هل ما زالت «الثانوية العامة» باباً للصعود الاجتماعي في مصر؟

«أبناء الكادحين» في قوائم المتفوقين رغم الغلاء والدروس الخصوصية

وزير التعليم المصري يكرم أوائل الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري يكرم أوائل الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)
TT

هل ما زالت «الثانوية العامة» باباً للصعود الاجتماعي في مصر؟

وزير التعليم المصري يكرم أوائل الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري يكرم أوائل الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)

يجد المتابعون للتعليم المصري سمتاً يكاد يكون متطابقاً في غالبية أوائل الثانوية العامة من كل عام، خصوصاً أن معظمهم ينتمي لطبقة متوسطة وربما أقل، من بسطاء الأحياء الشعبية والقرى بمختلف المحافظات، من مرتادي المدارس الحكومية. هذا السمت الذي يرتبط عادة بـ«مظهر مُحافظ»، وصفته تدوينة حظيت بآلاف المشاهدات على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، مرفقة بصورة زياد عادل ابن محافظة البحيرة، الثالث على الجمهورية، بأنه (مش لابس حظاظة... مش حالق كابوريا، ومش لابس بنطلون مقطع، ولا من رواد الساحل...).

وعادة ما يلمع غالبية أوائل الثانوية العامة من خارج دائرة الضوء والمدارس الدولية المميزة صاحبة المصروفات الباهظة. ففي ظاهرة مكررة سيطرت المدارس الحكومية «المجانية» و«التجريبية» على النسبة الكبرى من أوائل الثانوية العامة 2023، التي أعلن نتيجتها وزير التربية والتعليم رضا حجازي الأسبوع الماضي. ووفق بيان الوزارة فإن ثلثي الأوائل (36 طالباً)، ينتمون إلى مدارس حكومية.

استمرار ظاهرة تفوق البسطاء من أبناء المزارعين والحرفيين والموظفين في مؤسسات حكومية، رغم دخول أنظمة تعليمية دولية وحديثة بمصروفات مرتفعة، يفسره الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأميركية في القاهرة، بأنه «إدراك واسع لدى قطاع كبير من تلك الطبقات بأن التعليم هو إحدى أدوات الحراك الاجتماعي، الذي ربما ينقذ الأسرة كلها وليس الطالب فقط».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط» كما أن «الفقر يضع ضغطاً على الطلاب، يكون في المقابل حافزاً للكثير منهم، فعدد من طلاب هذه الفئة الاجتماعية يدرك أن التعليم هو بمثابة فرصة لإنقاذه يتشبث بها، لانتشاله من ظروفه الاجتماعية القاسية، أو ارتقائه إلى طبقة اجتماعية أعلى». الأمر نفسه وفق صادق يكون «مضاعفاً في فتيات الريف، اللاتي يدركن أن النجاح وحده لن يكون كافياً لإقناع الأهالي بحقهن في التعليم وتأجيل مشاريع الزواج، بل لا بد من التفوق اللافت».

في المقابل، نجد أن أبناء الطبقة الأعلى «لا تمنحهم حياتهم المستقرة مادياً واجتماعياً الحافز القوي للتفوق، كون تفوقهم من عدمه لن يهوي بهم إلى مكانة سيئة على الأقل، وفرص توظيفهم عادة ما تكون متاحة مسبقاً»، كما يرى أستاذ الاجتماع المصري.

وتظل «الثانوية العامة» مرحلة فارقة في التعليم المصري، في ظل الاعتماد بشكل رئيسي على مجموع الدرجات من أجل التأهيل للجامعات المصرية. بينما لم ينجح حتى الآن سعي الحكومات المتعاقبة، للاهتمام بالتعليم الفني، في سحب الزخم من الثانوية العامة واهتمام الأهالي بها. وبلغ عدد المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة العام الحالي 763206، نجح منهم 598723، بنسبة 78.81%.

وتبني بعض الأسر الفقيرة أحلامها على تفوق استثنائي لأبنائها، قد يسهم في صعودهم لقمة الهرم الاجتماعي أو اعتلاء مناصب حيوية بالدولة، فهذا محمد التميمي، ابن محافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، أحد أوائل الثانوية العامة هذا العام، يطمح في أن يعوض دخوله كلية الطب، ما أنفقه والده خلال مرحلة التعليم الثانوي، وحتى حصوله على المركز السابع في شعبة (علمي - علوم).

