3 آلاف جثة متحللة مجهولة في مشارح الخرطوم

مخاوف من انتشار الأوبئة مع غياب الأطقم الطبية

جثث ضحايا مدنيين تعرض منزلهم للقصف في جنوب الخرطوم الشهر الماضي (أ.ف.ب - غيتي)
جثث ضحايا مدنيين تعرض منزلهم للقصف في جنوب الخرطوم الشهر الماضي (أ.ف.ب - غيتي)
TT

3 آلاف جثة متحللة مجهولة في مشارح الخرطوم

جثث ضحايا مدنيين تعرض منزلهم للقصف في جنوب الخرطوم الشهر الماضي (أ.ف.ب - غيتي)
جثث ضحايا مدنيين تعرض منزلهم للقصف في جنوب الخرطوم الشهر الماضي (أ.ف.ب - غيتي)

يقبع أكثر من 3 آلاف جثة في 3 من مشارح العاصمة السودانية الخرطوم، دون أن تتوفر معلومات كافية عن أوضاع تلك المشارح منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل (نيسان) الماضي.

وقال مدير عام وزارة الصحة في ولاية الخرطوم محمود القائم لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع المشارح مغلقة، ولا توجد بها كوادر طبية لأنها تقع في مناطق الاشتباكات، كما أن الحرب تسببت في انقطاع كبير للتيار الكهربائي.

ويُعتقد أن بعض هذه الجثامين يعود لمدنيين قتلوا على أيدي قوات عسكرية أثناء فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في 3 يونيو (حزيران) 2019، بالإضافة إلى ضحايا موجة الاحتجاجات التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وأخيراً بعض ضحايا الحرب الحالية التي بدأت في منتصف أبريل.

وكان الاعتصام، الذي بدأ في 6 أبريل واستمر حتى 3 يونيو 2019، قد تم فضه بعنف مفرط من قبل قوات ترتدي أزياء الجيش والدعم السريع والشرطة التي استخدمت الرصاص الحي والدهس بالسيارات وإلقاء المحتجين في نهر النيل، ما أدى لمقتل المئات من الأشخاص المعلومين، وأعداد غير محصاة من المجهولين.

مستشفى شرق النيل لم ينجُ من التدمير والقصف (رويترز)

منع دفن الجثامين

وفي 15 أبريل الماضي، اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، التي دخلت الآن شهرها الرابع، وأدت إلى مقتل وجرح آلاف المدنيين وتشريد الملايين بين نازح ولاجئ، إضافة إلى تدمير البنى التحتية، ما جعل الحديث عن أوضاع المشارح والجثامين الموجودة داخلها يخفت، على الرغم من أن قضية الجثامين كانت لا تغيب عن منابر الإعلام وندوات الأحزاب في فترة ما قبل الحرب.

وأوقفت الحكومة المدنية في عام 2019 دفن الجثامين استجابة لطلب أسر مفقودي فض الاعتصام، إلى حين التعرف على هوياتهم عبر لجان تحقيق شكلتها الحكومة. لكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 قطع الطريق أمام هذه التحقيقات، وظلت الجثث تتراكم في المشارح، في غياب حكومة منذ ذلك الوقت، ثم تحللت مع الوقت خصوصاً بعد بدء الحرب الحالية التي تسببت في انقطاع شبه دائم لمعظم مناطق العاصمة، بما في ذلك المرافق الطبية لمدة أكثر من 3 أشهر، فيما عبرت هيئة الطب العدلي عن خشيتها من انتشار الأمراض والأوبئة بين المواطنين.

الحرب في الخرطوم ستكون لها آثار مدمرة على كثير من الأصعدة في السودان (أ.ف.ب)

تكدس الجثث

وقال مدير هيئة الطب العدلي بالخرطوم د. هشام زين العابدين لـ«الشرق الأوسط»، إن بالخرطوم 3 مشارح؛ مشرحة مستشفى أمدرمان، ومشرحة المستشفى الأكاديمي، ومشرحة مستشفى بشائر، وتبلغ سعتها الاستيعابية بضع مئات من الجثث، لكن قراراً حكومياً قضى بعدم دفن أي جثة منذ عام 2019، بحيث تكدست الجثث وبلغ عدد الجثامين الموجودة فيها نحو 3 آلاف جثة، ما شكل ضغطاً كبيراً على المشارح.

