف أن من المستحيل أن يستعيد هذا الزقاق طبيعته الأولى.

عن شعوره بعد شهر من وقوع الزلزال، قال عبد العالي إن الصدمة كانت قوية، «وإن الناس لم يسترجعوا كامل وعيهم بما حدث، بفعل تأثرهم بالخسائر البشرية والمادية».

على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من «تلات نيعقوب»، في اتجاه تارودانت، لم تكن قرية «تنمل» أحسن حظاً مع الزلزال، غير أنها حظيت بتعاطف كبير، بلغ صداه أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، بعد الدمار الذي لحق بمسجد «تنمل» التاريخي، الذي يوجد بها، والذي بني في القرن الثاني عشر الميلادي، خلال حكم الدولة الموحدية.

في «تنمل»، تركت العائلات منازلها المدمرة، لتعيش في خيام، نصب أكثرها في ساحة قريبة من المسجد التاريخي، الذي انهار بشكل شبه كامل، قبل أسابيع قليلة من انتهاء عملية ترميمه وتثمينه من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

حين سألت «الشرق الأوسط» شيخاً، اسمه حسن، كان في طريق العودة إلى دواره القريب، عن شعوره بعد مرور شهر على الزلزال، أجاب بأن الصدمة تركت مكانها لخوف لم يستطِع كثيرون التخلص منه. وقال إن ما حدث كان مفاجئاً ولم يكن بالأمر الهين، ثم استدرك، وابتسامة رضا تملأ وجهه: «الحمد لله على كل حال».


مقالات ذات صلة

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

العالم العربي منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية صباح الأحد لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر شعر بها عدد من المواطنين دون تسجيل أي خسائر

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية المطلة على البحر المتوسط.

محمد السيد علي (القاهرة)
آسيا شاشة تلفزيونية في طوكيو تعرض تقريراً لوكالة الأرصاد الجوية اليابانية يحذّر من موجة تسونامي بارتفاع 3 أمتار (رويترز)

اليابان تحذّر من زلزال «هائل» بعد هزة أرضية قوية تسببت بموجة تسونامي

ضرب زلزال بقوة 7.5 درجة منطقة قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان، ​اليوم، وحثت السلطات السكان على الابتعاد عن المناطق الساحلية بسبب توقعات بحدوث موجات تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
TT

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

حضر ملف الهجرة غير النظامية في صدارة محادثات وزير الخارجية اليوناني، جورج غيرابتريتيس، في طرابلس، مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» المكلّف طاهر الباعور؛ وذلك استباقاً لسلسلة اجتماعات مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي، ووزير النفط والغاز الطبيعي بالوكالة خليفة عبد الصادق.

الباعور ووزير خارجية اليونان خلال اجتماعهما في طرابلس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

وأكد الباعور خلال لقائه غيرابتريتيس، الاثنين، «حرص حكومته على الدفع بالعلاقات نحو آفاق أرحب مع اليونان، بما يعزز المصالح المشتركة ويخدم الاستقرار والتنمية في منطقة حوض البحر المتوسط»، مشيراً إلى أنهما بحثا مسار التعاون الثنائي وسبل تطويره وتوسيعه ليشمل مجالات استراتيجية.

وفي إطار ما وصفه بمعالجة التحديات المشتركة، قال الباعور، إن الجانبين «ناقشا ملف الهجرة غير النظامية، مؤكدين أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء، وتعزيز التعاون الأمني والفني، وتكثيف برامج التدريب، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة، بما يحقق التوازن بين البعد الإنساني والمتطلبات الأمنية».

كما بحثا أعمال اللجنة الفنية الليبية - اليونانية المشتركة لترسيم الحدود البحرية، «وأكدا التزامهما بمواصلة الحوار البنّاء بروح إيجابية، استناداً إلى قواعد القانون الدولي، وبما يعزز الاستقرار ويخدم المصالح المشتركة للبلدين».

وتناول الاجتماع دور الشركات اليونانية في دعم جهود إعادة الإعمار داخل ليبيا، في إطار خطة حكومة الوحدة، حيث «تم التأكيد على أهمية تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، لا سيما في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى فرص التعاون في مجالات الصحة والسياحة والخدمات اللوجستية».

كما شددا على ضرورة «تسهيل عودة الشركات اليونانية إلى السوق الليبية، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة، وتعزيز الربط البحري، بما يسهم في تنشيط حركة الأفراد والبضائع، ودعم التبادل التجاري، وتوطيد الشراكة الاقتصادية بين البلدين».

وتعدّ زيارة المسؤول اليوناني إلى طرابلس امتداداً مباشراً لزيارته الأخيرة إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي، حيث التقى قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وافتتح المبنى الجديد للقنصلية اليونانية، في خطوة تعكس رغبة أثينا في الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.

