كتّاب من المغرب و«زلزال الحوز»: كادت الأرض أن تنسحِب من تحت أقدامنا

قالوا إنه ضرب التراب ولم يضرب العقول والقلوب

من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
TT

كتّاب من المغرب و«زلزال الحوز»: كادت الأرض أن تنسحِب من تحت أقدامنا

من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)

أربعون ثانية، وهي المدة التي استغرقها «زلزال الحوز»، الذي هزّ المغرب، يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الحالي، مخلفاً عدداً كبيراً من الضحايا، ودماراً في مناطق متفرقة بأقاليم ومحافظات الحوز، ومراكش، وشيشاوة، وتارودانت وورزازات، كانت كافيةكي تضع المغاربة، بمختلف طبقاتهم وأطيافهم، أمام أسئلة وتحديات ورهانات جديدة.

كان زلزالاً مفاجئاً في كل شيء، بالنسبة للمغاربة، الذين لم يكادوا يتخففون من مخاطر وتعقيدات الأزمة الصحية العالمية، جراء تفشي «كورونا»، حتى وجدوا أنفسهم أمام زلزال وضعهم أمام كارثة طبيعية لم تخطر لهم على بال.

الكاتب والمترجم محمد آيت لعميم (الشرق الأوسط)

وقد عبّر الكاتب والمترجم محمد آيت لعميم عن هذه الوضعية، حيث كتب على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «كورونا ألزمتنا البيوت، والزلزال أخرجنا منها لنلتحف سماءً بلا نجوم»، في إشارة إلى ليلة الزلزال التي فرضت على معظم المغاربة ترك بيوتهم وقضاء الليل في العراء؛ خوفاً من هزات ارتدادية مباغتة.

عاش المغاربة ليلة الزلزال بمشاعر تشترك في منسوب الذعر والخوف والهلع، قبل أن يلوذوا بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي لأخذ فكرة واضحة عن حجم الكارثة، والأضرار المادية والبشرية التي خلفتها. وعلى مدى الأيام التي تلت الفاجعة، لم يتأخر الكتّاب والفنانون المغاربة في التعبير عن المشاعر التي انتابتهم خلال هذه الكارثة الطبيعية، إما من خلال تقديم شهادات، كتابة تدوينات على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، أو نشر أعمال تشكيلية وصور، وكذا بورتريهات لوجوه طبعت الحدث بمواقفها النبيلة خلال الفاجعة.

 

 

الشاعر والروائي ياسين عدنان (الشرق الأوسط)

 

من مراكش، استعاد الشاعر والروائي ياسين عدنان تجربته مع الزلزال، والهزات الارتدادية التي تواصلت على مدى أسبوع، فكتب على حسابه بـ«فيسبوك»: «هذا الصباح، اهْتزَّت الأرضُ تحت أقدامنا من جديد. كنا نهيِّئ فطورنا على عجل حينما رُجّت بنا الأرض. كانت هزّةً بقوة 4.5 على مقياس ريختر. لم ندخل بيوتنا إلا بعدما طلع النهار. كانت الليلةَ الثانيةَ التي قضيناها في العراء. سيارتُنا مركونةٌ جنب البيت. رتّبْنا مجلساً في حديقةٍ صغيرةٍ تُجاور البيت، فيما اتّخذْنَا السّيارةَ مرْقداً. حين داهمَنا الزلزالُ أوَّلَ مرةٍ، لم تكن مجرّدَ رجَّةٍ. بل إنَّ الأرض كادت تنسحِبُ من تحت أقدامنا. ومثلما تترنّح الطائرة وهي تواجهُ مطبّاً هوائياً في الجو، ترنّحَ البيتُ بنا. لكنَّ بيتنا ليس طائراً ذا أجنحةٍ، فماذا يحدث بالضبط؟ ترنّح البيت بنا لمُدّة دقيقتين. ونحن في الطابق العلوي مذهولون لا نعرف كيف نُدَوْزِنُ خطواتنا، ولا كيف نقودها باتجاه سرير صَبيَّتِنا النائمة. وما كدنا نستفيق من الصّدمة ونتبيّن هولَ الحادث حتى انقطع التّيار الكهربائي. كانت أطول دقيقةٍ عشتُها في حياتي. وما إن وجدنا أنفسنا حافيَيْن في ظُلمة الشارع وبيان بين ذراعَيْ محاسن حتى تنفّسْنا الصُّعداء. كانت رجّةً عظيمة عرْبدَتْ فيها الأرض تحت أقدامنا: هزّةً بقوة 6.8. منذ تلك الهزّة حتى هذه اللحظة، ونحن عاجزون عن استعادة إحساسنا الاعتياديِّ بالأمان. في لحظةِ سأَمٍ وخصامٍ مع العالم، كتبتُ في قصيدتي (زهرة عبَّاد اليأس): (أينكَ أيها الزلزالُ الصَّديقُ/ أينكَ/ لأُبرْهِن أنِّي جديرٌ حقّاً بهذا اليأس/ ولندفنَ معاً/ هذا الحديدَ الأسودَ/ في الأعماق الحيّةِ لكبدِ الأرض؟/ أينكَ أيُّها الزلزالُ/ لآخُذَ بِيدِكَ؟/ أيْنكِ يا قذيفةَ الرّحمةِ/ لأزْرعكِ في أحشائي/ وأنامْ؟). لم يكن لي حينها سابِقُ لقاءٍ مع الزلزال. كان بالنسبة لي مُجرّدَ كلمةٍ في مُعْجمٍ. استعارةً. وليس لقاءً حيّاً مع الكارثة. اليومَ للكلمةِ جرْسٌ آخر في السَّمع والوجدان. فبعدما اهتزّت مراكش وأحوازُها، بعدما خَسَفَت الأرضُ بدواوير كاملة في مُحيط الحمراء، بعد حصيلةٍ مفجِعةٍ تُقارب الثلاثة آلاف قتيل، بعدما أعلنَ البلدُ حداداً وطنياً، أفكّرُ في الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات. أستحضرُ ديوانه الأول: (أبداً لنْ أساعدَ الزلزال). أنا اليومَ مُنحازٌ لموقفكَ الشِّعري يا بركات. سأسْحبُ جُملتي المُتنطِّعَة: (أينكَ أيها الزلزالُ لآخذَ بيدك؟) لأستعيدَ معك ارتيابَ الشعراء. وسأردِّد وراءك يا صديقي: (حَذِرٌ، ألوِّحُ مِنْ بعيد/ لأعوامٍ بعيدةٍ/ وأعرفُ - بالبداهة - أنني عمَّا قريب سأذهبُ مع الأشياء/ التي تبحثُ عن أسمائها فوق سماءٍ أجمَل/ ولن أساعد الزلزال!)».

سيرة الخلخلة

الشاعرة فدوى الزياني (الشرق الأوسط)

الشاعرة فدوى الزياني، التي تعيش في مراكش، وذاقت هي الأخرى مرارة الزلزال، كتبت عن تجربتها خلال ليلة الفاجعة: «رقصت بيوتنا رقصة الموت، هدأت لكننا لم نهدأ»، قبل أن تعود في تدوينة أخرى، لتكتب عن الذين قضوا تحت الركام: «لقد نجونا لكنهم لم يفعلوا». ثم استحضرت، في تدوينة لاحقة، قصيدة جميلة للشاعر مبارك الراجي، تحت عنوان «سيرة الخلخلة»، طرح في مطلعها سؤال: «ما معنى أن تملك جداراً، يسألك الزلزال؟».

وطن واحد ومغاربة أقحاح

لم يتوقف شعراء وكتاب المغرب عند التوثيق للمشاعر التي انتابتهم وهم يتابعون مشاهد الموت والدمار الذي ضرب مناطق متفرقة من الأقاليم القريبة من بؤرة الزلزال. كما كتبوا عن هبّة المغاربة، من داخل البلد وخارجه، لمساعدة المناطق المنكوبة على النهوض وتجاوز محنة الزلزال.

القاص سعيد منتسب (مواقع التواصل)

وتعبيراً منه عن تضامن المغاربة مع سكان المناطق المنكوبة، بشكل خفف عنهم أهوال الكارثة، كتب القاص سعيد منتسب على حسابه بـ«فيسبوك»: «لا شيء جعلهم ينتظرون أكثر. الهزّة جعلت الشعب يمشي بساقين طويلتين نحو الأعالي. الصورة زاخرة بالمعاني والدلالات، تمحي فيها الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. هبّوا جميعاً بمختلف أعمارهم وفئاتهم ليقولوا للعالم أجمع إن الزلزال حقاً ضرب التراب، لكنه لم يضرب العقول والقلوب، وذلك المعنى الجميل الذي لم يستطع (الفساد السياسي)، رغم فجوره الآثم، أن يقتلعه. لا شيء يستطيع أن يغطي عظام الكرامة إذا كانت مغربية، ولا أحد يستطيع أن يتغلب على الدم الأطلسي إذا انجذب بالكامل إلى تاريخه الضارب في عمق العزة. لم يقل أحد للزلزال (أين يمكن أن أجدك؟!)، ولم يحاول أي أحد أن يوقفه عند حده؛ لأن الإيمان بأن (الوطن واحد) أكبر من انهيار الجبل وما تلاه. أحصوا قتلاهم على مهل، ومشوا مشياً طويلاً دون كلام، بالخبز والزيت واللباس، بالحب والألم واليقين، بالثقة في الجهد، بالارتفاع في الإصرار، بالقليل والكثير، بالرجاء والدعاء، صعدوا صفاً يكاد لا ينتهي نحو الضوء. لم تكن جولة ممتعة، وكان الكل تقريباً يشعر بتلك الهزة تحت ساقيه، ومع ذلك لم يتوقفوا ولم يلتفتوا إلى أرقام الذين (اختفوا بعيداً)، مدفوعين بحب لا لبس فيه نحو (أمهاتنا) و(آبائنا) في الجبل، هؤلاء الذين إذا نظرت إليهم تقع في حضن بلادك ناصعة البياض إلى ما لا نهاية. إنه لشيء مذهل ألا تصدق أنك لن تهتدي، بعد تلك الهزة المؤلمة، إلى أصوات (لالة تودة) و(لالة إيجة) و(لالة إيطو) و(لالة عيشة) و(خالي إيشو) و(عمي باها)، وأنهم سيغيبون عنك مثل تلك الشمس التي لم تعرف وجهتها ذلك الصباح. لن يعلموك أن الوطن ليس جاحظ العينين دائماً، وأن خيراً عميماً يغزو كل واحد منا، وأن المغاربة الأقحاح لن يحتفظوا، في الملمات، بأبوابهم مغلقة... شكراً لبلادي، شكراً لشعبها العظيم... شكراً لكم لأن (عزتنا) لم تنكسر على الحجارة».


مقالات ذات صلة

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
أوروبا علم إيطاليا مرفرفاً (أرشيفية - رويترز)

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

هزت زلازل عدة جزر إيطالية بالبحر المتوسط في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (روما )
أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

استقبل رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأحد، اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع»، مرحباً بانضمامه للقوات المسلحة، وفق بيان مجلس السيادة.

وأكد البرهان، في بيان، أن الأبواب «مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني».

وكان اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، قد وصل، الأحد، إلى مناطق سيطرة الجيش بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مجتمعاً الأحد مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

وقبل استقبال البرهان له، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.