وأوضح زين العابدين أن استمرار الحرب حال دون معرفة مدى الضرر الذي لحق بالمشارح، وتابع: «التيار الكهربائي غير متوفر لتشغيل المبردات، مع وجود احتمالات بسقوط مقذوفات وقذائف على المشارح، ويخشى أن تكون الكلاب الضالة والقطط قد دخلتها وأكلت الجثامين»، وتابع: «الآن الجثامين كأنها في الشوارع بسبب الحرب، ولا يوجد طبيب أو عامل بها، ولا مقطوع عنها التيار الكهربائي».

الفئران تأكل الجثامين

وقبل الحرب، افتتحت وزارة الصحة الولائية مشرحة مدينة أمبدة غرب أمدرمان بسعة 30 جثة، لاستقبال القتلى مجهولي الهوية الذين يأتون لمستشفى أم بدة، لكن عدم استقرار التيار الكهربائي يرجح أن يكون قد أثر على الجثامين الموجودة داخلها، مع عدم القدرة على توفير الوقود الكافي لتشغيل المولدات الاحتياطية، ما ينبئ بكارثة في المنطقة.

وقال زين العابدين إن المشارح توجد وسط الأحياء السكنية بالخرطوم، ما جعل المواطنين الذين يسكنون بالقرب منها يشكون من انبعاثات الروائح الكريهة الناتجة عن تحلل الجثث، وتخشى هيئة الطب العدلي من انتشار الأمراض والأوبئة بين المواطنين خصوصاً «الطاعون»، لأن الفئران تدخل المشارح وتتغذى على الجثامين، دون وجود وسائل مكافحة فعالة، ما اضطر الهيئة لاستخدام مبيدات الحشرات للقضاء على القوارض والحشرات. وأضاف: «منذ قبل الحرب تحللت الجثامين في المشارح، وتحولت إلى أكوام لحم، ولا يوجد جثمان مكتمل في المشارح».

الجثث في الشوارع

قال مدير عام وزارة الصحة بولاية الخرطوم محمود القائم لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع المشارح مغلقة، ولا توجد بها كوادر لأنها تقع في منطقة اشتباكات، وتعاني من انقطاع التيار الكهربائي. وأوضح القائم أن جثث قتلى الحرب منتشرة بكثافة في شوارع الخرطوم، بسبب عدم وجود ممرات آمنة تمكن الجهات الصحية من دفنها. وأضاف: «الهلال الأحمر السوداني ومنظمة الصليب الأحمر سيقومان بهذا الدور في حال توفرت لهما تلك الممرات»، وحذر من تحلل الجثث في الشوارع وما قد يترتب عليه من أخطار وكوارث بيئية، وتابع: «لا توجد إحصائية حول أعداد الجثث في شوارع الخرطوم».

تصاعد الدخان فوق أمدرمان جراء المعارك بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» (أ.ف.ب)

خراب البيئة

انتقد أطباء الاحتفاظ بالجثامين بالمشارح لسنوات بحجة أنها تضم «شهداء» جريمة فض اعتصام القيادة العامة مطالبين بدفنها، وقالوا: «يمكن الاحتفاظ بالحمض النووي (دي إن إيه) وكل المعلومات الخاصة بالجثامين قبل دفنها، وإن وجودها بتلك الطريقة في المشارح يتسبب في ضياع الأدلة».

وقال رئيس لجنة التحقيق المستقلة في جريمة فض اعتصام القيادة العامة المحامي نبيل أديب، إن لجنته لم تمنع دفن الجثامين في المشارح، قائلاً: «وقتها أكدت أن وجودها سيؤدي إلى ضياع البينات، لأن الجثامين تتحلل بمضي الزمن ويستحيل التعرف عليها، ما لم يتم حفظها بالشكل العلمي المطلوب»، وتابع: «لجنة التحقيق طالبت بالاحتفاظ بالبصمة الوراثية لكل جثمان يجري التحقيق بشأن وفاته قبل دفنه».

