الفارون من الخرطوم يقاسون للتأقلم مع الحياة في الأرياف

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

الفارون من الخرطوم يقاسون للتأقلم مع الحياة في الأرياف

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

فرضت حرب السودان على سكان الخرطوم ومدن أخرى الهجرة إلى الريف، والعودة لبساطة الحياة هناك، بعيداً عن دوي الانفجارات وأصوات القتال في الخرطوم ومدينة الجنينة بغرب السودان ومناطق أخرى.

ويعيش أكثر من مليوني نازح طوال 4 أشهر حياة بسيطة في جوانب عديدة، وطوعوا أنفسهم على حياة الريف، لكن كثيراً ما تظهر في سلوكياتهم حياة المدينة التي تعيش دواخلهم. وفي حقيقة الأمر يعيشون حياة عبارة عن مزيج بين الريف والحضر.

كثير من النازحين بمجرد وصولهم إلى الريف أخذوا يبحثون عن عمل لتوفير احتياجات أسرهم من الأكل والشرب. وتخلى صاحب ربطة العنق الأنيقة عن قميصه، وصاحب العمامة البيضاء عن جلبابه، ومثل عامة أهل القرى، افترشوا الأرض يبيعون الخضراوات والفاكهة، ويقودون المركبات العامة وغيرها من الأعمال.

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى مدينة ود مدني القريبة (أ.ف.ب)

محمد حسن شاب ثلاثيني اضطرته الحرب إلى مغادرة الخرطوم إلى ولاية القضارف، لبيع العصائر البلدية (كركدي عربية) بالقرب من محطة المواصلات، ويقول محمد حسن لـ«الشرق الأوسط» إن زوجته شجعته على هذا العمل من أجل توفير قليل من المال لشراء اللبن والخبز والخضراوات لاثنين من أبنائه، مشيراً إلى أنه كان يعمل بشركة خاصة يتقاضى راتباً شهرياً قدرة 300 ألف جنيه (نحو 500 دولار)، ورغم أنه يكسب مالاً أقل بكثير من مرتبه، لكنه يستطيع أن يعيش هكذا حتى تنتهي الحرب ويرجع إلى منزله بالخرطوم.

وجبة الفطور

الوجبات الرئيسية في الريف تختلف من منطقة إلى أخرى، ففي بعض الأماكن هي «القرصة والكسرة» المصنوعتان من دقيق القمح أو الذرة، ويأخذ إعدادها وقتاً طويلاً يجعل النساء يستيقظن صباحاً، لتجهيز وجبة الفطور التي تكون في الغالب التاسعة والنصف صباحاً، يسبقها تناول شاي الصباح بالحليب.

الطعام الذي يتناوله إنسان الريف صحي ويمده بالطاقة؛ الرجال في الغالب يتناولون وجبه الإفطار في المنزل، بعكس أهل المدينة الذين يتناولون في وجباتهم، على الفطور، الفول والطعمية (الفلافل) والبيض، وفي الغالب خارج المنزل في أماكن العمل والمطاعم. وتغلق المحال التجارية أبوابها في الأرياف مبكراً بينما تخلو أسواق الخضار من الباعة منذ التاسعة صباحاً.

النازحون من المدينة ضبطوا حياتهم على عقارب ساعة الريف، وتركوا زمن المدينة التي يبدأ يومها في الغالب متأخراً ويستمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي.

ترابط اجتماعي

الريفيون يتميزون بالترابط الاجتماعي القوي، ويتميز إنسان الريف بالطيبة والكرم، يشارك صغار السن الأفراح والأتراح مثل الكبار، وعندما يُتوفى شخص بالقرية يتم تنبيه المواطنين بالمسجد، وكذلك تتم الدعوة للزواج.

تغلق المحال التجارية أبوابها عند وفاة أحد سكان القرية، ولا تفتح إلا بعد دفنه. أما النساء فهن في العادة لا يخرجن من المنزل إلا بعد أذان المغرب إلا مضطرات، لكن يذهبن للعزاء حتى لو حدثت الوفاة عند الثانية عشرة ليلاً.

تمدين الريف

بالمقابل، فإن الحرب التي جعلت أكثر من مليوني مواطن يتركون منازلهم وينزحون إلى الولايات، فرضت مظاهر جديدة في القرى، وتم تمدين الريف... بعض الذين أسعفتهم الظروف جاءوا إلى الريف بالفارهات وأدوات جعلتهم يحتفظون ببعض حياة المدينة. لكن سلوكيات بعض الفارين من الحرب رفضها سكان القرى، مثل الأزياء النسائية خاصة.

خلال شهور الحرب تمت زيجات بين نازحات من أبناء الريف والعكس، وبعض النازحات أكملن زواجهن بالقرى.

حفيظة عبد الله قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها خرجت مع أسرتها من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة عقب عيد الفطر، وقالت إنها أكملت زواجها بولاية القضارف حيث يعمل زوجها، مشيرة إلى أن بعض أهل القرية اعتقدوا أن زواجها تم بشكل بزخي، لأن بعض ترتيبات الزواج كانت بحاضرة الولاية. ويتخوف بعض الرجال من أن يتم تقليدها من قبل بعض المقبلات على الزواج، وبالتالي سترتفع تكاليفه.

أطفال النازحين

ببراءتهم المعهودة وتقلُّب أمزجتهم، يعيش الأطفال النازحون بين حياة الريف والمدينة، يستمتعون بالألعاب الشعبية مع أندادهم، ويحبون ممارسة الألعاب بالهاتف الجوال. يبحثون عن الوجبات المحببة التي اعتادوا تناولها، ويرفضون أحياناً الوجبات الشعبية التي يحاول آباؤهم إقناعهم بأنها الأفضل وستساعدهم على أن يكونوا أقوياء، ويستدلون بشخصيات «كرتونية» يدمنون مشاهدتها.

شاحنات البضائع متوقفة في مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة حيث انخفض النقل البري بسبب الحرب (أ.ف.ب)

يفرح الأطفال عندما يذهبون في رحلة إلى البحر. أياديهم الصغيرة يغرفون بها ماء البحر وتتسرب بين أصابعهم ويتراشقون ويضحكون.

في المزارع يتجولون بين الفواكه والخضراوات، تتلطخ ثيابهم بالطين عندما يحاولون تقليد الكبار باقتلاع البصل أو الخضراوات.

صعوبات في تلقي العلاج

البحث عن علاج أكثر المشكلات التي يواجهها النازحون. بين حين وآخر يشدُّون الرحال إلى عاصمة الولاية بحثاً عن علاج، أغلب أرياف السودان بها أطباء عموميون، ولا يتوفر العلاج. هذه المشكلة ليست وليدة الحرب، لكنها قديمة، وازداد الأمر سوءاً بعد حرب الجنرالَيْن.

لكن في بعض القرى، بعض النازحات يعملن بالقطاع الصحي متطوعاتٍ، يساعدن سكان الريف الذين أحسنوا استقبالهن.


مقالات ذات صلة

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز) p-circle

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

واصلت الطائرات المسيّرة القتالية استهداف مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان و«الرهد أبو دكنة» المدينة الثالثة بالولاية وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

خاص حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات ومخازن وقود.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي تقاتل الجيش منذ أكثر من 3 سنوات، وتسيطر على أجزاء من البلاد.

وقال 3 شهود لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات المكثفة الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض، وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أنه شاهد استهداف 3 خزانات وقود، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وقال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن مدينة الرهد في شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وإن قذيفة سقطت على منزل أسرة، تسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.


مصر: إحالة صبري نخنوخ و10 متهمين للمحاكمة الجنائية

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
TT

مصر: إحالة صبري نخنوخ و10 متهمين للمحاكمة الجنائية

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

قررت النيابة العامة المصرية، الأحد، إحالة صبري نخنوخ و10 آخرين إلى محكمة الجنايات، وذلك على خلفية اتهامهم بـ«ارتكاب عدد من الجرائم».

وكانت قوات الأمن قد أوقفت رجل الأعمال نخنوخ على أحد الطرق السريعة، بعد بلاغ ضده من أصحاب معرض للسيارات في منطقة التجمع الخامس بشرق القاهرة يفيد بـ«تعرضهم للبلطجة والابتزاز والسرقة بالإكراه، منه وعدد من رجاله، بعد اقتحامهم معرضهم وإتلاف محتوياته، إثر خلاف على مبلغ مالي».

وأعلنت «النيابة» مطلع الشهر الجاري تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل، وأوردت سرداً لتفاصيل ما جرى العثور عليه خلال تفتيش مسكن المتهم والمقار التابعة له، ومنها «كميات من الأسلحة النارية شملت بنادق آلية ورشاشاً وطبنجة، إلى جانب كميات كبيرة من الذخيرة الحية قُدرت بنحو 1000 طلقة، إضافة إلى أجهزة اتصال غير مرخصة، وقطع يُشتبه في كونها أثرية، فضلاً عن وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلغ بسرقتها».

وأشارت «النيابة» حينها إلى أن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود مؤشرات على تشكيل يُشتبه في كونه عصابياً، يمارس أعمال «فرض السيطرة والبلطجة» باستخدام القوة والتهديد، متخذاً من أنشطة تجارية واجهة لتحركاته، في حين جرى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وتجديد حبسهم لاحقاً لمدة 15 يوماً.

وقالت النيابة وقتها إن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم»، وإن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الواقعة كاملة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال جميع المتورطين.

صبري نخنوخ وخلفه حراس شخصيون (صفحته على فيسبوك)

ووفق أمر الإحالة في القضية، بحسب ما أورد الموقع الرسمي لـ«الهيئة الوطنية للإعلام»، الأحد، يواجه المتهمون اتهامات تتضمن «استعراض القوة والتلويح بالعنف، والسرقة بالإكراه، والتهديد المصحوب بطلب، والتعدي بالضرب والسب، وتعمد الإزعاج، وإساءة استعمال وسائل الاتصالات، بالإضافة إلى استخدام حساب خاص على شبكة الإنترنت بقصد ارتكاب جريمة».

وسبق وأُدين نخنوخ عام 2012 في قضايا تتعلق بـ«البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مواد مخدرة»، وصدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي عام 2018 لأسباب صحية؛ ما جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العام بالبلاد، وتزايد مع ارتباط اسمه بإدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة، التي تُعد من أبرز شركات الأمن الخاص.

كما قررت «النيابة المصرية»، الأسبوع الماضي، التحفظ على أموال نخنوخ والمتهمين معه في القضية، وتشمل «الأموال المنقولة والأسهم والصكوك والسندات والخزائن والودائع والمحافظ الإلكترونية والأصول العقارية، ومنعهم من التصرف فيها لحين الفصل في القضية».

وشغلت قضية صبري نخنوخ المصريين والمتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، وتداولوا بيانات «النيابة» وتفاصيل القضية بشكل واسع، فيما لا تزال تساؤلات تتردد بشأن مصير إدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة.


الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
TT

الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)

في حين قدَّم مسؤول الهيئة المنظمة للانتخابات في الجزائر ردوداً على تساؤلات ضاغطة حول «شبهة الفساد» التي استندت إليها الهيئة لإقصاء مئات المترشحين عن الاقتراع التشريعي المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، صعَّدت الأحزاب التي تخوض الحملة تحذيرها من عزوف محتمل عن صناديق الاقتراع، وسط عدم اهتمام لافت من المواطنين.

وأكد رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة، كريم خلفان، خلال عرض الحصيلة الإجمالية لعملية دراسة صحة ملفات الترشح لانتخاب أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» والفصل فيها، بالعاصمة يوم السبت، أن «الصلات المشبوهة بأوساط المال والأعمال» تصدرت مبررات الاستبعاد؛ حيث جرى إقصاء 1762 مترشحاً لهذا السبب، استناداً إلى «المادة 200، الفقرة السابعة» من القانون العضوي للانتخابات.

كوادر سلطة الانتخابات خلال عرض نتائج دراسة الترشيحات (سلطة الانتخابات)

كما أشار خلفان إلى رفض ملفات 1141 مترشحاً بسبب «صدور أحكام قضائية سالبة للحرية في حقهم دون الاستفادة من رد الاعتبار». وأوضح أن 571 متقدماً للانتخابات لم يستوفوا الشروط القانونية للترشح، بينما طال الإقصاء 72 شخصاً بداعي «التجوال السياسي»، الذي يعني تغيير حزب بحزب آخر قبيل الانتخاب، وهو ما يمنعه القانون.

مخالفات وطعون

توزعت بقية مبررات الرفض الفردية، بحسب خلفان، بين عدم التسجيل في الدائرة الانتخابية المستهدفة لـ 62 مترشحاً، و«محاولة التأثير على الاختيار الحر للناخبين والسير الحسن للعملية الانتخابية» لـ60 آخرين، فضلاً عن عدم تسوية الوضعية تجاه الإدارة الضريبية لـ 30 متقدماً، ونقص الوثائق والمستندات المطلوبة في الملف لـ 18 حالة. كما تسبب «عدم الأهلية» لتولي منصب نيابي بموجب «المادة 199» من قانون نظام الانتخابات في إقصاء 18 مترشحاً. وفي الغالب، يتعلق الأمر بمحكوم عليهم بحكم قضائي نهائي على أساس جناية أو جنحة.

