كتّاب من المغرب و«زلزال الحوز»: كادت الأرض أن تنسحِب من تحت أقدامنا

قالوا إنه ضرب التراب ولم يضرب العقول والقلوب

من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
TT

كتّاب من المغرب و«زلزال الحوز»: كادت الأرض أن تنسحِب من تحت أقدامنا

من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)
من مشاهد الخراب الذي خلفه زلزال الحوز («الشرق الأوسط»)

أربعون ثانية، وهي المدة التي استغرقها «زلزال الحوز»، الذي هزّ المغرب، يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الحالي، مخلفاً عدداً كبيراً من الضحايا، ودماراً في مناطق متفرقة بأقاليم ومحافظات الحوز، ومراكش، وشيشاوة، وتارودانت وورزازات، كانت كافيةكي تضع المغاربة، بمختلف طبقاتهم وأطيافهم، أمام أسئلة وتحديات ورهانات جديدة.

كان زلزالاً مفاجئاً في كل شيء، بالنسبة للمغاربة، الذين لم يكادوا يتخففون من مخاطر وتعقيدات الأزمة الصحية العالمية، جراء تفشي «كورونا»، حتى وجدوا أنفسهم أمام زلزال وضعهم أمام كارثة طبيعية لم تخطر لهم على بال.

الكاتب والمترجم محمد آيت لعميم (الشرق الأوسط)

وقد عبّر الكاتب والمترجم محمد آيت لعميم عن هذه الوضعية، حيث كتب على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «كورونا ألزمتنا البيوت، والزلزال أخرجنا منها لنلتحف سماءً بلا نجوم»، في إشارة إلى ليلة الزلزال التي فرضت على معظم المغاربة ترك بيوتهم وقضاء الليل في العراء؛ خوفاً من هزات ارتدادية مباغتة.

عاش المغاربة ليلة الزلزال بمشاعر تشترك في منسوب الذعر والخوف والهلع، قبل أن يلوذوا بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي لأخذ فكرة واضحة عن حجم الكارثة، والأضرار المادية والبشرية التي خلفتها. وعلى مدى الأيام التي تلت الفاجعة، لم يتأخر الكتّاب والفنانون المغاربة في التعبير عن المشاعر التي انتابتهم خلال هذه الكارثة الطبيعية، إما من خلال تقديم شهادات، كتابة تدوينات على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، أو نشر أعمال تشكيلية وصور، وكذا بورتريهات لوجوه طبعت الحدث بمواقفها النبيلة خلال الفاجعة.

 

 

الشاعر والروائي ياسين عدنان (الشرق الأوسط)

 