«المجلس الرئاسي»

بدوره، كثف رئيس «المجلس الرئاسي» المنفي من مشاوراته الدبلوماسية في العاصمة طرابلس، حيث استقبل سفراء كل من بريطانيا، وقطر، وفرنسا وإيطاليا في لقاءات منفصلة، ركزت في مجملها على معالجة الانسداد السياسي وبحث سبل تنفيذ ميزانية وطنية موحدة.

المنفي مستقبلاً سفير إيطاليا لدى ليبيا 26 أبريل (المجلس الرئاسي)

وقال «المجلس الرئاسي»، مساء الأحد، إن المحادثات مع السفراء البريطاني مارتن رينولدز، والقطري خالد الدوسري، والفرنسي تيري فالات والإيطالي جيان لوكا ألبريني، ناقشت «ضرورة استناد أي مبادرة سياسية، بما في ذلك جهود بعثة الأمم المتحدة، إلى قواعد قانونية ودستورية متينة لتجنب الطعون القانونية في نتائج أي انتخابات مستقبلية».

كما شدد المنفي، على «توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية وتنفيذ الميزانية الموحدة»، ونُقل عن السفراء «دعم بلدانهم لجهود المجلس الرئاسي في تحقيق الاستقرار، مع التركيز على المسار التوافقي الشامل».

وتأتي هذه الاجتماعات في حين يواجه المنفي محاولات لإقصائه ضمن مبادرة يتبناها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، وتهدف إلى تشكيل حكومة موحدة و«مجلس رئاسي» جديد برئاسة الفريق صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، مقابل إبقاء عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة؛ ما يعني فعلياً إقصاء المنفي من موقعه.

ويرفض المنفي هذه المبادرة، عادَّاً إياها «تجاوزاً للمسار الأممي والانتخابي»، بينما يرى مؤيدوها، أنها «خطوة براغماتية لتوحيد المؤسسات وسط الانسداد السياسي المستمر منذ 2011 ».

وحسب وسائل إعلام محلية، فمن المقرر أن تبدأ المبعوثة الأممية هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري جولة في الغرب الليبي، تشمل زيارة إلى مدينة مصراتة يومي الثلاثاء والأربعاء، وستليها زيارات لمدينتي الزاوية والزنتان.

في شأن مختلف، عاد الهدوء الحذر إلى منطقة الزرامقة بمدينة العجيلات شمال غربي ليبيا، بعدما اندلعت اشتباكات مسلحة فجر الاثنين بين عناصر تابعة لنائب رئيس «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» محمد بحرون، الملقب بـ«الفأر»، وعناصر محلية من المنطقة، استخدمت فيها أسلحة ثقيلة ومتوسطة بما في ذلك مدافع الهاون.

وأفادت مصادر محلية وشهود عيان، بأن «الاشتباكات التي توقفت لاحقاً تسببت في إصابة عدد غير معلوم من السكان وتضرر منازل مدنية»، مع دخول أرتال مسلحة قادمة من مدينة الزاوية لدعم مجموعة «الفأر».

ولم ترد تقارير فورية عن سقوط قتلى في هذه المواجهة، التي دفعت إدارة «مدرسة العجيلات الشمالية»، بالإضافة إلى كلية التربية بالمدينة، إلى تعليق الدراسة بشكل كامل.

وتأتي هذه الاشتباكات في سياق التوترات الأمنية المتكررة التي تشهدها مدن الساحل الغربي الليبي، حيث تتنافس مجموعات مسلحة على النفوذ والموارد وسط ضعف سيطرة الحكومة التي التزمت الصمت.


هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اتسعت تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة، وتصاعدت معها المخاوف من نقص الإمدادات، وفي مواجهة ذلك برزت ليبيا مجدداً بوصفها أحد المفاصل الحيوية في معادلة النفط الدولية، بما تملكه من احتياطات وقدرة على لعب دور بديل في سد الفجوات التي قد تفرضها التحولات المتسارعة.

في قلب هذا المشهد المعقّد، تتبلور قراءات دولية حول موقع ليبيا في حسابات القوى الكبرى، ليتجاوز التساؤل حدود الدور الاقتصادي العابر إلى أبعاد استراتيجية أعمق تتعلق بمدى إمكانية تحوّلها- وهي المثقلة بالانقسامات- إلى «ورقة رابحة» بيد بعض الأطراف، من بينها ترمب، لإعادة ضبط توازنات الطاقة العالمية.

صدام حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي 25 يناير الماضي (القيادة العامة للجيش)

بداية، يربط متابعون ليبيون بين التحرك الدبلوماسي الأميركي في ليبيا وملف الطاقة، بوصفه «الورقة المستهدفة»، مشيرين إلى أن الأزمة السياسية تمثل «الباب الذي تنفذ منه قوى دولية، من بينها أميركا، إلى مشاريع النفط الليبي».