يقول التميمي الابن خريج مدرسة (المنزلة الثانوية بنين) الحكومية، لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة الحالية كان الأمر قاسياً علينا... لكن الحمد لله والدي فعل المستحيل، وحاول ألا أشعر بشيء من أجل تحقيق حلمي وحلم الأسرة بأن أصبح طبيباً». ويقر محمد بحصوله على «دروس خصوصية» بمصروفات في مراكز تقوية، بوصفها وسيلة باتت ضرورية لتعويض «ضعف الشرح بالمدارس»، وذلك رغم صعوبة توفير نفقات الدروس.

ويبلغ متوسط الحصة الأسبوعية للمادة الواحدة في المركز التعليمية بالأحياء الشعبية 100 جنيه (نحو 3 دولارات)، بينما يرتفع المبلغ وفقاً لمستوى المنطقة وكثافة الطلاب والإقبال على المدرس. وترفض وزارة التعليم الاعتراف بالدروس الخصوصية، لكنها فشلت حتى الآن في تحجيمها.

ويدرك محمد التميمي، أن والده المدرس الأزهري، «يقطع من قوت الأسرة جميعاً من أجل دعمه»، لذلك حاول قدر الإمكان «الاقتصاد في طلباته غير التعليمية» من أجل الرفق بظروفهم، على حد قوله.

وتعاني أغلب المدارس الحكومية من ارتفاع في الكثافات الطلابية، ونقص في أعداد المعلمين، فضلاً على أزمات في البنية التحتية. وبينما يشكو الأهالي من ضعف الاهتمام بها، يبدو أن الحكومة أدركت صعوبة إحداث تغيير جذري بها، فاتجهت إلى فتح أنماط متعددة من المدارس الخاصة والدولية لتخفيف الضغط على مدارس القطاع العام، غير أن المحصلة تظل علامة استفهام. وهو ما يفرض «إعادة نظر ومراجعة للمنظومة التعليمية كلها لضبطها»، كما يشير الدكتور عيد عبد الواحد، عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة جامعة المنيا (جنوب مصر)، والمدير السابق للأكاديمية المهنية للمعلمين، والذي وصف عدداً كبيراً من المدارس الخاصة بأنها «مدارس فندقية» لاهتمامها بالشكل على حساب جودة التعليم.

يقول عبد الواحد لـ«الشرق الأوسط»، يجب التركيز على «دعم هؤلاء الطلاب من أبناء الأسر البسيطة الذين يعملون، ودون مساعدة، على توفير بيئة جيدة للاستذكار»، مدعومة بـ«دافعية الطلاب الذاتية للتفوق وتحقيق الذات»، محذراً من أن «تجاهل آلاف المتفوقين في القرى والنجوع من البسطاء بسبب قلة الإمكانات، سيؤدي لاختفاء المواهب، لصالح أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي». واقترح توسع الدولة في تحفيزهم مادياً، ورعاية مواهبهم حتى يتمكنوا من تحقيق أحلامهم.

وتمنح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية، أوائل الثانوية العامة من جميع الشُّعب، إعفاءً من المصروفات الدراسية في البرامج العامة بالجامعات الحكومية، كنوع من التكريم لهم على تفوقهم الدراسي، لكن الكثير منهم يأملون في الحصول على منح أجنبية والسفر لاستمرار النجاح بالخارج.

ورغم تمكن البعض من مجاورة أبناء الأسر الميسورة في الجامعات الأجنبية والعليا أو تحقيق أحلامهم بدخول كليات القمة، فإن استمرار نجاحهم وتفوقهم في الجامعة ثم الحصول على وظائف قيادية في مرحلة ما بعد الجامعة ليس مضموناً، وفقاً للدكتور صادق، الذي يشير إلى عراقيل أخرى قد تعطل مسيرتهم في ما بعد التعليم الثانوي، لأن الأمر يخضع لعدة عوامل جديدة، أبرزها «المحسوبية (الواسطة)، فالتعليم رغم أهميته يظل بوابة مؤقتة للصعود للقمة»، ضارباً المثل بفئات تعليمية تكون أقل تفوقاً في الثانوي، لكن دخولها كليات دينية أو عسكرية يمنحها في ما بعد فرصة أكبر للصعود لقمة السلطة على حساب أهل العلوم الأخرى الأكثر تفوقاً.

ورغم إقراره بتلك الصعوبات، يؤمن الدكتور عبد الواحد بأن التعليم بالفعل يستطيع تغيير السلم الاجتماعي والاقتصادي للبشر، وضرب المثل بالأديب المصري طه حسين، وتحديه لظروفه الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وكيف وصل إلى جامعة السوربون وما تلاها من مناصب.

ووفق البيانات الرسمية، لدى مصر 25 مليون طالب في جميع المراحل التعليمية. واعترف الدكتور رضا حجازي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بأن المرحلة الثانوية في «أشد الاحتياج للتطوير»، وقال خلال إطلاقه فعاليات ملتقى «تطوير المناهج (رؤى وتجارب)»، بالتعاون مع منظمة «يونسيف مصر»، الأحد، تعتزم الوزارة «استكمال منظومة التطوير التي بدأتها بالمرحلة الابتدائية، والآن يجري استكمالها بالمرحلة الإعدادية، وقريباً سيجري تطوير مناهج المرحلة الثانوية، لأنها في أشد الحاجة للتطوير».


مقالات ذات صلة

تلميذ يطعن معلّمة في إعدادية فرنسية... ويصيبها بجروح بالغة

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)

تلميذ يطعن معلّمة في إعدادية فرنسية... ويصيبها بجروح بالغة

أصيبت معلّمة بجروح بالغة بعد تعرّضها للطعن ثلاث مرات على يد طالب بمدرسة «لا غيشارد» الإعدادية في ساناري سور مير بفرنسا بعد ظهر الثلاثاء.

أوروبا جيفري إبستين (رويترز)

جامعة في آيرلندا الشمالية تلغي ارتباطها بجورج ميتشل على خلفية ملفات إبستين

أعلنت إحدى أهم الجامعات في آيرلندا الشمالية الاثنين أنها ستشطب اسم السيناتور الأميركي السابق جورج ميتشل من مؤسسة تابعة لها نظراً لارتباطه بجيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
الخليج وزير التعليم السعودي لدى استقباله نظيره في أذربيجان بالرياض (الشرق الأوسط)

الرياض وباكو للتعاون بمجالات الرقمنة وتطبيق الأساليب المبتكرة في النظام التعليمي

بحث أمين أمرولاييف، وزير التعليم في أذربيجان، مع نظيره السعودي، في الرياض الاثنين، التعاون بمجالات الرقمنة وتطبيق الأساليب المبتكرة بالنظام التعليمي.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية شراكة مع الكلية الملكية البريطانية للفنون، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتطوير المواهب الثقافية.

يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)

جولة تنسيق أمني تجمع أفرقاء ليبيا في تركيا برعاية أممية

صورة جماعية للمشاركين في اجتماع تركيا (البعثة الأممية)
صورة جماعية للمشاركين في اجتماع تركيا (البعثة الأممية)
TT

جولة تنسيق أمني تجمع أفرقاء ليبيا في تركيا برعاية أممية

صورة جماعية للمشاركين في اجتماع تركيا (البعثة الأممية)
صورة جماعية للمشاركين في اجتماع تركيا (البعثة الأممية)

وسط غياب أفق واضح لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية، استضافت تركيا اجتماعاً أمنياً جمع ضباطاً من شرق وغرب ليبيا تحت رعاية الأمم المتحدة، وذلك بالتزامن مع إعلان جانب من تفاصيل لقاء سري في باريس برعاية أميركية جمع مستشار الرئيس دونالد ترمب مع كبار المسؤولين الليبيين من الطرفين.

