هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

حميدتي اختار آيديولوجيا الهامش تبريراً لمشروعية حربه

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
TT

هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)

يتم تداول فكرة تحطيم «دولة ما بعد الاستقلال السياسي في السودان» التي تعرف أيضاً بدولة 1956، بشكل واسع، منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وتحولت هذه الفكرة إلى «آيديولوجيا» للقوات التي تعتبر عند الكثيرين «ميليشيا» مدججة بالسلاح، صنعت من أجل حماية نظام الرئيس السابق عمر البشير، وحكم جماعات الإسلام السياسي.

وقد استعارت قوات «الدعم السريع» هذه الفكرة من الأدبيات الثورية السودانية، كفكر سياسي يبرر لحربها مع الجيش باعتباره من «فلول» النظام المعزول، وأداة من أدوات الدولة الموروثة من الاستعمار، والتي يجب تحطيمها.

وتنبثق فكرة تحطيم دولة ما بعد الاستقلال السياسي، والتي تعرف بدولة 1956، وهي السنة التي نال فيها السودان استقلاله السياسي من المستعمر البريطاني، من وراثة النخب المركزية للدولة خلفاً للاستعمار، ونتج ذلك بحكم قرب تلك النخب من المركز الاستعماري، وحصولها المبكر على التعليم، ما أحدث، وفقاً للدكتور عبد الرحمن الغالي، في مقال منشور له «اختلالاً في موازين التنمية، فتركزت المشاريع في مناطق الجدوى الاقتصادية، واختلالاً في الخدمات والتعليم، وتمايزاً ثقافياً وإثنياً حاداً».

سيطرة النخب

وظلت النخب، وهي نخب الوسط والشمال، تسيطر على مقاليد الحكم، وبالتالي على السلطة والثروة، طوال سنوات ما بعد الاستقلال السياسي (نحو 67 عاماً)، ما أثار حنق ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتشمل أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر، فضلاً عن جنوب السودان الذي استقل عن السودان قبل 12 عاماً لذات الأسباب التي يُعبر عنها بـ«التهميش».

وحمّل الغالي النخب السياسية التي حققت الاستقلال مسؤولية تجاهل معالجة اختلال التوازن التنموي والسياسي والتنوع الثقافي؛ إذ سارت على هذا النهج الحكومات التي أعقبت الاستعمار، سواءً كانت ناتجة عن انقلابات عسكرية أم حكومات مدنية منتخبة، ما أدى إلى بروز حركات إقليمية وجهوية أحست بالظلم، فصعدت مطالبها لتحقيق التنمية والمشاركة السياسية العادلة.

وظلت قضية الهامش الفقير والمعزول والمركز الثري والمسيطر، تسيطر على تفكير نخب ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتمثل ذلك، وفقاً للمحلل السياسي الجميل الفاضل، بأن الدولة الموروثة من الاستعمار لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ أن حلَّت نخب سودانية متعاقبة توارثت الأوضاع الخاصة والامتيازات التي كان يتمتع بها الحكام الإنجليز في مختلف مستويات ومجالات السلطة.

حلم الهامش

وظلت فكرة «التخلص أو تحطيم دولة 56» متداولة لدى الحركات الثورية اليسارية والجهوية والإقليمية، والتي دخلت في مساومات مع المركز، كان أكبر أثمانها أن نالت الحركة الجنوبية، «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل د. جون قرنق دمبيور، «انفصال» جنوب السودان وتكوينه لدولته المستقلة في 2011. أما بقية الحركات التي كانت تقارع المركز بذات الشعارات، فقد اكتفت بمكاسب سلطوية ومادية محدودة لم تسهم في تغيير واقع التهميش.

لاجئون سودانيونمن دارفور يتجمعون في مستشفى «أدري» بتشاد (رويترز)

وحين نشبت الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، نتيجة صراع قادة القوتين المتوازيتين على السلطة، حاول كل طرف إيجاد مسوغات سياسية لحربه، فاختار قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تبرير حربه بأنها ضد قوة متمردة مرتبطة بالأجنبي، وبالتالي فإن حربها مشروعة و«حرب كرامة»، فيما التقط قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فكرة الانتقال المدني الديمقراطي وإعادة تأسيس دولة ما بعد 1956 والصراع الدائر حولها، ووظفها آيديولوجياً لتبرير حربه.

وقال الفاضل لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان من المفترض أن يتم بناء نظام دولة مواطنة بلا تمييز، يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرعاية الشاملة، لكن هذا لم يحدث، فوجد «الدعم السريع» الفرصة سانحة باعتباره «وعاءً خالياً من الحمولات الآيديولوجية، استخدمه سابقاً الإخوان في إطار استراتيجياتهم التمكينية لقمع مناهضي سلطتهم، وبات الآن في وارد أن يخدم أجندة نقيضة لأجنداتهم تلك». وتابع: «حالة الخواء التي هي من سمات قوات (الدعم السريع)، جعلت منها أداة جيدة من شأنها أن تخدم أي أجندات، حتى الخبيث منها».

