«سد النهضة»: مصر تتطلع لاتفاق «قانوني»... وإثيوبيا تتمسك بموقفها

جولة مباحثات ثانية في أديس أبابا بعد اجتماع القاهرة

وفد مصر خلال مباحثات القاهرة بشأن «سد النهضة» (وزارة الموارد المائية والري المصرية)
وفد مصر خلال مباحثات القاهرة بشأن «سد النهضة» (وزارة الموارد المائية والري المصرية)
TT

«سد النهضة»: مصر تتطلع لاتفاق «قانوني»... وإثيوبيا تتمسك بموقفها

وفد مصر خلال مباحثات القاهرة بشأن «سد النهضة» (وزارة الموارد المائية والري المصرية)
وفد مصر خلال مباحثات القاهرة بشأن «سد النهضة» (وزارة الموارد المائية والري المصرية)

يشهد سبتمبر (أيلول) المقبل جولة جديدة من مفاوضات «سد النهضة» بين مصر وإثيوبيا والسودان، للتوصل إلى اتفاق «قانوني» بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي، وذلك عقب انتهاء جولة اجتماعات القاهرة بين الدول الثلاث. في حين أبدى خبراء «عدم تفاؤل بالمفاوضات»، وذلك عقب «عدم الخروج بنتائج خلال جولة المفاوضات التي جرت في القاهرة (الأحد والاثنين) الماضيين». وذلك وسط ترجيحات من مراقبين بـ«التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث».

وقالت وزارة الموارد المائية والري المصرية (مساء الاثنين) إن «جولة المفاوضات التي اختتمت في القاهرة بخصوص (سد النهضة) لم تشهد (تغيرات ملموسة) في مواقف الجانب الإثيوبي». ووفق إفادة لـ«الري المصرية» فإن مصر ستواصل «مساعيها الحثيثة للتوصل في أقرب فرصة إلى اتفاق (قانوني ملزم) بشأن قواعد ملء وتشغيل (السد)، على النحو الذي يراعي المصالح والثوابت المصرية بالحفاظ على أمنها المائي والحيلولة دون إلحاق الضرر به، ويحقق المنفعة للدول الثلاث».

وأضافت وزارة الري بمصر أن هذا الأمر «يتطلب أن تتبنى جميع أطراف التفاوض ذات الرؤية الشاملة التي تجمع بين حماية المصالح الوطنية وتحقيق المنفعة للجميع، وبما ينعكس إيجاباً على جولات التفاوض المقبلة».

من جانبه قال المتحدث باسم «الري المصرية»، محمد غانم، في تصريحات متلفزة (مساء الاثنين)، إن «مواقف أديس أبابا تتوجه لتحقيق المصالح الإثيوبية بشكل (منفرد)»، مؤكداً أن «ذلك يأتي خلافاً للموقف المصري، الذي قدم كثيرا من المقترحات خلال جولة التفاوض؛ تستهدف تحقيق مصالح الدول الثلاث». وتابع: «نقدم مقترحات فنية، للوصول إلى اتفاق لتشغيل وملء (سد النهضة) يأخذ في الاعتبار شواغل الدول الثلاث، وهو ما نحرص عليه دائماً».

في المقابل، أكدت وزارة الخارجية الإثيوبية، أن «الأطراف تبادلت وجهات النظر من أجل التوصل إلى وضع (رابح) للجميع، كما اتفقت الوفود على استضافة إثيوبيا للجولة المقبلة من المفاوضات في سبتمبر المقبل بأديس أبابا». وأضافت «الخارجية الإثيوبية» في بيان لها، أن «أديس أبابا سوف تسعى جاهدة إلى اختتام المفاوضات الثلاثية على أساس مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل، مع ضمان حصتها (العادلة) من مياه النهر». ووفق المراقبين فإن «إثيوبيا تتمسك بمواقفها السابقة الخاصة بالتعامل مع الملف».

الوفد الإثيوبي خلال جولة مفاوضات القاهرة (وزارة الموارد المائية والري المصرية)

وتطالب مصر والسودان بتوقيع اتفاق «قانوني مُلزم» ينظم عمليتَي ملء وتشغيل «السد»، الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق (الرافد الرئيسي لنهر النيل)، ويهدد بـ«تقليص إمدادات المياه إلى البلدين، فضلاً عن التسبب في أضرار بيئية واقتصادية أخرى». في حين تدفع إثيوبيا بـ«حقها في التنمية، وتوليد الكهرباء التي يحتاج إليها شعبها».

وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجولة الأولى من المفاوضات الثلاثية انتهت في القاهرة من دون نتائج معلنة، وهو (أمر مكرر) أرى فيه إهداراً للجهد». وأبدى علام «عدم تفاؤله من هذه المفاوضات»، بقوله إن «الجانب الإثيوبي يزعم أنه يسعى لاتفاق يرضي دولتي المصب (مصر والسودان)، ورغم أن جولة المفاوضات التي عقدت بالقاهرة، بدأت بعد انتهاء إثيوبيا تقريباً مما يسمى بالملء الرابع لـ(السد) من دون مشاورات أو حتى تبادل للمعلومات».

واتفق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الشهر الماضي على «الشروع في مفاوضات (عاجلة) للانتهاء من اتفاق ملء (سد النهضة) وقواعد تشغيله». كما اتفقا أيضاً على «بذل جميع الجهود الضرورية للانتهاء منه خلال أربعة أشهر».

وهنا أشار وزير الري المصري الأسبق، إلى أن «نيات المفاوض الإثيوبي سوف تظهر خلال الفترة المقبلة»، لافتاً إلى أن «المفاوض المصري سيقف حائط صد ضد أي مساس بحقوق مصر المائية»، داعياً إلى ضرورة «وجود مراقبين دوليين خلال جولة المفاوضات المقبلة ليعلنوا الحقائق للعالم».


مقالات ذات صلة

مصر تقلل من مخاطر اتفاق إثيوبيا وأميركا «الدفاعي» على «أزمة السد»

العالم العربي الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مصر تقلل من مخاطر اتفاق إثيوبيا وأميركا «الدفاعي» على «أزمة السد»

أثار اتفاق دفاعي بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، تساؤلات حول الموقف المصري الذي يقف في خصومة مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

كررت مصر، خلال أسبوعين، الحديث عن حقها في منع أي تحركات لأديس أبابا على نهر النيل، مؤكدة أنها تمتلك «حق الدفاع الشرعي» في مواجهة أي سدود إثيوبية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحليل إخباري توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

توترات متصاعدة بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية تصريحات إثيوبية تحدثت عن «السيطرة على تدفقات مياه النيل» والرد المصري الذي حذر من المُضي قدماً بهذه الخطط.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة (رويترز)

مخططات إثيوبيا لسدود جديدة على النيل تزيد الارتباك مع مصر

ردت القاهرة بشكل حاسم على تقارير إخبارية بشأن اعتزام إثيوبيا بناء سدود جديدة على نهر النيل، مؤكدة أنها «لن تسمح بذلك».

محمد محمود (القاهرة)

السيسي: القوات المسلحة جاهزة للدفاع عن مصر ضد أي تهديد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالية سابقة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالية سابقة (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: القوات المسلحة جاهزة للدفاع عن مصر ضد أي تهديد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالية سابقة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالية سابقة (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن «القوات المسلحة على أتمّ الجاهزية والاستعداد للدفاع باقتدار عن مصر ومقدراتها ضد أي تهديد خارجي».

وقال: «أتابع عن كثب وبشكل مباشر ومستمر، مستويات الجاهزية القتالية والكفاءة الميدانية، ولم يكن اهتمامي حكراً على مؤسستنا العسكرية، بل يمتد إلى باقي شؤون الدولة لتحسين الأوضاع، وتقديم حلول جذرية للمشكلات المتراكمة والموروثة عبر العقود، وكذلك العمل باستمرار على علاج ما يظهر من قصور عند أداء الخدمات للمواطنين».

ووجه السيسي، في كلمة له خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف الذي أقامته وزارة الأوقاف بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، الأربعاء، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وعدد من الوزراء والمسؤولين، الحكومة «لإعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في كل قطاعات العمل بالدولة خلال السنوات الماضية وعرضها بمؤتمر على المواطنين خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، للوقوف بصورة شاملة على حجم الجهود المبذولة والأموال المنفقة والنتائج المحققة».

وأوضح أن «هذا المؤتمر سوف يمثل فرصة للدولة والحكومة للتحدث مع المواطنين».

وطمأن المصريين مجدداً، بشأن «يقظة الدولة بكل أجهزتها إزاء كل ما يتعلق بأمننا القومي»، مؤكداً «نبذل قصارى الجهد للنهوض بالدولة وتطويرها في المجالات كافة، ونسعى بشكل حثيث وبإخلاص لتحسين ظروف معيشة المواطنين».

وتابع السيسي: «لا أقلق على مصر من التحديات الخارجية ما دام هناك إدراك ووعي وفهم من جانب الشعب والرأي العام للأمور التي تُحاك ضد الدولة».

وأشار إلى أن «من يتناولون الشأن المصري في الإعلام المناوئ غير صادقين، ومن يتحدث بغير صدق أو يروج الشائعات بهدف خراب الأمة سوف يُحاسب أمام الله، فلا يوجد دين يقام بالخراب والفساد والدمار والقتل».

من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وأوضح السيسي: «نحن كدولة لا نسوق الحجج، وكنت قد طلبت منذ أشهر من الحكومة موافاتي بحجم المديونية للدولة المصرية سواء أكان الدين داخلياً أو خارجياً ومقارنته بحجم الدعم الذي قدمته الدولة طوال الخمسين عاماً الماضية».

كما يلفت إلى أن «الناس تستفسر عما إذا كنا نسير بخطى مناسبة وفي الطريق الصحيح، وهنا أقول إننا بذلنا الجهد وما وُفقنا فيه فهو فضل من الله، وما لم نوفق فيه فأسأل الله أن يجبر تقصيرنا».

الرئيس المصري تحدث أيضاً في كلمته عن «السوشيال ميديا»، وقال: «هناك فوضى في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في المعرفة والطرح والإلمام بالتحديات التي واجهت مصر خلال الخمسين عاماً الماضية، وهناك أهمية أن يكون الشعب مستعداً لتحمل تبعات الإصلاح والتغيير».

فنادق وبنوك ومكاتب على نهر النيل في القاهرة (رويترز)

وطالب السيسي بـ«ضرورة المتابعة المستمرة والوثيقة لمسألة احترام العقود المبرمة مع المواطنين ارتباطاً بالمشروعات العقارية وعدم التأخير في تسليم الوحدات وإنشاء البنية الأساسية والمرافق».

كما وجه وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، بالإشراف المباشر على فواتير الكهرباء، وتجنب التقدير الجزافي وتسهيل عملية تسديد المواطنين للمبالغ المتأخرة المستحقة عليهم بما في ذلك النظر في إمكانية سداد المتأخرات.

كذلك شدد الرئيس المصري على «ضرورة الانتهاء من مشاريع النقل الجماعي كافة في الأطر الزمنية الموضوعة لها، ووضع الإرشادات وتحسين حالة الطرق».

السيسي طمأن المصريين مجدداً بشأن يقظة الدولة إزاء كل ما يتعلق بالأمن القومي (الشرق الأوسط)

وطالب السيسي كل مسؤول في موقعه بـ«إنفاذ القانون بمنتهى الحزم»، وقال: «لا موضع بيننا لفاسد ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب أو يعبث بمقدرات الوطن».

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة المصرية، الأربعاء، تم تكريم عدد من علماء الأزهر ووزارة الأوقاف بمنحهم وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

Your Premium trial has ended


أعباء المعيشة تربك استعداد الليبيين للعام الدراسي الجديد

وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)
وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)
TT

أعباء المعيشة تربك استعداد الليبيين للعام الدراسي الجديد

وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)
وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)

تستعد الأسر الليبية لاستقبال العام الدراسي الجديد وسط ضغوط معيشية متزايدة، مع ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وشح السيولة، وتراكم الالتزامات المالية، بالتزامن مع أزمات يومية تتعلق بانقطاع الكهرباء والمياه.

هذه الأعباء المعيشية تجعل العودة إلى المدارس عبئاً إضافياً يربك ميزانيات الأسر، التي تجد نفسها أمام ضغوط حياتية، ونفقات متزايدة قبل أسابيع من عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، بحسب متابعين.

ومع اقتراب موعد الدراسة، المقرر في 13 سبتمبر (أيلول) المقبل، بدأت محال بيع القرطاسية والملابس المدرسية استقبال الأسر الراغبة في تجهيز أبنائها، وسط شكاوى تنقلها وسائل إعلام محلية وحسابات ليبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي من ارتفاع الأسعار مقارنة بالعام الماضي.

شكاوى ارتفاع الأسعار نقل جانباً منها المواطن الليبي، سالم مفتاح، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مبرزاً أن سعر الحقيبة المدرسية ذاتها من حيث الجودة والخامة ارتفع من نحو 85 ديناراً العام الماضي إلى 135 ديناراً هذا العام، بزيادة تقارب 58.8 في المائة. (سعر الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية و 9.36 دينار في الموازية).

وأضاف مفتاح: «اضطررت إلى شرائها لابنتي رغم ارتفاع سعرها، لأنني لا أريد أن تتعرض حقيبتها للتلف، أو التمزق خلال العام الدراسي»، وهذا ما ينطبق على الكثير من مستلزمات الدراسة، بحسب تعبيره.

تراكم الالتزامات المالية تجعل العودة إلى المدارس عبئاً إضافياً يربك ميزانيات الليبيين (إ.ب.أ)

ولا تبدو كلفة الحقيبة أو الزي المدرسي منفصلة عن الضغوط الاقتصادية، التي تعيشها الأسر، إذ تأتي الاستعدادات في ظل ارتفاع عام في تكاليف المعيشة، وصعوبات في توفير السيولة، إلى جانب تأخر بعض المرتبات وتراكم الأقساط والالتزامات، وهو ما يجعل تجهيز أكثر من طالب داخل الأسرة تحدياً أكبر.

وينقل ولي الأمر أسامة الشكماك (49 عاماً) جانباً من هذه المعاناة، قائلاً إن ولي الأمر الذي تراكمت عليه الديون والالتزامات يجد نفسه مطالباً في الوقت ذاته بتوفير ملابس وحقائب وقرطاسية، ومصاريف يومية لأبنائه، متسائلاً عن كيفية استقبال العام الدراسي في ظل هذه الأعباء.

هذه الارتفاعات في أسعار مستلزمات المدارس هذا العام بدت بحسب تقديرات أحمد الكردي، رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك في ليبيا، ضمن «موجة غلاء طالت مختلف السلع»، موضحاً أن تكاليف النقل والمواصلات ونقص مادة الديزل يمثلان أحد أبرز الأسباب، التي دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وأثقلت كاهل الأسر مع اقتراب العام الدراسي.

وأضاف الكردي لـ«الشرق الأوسط» أن عدم توافر الوقود بصورة كافية يضطر أصحاب المركبات ووسائل النقل إلى البحث عنه في السوق بأسعار مرتفعة، إذ يتراوح سعر لتر الديزل في السوق الموازية ما بين 8 و10 دنانير، مقارنة بالسعر الرسمي 15 قرشاً، وهو ما يخلق فارقاً كبيراً في تكلفة نقل البضائع من مناطق الإنتاج أو الاستيراد إلى الأسواق.

وأوضح أن هذا الفارق في أسعار الوقود لا يتحمله الناقل وحده، وإنما ينعكس في النهاية على المستهلك، حيث يضيف التجار تكلفة النقل إلى أسعار السلع، بما فيها الحقائب والملابس والقرطاسية والمستلزمات المدرسية. وقال إن استمرار هذه الظروف يجعل الأسر أمام أعباء متزايدة مع كل موسم دراسي جديد.

ولا تتوقف الشكاوى عند أولياء الأمور، بل تمتد إلى المعلمين الذين يواجهون بدورهم مطالب مالية ومهنية قبل بداية العام الدراسي. ويطالب المعلم في بنغازي وليد الفرجاني وزارة التربية والتعليم والحكومة بصرف علاوة الحصص والفروقات المالية، وتوفير التأمين الطبي، معتبراً أن هذه المطالب حقوق مستحقة للمعلمين.

المعلمون يواجهون بدورهم مطالب مالية ومهنية قبل بداية العام الدراسي (إ.ب.أ)

ويقول الفرجاني إن استمرار عدم الاستجابة لمطالب المعلمين قد يدفع إلى تحركات نقابية قبل بداية الدراسة، داعياً نقابة المعلمين إلى الوقوف إلى جانب المعلمين والمعلمات، وعدم الاكتفاء بالوعود، في وقت تستعد فيه المدارس لاستقبال آلاف الطلاب.

وفي مقابل هذه الضغوط، تؤكد وزارة التربية والتعليم استعدادها لانطلاق العام الدراسي في موعده، مع التركيز على تفادي أزمة الكتاب المدرسي، التي رافقت بداية أعوام دراسية سابقة، وتسببت في شكاوى من تأخر وصول الكتب إلى عدد من المناطق.

وبدأت مراقبات التربية والتعليم بالفعل استقبال شحنات الكتب المدرسية استعداداً لعودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، وسط تعهدات حكومية بوصولها في الموعد المحدد، بعد أزمات شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، كان آخرها العام الماضي.

وشدد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» في طرابلس محمد القريو، خلال اجتماع خُصص لمتابعة جاهزية مراقبات التربية والتعليم والمؤسسات التعليمية، الإثنين، على ضرورة استكمال توزيع الكتاب المدرسي، وضمان وصوله إلى جميع الطلاب والتلاميذ في مختلف المناطق، كما أكد أهمية معالجة العجز في معلمي المواد الدراسية.

وسبق أن أكد مركز المناهج التعليمية والبحوث التربوية الانتهاء من عمليات توريد الكتاب المدرسي للمرحلتين الأساسية والثانوية بنسبة 100في المائة.، بحسب مدير المركز خالد بورزيزة.

ولم تعلن وزارة التربية والتعليم في غرب ليبيا حتى الآن عن الإحصائية الرسمية الدقيقة لعدد الطلاب المسجلين للعام الدراسي الجديد 2026-2027، ومع ذلك، يُتوقع أن يقارب العدد أو يتجاوز حاجز 2.5 مليون طالب وطالبة، استناداً إلى إحصائيات العام الدراسي الماضي.


رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)
نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)
TT

رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)
نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)

مسار طويل من الخوف والجوع والعطش، سلكته جموع غفيرة من الأسر السودانية في طريق النزوح من مدن وبلدات ولاية شمال كردفان، حيث تجددت المعارك، إلى مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم.

عائلات فقدت أبناء وأقارب وربما كل الممتلكات، وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها وسلك طرق وعرة عبر الجبال والأودية، بعضها سيراً على الأقدام، والبعض على عربات تجرها الدواب أو شاحنات نقل، فيما تقطعت السبل بآخرين قبل الوصول إلى بر الأمان. وأفادت تقارير منظمات محلية وأجنبية بأن مئات الأسر، قَدَّرت بعض التقارير عددها بأكثر من ثلاثة آلاف أسرة، نزحت في الآونة الأخيرة إثر تجدد العمليات العسكرية في مناطق مختلفة من شمال كردفان، وسط ظروف إنسانية «بالغة السوء».

نازحات بعد ساعات من وصولهن إلى أم درمان (الشرق الأوسط)

وبعد أسابيع من المشقة، وصلت هذه الأسر إلى أقصى غرب أم درمان «جائعة ومنهكة»، تحمل ما تبقى من متاعها وذكريات منازل تركتها خلفها، فيما فقدت أخرى بعض أفرادها خلال رحلة النزوح القاسية. لكن الوصول لم يضع حداً للمعاناة، إذ تواجه الأسر النازحة نقصاً في الغذاء ومياه الشرب وغياب المساعدات الإنسانية، بينما تتفشى حالات الإسهال والحمى والالتهابات بين الأطفال، لتتحول رحلة الفرار من الحرب إلى معاناة مفتوحة بلا نهاية واضحة.

الرحلة الشاقة

تسعى القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها إلى توسيع نطاق سيطرتها في شمال كردفان وتأمين محيط عاصمة الولاية مدينة الأبيض، بينما تتمركز حشود من «قوات الدعم السريع» في مناطق تقع غرب المدينة وجنوبها. وتقول حليمة ضو البيت، «نزحت مع أسرتي، المكونة من تسعة أفراد، من منطقة الجمامة التابعة لمحلية سودري بولاية شمال كردفان، بعد أن أُجبرنا على مغادرة منازلنا تحت تهديد السلاح».

النازحة حليمة ضو البيت تروي معاناة رحلة نزوحها (الشرق الأوسط)

استغرقت رحلتها عدة أيام على متن شاحنات نقل، وكانت شاقة ومرهقة، فيما تقطعت السبل ببعض الأهالي والجيران في الجبال وبين الأشجار. وتضيف السيدة السودانية لـ«الشرق الأوسط»: «عند وصولنا إلى أم درمان، كنا في حالة من الإعياء الشديد. تلقينا خلال الأيام الأولى بعض المواد الغذائية، بينها الزيت والسكر والدقيق، لكنها انقطعت لاحقاً».

