لا حل في الأفق لحرب السودان... وأعداد الضحايا تزداد يومياً

قوات «الدعم السريع» والجيش يفشلان في تحقيق نصر حاسم

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
TT

لا حل في الأفق لحرب السودان... وأعداد الضحايا تزداد يومياً

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)

دخلت الحرب بين الجيش السوداني، وقوات «الدعم السريع»، شهرها الخامس، دون أن يحقق أي منهما انتصاراً عسكرياً حاسماً أو يحقق هدفاً من أهدافه المعلَنة التي رأى الحرب وسيلة لتحقيقها. في غضون ذلك، لا يبدو حل في الأفق للحرب، في حين تزداد أعداد الضحايا يومياً، إذ قُتل نحو 4 آلاف مدني، وجُرح عشرات الآلاف، وتشرَّد نحو 4 ملايين شخص بين نازح ولاجئ، وتدمرت البنية التحتية في العاصمة الخرطوم وبعض مدن البلاد الأخرى، وسط تكهنات بتمدد ساحة الحرب إلى مناطق أخرى.

ووفقاً للتقارير، فإن الجيش لم يُفلح في «تفكيك ميليشيا الدعم السريع» والقضاء عليها، وحفظ كرامة الشعب في غضون ساعات أو أيام، كما ظلّ إعلامه يَعِد، بل تمددت قوات «الدعم السريع» وسيطرت على معظم أنحاء العاصمة وعدد من المواقع العسكرية التابعة للجيش، وفق شهادات كثير من السكان.

وقالت مصادر إن الجيش اضطر للبقاء مُدافعاً عن مقراته الرئيسية؛ وهي «القيادة العامة للجيش، وسلاح المدرعات، ومنطقة وادي سيدنا العسكرية، وسلاح الإشارة». وفي سبيل تأمين تلك المواقع أقام الجيش المتاريس حولها، وترددت أنباء أنه زرع الألغام حول هذه المقرات والمعسكرات، دون أن يُوقف ذلك محاولات هجومية من قِبل قوات «الدعم السريع» على تلك المواقع.

لقطة من فيديو تُظهر جنوداً من القوات المسلّحة السودانية يقودون مركبات عسكرية في أحد شوارع أمدرمان (أ.ف.ب)

قوات «الدعم السريع»

أما قوات «الدعم السريع» فقد فشلت في تحقيق هدفها المعلَن، المتمثل في القضاء على «فلول الإسلاميين»، واستعادة الحكم المدني، كما يزعم إعلامها. لكن المحصّلة أن الإسلاميين تحوّلوا لقوة مقاتلة إلى جانب الجيش، ونشروا كتائبهم وميليشياتهم، مثل كتيبة البراء، وكتائب الفدائيين، وغيرها، كما استعادوا وجودهم، وبسطوا سيطرته على كثير من مرافق الدولة، بل إن قادتها الذين فرّوا من السجن بدأوا ينشطون سياسياً بشكل علني لحشد التأييد للتنظيم، تحت مزاعم دعم الجيش، بمن فيهم المطلوبون لـ«المحكمة الجنائية الدولية»، وعلى رأسهم نائب رئيس حزبهم أحمد محمد هارون.

وبجانب عدم تحقيق نصر كاسح، فإن قوات «الدعم السريع»، وفقاً لشهود وتقارير مراسلين، تسيطر فعلياً على أنحاء واسعة من مدن العاصمة المثلثة؛ الخرطوم وبحري وأمدرمان، بما في ذلك مناطق عسكرية مثل مدينة «جياد» الصناعية، و«مجمع اليرموك للتصنيع العسكري»، ومناطق ومقر الكتيبة الاستراتيجية في وسط الخرطوم، وقيادة سلاح الطيران، وفرع الرياضة العسكري، وقيادة قوات الاحتياطي المركزي، إلى جانب سيطرتها الكاملة على معظم الجسور الرئيسة والجزئية الرابطة بين مدن العاصمة الثلاث.

وتسيطر قوات «الدعم السريع» أيضاً على القصر الرئاسي ومبنى رئاسة «مجلس الوزراء» ووزارات الداخلية والخارجية وبقية الوزارات، إلى جانب منشآت حيوية استراتيجية مهمة، مثل مصفاة البترول في شمال بحري، ومستودعات الوقود في جنوب الخرطوم.

صورة أرشيفية لقائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) مع قواته في جنوب دارفور (أ.ف.ب)

تشويه السمعة

ويتهم البعض أن قوات «الدعم السريع» استولت على منازل لمواطنين، وقامت بعمليات نهب واغتصاب، ما أدى إلى تشويه سمعتها وفقدانها الظهير الشعبي الذي كان يمكن أن يؤمّن لها الانتصار العسكري، ومن ثم تحولت من قوة تزعم أنها تريد استرداد الديمقراطية إلى قوة خسرت فرصة تحقيق مساندة شعبية.

ورغم الانتصارات التي حققتها قوات «الدعم السريع» على الأرض، فإنها فشلت في تحقيق تأييد شعبي واسع، خصوصاً في الخرطوم وإقليمي دارفور وكردفان، مما جعل شريحة من المواطنين تستجيب لدعوات الاستنفار التي دعا إليها الجيش ومناصروه من عناصر النظام المعزول الذي كان يترأسه عمر البشير مع تنظيم الإسلاميين.

كما خسرت قوات «الدعم السريع» كثيراً من التأييد الإعلامي الذي كانت تتمتع به، بعد صدور تقارير دولية عن انتهاكات ارتكبتها ضد حقوق الإنسان، فضلاً عن حذف صفحاتها الرسمية، وصفحة قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) من منصة «فيسبوك».

سودانيون فرّوا من الصراع في مورني بمنطقة دارفور السودانية يسيرون معاً عند عبور الحدود بين السودان وتشاد في أدري (رويترز)

ضحايا الحرب

وخلفت الحرب، التي اشتعلت في 15 أبريل (نيسان)، نحو 4 آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، وفقاً لـ«منظمة الهجرة الدولية»، كما فرَّ نحو 4 ملايين شخص من الحرب داخل السودان، منهم 1.2 مليون لجأوا إلى دول الجوار، ويعيش غالبيتهم في أوضاع إنسانية صعبة، وفقاً لتقرير «مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية»، الصادر في 15 أغسطس (آب) الحالي، والذي أوضح أن 2.9 مليون منهم بحاجة مُلحة لمساعدات لحفظ الحياة.

وقال المحلل السياسي حسن البشاري، على حسابه في «فيسبوك»، إن الحرب، خلال الأشهر الفائتة، أنتجت أوضاعاً إنسانية مأساوية، وأن الجيش فشل، طوال 4 أشهر، في تحقيق أي تقدم يُذكَر، ولم يستطع حماية مواطن واحد من الانتهاكات، بل فشل في حماية معسكراته المحاصَرة من قِبل قوات «الدعم السريع»، مما اضطره لاستنفار المواطنين «ليحاربوا بدلاً منه».

وأوضح البشاري أن الحرب كشفت ضعف الدولة وعدم وجود حكم فيدرالي حقيقي، قائلاً: «مع أول رصاصة في قلب العاصمة ومراكزها الحيوية، سقطت الدولة، وأصبحنا بلا حول ولا قوة، وأن وجود الولايات وحكامها مجرد وجود صوري». وأضاف أن «الحرب كشفت عدم وجود إعلام ولا إعلاميين حقيقيين. فمع انطلاق الحرب وسقوط الدولة تسيّدت الميديا ووسائط التواصل، بحسابات ملغومة تبيع للشعب الأوهام... وتصرف صكوك الوطنية لمن شاء».

وأكد البشاري أن الحرب كشفت أن «النظام البائد (نظام الرئيس المعزول عمر البشير) لا يزال موجوداً في مفاصل الأجهزة العسكرية وخارجها، وأنه يلعب دوراً رئيسياً في مجريات الحرب، ويحرك كل أدواته بالمال والإعلام لاستمرارها». وتابع أن سودان ما بعد الحرب سيكون مختلفاً، لن يحكمه العسكر أو الميليشيات مجدداً، وتنتهي فيه مركزية الحكم وسيطرة العاصمة الخرطوم على الولايات، قائلاً: «مركزية السلطة لن تقوم لها قائمة بعد الحرب». وفشلت عدة وساطات في جعل الطرفين يتوقفان عن إطلاق النار، على الرغم من توقيع الطرفين على «إعلان جدة الإنساني»، في مايو (أيار) الماضي، بوساطة سعودية أميركية.


مقالات ذات صلة

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

قُتل 24 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، يومي الأحد والاثنين، في غارات منفصلة بطائرات مسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت مدن إقليم دارفور غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة» اللواء المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

انشقاق ضابط بارز بـ«الدعم السريع» وانضمامه للجيش السوداني

أعلنت «منصات إعلامية» انشقاق ضابط كبير في «قوات الدعم السريع»، هو اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، وانضمامه إلى الجيش السوداني.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».