هذا المسار اتبعه موقع «ذا هيل» الأميركي، الذي أشار إلى أن «تناحر الحكومتين المتنافستين في ليبيا وسيطرة الميليشيات على البنية التحتية في البلاد، ما يؤدي إلى تعطيل الإنتاج وتثبيط الاستثمارات، يمثل فرصة فريدة ومهمة أمام ترمب». بل إن «ذا هيل» عدّ ليبيا «فرصة نادرة للتوافق بين الفرص والجدوى. فهي، على عكس إيران، ليست خصماً راسخاً، وعلى عكس فنزويلا، لا تُعرّف بمعارضة أيديولوجية للتدخل الأميركي. بل هي دولة مُجزأة تتشارك فصائلها المتنافسة حافزاً مشتركاً: استعادة إنتاج النفط وعائداته».

الدبيبة مستقبلاً بولس 30 أكتوبر 2025 (مكتب الدبيبة)

وأعلنت «المؤسسة الوطنية للنفط» في ليبيا في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي، عن ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز بالتعاون مع شركات طاقة كبرى من إيطاليا وإسبانيا والجزائر.

وحافظت ليبيا على الصدارة في قائمة الدول الأفريقية لاحتياطيات النفط المؤكدة بنحو 48.36 مليار برميل، بحسب النشرة الإحصائية السنوية لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».

مبالغة في التقديرات

وأمام ما ذهب إليه تقرير «ذا هيل» الأميركي المنشور في 14 من الشهر الحالي، يرى الخبير النفطي الليبي محمد الشحاتي، أن «هناك مبالغة في تقدير ما يمكن لليبيا أن تقدمه في سوق الطاقة العالمية، مقارنة بإمكاناتها من الاحتياطي والقدرة الإنتاجية».

ناقلة «ابن حوقل» الليبية (الشركة الوطنية للنقل البحري في ليبيا)

وقال، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «استقرار سوق الطاقة اليوم لا يتمحور في أوروبا أو أميركا، بل يميل أكثر إلى الأسواق الآسيوية نظراً لطبيعة الطلب ونموه. وهذا يرتبط بالعرض النفطي من منطقة الخليج العربي، سواء عبر مضيق هرمز أو بطرق أخرى».

وعبّر الشحاتي عن خشيته من أن «هناك أوساطاً تجارية أميركية تدفع إدارة البيت الأبيض نحو المغامرة في ليبيا بهدف فرض أو إدامة أوضاع سياسية واقتصادية مصطنعة لتمرير مصالح معينة».

في المقابل، يرى «ذا هيل» أن «التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة في ليبيا من شأنه أن يُطلق العنان للإنتاج النفطي، ويجذب الاستثمارات، ويوفر لأوروبا بديلاً موثوقاً وقريباً لخطوط الإمداد في الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي لا يزال مضيق هرمز نقطة اختناق، «تُقدم ليبيا ممراً متوسطياً معزولاً إلى حد كبير عن تقلبات منطقة الخليج».

قطاع الطاقة الأفريقي

ونوّه «ذا هيل» بأن «الفوائد لا تقتصر على الطاقة فقط، بل إن عدم الاستقرار في ليبيا خلق بيئة خصبة لنشاط التنظيمات المتطرفة، بما فيها «داعش» و«القاعدة». ومن شأن تحقيق الاستقرار أن يعزز التنسيق في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويدعم الأمن الإقليمي»، ويرى أن الأمر «سيسهم في مواجهة النفوذ المتزايد للصين وروسيا، اللتين تعملان على توسيع وجودهما في قطاع الطاقة الأفريقي. وتُعد ليبيا، نظراً لاحتياطاتها وموقعها الاستراتيجي مكسباً استراتيجياً مهماً».

مصفاة نفط في بلدة راس لانوف شمال ليبيا (أ.ف.ب)

وتنامى الدور الأميركي في ليبيا بشكل لافت عبر وساطات يجريها مسعد بولس مبعوث الرئيس دونالد ترمب للتقريب بين الأفرقاء السياسيين والعسكريين، فضلاً عن جهود في المسار الاقتصادي.

ووقّعت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس اتفاقاً لتطوير قطاع النفط يمتد على مدار 25 عاماً مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، في خطوة لم تخلُ من معارضة داخلية.

ودافع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة»، عن الاتفاق في حينه، متوقعاً تحقيق عائدات لا تقل عن 376 مليار دولار خلال 25 عاماً من بداية توقيعه.

