تحتدم المواجهات بين طرفي الصراع في السودان، الجيش وقوات «الدعم السريع»، عشية دخول الحرب شهرها الخامس، بينما تظل مساعي الحل السياسي متعطلة، ما جعل الكثيرين يحذرون من خطر استطالة الحرب في غياب إحداث أي اختراق في محادثات وقف إطلاق النار والأعمال العدائية. ووفقاً لشهود شهدت مناطق متفرقة من مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم وبحري وأمدرمان، يوم السبت، اشتباكات بالمدفعية والأسلحة الثقيلة والقصف الجوي. وأفاد الشهود «الشرق الأوسط» بوقوع مواجهات عنيفة بين الطرفين في أحياء الدروشاب والكدرو شمال مدينة بحري، واشتباكات كثيفة في ضواحي جنوب الخرطوم. وقال سامي أحمد، من سكان أطراف أمدرمان، إن الأوضاع «تتفاقم بسبب القتال والقصف المدفعي العشوائي الذي يهدد حياتنا داخل المنازل، ونواجه الموت يومياً». وأشار أحمد إلى أن منطقة الحارات في أمدرمان تشهد يومياً فرار عشرات الأسر إلى مناطق آمنة خارج الخرطوم.

جسر «شمبات»
ومن جانب آخر، اندلعت اشتباكات عنيفة صباح اليوم السبت بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في أحياء السامراب والدروشاب ودردوق والأحامدة بشمال مدينة الخرطوم بحري، وفق سكان. وقال الجيش في صفحته على «فيسبوك» إن قوات المهام الخاصة التابعة له «تمشط منطقة الكدرو في بحري من جيوب قوات الدعم السريع». كما دارت معارك بالأسلحة الخفيفة بين الطرفين في شرق الخرطوم، وفقاً للشهود. ويحاول الجيش السوداني السيطرة على جسر «شمبات» الذي يربط أمدرمان بمدينة بحري، الذي يعد خط الإمداد الرئيسي لقوات «الدعم السريع» من غرب البلاد إلى مدن العاصمة الثلاث التي تشكل العاصمة الأوسع على جانبي نهر النيل.

تحالف «الحرية والتغيير»
من جانبه، قال القيادي في تحالف «الحرية والتغيير» طه عثمان: «لا يمكن إيجاد حل دون الجلوس مع الطرفين، الجيش وقوات (الدعم السريع» للاتفاق على حل سياسي لوقف الحرب». وأضاف في صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك» قوله: «نحتاج إلى عملية سياسية شاملة تضم كل القوى السياسية والمدنية وحركات الكفاح المسلح، عدا حزب المؤتمر الوطني (الذي كان يتزعمه الرئيس المعزول عمر البشير) للوصول إلى حل يحقق وحدة السودان وسيادته وأرضه وشعبه». وأكد عثمان على ضرورة بناء جيش مهني قومي واحد بقيادة موحدة من الجيش وقوات (الدعم السريع) وحركات الكفاح المسلح، يراعي التنوع والتعدد في السودان، ويبعد الجيش عن السياسة والحكم، مشدداً على تفكيك عناصر النظام المعزول من جميع مؤسسات الدولة وفي مقدمتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما فيها القوات المسلحة وقوات (الدعم السريع) والشرطة وجهاز الأمن. وقال عثمان: «نسعى للتوافق على سلطة مدنية كاملة متوافق عليها لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية التي تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة بنهاية المدة التي يجري الاتفاق عليها بين جميع الأطراف». وأشار إلى أهمية تطبيق العدالة لإنصاف الضحايا وتعويض المتضررين، قائلاً إن «الانتهاكات الخطيرة والجسيمة من قتل وسرقة واغتصاب وحرق وتدمير واحتلال للمنازل، ضاعفت من مآسي الحرب... وعلينا معالجتها بوقف الحرب».