مبنى مدمر نتيجة الاشتباكات في أمدرمان بالسودان 4 يوليو 2023 (رويترز)

قرار سياسي

ووصف مدير هيئة الطب العدلي منع دفن الجثامين بأنه «قرار سياسي»، وأنه علمياً لا مبرر للاحتفاظ بالجثامين في المشارح بتلك الطريقة، قائلاً: «بعض السياسيين تاجروا بقضية الجثامين بالمشارح، من أجل الوصول إلى السلطة». وتابع: «الآن لا توجد مستندات تحفظ حقوق الموجودين في المشارح، وبعد الحرب لن يسأل أحد عن تلك الجثامين، وسيكون هناك موضوع آخر، لأن الجثامين كانت مرحلة من المراحل السياسية».

جانب من الاحتجاجات المناهضة للانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 (أ.ب)

وتضم مشارح الخرطوم جثامين من فئات عمرية مختلفة، بما في ذلك جثامين أطفال، وتواجه السلطات الصحية صعوبة في إخراج جثامين حديثي الولادة من بين أكوام الجثث المتراكمة بعضها فوق بعض، ومن ثم دفنهم. ويقول متابعون إن وضع المشارح في الخرطوم سيئ للغاية قبل اندلاع الحرب التي زادتها سوءاً، فالثلاجات لا تعمل بكفاءة، وبعضها معطل، ولا يوجد حتى حراس، وقال زين العابدين: «الآن الوضع أسوأ، فلا أحد يمكنه الذهاب إلى حيث المشارح بسبب الحرب والقتال المستمر حولها منذ أكثر من 100 يوم».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

الانتهاكات في السودان «ليست عشوائية، بل نمط متكرر ومنهجي يقوض قواعد القانون الدولي الإنساني، ويحد من فاعلية الاستجابة الإنسانية...».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

على نحو مفاجئ، بحث صلاح النمروش رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية المؤقتة مع مدير الاستخبارات العسكرية بالجيش السوداني الفريق محمد علي صبير سبل التعاون العسكري.

جمال جوهر (القاهرة)

إصابة 38 شخصاً في انقلاب حافلة بصعيد مصر

مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)
مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)
TT

إصابة 38 شخصاً في انقلاب حافلة بصعيد مصر

مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)
مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)

تسبب حادث انقلاب حافلة ركاب بصعيد مصر في إصابة 38 شخصاً. وتلقت السلطات المحلية، الجمعة، إخطاراً يفيد بانقلاب حافلة على الطريق الصحراوي «قنا - سوهاج» متجهة إلى محافظة أسوان (صعيد مصر).

وأفادت السلطات بأنه تم تحرير محضر بالواقعة، وأخطرت الجهات المختصة لتتولى التحقيقات، وكشف ملابسات الحادث. وذكرت محافظة قنا أن «قوات الحماية المدنية والشرطة انتقلت لموقع الحادث، وفرضت كردونًا أمنياً لتأمين المنطقة، وتسهيل الحركة، مع بدء التحقيقات لمعرفة أسباب الحادث».

وأكد محافظ قنا، مصطفى الببلاوي، الجمعة، أنه رفع درجة الاستعداد القصوى والدفع بـ20 سيارة إسعاف مجهزة، بالتنسيق بين مرفقي إسعاف قنا وسوهاج، للتعامل الفوري مع حادث الانقلاب بالقرب من الكيلو 50 على طريق قنا - سوهاج الصحراوي الشرقي لضمان سرعة نقل المصابين، وتقديم الرعاية الطبية اللازمة.

ووفق رئيس مرفق الإسعاف بقنا، محمد فؤاد، فإن الحادث أسفر عن إصابة 38 شخصاً من مستقلي الحافلة، نُقلوا جميعاً إلى مستشفى قنا العام لتلقي العلاج وإجراء الفحوص، مؤكداً أن رجال الإسعاف تعاملوا مع الواقعة منذ لحظة البلاغ، وحتى انتهاء عمليات الإخلاء الطبي من موقع الحادث.

سيارات الإسعاف انتقلت إلى مكان حادث انقلاب الحافلة (محافظة قنا)

وأشار فؤاد بحسب الصفحة الرسمية لمحافظة قنا على «فيسبوك» إلى أن «الحافلة كانت تقل 42 سودانياً، والإصابات خفيفة بين سحجات وكدمات». ولفت إلى أن «معظم الحالات المصابة مستقرة، وتخضع للملاحظة الطبية».

وتتكرَّر حوادث الطرق في مصر، وتسعى الحكومة إلى الحد من الحوادث عبر إصلاح وصيانة الطرق الرئيسية، ورفع كفاءتها، فضلاً عن مبادرات تدريب السائقين. وبحسب البيانات الرسمية «سجَّلت مصر أكثر من 33 ألف حالة وفاة و315 ألف إصابة بسبب حوادث الطرق بين عامَي 2019 و2023».