ومواكبةً للتقلبات الدولية في سوق النفط، قال الخبير الليبي الشحاتي إنه «من المهم جداً في هذه المرحلة ألا تحدث أي انتكاسات في النظام الإنتاجي النفطي الليبي، ،بعد غلق مضيق هرمز، لأن أي تراجع فيه - لأسباب سياسية أو فنية - ستكون له آثار سلبية كبيرة على السوق العالمية للنفط».

«إيني شمال أفريقيا» تستأنف نشاط الحفر الاستكشافي في المنطقة المغمورة شمال غربي ليبيا - 5 أكتوبر 2025 (المؤسسة الوطنية للنفط)

وحذر الخبير الليبي من أن «أي اضطراب في إنتاج ليبيا لأي سبب، ستكون الدول الأوروبية من أكثر المتأثرين به، ما يهدد استقرار اقتصادها وأمن الطاقة لديها، خصوصاً في غياب المصدر الروسي تحت نظام العقوبات الأوروبي - الأميركي».

ورغم ذلك، انتهى «ذا هيل» إلى أنه «في خضم هذه اللحظة المضطربة التي تؤججها الحرب الإيرانية، لا تمثل ليبيا مجرد تحدٍّ آخر في السياسة الخارجية، بل هي حل استراتيجي».

وفي السادس من أبريل الحالي، أفادت «المؤسسة الوطنية للنفط» الليبي بارتفاع إنتاج النفط الخام في البلاد إلى أعلى مستوى في أكثر من عقد، ليصل إلى 1.43 مليون برميل يومياً.


مصر: عودة التشغيل التدريجي لرحلات الطيران إلى الخليج

عودة تدريجية لرحلات الطيران المصرية إلى المدن الخليجية (وزارة الطيران المدني)
عودة تدريجية لرحلات الطيران المصرية إلى المدن الخليجية (وزارة الطيران المدني)
TT

مصر: عودة التشغيل التدريجي لرحلات الطيران إلى الخليج

عودة تدريجية لرحلات الطيران المصرية إلى المدن الخليجية (وزارة الطيران المدني)
عودة تدريجية لرحلات الطيران المصرية إلى المدن الخليجية (وزارة الطيران المدني)

أعلنت شركة مصر للطيران عودة التشغيل التدريجي لرحلات الطيران إلى عدد من مدن دول الخليج، بعد توقفها نتيجة الحرب الإيرانية.

وقالت الشركة، الأحد، إنها ستبدأ تشغيل ثلاث رحلات يومية من مطار القاهرة الدولي إلى العاصمة السعودية الرياض، بدءاً من الأول من مايو (أيار) المقبل، إلى جانب ثلاث رحلات أسبوعية بين مطار الإسكندرية والرياض، بدءاً من العاشر من الشهر ذاته.

وكانت حركة الطيران بين القاهرة والدول الخليجية قد تأثرت بفعل الحرب الإيرانية التي اندلعت في نهاية فبراير (شباط) الماضي. وشهدت مطارات المنطقة أزمة سفر غير مسبوقة مع إغلاق المجال الجوي في عدد من الدول بسبب الأعمال العسكرية، وعلَّقت شركات طيران رحلاتها من وإلى مطارات رئيسية في الشرق الأوسط.

وتعهدت شركة مصر للطيران بإمكانية زيادة عدد الرحلات إلى الرياض خلال الفترة المقبلة، وفقاً لمعدلات التشغيل والطلب. كما أعلنت، الأحد، تشغيل رحلة يومية من القاهرة إلى الدوحة، بالإضافة إلى رحلتين يومياً إلى بيروت، بدءاً من غد الثلاثاء.

ولا تزال الرحلات الجوية معلّقة بين القاهرة والبحرين والكويت، لحين صدور قرار من سلطات الطيران المختصة في مصر وهذه الدول، وفق بيان «مصر للطيران».

وقال مستشار وزير السياحة المصري الأسبق، وليد البطوطي، إن العودة التدريجية لرحلات الطيران إلى عدد من المدن الخليجية تُعدّ «خطوة إيجابية ومهمة في هذا التوقيت».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة عدد الرحلات يعكس أن الأوضاع في هذه المدن باتت أكثر أماناً، مما يعزز حركة السفر بين القاهرة ودول الخليج. وتوقيت استعادة رحلات الطيران تدريجياً مهم، خصوصاً قبل موسم الحج، وموسم السياحة الصيفية التي تشهد إقبالاً عربياً وخليجياً على المدن المصرية».

وأشار البطوطي إلى أن زيادة رحلات الطيران ستفيد أيضاً الأسر المصرية والعربية العالقة التي لم تستطع العودة إلى بلادها بسبب ظروف حرب إيران، مضيفاً: «كان هناك عديد من رحلات الطيران المؤجلة بين عواصم الدول الخليجية والقاهرة، واستعادة حركة الرحلات وضعها الطبيعي تمثّل فرصة أمام عودة من يرغب في العودة إلى بلاده».