من مراكش، استعاد الشاعر والروائي ياسين عدنان تجربته مع الزلزال، والهزات الارتدادية التي تواصلت على مدى أسبوع، فكتب على حسابه بـ«فيسبوك»: «هذا الصباح، اهْتزَّت الأرضُ تحت أقدامنا من جديد. كنا نهيِّئ فطورنا على عجل حينما رُجّت بنا الأرض. كانت هزّةً بقوة 4.5 على مقياس ريختر. لم ندخل بيوتنا إلا بعدما طلع النهار. كانت الليلةَ الثانيةَ التي قضيناها في العراء. سيارتُنا مركونةٌ جنب البيت. رتّبْنا مجلساً في حديقةٍ صغيرةٍ تُجاور البيت، فيما اتّخذْنَا السّيارةَ مرْقداً. حين داهمَنا الزلزالُ أوَّلَ مرةٍ، لم تكن مجرّدَ رجَّةٍ. بل إنَّ الأرض كادت تنسحِبُ من تحت أقدامنا. ومثلما تترنّح الطائرة وهي تواجهُ مطبّاً هوائياً في الجو، ترنّحَ البيتُ بنا. لكنَّ بيتنا ليس طائراً ذا أجنحةٍ، فماذا يحدث بالضبط؟ ترنّح البيت بنا لمُدّة دقيقتين. ونحن في الطابق العلوي مذهولون لا نعرف كيف نُدَوْزِنُ خطواتنا، ولا كيف نقودها باتجاه سرير صَبيَّتِنا النائمة. وما كدنا نستفيق من الصّدمة ونتبيّن هولَ الحادث حتى انقطع التّيار الكهربائي. كانت أطول دقيقةٍ عشتُها في حياتي. وما إن وجدنا أنفسنا حافيَيْن في ظُلمة الشارع وبيان بين ذراعَيْ محاسن حتى تنفّسْنا الصُّعداء. كانت رجّةً عظيمة عرْبدَتْ فيها الأرض تحت أقدامنا: هزّةً بقوة 6.8. منذ تلك الهزّة حتى هذه اللحظة، ونحن عاجزون عن استعادة إحساسنا الاعتياديِّ بالأمان. في لحظةِ سأَمٍ وخصامٍ مع العالم، كتبتُ في قصيدتي (زهرة عبَّاد اليأس): (أينكَ أيها الزلزالُ الصَّديقُ/ أينكَ/ لأُبرْهِن أنِّي جديرٌ حقّاً بهذا اليأس/ ولندفنَ معاً/ هذا الحديدَ الأسودَ/ في الأعماق الحيّةِ لكبدِ الأرض؟/ أينكَ أيُّها الزلزالُ/ لآخُذَ بِيدِكَ؟/ أيْنكِ يا قذيفةَ الرّحمةِ/ لأزْرعكِ في أحشائي/ وأنامْ؟). لم يكن لي حينها سابِقُ لقاءٍ مع الزلزال. كان بالنسبة لي مُجرّدَ كلمةٍ في مُعْجمٍ. استعارةً. وليس لقاءً حيّاً مع الكارثة. اليومَ للكلمةِ جرْسٌ آخر في السَّمع والوجدان. فبعدما اهتزّت مراكش وأحوازُها، بعدما خَسَفَت الأرضُ بدواوير كاملة في مُحيط الحمراء، بعد حصيلةٍ مفجِعةٍ تُقارب الثلاثة آلاف قتيل، بعدما أعلنَ البلدُ حداداً وطنياً، أفكّرُ في الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات. أستحضرُ ديوانه الأول: (أبداً لنْ أساعدَ الزلزال). أنا اليومَ مُنحازٌ لموقفكَ الشِّعري يا بركات. سأسْحبُ جُملتي المُتنطِّعَة: (أينكَ أيها الزلزالُ لآخذَ بيدك؟) لأستعيدَ معك ارتيابَ الشعراء. وسأردِّد وراءك يا صديقي: (حَذِرٌ، ألوِّحُ مِنْ بعيد/ لأعوامٍ بعيدةٍ/ وأعرفُ - بالبداهة - أنني عمَّا قريب سأذهبُ مع الأشياء/ التي تبحثُ عن أسمائها فوق سماءٍ أجمَل/ ولن أساعد الزلزال!)».

سيرة الخلخلة

الشاعرة فدوى الزياني (الشرق الأوسط)

الشاعرة فدوى الزياني، التي تعيش في مراكش، وذاقت هي الأخرى مرارة الزلزال، كتبت عن تجربتها خلال ليلة الفاجعة: «رقصت بيوتنا رقصة الموت، هدأت لكننا لم نهدأ»، قبل أن تعود في تدوينة أخرى، لتكتب عن الذين قضوا تحت الركام: «لقد نجونا لكنهم لم يفعلوا». ثم استحضرت، في تدوينة لاحقة، قصيدة جميلة للشاعر مبارك الراجي، تحت عنوان «سيرة الخلخلة»، طرح في مطلعها سؤال: «ما معنى أن تملك جداراً، يسألك الزلزال؟».

وطن واحد ومغاربة أقحاح

لم يتوقف شعراء وكتاب المغرب عند التوثيق للمشاعر التي انتابتهم وهم يتابعون مشاهد الموت والدمار الذي ضرب مناطق متفرقة من الأقاليم القريبة من بؤرة الزلزال. كما كتبوا عن هبّة المغاربة، من داخل البلد وخارجه، لمساعدة المناطق المنكوبة على النهوض وتجاوز محنة الزلزال.

القاص سعيد منتسب (مواقع التواصل)