ويشار إلى أنه في مطلع أبريل (نيسان) الحالي، وقع حادث سير بمحافظة المنوفية المصرية (شمال القاهرة) تسبب في مقتل 9 أشخاص، وإصابة 3 آخرين نتيجة تصادم سيارتَي نقل، إحداهما تنقل عمالاً وأخرى تسير عكس الاتجاه بسرعة. وفي فبراير (شباط) الماضي لقي 18 شخصاً حتفهم، وأُصيب آخرون من جراء حادث تصادم مروع في محافظة بورسعيد المصرية (شمال) في أثناء ذهابهم إلى العمل.

أيضاً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أدى حادث تصادم بين حافلة سياحية وسيارة نقل بمدينة رأس غارب في محافظة البحر الأحمر إلى وفاة مصري وسائحة روسية وإصابة عشرات الأجانب. وفي يوليو (تموز) من العام الماضي، أسفر تصادم سيارة نقل ثقيل وحافلة صغيرة (ميكروباص) كانت تقل فتيات عاملات باليومية بالطريق الإقليمي في محافظة المنوفية عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة 3 آخرين.


الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)
نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)
TT

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)
نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، مشيراً إلى أن أكثر من 19 مليون شخص من أصل نحو 45 مليون نسمة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع وتداعياته الاقتصادية والإنسانية. وأعلن في المقابل إعادة تشغيل مكتبه القطري في العاصمة السودانية، بعد أن ظلّ يعمل في بورتسودان منذ اندلاع الحرب، وذلك تمهيداً لعودة واسعة للأمم المتحدة إلى العاصمة الخرطوم.

وحذّر نائب المدير التنفيذي للبرنامج كارل سكاو، عقب لقائه المدير القطري الجديد للبرنامج عبد الله الوردات، مع رئيس الوزراء كامل إدريس في الخرطوم، الجمعة، من أن استمرار الصراع دون انقطاع في مساحات واسعة من البلاد سيؤدي إلى مزيد من المعاناة وانعدام الأمن الغذائي الحاد لنحو 19 مليون شخص، واستمرار «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم». وتعهد سكاو ببذل الجهود اللازمة، رغم نقص التمويل، وبالوصول إلى المزيد من الناس، وتوفير المساعدات الغذائية المنقذة لحياة النساء والأطفال الذين يعانون سوء التغذية، ومساعدة المجتمعات على إعادة بناء حياتها.

لاجئون سودانيون في انتظار حصولهم على حصصهم الغذائية من برنامج الغذاء العالمي في كوفرون بتشاد (رويترز)

وقال المسؤول الأممي إن عودة البرنامج إلى المدينة تجيء بعد ثلاث سنوات تعرّض خلالها مقره للنهب والتدمير. ووصف الأوضاع في الخرطوم بأنها «تغيّرت بشكل واضح»، منذ زيارته للمدينة قبل ستة أشهر. وأضاف: «هناك حركة نشاط أكبر في المدينة، والمطار يعمل، والناس يعودون تدريجياً إلى منازلهم ويبدأون في إعادة بناء حياتهم». وعدّ سكاو عودة مكتبه إلى الخرطوم تمهيداً لجهود أوسع للأمم المتحدة، بصفتها أكبر وكالة إنسانية في البلاد، كاشفاً عن استئناف خدمة الأمم المتحدة للنقل الجوي للمساعدات الإنسانية (UNHAS) التي يديرها برنامج الغذاء العالمي (WFP) إلى الخرطوم منذ فبراير (شباط) الماضي، بثلاث رحلات أسبوعية.

من جهته، أكد رئيس الوزراء كامل إدريس، في تصريحات أعقبت لقاءه سكاو، حرص حكومته على تذليل العقبات كافّة، وتعزيز آفاق التعاون المشترك مع برنامج الغذاء العالمي (WFP)، لتمكينه من أداء مهامه الإنسانية، وتقديم المساعدات في أنحاء السودان كافّة، وتمكينه من العمل من داخل الخرطوم، استناداً إلى التحسن الملحوظ في مستوى الخدمات الأساسية وجهود إعادة الإعمار في العاصمة.

لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان 9 أبريل 2026 (يونيسف)

من جهة أخرى، أشارت مفوضية شؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، في بيان نقله مركز الأمم المتحدة الإعلامي، إلى أن المساعدات الأساسية المقدمة إلى اللاجئين في تشاد ستشهد تقليصاً حاداً إضافياً خلال الأشهر المقبلة، ما لم يتم سد عجز في التمويل يبلغ 428 مليون دولار. ووفقاً للبيان الصحافي «تستضيف تشاد 1.3 مليون لاجئ سوداني». وأكد البيان المشترك عدم كفاية الموارد الحالية المتاحة، وقال إنها لا تسمح للمفوضية بتقديم المساعدات الأساسية سوى لأربعة لاجئين من أصل كل عشرة، مما يترك أعداداً كبيرة منهم يعانون من شح في فرص الحصول على المأوى والماء والرعاية الصحية الأساسية.

تصاعد استخدام المسيّرات

من جهة ثانية، قالت الأمم المتحدة إن هجوماً بطائرة مسيرة على بلدة في إقليم دارفور بالسودان أصاب حفل زفاف، مما أسفر عن مقتل 30 مدنياً على الأقل بينهم نساء وأطفال. وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال إفادة صحافية، إن مراسم الزفاف كانت في بلدة كتم بشمال دارفور. ويُعدّ هذا الهجوم هو الأحدث في حرب الطائرات المسيرة المكثفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية اللذَين يخوضان حرباً منذ 15 أبريل (نيسان) 2023، أسفرت عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة، لكن جماعات الإغاثة تقول إن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير.

وشهدت الأشهر الأخيرة تراجعاً في حدة القتال البري مقابل تصاعد ملحوظ في استخدام الطائرات المسيّرة، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى من المدنيين، مع اقتراب الحرب من عامها الرابع.

وتقع كتم غرب السودان وتخضع لسيطرة «قوات الدعم السريع» منذ بداية النزاع، وتُعدّ منطقة زراعية مهمة. ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني، في ظل تبادل الاتهامات بين طرفَي النزاع بشأن استهداف المدنيين.

ففي 3 أبريل الحالي، قُتل 10 أشخاص، بينهم كوادر طبية وإدارية، وأُصيب 22 آخرون، إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدف مستشفى الجبلين بولاية النيل الأبيض، مما أدى إلى تدمير مجمع العمليات وأقسام الطوارئ. وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن الحادثة. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية مقتل 64 شخصاً، بينهم 13 طفلاً وكوادر طبية، في قصف استهدف مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور في 20 مارس (آذار) الماضي، ووصفت الهجوم بأنه من أعنف الضربات التي طالت منشأة صحية خلال النزاع، وسط تضارب في الاتهامات حول المسؤولية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صدام حفتر: استضافة «فلينتلوك» تؤكد جاهزية شباب ليبيا للتلاحم

صدام حفتر يتوسط القائم بأعمال السفارة الأميركية وقائد «أفريكوم» في زيارتهم إلى بنغازي مطلع ديسمبر الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط القائم بأعمال السفارة الأميركية وقائد «أفريكوم» في زيارتهم إلى بنغازي مطلع ديسمبر الماضي (القيادة العامة)
TT

صدام حفتر: استضافة «فلينتلوك» تؤكد جاهزية شباب ليبيا للتلاحم

صدام حفتر يتوسط القائم بأعمال السفارة الأميركية وقائد «أفريكوم» في زيارتهم إلى بنغازي مطلع ديسمبر الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط القائم بأعمال السفارة الأميركية وقائد «أفريكوم» في زيارتهم إلى بنغازي مطلع ديسمبر الماضي (القيادة العامة)

اتجهت وحدات من سلاح «الصاعقة»، التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، من بنغازي (شرقاً) إلى مدينة سرت (وسطاً) للمشاركة في التمرين العسكري الدولي «فلينتلوك 2026»، المرتقب إجراؤه منتصف الشهر الحالي، بإشراف القيادة الأميركية في أفريقيا، وبمشاركة أفريقية ودولية واسعة.