وكان عدم بلوغ سن الـ25 عاماً يوم الاقتراع حائلاً دون قبول 14 ملفاً، بالإضافة إلى إقصاء 10 مترشحين بسبب عدم تسوية وضعيتهم تجاه الخدمة العسكرية.

رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وبخصوص القوائم، أو الترشيحات الجماعية، أوضح رئيس سلطة الانتخابات أن أسباب الرفض شملت «عدم الالتزام بالعدد القانوني المطلوب للمترشحين» في 10 قوائم، و«الإخفاق في استيفاء شرط نصاب التوقيعات» في 16 قائمة، و«عدم احترام شرط تخصيص نصف القائمة للشباب» في 14 قائمة، و«عدم إيداع ترشيحات بديلة» في 18 قائمة، إلى جانب إسقاط قائمتين لعدم احترام شرط المناصفة وتمثيل المرأة، وقائمة واحدة لعدم الالتزام بشرط الكفاءة والتمثيل الجامعي.

وفيما يخص الطعون، استقبلت المحاكم الإدارية 2370 طعناً ضد قرارات الرفض الصادرة عن السلطة؛ قُبل منها 120 طعناً فقط يتعلق بالمترشحين والقوائم، بينما رُفض 2250 طعناً آخر. وإجمالاً، وافقت السلطة المستقلة على 793 قائمة تضم 9854 مترشحاً، مقابل رفض 49 قائمة كلياً بحصيلة بلغت 746 مترشحاً.

أما بالنسبة للدوائر الانتخابية للجالية الوطنية بالخارج، فقد تم قبول 54 قائمة تشتمل على 432 مترشحاً، ورفض 12 قائمة تضم 96 مترشحاً.

«مقصلة المادة 200»

وتشير الإحصائيات الختامية لعملية غربلة الترشيحات إلى أن النساء يمثلن 21 في المائة من إجمالي الترشيحات المقبولة بواقع 2032 امرأة، في حين يطغى الطابع الشبابي على القوائم بوجود 5304 مترشحاً دون سن الأربعين، وهو ما يعادل 54 في المائة من المجموع الكلي.

زعيمة حزب العمال احتجت بشدة على معايير فرز الترشيحات (إعلام حزبي)

كما يتمتع المشهد الانتخابي بمستوى علمي واضح، حيث يحوز 4673 مترشحاً على شهادات جامعية، بنسبة تمثل 47 في المائة من مجموع المتنافسين في هذا الاستحقاق.

وحرص خلفان في تصريحاته على تأكيد أن هيئة الانتخابات «لم تتعامل مع الترشيحات بمفهوم الغربال، ولم تُقصِ أي مترشح، إنما فعَّلت مواد قانون الانتخابات على الملفات»، في رد غير مباشر على وسائل الإعلام وقادة الأحزاب الذين انتقدوا بشدة «إفراط سلطة الانتخابات في استخدام مقصلة المادة 200 من الانتخابات كمصفاة لانتقاء المترشحين».

وعملياً، فرضت المعايير الأمنية منطقها كبوابة فرز أولى في المسار الانتخابي. فقبل أن تتدخل سلطة الانتخابات، تكفلت الأجهزة الأمنية بتحديد من يملك الحق في المنافسة؛ ما أدى تلقائياً إلى إقصاء واسع لخيارات سياسية ومترشحين يتبنون مشاريع إصلاح وتغيير.

وطالت «المصفاة الأمنية» كل الأحزاب، الإسلامية واليسارية وذات التوجه الوطني والمحافظ، وتشكيلات الموالاة والمعارضة وحتى المرشحين المستقلين، في مشهد سياسي لم تعرفه أي انتخابات من قبل.

ويعود هذا «الهوس» بـ«شبهة المال الفاسد وتغلغله في السياسة» إلى نهج متبع من طرف السلطة التي جاءت بعد انتخابات الرئاسة في 2019 إثر تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم، في سياق احتجاج الشارع على ترشحه لولاية خامسة.

ففي تقدير رجال السلطة الجدد، كان رجال الأعمال في العهد السابق أحد أسباب الانحرافات التي عاشتها البلاد، خصوصاً ما تعلق بتبديد المال العام وتحويل مبالغ كبيرة منه إلى الخارج، وهي من بين التهم التي اتخذتها المحاكم أساساً لسجن العشرات من المسؤولين السابقين ورجال المال، من بينهم 3 رؤساء حكومات وعدة وزراء.

ولا يزال القضاء إلى اليوم يعالج تداعيات هذه الفترة.