وتعبيراً منه عن تضامن المغاربة مع سكان المناطق المنكوبة، بشكل خفف عنهم أهوال الكارثة، كتب القاص سعيد منتسب على حسابه بـ«فيسبوك»: «لا شيء جعلهم ينتظرون أكثر. الهزّة جعلت الشعب يمشي بساقين طويلتين نحو الأعالي. الصورة زاخرة بالمعاني والدلالات، تمحي فيها الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. هبّوا جميعاً بمختلف أعمارهم وفئاتهم ليقولوا للعالم أجمع إن الزلزال حقاً ضرب التراب، لكنه لم يضرب العقول والقلوب، وذلك المعنى الجميل الذي لم يستطع (الفساد السياسي)، رغم فجوره الآثم، أن يقتلعه. لا شيء يستطيع أن يغطي عظام الكرامة إذا كانت مغربية، ولا أحد يستطيع أن يتغلب على الدم الأطلسي إذا انجذب بالكامل إلى تاريخه الضارب في عمق العزة. لم يقل أحد للزلزال (أين يمكن أن أجدك؟!)، ولم يحاول أي أحد أن يوقفه عند حده؛ لأن الإيمان بأن (الوطن واحد) أكبر من انهيار الجبل وما تلاه. أحصوا قتلاهم على مهل، ومشوا مشياً طويلاً دون كلام، بالخبز والزيت واللباس، بالحب والألم واليقين، بالثقة في الجهد، بالارتفاع في الإصرار، بالقليل والكثير، بالرجاء والدعاء، صعدوا صفاً يكاد لا ينتهي نحو الضوء. لم تكن جولة ممتعة، وكان الكل تقريباً يشعر بتلك الهزة تحت ساقيه، ومع ذلك لم يتوقفوا ولم يلتفتوا إلى أرقام الذين (اختفوا بعيداً)، مدفوعين بحب لا لبس فيه نحو (أمهاتنا) و(آبائنا) في الجبل، هؤلاء الذين إذا نظرت إليهم تقع في حضن بلادك ناصعة البياض إلى ما لا نهاية. إنه لشيء مذهل ألا تصدق أنك لن تهتدي، بعد تلك الهزة المؤلمة، إلى أصوات (لالة تودة) و(لالة إيجة) و(لالة إيطو) و(لالة عيشة) و(خالي إيشو) و(عمي باها)، وأنهم سيغيبون عنك مثل تلك الشمس التي لم تعرف وجهتها ذلك الصباح. لن يعلموك أن الوطن ليس جاحظ العينين دائماً، وأن خيراً عميماً يغزو كل واحد منا، وأن المغاربة الأقحاح لن يحتفظوا، في الملمات، بأبوابهم مغلقة... شكراً لبلادي، شكراً لشعبها العظيم... شكراً لكم لأن (عزتنا) لم تنكسر على الحجارة».


مقالات ذات صلة

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
أوروبا علم إيطاليا مرفرفاً (أرشيفية - رويترز)

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

هزت زلازل عدة جزر إيطالية بالبحر المتوسط في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (روما )
أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين، وإيماناً بالأهمية القصوى التي يمثلها استقرار الصومال لأمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي.

جاء ذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية بدر عبد العاطي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي تستضيفه تركيا.

وثمّن وزير الخارجية المصري عمق العلاقات التاريخية والأخوية، التي تجمع البلدين، مؤكداً دعم مصر الثابت لوحدة وسيادة الصومال ومؤسساته الوطنية، وسلامة أراضيه، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الصومال، أو تنتقص من سيادته.

كما شدد عبد العاطي على إدانة مصر لاعتراف إسرائيل بما يسمى «أرض الصومال»، وتعيين مبعوث دبلوماسي، باعتباره انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.

وكانت الخارجية الإسرائيلية قد قالت في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا وأذربيجان وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي. ومنذ ذلك الحين تعددت المواقف المصرية الفردية والجماعية الرافضة لتلك الخطوة واعتبرتها «باطلة»، وطالبت إسرائيل بالتراجع عنها.

وجدد وزير الخارجية المصري خلال لقائه شيخ محمود التزام بلاده بدعم الصومال، ومواصلة بناء القدرات في مجال إرساء الأمن والاستقرار، لا سيما في مواجهة تحديات الإرهاب والتطرف، بما يسهم في دعم الكوادر الوطنية وتعزيز الاستقرار والأمن. وشدد على أهمية مواصلة حشد تمويل كافٍ ومستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، بما يمكنها من الاضطلاع بمهامها على النحو المأمول، بالتزامن مع قرب نشر القوات المصرية بالبعثة.

في سياق ذلك، أشاد عبد العاطي بالزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية على مختلف المستويات، مشيراً إلى افتتاح خط مصر للطيران بين البلدين، والتوقيع على بروتوكول التعاون العسكري في أغسطس (آب) 2024، والانتقال الكامل للسفارة المصرية إلى مقديشو، فضلاً عن التوقيع على الإعلان السياسي، الخاص بترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في يناير 2025.


أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.