لجنة تحقيق
على صعيد متصل، أدى النائب العام المكلف، خليفة أحمد، يوم السبت، القسم رئيساً للجنة حصر جرائم قوات «الدعم السريع» أمام نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار في مدينة بورتسودان شرق البلاد. وقال عضو اللجنة رئيس المفوضية القومية لحقوق الإنسان في تصريحات صحافية إن اللجنة تختص بجرائم وانتهاكات قوات «الدعم السريع»، مضيفاً أن مهام اللجنة تنحصر في النظر في كل الجرائم وإعداد مذكرة قانونية مدعمة بالأدلة لتقديمها للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان. وأعلن النائب العام توجيه كافة وكلاء النيابة في الولايات تلقي شكاوى المواطنين والشركات دون التقيد بدائرة الاختصاص. وكان رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، قد أصدر يوم الجمعة قراراً بتعيين النائب العام رئيساً للجنة رصد الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها قوات «الدعم السريع» ضد المدنيين خلال الحرب الدائرة في البلاد منذ 15 أبريل (نيسان). ووفقاً لأحدث إحصاءات لوزارة الصحة السودانية في يوليو (تموز) الماضي فقد بلغت حصيلة الضحايا في الخرطوم وولايتي دارفور وكردفان 1136 شخصاً وإصابة 120 ألفاً.

مدينة نيالا بجنوب دارفور
وتجددت الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة يوم السبت بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، ما ينذر بمزيد من المعاناة الإنسانية للسكان الذين فر الآلاف منهم من القتال. وقال شهود لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن المواجهات بين الطرفين أدت إلى إغلاق السوق الشعبية في المدينة بالكامل، بينما ذكرت وسائل إعلام محلية أنها خلفت قتلى وجرحى. وأشارت مصادر حكومية تحدثت إلى «وكالة أنباء العالم العربي» إلى أن محلية كتم في جنوب دارفور تشهد منذ 4 أيام اشتباكات بين قبيلتي «البني هلبا» و«السلامات»؛ ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 بالإضافة إلى مئات المصابين. وذكرت صحيفة «سودان تريبيون» أن دائرة العنف القبلي توسعت لتشمل قبائل «الهبانية» بمحلية برام، مشيرة إلى أن سبب المواجهات يعود إلى رفض إحدى القبائل العربية القتال إلى جانب قوات «الدعم السريع».
وقالت مديرة منظمة حقوقية سودانية لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنه جرى رصد وتوثيق 189 حالة عنف جنسي ارتكبت بحق النساء في مناطق متفرقة بإقليم دارفور منذ بداية الحرب.

حرب أهلية
منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل (نيسان)، يستمر القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، وتشهد العاصمة معارك يومية على نحو ينذر بحرب أهلية طويلة الأمد، مع اندلاع صراع آخر بدوافع عرقية في إقليم دارفور بغرب البلاد. وذكرت الأمم المتحدة في بيان يوم الجمعة أن السودان يواجه واحدة من أكبر حالات انعدام الأمن الغذائي في العالم، بينما حذر آدم ياو، ممثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في السودان، من خطورة الوضع، قائلاً إن الأسر تواجه معاناة لا يمكن تصورها. وعندما اندلع القتال بين الطرفين في أعقاب خلافات حول خطط دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، كانت الأطراف العسكرية والمدنية تضع اللمسات النهائية على عملية سياسية مدعومة دولياً للانتقال إلى حكم مدني بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في انتفاضة شعبية عام 2019. وتوصل الطرفان المتحاربان لعدة اتفاقات لوقف إطلاق النار بوساطة من السعودية والولايات المتحدة، لكن المفاوضات التي جرت في جدة جرى تعليقها في مطلع يونيو (حزيران) بعد أن تبادل الجيش و«الدعم السريع» الاتهامات بانتهاك الهدنة بينهما، وهو اتهام يكيله كل طرف للآخر بشكل متكرر.





