حرب السودان توقف الإنتاج وتدفع بالكثيرين إلى البطالة

أشخاص يجلسون فوق شاحنة تحمل مراتب وكراسي بلاستيكية وقطع أثاث أخرى متوقفة على طول الطريق الذي يربط العاصمة السودانية بمدينة ود مدني (أ.ف.ب)
أشخاص يجلسون فوق شاحنة تحمل مراتب وكراسي بلاستيكية وقطع أثاث أخرى متوقفة على طول الطريق الذي يربط العاصمة السودانية بمدينة ود مدني (أ.ف.ب)
TT

حرب السودان توقف الإنتاج وتدفع بالكثيرين إلى البطالة

أشخاص يجلسون فوق شاحنة تحمل مراتب وكراسي بلاستيكية وقطع أثاث أخرى متوقفة على طول الطريق الذي يربط العاصمة السودانية بمدينة ود مدني (أ.ف.ب)
أشخاص يجلسون فوق شاحنة تحمل مراتب وكراسي بلاستيكية وقطع أثاث أخرى متوقفة على طول الطريق الذي يربط العاصمة السودانية بمدينة ود مدني (أ.ف.ب)

كان مهنا عبد الرحمن يُمضي أيامه خلف مِقود شاحنته متنقلاً بين مختلف أنحاء السودان، لتوزيع البضائع بعد تحميلها من الموانئ، لكنه أصبح، منذ اندلاع النزاع، شبه عاطل عن العمل يقضي أوقاته في احتساء القهوة وتدخين النارجيلة.

قبل اندلاع المعارك بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، في 15 أبريل (نيسان) الماضي، كان عبد الرحمن، الذي يعمل سائقاً منذ 20 عاماً، يتوجه بشاحنته 4 مرات شهرياً إلى شرق السودان، لتحميل بضائع من موانئ واقعة على البحر الأحمر، قبل توزيعها على مختلف ولايات البلاد، لكنه بات يُمضي فترات طويلة في انتظار عمل.

سودانيون فروا من الحرب في منطقة بين السودان وتشاد في 26 أبريل 2023 (رويترز)

وقال عبد الرحمن، لـ«وكالة فرنس برس»، في أحد مقاهي مدينة ود مدني: «لقد مرت 3 أسابيع منذ آخِر حمولة قمتُ بتوزيعها».

لم يكن عبد الرحمن وحيداً في مقهى ود مدني؛ عاصمة ولاية الجزيرة، والواقعة على مسافة 200 كيلومتر جنوب الخرطوم.

برفقته جلس مئات السائقين، الذين أوقفوا شاحناتهم بسبب تعطّل عملهم، يلعبون الورق ويحتسون الشاي والقهوة، آملين أن تتبدل الأحوال، وتعود الحياة إلى طبيعتها في بلاد تعاني حرباً أدت في 3 أشهر إلى مقتل أكثر من 3 آلاف شخص، ونزوح أكثر من 3 ملايين، سواء داخل السودان أم خارجه.

فتاة تأكل في الخارج في مخيم للنازحين بالصوار على بُعد حوالي 15 كيلومتراً شمال ود مدني (أ.ف.ب)

وشكّلت ود مدني نقطة استقطاب رئيسية لمئات الآلاف من النازحين، خصوصاً من الخرطوم التي فرّ منها أكثر من مليون ونصف مليون شخص منذ بدء الحرب.

وأدت المعارك بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، إلى تراجع حركة النقل البري بنسبة 90 في المائة، وفق إحصاءات أولية أجرتها «غرفة النقل السودانية»، واطلعت عليها «وكالة فرنس برس».

كما تراجعت حركة الصادرات لتسجّل 282 مليون دولار، منذ مطلع عام 2023، مقارنة بـ2.5 مليار دولار، في النصف الأول من 2021، وفق «هيئة الموانئ السودانية».

دخول مستحيل

ويحاول بعض السائقين مواصلة عملهم، على الرغم من استمرار المعارك والقصف في مناطق مختلفة، أبرزها العاصمة، وإقليم دارفور في غرب البلاد، لكنهم يضطرون إلى القيادة لمسافات أطول؛ لتفادي المرور في مناطق القتال.

شاحنات ومركبات على طول الطريق الذي يربط العاصمة السودانية بمدينة ود مدني بولاية الجزيرة في الحصاحيصا (أ.ف.ب)

وقال محمد تيجاني (50 عاماً)، الذي يعمل سائقاً لحساب إحدى شركات النقل، لـ«وكالة فرنس برس»: «رحلاتنا إلى الموانئ أصبحت تطول بمسافة إضافية تصل إلى 400 كيلومتر»؛ لتجنب القصف الجوي والمدفعي ونقاط التفتيش التي نصبها طرفا النزاع في مناطق مختلفة.

وضعت هذه المسافة الإضافية السائقين بين حجري الرحى، إذ أصبحوا واقعين من جهة بين خطر التعرض للاشتباكات والمعارك، ومن جهة أخرى نار الوقود الذي بات سلعة نادرة وارتفعت أسعاره بنحو 20 ضِعفاً منذ اندلاع الحرب.

حتى حافلات الركاب، التي بلغ نشاطها ذروته، في الأيام الأولى من الحرب، حينما نقلت الفارّين من العاصمة إلى الحدود السودانية المصرية على بُعد ألف كيلومتر تقريباً شمالاً، أصبحت رحلاتها تقتصر على ما بين الولايات والمدن خارج العاصمة؛ لتعذُّر دخولها.

وقال سائق الحافلة حسين عبد القادر إن «نحو 70 في المائة من رحلاتنا كانت بين الخرطوم والولايات الأخرى»، لكنه بات يعتمد فقط على الرحلات بين الولايات.

وأوضح زميله معتز عمر، الذي اعتاد، في المراحل الأولى من الحرب، التنقل بشكل دوري بين العاصمة والحدود المصرية لنقل الفارّين، «مع تفاقم القتال... أصبح من المستحيل دخول الخرطوم الآن».

البحث عن ركاب

لتفادي المرور في العاصمة، بات على السائقين القيادة لمسافة مضاعفة، واعتماد مسار مُضنٍ عبر شرق السودان؛ لنقل الراغبين إلى الحدود الشمالية.

وأوضح عمر أن خط سير الرحلة أصبح شاقاً وطويلاً، إذ كان يضطر للذهاب شرقاً إلى ولاية البحر الأحمر، ثم عبور ولايتي كسلا والقضارف عند الحدود الجنوبية الشرقية مع إثيوبيا، قبل التوجه شمالاً إلى ود مدني.

آليات عسكرية للجيش السوداني بأحد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم يوم 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وأشار إلى أنه ينتظر أياماً للعثور على عدد كافٍ ممن يرغبون في السفر إلى الوجهات التي يمر بها.

إضافة إلى الشاحنات والحافلات، كانت السكك الحديدية من وسائل النقل البري الأساسية في السودان، إلا أن حركة قطارات نقل الركاب على الخطين بين الخرطوم وود مدني، وبين العاصمة وعطبرة إلى الشمال منها، توقفت بدورها جراء النزاع الراهن.

وشمل التوقف أيضاً قطارات نقل البضائع.

وأوضح مسؤول في «مصلحة السكك الحديدية»، لـ«وكالة فرنس برس»، أن القطارات التي كانت تنقل البضائع بين الموانئ وبقية أجزاء البلاد توقفت بدورها؛ نظراً لأن خط السكك يَعبر الخرطوم وضاحية بحري، اللتين باتتا ساحة للمواجهات.

نساء وأطفال يتجمعون في مبنى بمخيم للنازحين بالصوار (أ.ف.ب)

ومع دخول النزاع شهره الرابع، دون أي أفق للحل، يخشى السائقون من أن تتأثر قدرتهم على توفير قُوتهم اليومي.

وقال تيجاني: «أخشى أن نفقد وظائفنا، وألا تدفع الشركات رواتبنا إذا لم تكن تحقق ربحاً».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)

رئيس تونس يقيل وزيرة الطاقة قبل تصويت على مشاريع طاقات متجددة

الرئيس التونسي قيس سعيّد (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (أ.ف.ب)
TT

رئيس تونس يقيل وزيرة الطاقة قبل تصويت على مشاريع طاقات متجددة

الرئيس التونسي قيس سعيّد (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (أ.ف.ب)

أقال الرئيس التونسي قيس سعيّد، الثلاثاء، وزيرة الطاقة فاطمة ثابت، وسط جدل متنام بشأن مشاريع للطاقات المتجددة من المقرر التصويت عليها في البرلمان الثلاثاء.

وقال سعيد إنه كلف وزير التجهيز والإسكان صلاح الدين الزواري الإشراف المؤقت على الوزارة، دون تقديم أي أسباب لقراره.

وتأتي إقالة الوزيرة في حين تسعى حكومة سعيد إلى تمرير مشاريع قوانين تتعلق بالطاقة المتجددة، ستعرض للتصويت في البرلمان لاحقاً الثلاثاء، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتبلغ القدرة الإجمالية للمشاريع 600 ميغاواط، في حين يُقدَّر حجم الاستثمار بنحو 500 مليون يورو (585 مليون دولار).

وتندرج هذه المشاريع ضمن جهود تونس لتوسيع إنتاج الطاقة النظيفة. في المقابل، يعارض بعض النواب والسياسيين هذه المشاريع، واصفين إياها بأنها «استعمار طاقي».

وانتقدوا أيضاً استبعاد الشركة التونسية للكهرباء والغاز من هذه العقود، عادّين أن منحها حصراً لشركات أجنبية أمر غير مقبول.


حوافز مصرية لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وسط أزمة وقود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
TT

حوافز مصرية لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وسط أزمة وقود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل المنازل والمصانع بموازاة «خطة تقشفية» لترشيد استهلاك الكهرباء والبنزين، ضمن إجراءات لمواجهة أزمة سلاسل إمداد الطاقة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «إطلاق مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل لسرعة التحول إلى الطاقة الشمسية». وأكد خلال اجتماع حكومي، مساء الأحد، أن «حكومته تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها»، حسب إفادة لمجلس الوزراء المصري.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات حرب إيران، وأعلنت قرارات استثنائية تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة. كما أعلنت إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

ووفق وزارة الكهرباء المصرية، «تستهدف الحكومة المصرية التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، للوصول إلى نسبة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة، لتصل إلى 45 في المائة عام 2028 بدلاً من 42 في المائة عام 2030».

جانب من محطة أبيدوس للطاقة الشمسية (مجلس الوزراء المصري)

وتقيم الحكومة المصرية عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة «الطاقة الشمسية في بنبان» بأسوان، التي تُصنّف الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية 2000 ميغاواط من الكهرباء، إلى جانب محطة «أبيدوس-1» لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان التي تضم مليوناً و22 ألفاً و896 خلية شمسية، بقدرة إنتاجية 500 ميغاواط، بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري.

ويرى أستاذ هندسة البترول في الجامعة الأميركية بمصر، جمال القليوبي، أن هناك توجهاً حكومياً في مصر لتعجيل مشروعات الطاقة المتجددة، بسبب أزمة إمدادات الطاقة التي تواجهها المنطقة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة المصرية تضع في أولوياتها إنجاز مشروعات الطاقة النظيفة، بما في ذلك تسديد الالتزامات الخاصة بالشركاء الأجانب لسرعة إنجاز تلك المشروعات».

ومن بين إجراءات الحكومة المصرية زيادة اعتماد المصانع على الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية، وفق القليوبي الذي أكد أن «الصناعات كثيفة استخدام الطاقة يجب أن تكون لديها خطط واضحة لاستخدام الطاقة المتجددة، بما يوفر الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء والإنتاج لهذه المصانع، ويساعد على تعزيز استخدامها بالقطاعات الخدمية التي تمس المواطن بشكل مباشر».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «لجنة إدارة الأزمات» مساء الأحد (مجلس الوزراء)

وكان مجلس الوزراء المصري قد ذكر أن مدبولي شدد، مساء يوم الأحد، على «أهمية تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل تداعيات الأزمة الحالية على مختلف دول العالم»، مؤكداً أن ذلك «سيُسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

وقال القليوبي إنه يمكن للحكومة المصرية التوسع في استخدام الطاقة الشمسية بالمنازل في مشروعات المدن الجديدة، مضيفاً: «هذه المناطق يمكن أن تُطبّق سياسات معينة بالاعتماد على الطاقة النظيفة في توليد الكهرباء».

وحسب خبير الطاقة المصري، حافظ سلماوي، فإن الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية الموزعة بالمصانع والمدن الجديدة يشجّع على حركة الاستثمار المحلي فيها، بما يساعد في زيادة الاعتماد عليها لتوليد الكهرباء.

وقال سلماوي لـ«الشرق الأوسط»: «نشر ثقافة استخدام الطاقة الشمسية والنظيفة بات ضرورياً في ظل اضطراب إمدادات وأسعار الطاقة والوقود الفترة الحالية»، مشيراً إلى تأثير أزمة إمدادات الطاقة على أسعار الكهرباء، ولافتاً إلى أن الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة سيُسهم في استقرار الأسعار لدى المستهلكين. وهو يرى أن تحفيز استخدامات الطاقة المتجددة في المنازل يحتاج إلى إجراءات تنظيمية من الحكومة حتى تُؤتي ثمارها.

وأكد وزير الكهرباء محمود عصمت أن مصر تستهدف تعجيل المدى الزمني للمشروعات الجاري تنفيذها في قطاع الطاقة المتجددة والنظيفة، إلى جانب إدخال مشروعات جديدة والتوسع في أنظمة تخزين الطاقة لتعظيم عوائد الطاقات المتجددة وتحقيق الاستقرار الشبكي والاستمرارية للتيار الكهربائي، حسب إفادة لوزارة الكهرباء، الجمعة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر وروسيا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمزيد من المشروعات

محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وروسيا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمزيد من المشروعات

محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نيكولاي باتروشيف في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

تعمل مصر وروسيا على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية» باستكمال المشروعات القائمة، وتنفيذ أخرى جديدة ليمتد التعاون بين القاهرة وموسكو إلى الحبوب والملاحة البحرية.

وأعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال محادثات عقدها، الاثنين، في القاهرة مع مساعد الرئيس الروسي ورئيس مجلس الملاحة البحرية الروسية نيكولاي باتروشيف، عن «اعتزاز بلاده بالعلاقات الاستراتيجية مع روسيا»، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وثمَّن السيسي «الزخم المتنامي في العلاقات الثنائية، على صعيد التبادل التجاري والمشروعات المشتركة، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، ومشروع إنشاء منطقة صناعية روسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، وفقاً للإفادة.

و«الضبعة» هي أول محطة للطاقة النووية في مصر، وتقع في مدينة الضبعة بمحافظة مرسى مطروح على ساحل البحر المتوسط. وكانت روسيا ومصر قد وقَّعتا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 اتفاقية للتعاون المشترك لإنشاء المحطة، ثم دخلت عقودها حيّز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومن المتوقع أن تُنتج المحطة نحو 35 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، بما يعادل 12 في المائة من احتياجات مصر من الكهرباء عام 2030، وهو ما يدعم تعزيز أمن الطاقة، وخفض استهلاك الغاز بما لا يقل عن 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وفقاً لوزارة الكهرباء المصرية.

مجالات العمل المشترك

وأكد باتروشيف حرص روسيا على مواصلة العمل المشترك مع مصر لتفعيل بنود الشراكة الاستراتيجية، وتنفيذ التفاهمات التي جرى الاتفاق عليها بين قيادتي البلدين، فضلاً عن بحث أوجه التعاون الممكنة في المجالات المختلفة، وكذا في مجال الملاحة البحرية.

وقال متحدث الرئاسة المصرية إن «اللقاء تناول موقف المشروعات المشتركة القائمة، وتلك التي يمكن تنفيذها في مصر، واستعراض مجمل المباحثات التي يجريها الوفد الروسي مع الجهات الوطنية المعنية».

وسبق أن أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف، نهاية العام الماضي، عن تطلعه لـ«تسريع وتيرة العمل في المنطقة الصناعية الروسية». وعدّ محطة الضبعة النووية «لحظة تاريخيّة تؤكد عمق العلاقات بين مصر وروسيا، والتي اتخذت منحنى تصاعدياً ملموساً على المستويات كافة».

وخلال زيارته القاهرة، عقد باتروشيف لقاءً مع وزير النقل المصري كامل الوزير، تناول بحسب بيان الهيئة البحرية الروسية «آفاق إنشاء مركز روسي للحبوب والطاقة في مصر، وقضايا التعاون في مجال الملاحة التجارية، بما في ذلك تطوير المسارات الملاحية القائمة، وإنشاء مسارات جديدة، والتطوير المشترك للبنية التحتية للموانئ في كلا البلدين».

وقال باتروشيف: «مصر تدير قناة السويس، وروسيا تدير طريق البحر الشمالي (الممر العابر للقطب الشمالي). حساباتنا تؤكد أنهما قادرتان على العمل بتكامل وفاعلية».

وكان وزير الخارجية الروسي قد صرح، بداية الشهر الماضي، بأن استخدام ممر الملاحة الشمالي في ظل الظروف الدولية الراهنة سيكون ذا أهمية خاصة، مشيراً إلى أن موثوقيته تزداد.

الرئيس المصري خلال استقبال مساعد الرئيس الروسي في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

الملاحة العالمية

يقول الأمين العام لـ«اتحاد الموانئ البحرية العربية»، اللواء عصام الدين بدوي، لـ«الشرق الأوسط»: «مسار بحر الشمال عادة ما يُقدم بوصفه مساراً بديلاً لقناة السويس وليس مكملاً لها»، مؤكداً أنه «رغم تأثير الأوضاع الجيوسياسية على حركة الملاحة في قناة السويس، فإن القناة تظل المسار الملاحي الأسرع والأفضل والأكثر أماناً».

وأرجع رغبة روسيا في التعاون إلى «محاولة الاستعانة بمسار قناة السويس في الأوقات التي يشهد فيها مسار بحد الشمال إغلاقاً بسبب الظروف الجوية».

وتراجعت عائدات قناة السويس المصرية بنسبة تجاوزت 60 في المائة، بحسب التقديرات الرسمية، إثر تصاعد التوترات في البحر الأحمر، منذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، مع استهداف جماعة «الحوثي» اليمنية السفن المارة بالممر الملاحي.

وأشارت أستاذة العلوم السياسية وعضو مجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، إلى أن «التطورات في المنطقة باتت ضاغطة على أمن الغذاء والطاقة في العالم كله، كما أثرت في حركة الملاحة الدولية بعد غلق مضيق هرمز، وتهديدات الحوثي للملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات «تستدعي إعادة رسم خريطة الملاحة في العالم، لا سيما مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتأثيرها في التضخم وأسعار السلع». وأضافت أنه «لا بد من العمل على تحقيق التكامل بين المسارين (قناة السويس وبحر الشمال) لخدمة حركة الملاحة العالمية».

الحبوب والغذاء

تطرقت زيارة باتروشيف إلى محطات أخرى للتعاون، وقال، بحسب بيان الهيئة البحرية الروسية: «لدينا مقترح لإنشاء مركز روسي للحبوب والطاقة في مصر، وذلك في إطار مبادرة أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً».

وأضاف أن بلاده، بوصفها المصدر الأول للغذاء عالمياً، تنوي توجيه حصة كبيرة من صادراتها نحو جنوب آسيا وأفريقيا عبر الأراضي المصرية، داعياً القاهرة للاستفادة من هذا التوجه لزيادة التبادل التجاري الثنائي.

وأشارت نورهان الشيخ إلى أهمية زيارة المسؤول الروسي لمصر في ظل التطورات المتصاعدة في المنطقة وتداعياتها على العالم، وقالت: «موسكو لديها مفاتيح لمساعدة العالم بوصفها أكبر مصدر للحبوب وثاني أكبر مصدر للنفط».

وأضافت: «مصر معنية بشكل أساسي بالتعاون مع روسيا، لتكون مركزاً لتوزيع الطاقة والحبوب لدول الجنوب». ولفتت إلى أن فكرة إنشاء مركز للحبوب سبق طرحها لكن تَعرقل تنفيذها، مشددة على أهمية الدفع قدماً بالمقترح الآن لضمان الأمن الغذائي لمصر ودول الجنوب.

وتابعت: «من المهم الدفع نحو تعزيز التعاون المصري - الروسي في مختلف المجالات التي باتت تشكل تحدياً أمنياً ملحاً في المنطقة».