وتقول نازحة أخرى: «خلال رحلة النزوح، أصيب ثلاثة من أطفالي بالمرض بسبب الجوع والعطش ومشقة الطريق». وتضيف «تركنا منازلنا وممتلكاتنا وكل ما نملك. لم نخرج إلا بالملابس التي نرتديها». وتابعت قائلة: «أوضاعنا الآن في غاية الصعوبة، ولا تصلنا أي مساعدات إنسانية».

«شاهدنا الموت بأعيننا»

تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، والتي أودت بحياة مئات الآلاف وشردت نحو 13 مليون شخص بين نازح ولاجئ، وفق تقديرات أممية. وتروي سيدة خميس، النازحة من بلدة الجمامة تفاصيل رحلتها الشاقة وتقول: «استغرقت رحلتنا نحو 13 يوماً، تنقلنا خلالها سيراً على الأقدام، وتارة أخرى بعربات «الكارو» التي تجرها الحمير». وتضيف: «غادرنا بسبب تدهور الوضع الأمني والانتهاكات ونهب ممتلكات المواطنين». وتحدثت النازحة عن مشقة الرحلة والظروف القاسية التي واجهت أسرتها طوال تلك الأيام.

النازح عبد الرحمن محمد مع زوجته وطفليه (الشرق الأوسط)

أما عبد الرحمن محمد، النازح من بلدة أبو حديد التابعة لمحلية جبرة الشيخ، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «تدهوَر الوضع الأمني والإنساني بصورة كبيرة، واضطرت الأسر إلى النزوح بحثاً عن الأمان للنساء والأطفال. خلال الرحلة شاهدنا الموت بأعيننا، وفقدنا بعض أقاربنا الذين أُصيبوا ولم يتمكنوا من مواصلة الطريق».

واقع جديد

في وقت سابق، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) نقلاً عن سلطات محلية إن مئات الأسر الفارة من تجدد الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في جبهات القتال في كردفان نزحت إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، بينما توجهت أخرى صوب العاصمة الخرطوم. لكن حركة النزوح لم تتوقف عند الأبيض، إذ لا تزال تستقبل مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض وأم درمان غربي العاصمة الخرطوم أعداداً متزايدة من الأسر الفارة من مناطق الحرب، لتصبحا محطتين جديدتين للنازحين الباحثين عن الأمان. وتحدثت المنظمة عن نزوح نحو 200 ألف نتيجة المعارك في شمال دارفور خلال الأشهر الماضية، كما نزح مثلهم من جنوب النيل الأزرق حسب تقرير حكومي منذ انطلاق المعارك في الولاية المتاخمة لأثيوبيا.

مجموعة من النازحين من مناطق شمال كردفان إلى أم درمان (الشرق الأوسط)

ويقول محمد علي، الذي نزح أيضاً من بلدة أبو حديد: «أجبرتنا النزاعات المسلحة على مغادرة المنطقة، وسلكنا طرقاً عبر الجبال والأودية، واستغرقت الرحلة نحو أسبوعين قبل أن نصل إلى منطقة حمرة الوز». يواصل حديثه قائلاً: «تنقلنا بوسائل مختلفة، واضطررنا أحياناً إلى النوم في العراء، وسط ظروف بيئية قاسية وانتشار الحشرات والأمراض». ويسترسل: «فقدنا عدداً من أفراد الأسرة خلال الرحلة، ونحتاج الآن بصورة عاجلة إلى الغذاء والمياه الصالحة للشرب، خصوصاً مع انتشار الذباب الذي تسبب في إصابة عدد من الأطفال بالأمراض».

وقد تكون رحلة النزوح إلى مدينة أم درمان قد انتهت بالنسبة لهذه الأسر، لكن رحلة العناء لم تنتهِ بعدما تركت خلفها منازلها وممتلكاتها وأقارب لم يتمكنوا من الوصول، وبات أمامها واقع جديد لا تملك فيه سوى القليل من مقومات الحياة. وبين أطفال أنهكهم المرض وأسر تكافح لتوفير الغذاء والماء، يبقى حلم العودة إلى الديار مؤجلاً إلى أن يتوقف العنف، فيما تتحول رحلة النجاة التي بدأت هرباً من الموت إلى اختبار يومي للبقاء.