جانب من قوات «الجيش الوطني» تتجه من بنغازي إلى سرت (القيادة العامة)

وكانت وحدات عسكرية تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة قد تحركت من طرابلس نحو سرت، في 3 أبريل (نيسان) الحالي؛ للانضمام إلى التمرين الذي تستضيف ليبيا جزءاً منه. وهذه هي المرة الأولى التي تندمج فيها قوات من طرابلس مع نظيرتها من بنغازي، منذ انقسام «الجيش الوطني»، عقب سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

وعدّ صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، استضافة ليبيا لهذا الحدث العسكري الدولي «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد؛ وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية». وقال اليوم (الجمعة) إن هؤلاء المنتسبين سيظلون دائماً «كالبنيان المرصوص في تلاحمهم، وقوة ضاربة في دفاعهم عن وحدة ليبيا واستقرارها».

وأضاف صدام، في تصريح نقلته «قناة ليبيا الحدث»، المقربة من الجيش: «قبل أسابيع أنهينا الاستعدادات كافة لاستضافة الضباط والعسكريين من ربوع بلادنا كافة بمدينة سرت، التي قاومت الإرهاب وانتصرت، واليوم تجمع الليبيين بعد إعادة إعمارها بسواعد وطنية مخلصة».

وصول قوات «الجيش الوطني» إلى سرت (صفحات مقربة من «الجيش الوطني»)

وينظر إلى هذه المناورة الأميركية على أنها تعمل على جمع «رفقاء السلاح» في المؤسسة الليبية المنقسمة منذ السنوات، التي تلت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011. كما تهدف، بحسب وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» في طرابلس، إلى تعزيز جهود التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الخاصة، وتبادل الخبرات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع التهديدات الأمنية في شمال وغرب القارة الأفريقية.

ويرى صدام أن هذا التمرين «يعدّ فرصة سانحة لتعزيز التنسيق الدولي، ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود، ورفع الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق بين البلدان الأفريقية المشاركة به»، كما أنه «خطوة ثابتة في استعادة دولة ليبيا لدورها الريادي في حفظ الأمن والسلم على المستوى الوطني، وبالقارة الأفريقية والبحر المتوسط».

وشكر صدام سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا، والقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا لمستوى التنسيق رفيع المستوى مع القوات المسلحة العربية الليبية، وحرصهم على تعزيز الشراكة والتعاون. مبرزاً أن المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، «تابع بشكل شخصي التحضيرات كافة لهذا التمرين؛ وهو يشعر بالفخر والامتنان لأبناء المؤسسة العسكرية الليبية كافة، الذين قدموا من طرابلس والمدن الليبية كافة، للمشاركة في هذا الحدث العسكري، الأول من نوعه في تاريخ بلادنا».

صدام حفتر وقائد «أفريكوم» داغفين أندرسون خلال زيارة بنغازي في ديسمبر الماضي (القيادة العامة)

وأضاف صدام قائلاً: «التزامنا الثابت، وإيماننا الراسخ بوحدة ليبيا وحمايتها، وتثبيت دعائم السلم والبناء والتنمية الشاملة بمدن وقرى ومناطق ليبيا كافة، يتطلب قيادة وطنية جامعة وحازمة وقوية، تُشرك أبناء شعبنا كافة في بناء مستقبل ليبيا».

وانتهى صدام مقدماً «التحية والتقدير لكل أبناء المؤسسة العسكرية المشاركين في هذا التمرين العسكري، وكلنا ثقة في احترافيتهم ومهنيتهم وشجاعتهم وانضباطهم بكافة القوانين واللوائح المعمول بها بالقوات المسلحة العربية الليبية».

وهذه هي المرة الأولى التي يُنظم فيها مثل هذا التمرين في ليبيا، الذي سيشهد مشاركة واسعة للعديد من دول العالم. وسيشارك في هذه المناورة، وفق حكومة «الوحدة»، نحو 1500 جندي يمثلون 30 دولة، في إطار تعزيز التعاون العسكري، ورفع مستوى الجاهزية، وتبادل الخبرات، ولا سيما مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة.

ويأمل سياسيون ليبيون أن يتمثل الهدف النهائي لهذه المناورة في إعادة بناء جيش وطني موحد محترف، قادر على حماية البلاد وصون استقرارها.

وتعمل الولايات المتحدة الأميركية على دعم مسار توحيد الجيش الليبي المنقسم، وذلك خلال محادثات عديدة، كان آخرها في بنغازي في 25 مارس (آذار) الماضي، أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيريمي برنت، في شرق البلاد، مع الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني».