مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

تنتج المدرعات والطائرات والمدفعية والقذائف الموجهة

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
TT

مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)

بدأت الصناعة الدفاعية في السودان تستقطب الانتباه عقب قصف الطيران الحربي الإسرائيلي لـ «مجمع اليرموك الصناعي» التابع لـ«هيئة التصنيع العسكري» السودانية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، ثم عادت الأنظار لتتركز عليها مجدداً بعد إعلان قوات «الدعم السريع» السيطرة على مجمع اليرموك العسكري في 8 يونيو (حزيران) الماضي، الذي يعد أحد أكبر مجمعات الصناعة العسكرية السودانية.

ولا تعد الصناعة العسكرية والحربية حديثة في السودان. فقد بدأ تأسيسها منذ عام 1959، أي بعد الاستقلال بأقل من ثلاث سنوات، في إطار ما عرف بـ«مجمع الشجرة الصناعي»، والمعروف اليوم بـ«مصنع الذخيرة»، لإنتاج مجموعة متنوعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة، لتلبية احتياجات الجيش والقوات النظامية الأخرى، والذي أصبح جزءاً من «هيئة التصنيع الحربي» التي تأسست عام 1993، وعرفت لاحقاً بـ«منظومة الصناعات الدفاعية».

صناعات عسكرية ومدنية

ومنظومة الصناعات الدفاعية مؤسسة حكومية تابعة للقوات المسلحة، وتضم داخلها عدداً من المصانع والصناعات والاستثمارات العسكرية وغير العسكرية، وتنتج مجموعة كبيرة من الأدوات الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والمدرعات والدبابات والطائرات والمدفعية، إلى جانب صناعات ذات طابع مدني، مثل صناعة السيارات والجرارات والأجهزة الكهربائية ومواد البناء وغيرها، ويديرها حالياً اللواء ميرغني إدريس، تحت إشراف وزارة الدفاع.

آليات عسكرية للجيش السوداني بأحد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم يوم 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

 

وتنقسم المنظومة إلى عدد من المجمعات الموزعة حول العاصمة الخرطوم، وأهمها «مجمع اليرموك العسكري»، الذي افتتح عام 1996، ويقع في منطقة حصين، جنوبي العاصمة الخرطوم، بالقرب من مستودعات المواد البترولية الرئيسية، ويخضع لإجراءات سرية مفرطة. وكان مقرراً وقتها أن ينتج المعدات ذات الاستخدام المزدوج، بما في مواد البناء والنقل والصناعة التحويلية، تحت إدارة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لكن بعد تطور العلاقات السودانية الإيرانية، نشأت علاقة تعاون عسكري، دعمت إيران بموجبه إنتاج الأسلحة في السودان، وكان مجمع اليرموك رأس الرمح في هذه العملية.

قصف إسرائيلي

ثم فوجئ السودانيون ليلة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بانفجار هائل جنوبي الخرطوم، وقيل وقتها إن الطيران الإسرائيلي قصف المجمع العسكري. وأعلن السودان آنذاك، وعلى لسان وزير إعلامه أحمد بلال عثمان، أن بلاده سترد في الزمان والمكان المناسبين على الهجوم الإسرائيلي، واعتبر القصف الذي تعرض له المصنع منافياً للأعراف الدولية. ولم تعلق إسرائيل رسمياً على العملية، لكن المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، وصف السودان في اليوم التالي للقصف بأنه «دولة إرهابية خطيرة»، واتهمه بنقل السلاح الإيراني إلى من أطلق عليهم «الإرهابيين الفلسطينيين» من حركتي «حماس والجهاد الإسلامي»، عبر سيناء المصرية.

 

ألسنة اللهب تتصاعد بعد قصف مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في أكتوبر 2012 (إ.ب.أ)

 

ولاحقاً، أعاد الجيش السوداني ترميم المصنع وتطويره بسرية تامة. لكنه عاد مرة أخرى إلى واجهة الأحداث في 8 يونيو (حزيران) الماضي، عقب إعلان قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي، السيطرة على المصنع المهم والاستيلاء على عدد كبير من الذخائر والمعدات، ونشرها فيديوهات تؤكد مزاعمها.

إنتاج دبابات ومدرعات

المجمع الثاني ضمن المنظومة هو مجمع «الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة»، وأطلق عليه اسم العميد شمس الدين، أحد أشهر وأشرس قادة انقلاب الإسلاميين، والذي لقي حتفه في حادث طائرة أثناء الحرب مع قوات جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق دمبيور. وأنشئ هذا المجمع في عام 2002، داخل مدينة جياد الصناعية جنوب شرقي الخرطوم، لتصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الصناعية الثقيلة.

ويؤكد موقع «منظومة الصناعات الدفاعية» على «فيسبوك» أن مجمع شمس الدين ينتج عدداً من الدبابات الحديثة، وأشهرها «الدبابة الزبير»، إلى جانب الدبابة «البشير» وغيرها من أنواع الأسلحة صينية المنشأ، التي يعاد تصنيعها في السودان.

القوة الثالثة في أفريقيا

ووفقاً لما نشرته مجلة (Military watch) في 2022، فإن السودان أصبح ثالث أكبر قوة عسكرية أفريقية، ويملك صناعة عسكرية رائدة، وأصبحت قواته من أفضل القوات تجهيزاً، وإن السودان أعاد إنتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم «البشير»، وطور طريقة التلقيم الخاصة بها لتصبح آلية، وطور طريقة توجيه القذائف إلى التوجيه بالليزر وتزويدها بمناظير رؤية ليلية، وزودها بمدفع 125 ملم، مما جعلها الأقوى بين مثيلاتها في الخدمة، والأفضل في مواجهة الدروع.

وفي فبراير (شباط) 2023، أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المشاركة في معرض «إيديكس» بدورته السادسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقالت إنها شاركت بنحو 144 منتجاً عسكرياً، تتضمن الأسلحة والذخائر وتسليح الطيران والمركبات القتالية المدرعة وأجهزة الاتصالات، والطائرات المسيَّرة، والمواد الدافعة والمتفجرة، وخدمات تأهيل وصيانة الطائرات، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية «سونا» وقتها.

 

السودان أعاد انتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم "البشير" (الرئيس السابق) (أ.ف.ب)

 

وفي 22 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها على «مجمع جياد للصناعات»، لكن الجيش نفى تلك المزاعم، وقال إنه يسيطر على المجمع الصناعي المهم. لكن الشهود يقولون إن مراكز سيطرة قوات «الدعم السريع» تنتشر في المكان وعلى طول الطريق المار أمام المجمع.

إلى جانب المجمعين، «اليرموك» و«شمس الدين»، ينتج «مجمع الزرقاء الهندسي»، الذي افتتح عام 2004 شمالي الخرطوم بحري في منطقة «حلفايا»، الأجهزة الإلكترونية والكهربائية والبصرية للجيش السودان، وفي الوقت ذاته يشارك في سوق الاتصالات السودانية، وينتج البرمجيات ونظم التتبع الآلي، وماكينات الدفع الإلكتروني وعدادات المياه، إضافة إلى تصميم البرمجيات العسكرية وغيرها، وهو من المواقع التي تزعم قوات «الدعم السريع» السيطرة عليها. ونقل شهود عيان أن المجمع تعرض لتدمير ونهب واسعين أثناء وبعد العمليات القتالية بين الطرفين.

إنتاج الطائرات والسيارات

ويعد «مجمع الصافات للطيران» أحد أذرع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المهمة. وقد تأسس في 2005 لدعم القوات الجوية السودانية، والحفاظ على قدرات الطيران العسكري السوداني، ويقع شمالي أم درمان. وبدأ هذا المجمع عمله بصيانة وتأهيل الطائرات المدنية والعسكرية، وتطور إلى ترقية الطيران، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية إنتاج طائرة سودانية بنسبة مائة في المائة في «مجمع الصافات»، وقالت إن المجمع يمتلك ثلاثة مراكز لصيانة الطائرات الثقيلة والمروحيات وتطوير وتصنيع طائرات الهيلكوبتر، وإنه يعمل بالتعاون مع أوكرانيا على إنتاج طائرات إليوشن وأنتونوف، ومروحيات ومقاتلات من طرز مختلفة.

وبدأ إنتاج الطائرات في «صافات» عام 2009، بإنتاج طائرة التدريب ذات المقعدين (SAFAT-03) المعتمدة على تصميم الطائرة الصربية (UTVA 75)، ثم أنتج الطائرة المطورة (SAFAT- 03)، إضافة إلى تجميع الهليكوبتر الخفيفة (SAFAT 02) المبنية على تصميم (Aerokopter AK1-3) الأوكرانية.

 

وتتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية العديد من المؤسسات المدنية والاستثمارية الأخرى، بما في ذلك «مصنع جياد للسيارات»، والذي ينتج سيارات كورية وصينية من طرز مختلفة، إلى جانب استثمارات في المطاحن والمسالخ، وغيرها من الأعمال المدنية التي تديرها المنظومة، وفقاً لمركز «الحاكم نيوز» الموالي لجهاز المخابرات السوداني.

ودارت معارك سجالية بين الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقيادة الجيش السوداني، على ملكية الأصول المدنية، وخضوع استثمارات الجيش لوزارة المالية الاتحادية، وأعلن وقتها أن قيادة الجيش وافقت على الخروج من الأنشطة ذات الطابع المدني، وأن تخضع المنشآت ذات الطابع العسكري لوزارة المالية. إلَّا أن انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أطاح بتلك الاتفاقات، وزاد الطين بلة نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، المالكين للمنظومة بنسبة 70 في المائة للجيش، و30 في المائة لـ«الدعم السريع».

وتلقت المنظومة ضربة قاسية إثر نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بفرض عقوبات على شركة «ماستر تكنولوجي» المنتجة للأسلحة والمركبات العسكرية، و«هيئة التصنيع الحربي»، التي تنتج معدات وأسلحة للجيش السوداني، بينما ظلت المنظومة شبه معطلة منذ اندلاع القتال بين القوتين المتصارعتين، إذ تقع معظم مواقعها في المناطق التي تنتشر فيها قوات «الدعم السريع»، ما عدا «مجمع الصافات» غربي أم درمان، الذي تسيطر عليه القوات المسلحة.

ولا يعرف ما هي أوضاع المصانع والورش التابعة لـ«هيئة التصنيع الحربي» بعد العمليات القتالية العنيفة التي دارت داخلها أو حولها، لكن الحرب في شهرها الرابع، أثرت حتماً بشكل أو آخر على قدرات السودان العسكرية التي كانت تؤهله ليكون «القوة العسكرية الثالثة أفريقياً».


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.