وأعلنت البعثة الأممية في بيان، الأربعاء، اختتام الفريق الفني التنسيقي المشترك لأمن الحدود، الذي ضم «ضباطاً كباراً من المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا»، سلسلة زيارات متخصصة إلى مراكز عمليات أمن الحدود في أنقرة، الأسبوع الماضي، موضحة أن هذه الزيارات جرت «بتنسيق مشترك مع تركيا، مستفيدة من الخبرة التقنية التركية، ودور البعثة في تعزيز الثقة، والتعاون بين المؤسسات الأمنية الليبية».

وعقد الوفد عدة اجتماعات مع الإدارات المختصة بأمن الحدود في وزارتي الدفاع والداخلية التركية، فيما اختتم الفريق الفني المشترك اجتماعه السابع في أنقرة، مؤكداً أن هذه الزيارات «تعزز التنسيق وبناء الثقة بين الجهات الأمنية الليبية، وتدعم العمل المشترك داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وتسهم في تهيئة بيئة مواتية للمسار السياسي».

من لقاء سابق بين الرئيس التركي وعبد الحميد الدبيبة في أنقرة (الرئاسة التركية)

وأشار بيان البعثة إلى أن دور تركيا، بصفتها رئيساً مشاركاً لمجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، يبرز «قدرة المجتمع الدولي على دعم الجهود الليبية في مجال أمن الحدود، ويسهم في توحيد المؤسسات بما يعزز الأمن الليبي والإقليمي».

وفي بلد يعاني انقساماً عسكرياً وأمنياً مزمناً، جاء هذا اللقاء بعد أشهر من إعلان الأمم المتحدة عن الاتفاق بين ممثلين عن الهيئات العسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، على إنشاء موقع للمركز المشترك لأمن الحدود في بنغازي، والذي من المقرر أن يبدأ تشغيله في الأسابيع القليلة المقبلة.

على الصعيد السياسي، سلط كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الضوء على رعايته اجتماعاً لكبار المسؤولين من غرب وشرق ليبيا في باريس، الأسبوع الماضي، موضحاً أن الهدف كان «مناقشة الدعم الأميركي المستمر للجهود، الرامية إلى تحقيق الوحدة الوطنية، وإرساء الاستقرار على المدى الطويل، بما يتماشى مع أجندة السلام الأوسع التي يتبناها الرئيس ترمب»، مبرزاً في بيان، الثلاثاء، أن هذه الجهود «ضرورية لازدهار ليبيا وبناء اقتصاد مستدام ومستقبل واعد لشعبها».

ورغم أن بولس لم يعلن عن أسماء المسؤولين الليبيين المشاركين في الاجتماع، فإن تقارير إعلامية سبق أن أفادت بأن اللقاء جمع صدام حفتر، نجل ونائب قائد «الجيش الوطني» في شرق البلاد، مع إبراهيم الدبيبة، مستشار وابن شقيق رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، بحضور المبعوث الفرنسي بول سولير والمبعوث الأميركي بولس، لبحث «تشكيل حكومة موحدة، وتوحيد المؤسسات السيادية (الخارجية، المالية، الداخلية، والدفاع)، تمهيداً لإجراء الانتخابات المؤجلة».

ورغم أجواء «التفاؤل الحذر» التي سادت الاجتماع، كشفت كواليس التفاوض، بحسب متابعين، عن تباين في سقف المطالب، حيث يتمسك معسكر حفتر «بحصوله على غالبية الحقائب الوزارية المرتقبة». فيما يرى مراقبون أن هذا الحراك، المدعوم بالزخم الفرنسي والأميركي، يمثل «المحاولة الأكثر جدية منذ سنوات لترتيب بيت السلطة في ليبيا»، بانتظار اختراق حقيقي ينهي حالة الصراع على الشرعية.

ويُعد هذا اللقاء الثاني غير المعلن بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، بعد أن جمعهما اللقاء الأول وجهاً لوجه في روما في سبتمبر (أيلول) 2025 بحضور بولس. وقد تناول الاجتماع السابق، الذي أعلن عنه لاحقاً، مناقشة دعوة الأمم المتحدة لتشكيل «حكومة موحدة جديدة»، قادرة على إعادة الاستقرار إلى ليبيا.

اجتماع تيتيه مع النائب العام بطرابلس (البعثة الأممية)

في غضون ذلك، ناقشت رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، مع النائب العام في طرابلس، أهمية الحفاظ على وحدة منظومة القضاء، بما يضمن «إطاراً قضائياً دستورياً مستقلاً وموثوقاً»، إلى جانب جهود مكافحة الفساد، وتعزيز مؤسسات الدولة لتلبية احتياجات الشعب الليبي، باعتبارها «ركائز أساسية لتحقيق الاستقرار»، وفق بيان البعثة الأممية.

وسبق أن شهد المشهد الليبي، الأسبوع الماضي، تصاعد أزمة بات ينظر إليها على أنها تهدد استقلال القضاء، وتزيد من تعقيد الوضع السياسي، وذلك بعد صدور حكم عن المحكمة العليا في طرابلس قضى بـ«عدم دستورية» أربعة قوانين تتعلق بنظام السلطة القضائية.

في الشأن الانتخابي، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات أن مجلسها بحث، الأربعاء، بحضور فريق الدعم الدولي، آخر الاستعدادات الفنية والإدارية لعملية الاقتراع، المقررة، السبت المقبل، في بلديات تاجوراء والصياد والحشان، مشيرة إلى بحث «الترتيبات الأمنية واللوجيستية لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة وشفافية».

حفتر خلال لقائه مع رئيس حكومة باكستان (الجيش الوطني)

على الصعيد الخارجي، أكد المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، أن زيارته الرسمية إلى باكستان شملت بحث «تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، إلى جانب مناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك»، بحضور نجله ونائبه الفريق صدام حفتر ورئيس حكومة الاستقرار الموازية أسامة حماد.

وأعرب حفتر عن تقديره للعلاقات التاريخية الليبية الباكستانية، مؤكداً «أهمية تفعيلها بما يخدم المصالح المشتركة ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون بين البلدين».


إجلاء أكثر من مائة ألف شخص تحسباً لفيضانات شمال غربي المغرب

جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)
جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)
TT

إجلاء أكثر من مائة ألف شخص تحسباً لفيضانات شمال غربي المغرب

جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)
جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)

ارتفعت حصيلة الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من عدة مناطق شمال غربي المغرب، تحسباً لفيضانات محتملة وشديدة الخطورة، إلى أكثر من مائة ألف شخص حتى صباح الأربعاء، وفق ما أفادت وزارة الداخلية، في ظل هطول أمطار استثنائية.

وقال الناطق الرسمي باسم الوزارة في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حرصاً على سلامة المواطنين تم اعتماد الإجلاء التدريجي لسكان مجموعة من الجماعات (...)، ما أسفر إلى غاية صباح اليوم عن إجلاء ونقل ما مجموعه 108423 شخصاً».

ومعظم هؤلاء المواطنين يقيمون في مدينة القصر الكبير (85 في المائة)، التي يناهز عدد سكانها 120 ألفاً، حيث بدأ الإجلاء منذ الجمعة. وتشمل عمليات الإجلاء عدة بلدات أخرى مجاورة في سهلي اللكوس والغرب، الواقعين عند مصب نهري اللكوس وسبو في المحيط الأطلسي، وهما من أهم أنهار البلاد (شمال غرب).

وشهدت هذه المنطقة منذ الأسبوع الماضي، وحتى اليوم الأربعاء، هطول أمطار «كثيفة» في ظرف وجيز، يمكن أن يصل منسوبها حتى 100 و150 ميليمتراً؛ ما يزيد سرعة امتلاء مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهر، وفق ما أوضحت مديرية الأرصاد الجوية في نشرة إنذارية من درجة حمراء.

ودعت وزارة الداخلية، الأربعاء، سكان عدد من البلدات المجاورة لمدينة القصر الكبير، والمحاذية لمصب نهر اللكوس إلى «الامتثال لكل الإجراءات المتخذة، وعلى رأسها الإخلاء الفوري حفاظاً على الأرواح». وحذرت من «احتمال تفاقم المخاطر بشكل سريع ومفاجئ».

بالموازاة تعمل السلطات على تفريغ وقائي لسد وادي المخازن (نحو 12 كيلومتراً شرق القصر الكبير)، بعدما بلغ امتلاؤه مستوى تاريخياً فاق 146 في المائة، وفق ما أفادت وزارة التجهيز والماء الأربعاء.

ويشهد المغرب منذ سبتمبر (أيلول) الماضي عودة استثنائية للأمطار، بعد سبعة أعوام من جفاف حاد، ما أدى إلى رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة (ما يفوق 10 مليارات متر مكعب)، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق ما أشارت الوزارة.

وإضافة إلى عمليات الإجلاء قررت وزارة التربية الوطنية تعليق الدروس في المناطق المعنية، مع اعتماد التعليم عن بعد.

وشهدت مدينة آسفي (جنوب غرب) فيضانات مفاجئة، أودت بحياة 37 شخصاً منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.


ليبيا على وقع صدمة مقتل نجل القذافي وسط إدانات محلية وأممية

آخر ظهور لسيف الإسلام القذافي رفقة ناشط سياسي من أقاربه بالزنتان في ديسمبر الماضي (صفحة الناشط الليبي أحمد القذافي)
آخر ظهور لسيف الإسلام القذافي رفقة ناشط سياسي من أقاربه بالزنتان في ديسمبر الماضي (صفحة الناشط الليبي أحمد القذافي)
TT

ليبيا على وقع صدمة مقتل نجل القذافي وسط إدانات محلية وأممية

آخر ظهور لسيف الإسلام القذافي رفقة ناشط سياسي من أقاربه بالزنتان في ديسمبر الماضي (صفحة الناشط الليبي أحمد القذافي)
آخر ظهور لسيف الإسلام القذافي رفقة ناشط سياسي من أقاربه بالزنتان في ديسمبر الماضي (صفحة الناشط الليبي أحمد القذافي)

تعيش ليبيا والليبيون حالة من الصدمة بعد مقتل سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، في حديقة منزله بالزنتان في غرب البلاد، الثلاثاء، وسط إدانات محلية ودولية.

وبعدما أعلنت النيابة العامة تسليمها جثمان نجل القذافي لأفراد من قبيلته، بناء على طلب من عائلته، بعد انتهاء الإجراءات اللازمة، وإعلانها استمرار التحقيق في الواقعة، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بـ«الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، موافقته على طلب عائلة معمر القذافي بالسماح لهم بدفن نجلهم سيف الإسلام في حي أبو هادي جنوب مدينة سرت.

المشير خليفة حفتر أعلن موافقته على طلب عائلة معمر القذافي بالسماح لهم بدفن سيف بحي أبو هادي جنوب مدينة سرت (الجيش الوطني)

ولم يصدر تعليق عن حكومتي «الوحدة الوطنية» المؤقتة، أو «الاستقرار» المكلفة من البرلمان، حتى عصر الأربعاء، فيما أدان المجلس الرئاسي الواقعة رسمياً، واصفاً اغتيال المرشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي بـ«العمل الإجرامي الجبان»، الذي يستهدف جهود المصالحة الوطنية، وتقويض المسار نحو انتخابات حرة ونزيهة، مؤكداً متابعة التحقيقات لضمان كشف الجناة وتقديمهم للعدالة.

وعبّر عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، في منشور عبر منصة «إكس»، دون إشارة مباشرة إلى نجل القذافي، عن الرفض لـ«الاغتيالات السياسية»، مشدداً على أن «حاجة ليبيا اليوم هي المضي قدماً باتجاه مخارج الحوار»، مؤكداً أن جريمة قتل سيف الإسلام القذافي، المطلوب للمثول أمام القضاء والعدالة، «سواءً كانت جريمة استيفاء للحق بالذات، أو أنها جريمة لها أبعاد سياسية، فهي مدانة ومرفوضة».

على الصعيد الدولي، دانت روسيا قتل سيف الإسلام القذافي، ودعت إلى تحقيق معمّق، بحسب بيان الخارجية الروسية، فيما طالبت منظمة العفو الدولية بأن تكون تحقيقات النائب العام الصديق الصور في اغتيال سيف الإسلام سريعة ومستقلة وشفافة، وتقديم المشتبه بهم إلى العدالة، لكنها أشارت إلى أن «اغتيال سيف القذافي يحرم الناجين وذوي الضحايا من حقوقهم في معرفة الحقيقة والعدالة والتعويض».

صورة أرشيفية لسيف الإسلام تعود إلى صيف 2011 بفندق ريكسوس في طرابلس (أ.ب)

وكان مكتب النائب العام الليبي قد أعلن إرسال محققين إثر تلقي بلاغ عن واقعة وفاة سيف الإسلام القذافي إلى الزنتان لإجراء المعاينة، وسماع الشهود، بحضور أطباء شرعيين، وخبراء أسلحة، وبصمات وسموم، ومجالات متنوعة من العلوم المرتبطة بالتحقيق.

وقال إن مناظرة الجثمان أثبتت تعرضه لأعيرة نارية أصابته في مقتل، لافتاً إلى استمرار التحقيق في البحث عن أدلة، وتحديد المشتبهين بارتكاب الجريمة، واتخاذ الإجراءات لإقامة الدعوى ضدهم.

ووفقاً لرواية قدمها علناً الفريق السياسي لسيف الإسلام، في بيان رسمي، فقد اقتحم «أربعة ملثمين» مقر إقامته في مدينة الزنتان الجبلية، التي تبعد 150 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة طرابلس، ظهر الثلاثاء، وعمدوا في البداية إلى إطفاء كاميرات المراقبة لطمس معالم الجريمة، قبل أن يدخل معهم في «اشتباك مباشر ومواجهة بطولية» أدت إلى مقتله.

ونعى البيان نجل القذافي، واصفاً إياه بـ«الشهيد والمجاهد»، الذي تمسك بالمشروع الوطني الإصلاحي ولم يبع سيادة بلاده، وشدد على أن هذه الجريمة «لن تمر دون ملاحقة ومعاقبة كل من شارك في تدبيرها وتنفيذها»، مؤكداً أن دماءه ستظل «لعنة تلاحق الخونة».

سيف الإسلام يرفع بيديه شارة النصر خلال تجمع أمام مؤيدي والده في 23 أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

وطالب البيان القضاء الليبي والمجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، بتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وفتح تحقيق «محلي ودولي مستقل وشفاف»؛ لكشف ملابسات الاغتيال، وتحديد الهوية والعقول المدبرة وراء العملية.

ويأتي اغتيال سيف الإسلام القذافي في وقت حساس تمر به الدولة الليبية، حيث اعتبر البيان أن تصفيته تمثل «اغتيالاً لفرص السلام والاستقرار» في البلاد، نظراً للوزن السياسي الذي كان يتمتع به بوصفه أحد أبرز الوجوه المرشحة، والمطروحة في المشهد الليبي المتعثر منذ عام 2011.

ويرى مراقبون أن اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يكن مجرد حدث أمني، بل كان صدمة أعادت رسم خطوط المواجهة الشعبية في البلاد.

وقالت مصادر مقربة من عائلة القذافي إن سيف الإسلام لم يستسلم لمغتاليه، بل اشتبك مباشرة وتصدى للمهاجمين في حديقة منزله بالزنتان، قبل أن تغلبه رصاصات الغدر، فيما كشف فريقه السياسي عن نجاته من محاولات اغتيال سابقة، مما يجعل من عملية الأمس اختراقاً أمنياً «مريباً» للمكان الذي أمّنه لمدة 10 سنوات.

وسادت حالة من «الذهول والحزن» في معاقل قبائل رفلّة والقذاذفة والمقارحة، حيث تحولت الشوارع في بني وليد وسرت والجنوب إلى ساحات عزاء مفتوحة، ورفعت خلالها الرايات الخضراء، ووصفه الناعون بـ«شهيد المصالحة».

بعض الأطراف الليبية عبرت عن شعورها بما عدّوه «تحقق العدالة على نحو متأخر» رداً على اغتيال سيف الإسلام (أ.ف.ب)

في المقابل، شهدت بعض أحياء طرابلس ومصراتة ردود فعل مغايرة، حيث عبرت بعض الأطراف عن شعورها بما عدّوه «تحقق العدالة على نحو متأخر»، مع تداول بعض الفيديوهات القديمة له من عام 2011، مصحوبة بتعليقات تشير إلى أن الأحداث «أخذت مجراها الطبيعي»، وسط تلاسن حاد على صفحات التواصل الاجتماعي الليبية.