واعتبر المحامي والكاتب حاتم إلياس أن دولة 56، أي دولة ما بعد الاستقلال «هي توصيف لمجمل الأزمة السودانية، بانقلاباتها وثوراتها وحروبها، سواءً كانت حرب الجنوب الطويلة أو حروب الأطراف في دارفور». وتابع: «تعبير دولة 56 ظل، ومنذ صبيحة استقلال السودان في ذلك العام وحتى الآن، يحمل طابع الأزمة الذي تجلى في عدم الاستقرار السياسي».

وحمّل إلياس الحالة المتأزمة التي نتجت ما بعد الاستقلال، المسؤولية عما يعيشه السودان الآن، مؤكداً أنها «قادت إلى فصل جنوب السودان عن شماله». ويضيف: «بغض النظر عن المحمول الاجتماعي لتلك الأزمة، فقد انحرفت عند البعض إلى أزمة ذات أبعاد عنصرية، وأصبح يطلق عليها (دولة الجلابة) من قبل التيار السياسي الذي يتبنى رؤية الهامش والمركز».

وتقول تلك الرؤية إن القلة من المنسوبين للثقافة العربية الإسلامية هيمنوا على السلطة دون بقية شعوب السودان الأفريقية. ويقول إلياس: «يتفق الجميع على أن الدولة وطريقة إدارتها الاقتصادية والسياسية، على اختلاف الأنظمة عسكرية كانت أم ديمقراطية، لم تخرج عن (كتالوغ) دولة 56 النخبوي، واستأثرت قلة بالسلطة والثروة على حساب أبناء الوطن الآخرين في أقاليم السودان المختلفة».

الحرب في الخرطوم اتخذت أبعاداً جديدة وتهدد النسيج الاجتماعي (رويترز)

ويرى إلياس أن طرائق التعاطي السياسي لتفكيك دولة 56 اختلفت بين التيارات الفكرية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الدولة. وقال: «الجميع متفقون على أن طريقة إدارة دولة منذ الاستقلال وحتى الآن خاطئة، لكن هناك اختلافات بين الماركسيين والليبراليين ومدارس التحليل الثقافي وأتباع نظرية الهامش والمركز والإسلاميين».

تشكيك في جدية «الدعم السريع»

وقال إلياس إن «الدعم السريع حالة غريبة»، بدأت ميليشيا عسكرية دون أي رؤى فكرية أو سياسية، وكانت بمثابة قوات تابعة للجيش، ولدت في رحم الصراع الدارفوري/الدارفوري، وحتى بعد الإطاحة بعمر البشير لم تكن لها رؤية فكرية أو سياسية، بل كانت مجرد جهة توفر الشغيلة العسكريين لدولة 56 نفسها.

وأرجع إلياس تبني «الدعم السريع» رؤية سياسية إلى وجودها في قلب المعادلة، بالشراكة مع الجيش، ما رفع طموحها السياسي، فوجدت نفسها بحاجة لرؤية ومرجعية سياسية تستند إليها، فتبنت رؤية «حركات الهامش والمركز». وقال إن «الدعم السريع» تقاتل الآن من أجل إنهاء دولة 1956.

وشكك إلياس في مدى جدية «الدعم السريع» في تبني تلك الرؤية، مستنداً إلى سيرة «حركات التحرر الوطني الأفريقية، بل العربية، التي ادعت أنها جاءت لمعالجة خلل دولة ما بعد الاستعمار، لكنها بمجرد وصولها للسلطة أعادت إنتاج نفس آليات السلطة التي قضت عليها». وتابع: «الجدية الحقيقية يحسمها الجواب على سؤال: هل لدى «الدعم السريع» مشروع سلطوي، أم أنها قوات نبيلة قادمة لإنصاف المظاليم؟». لكن إلياس يسارع إلى القول: «إنني أشك في ذلك».

واستناداً إلى شكوك المحامي إلياس وتحليلات الخبراء، يظل السؤال قائماً: «هل ستحطم حرب الجنرالين دولة 56، أم تعيد تأسيسها من جديد؟».


مقالات ذات صلة

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

شمال افريقيا أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

بينما السودانيون منشغلون بحصر دمار البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة أخرى تشكلت بصمت داخل المزارع والحظائر... فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

الجيش السوداني ينقل المعركة إلى دارفور

نقل الجيش السوداني معاركه إلى دارفور، حيث قاد مواجهات عسكرية ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة بالإقليم الغربي، في تطور ميداني يأتي بالتزامن مع تصاعد.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب) p-circle

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

تجددت المعارك العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أكثر من محور بإقليم دارفور، غرب البلاد

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

الجيش السوداني يعلن تدمير 224 آلية لـ«الدعم السريع» في 5 مناطق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، تحقيق مكاسب ميدانية في 5 مناطق للقتال خلال الأسبوعين الماضيين، شملت شمال وغرب دارفور، وشمال وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

خاص تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استراتيجية شاملة لأفريقيا، ووجهت تحذيراً شديداً لـ«الإخوان المسلمين» في السودان لتعاونهم مع «الحرس الثوري» الإيراني.

علي بردى (واشنطن)

الجزائر: النسبة الأولية للمشاركة في الانتخابات التشريعية بلغت 20,79%

فرز الأصوات في مكتب انتخابي بعد انتهاء التصويت في الانتخابات البرلمانية بالجزائر العاصمة (إ.ب.أ)
فرز الأصوات في مكتب انتخابي بعد انتهاء التصويت في الانتخابات البرلمانية بالجزائر العاصمة (إ.ب.أ)
TT

الجزائر: النسبة الأولية للمشاركة في الانتخابات التشريعية بلغت 20,79%

فرز الأصوات في مكتب انتخابي بعد انتهاء التصويت في الانتخابات البرلمانية بالجزائر العاصمة (إ.ب.أ)
فرز الأصوات في مكتب انتخابي بعد انتهاء التصويت في الانتخابات البرلمانية بالجزائر العاصمة (إ.ب.أ)

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت الخميس بعد إغلاق صناديق الاقتراع 20.79 في المائة، وفقا لإحصاءات أولية صادرة عن السلطات، وهو رقم يُعد الأدنى تاريخياً في حال تم تأكيده.

امرأة تُظهر إصبعها الملطخ بالحبر بعد الإدلاء بصوتها في مركز اقتراع في الجزائر العاصمة (ا.ف.ب)

وأعلن رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، هذا الرقم في وقت متأخر من مساء الخميس.

وقال: «هذه أرقام أولية»، مشيرا إلى أنها ستتغير حتما، وذلك في بيان بُث على صفحة الهيئة على موقع فيسبوك.

وكان العزوف عن المشاركة من أبرز سمات هذه الانتخابات. وقد تم تمديد التصويت ساعة إضافية على مستوى البلاد «لإتاحة الفرصة للناخبين لممارسة حقهم في الإدلاء بأصواتهم»، بحسب السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

وتمت دعوة نحو 25 مليون جزائري للتصويت لاختيار نوابهم.

ويتوقع مراقبون أن تفوز الأحزاب المقربة من السلطة، مثل جبهة التحرير، في هذه الانتخابات، إلا في حال حدوث مفاجآت.


لماذا يصعب خفض أسعار الوقود في مصر؟

تفتيش حكومي على إحدى محطات الوقود (مديرية التموين بمحافظة الدقهلية)
تفتيش حكومي على إحدى محطات الوقود (مديرية التموين بمحافظة الدقهلية)
TT

لماذا يصعب خفض أسعار الوقود في مصر؟

تفتيش حكومي على إحدى محطات الوقود (مديرية التموين بمحافظة الدقهلية)
تفتيش حكومي على إحدى محطات الوقود (مديرية التموين بمحافظة الدقهلية)

في وقت يترقب فيه المصريون خفضاً في أسعار الوقود، مدفوعاً بالتراجع العالمي في أسعار خام برنت، جاءت تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لتسلط الضوء على تحدٍ آخر، إذ أكد ضرورة دعم الهيئة المصرية العامة للبترول مالياً لتعويضها عن الأعباء التي تحملتها خلال الحرب الإيرانية، دون تحميل المواطنين تلك التكلفة، من دون أن يكشف عن ملامح تحرك أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة.

وطرح الموقف الحكومي تساؤلات حول الأسباب التي تُصعّب خفض الأسعار سريعاً، ما أرجعه نائب برلماني وخبير في الطاقة إلى عدم استقرار الأسواق العالمية، وكذلك عدم التوصل لاتفاق سلام نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، والحاجة لفترة زمنية يمكن خلالها قياس اتجاهات السوق، وتجاوز حالة «التذبذب» في سوق النفط.

وقال مدبولي في مؤتمر صحافي، مساء الأربعاء، في أعقاب الاجتماع الحكومي الأسبوعي للحكومة إن «هيئة البترول» بحاجة إلى دعم لتعويض ما تحملته عندما وصل سعر برميل النفط إلى 120 دولاراً؛ مضيفاً: «في تلك الفترة وفرنا المنتجات البترولية دون تحميل المواطن أي أعباء».

ودافع عن وجهة نظر الحكومة بشأن عدم الاتجاه لخفض الأسعار مباشرة عند انخفاض الأسعار العالمية قائلاً: «سعر برميل البترول في بداية العام المالي 2025-2026 كان 62 دولاراً، بينما اعتمدته الحكومة في الموازنة بمتوسط 75 دولاراً للعام بأكمله، بينما قفز السعر عالمياً إلى 93 دولاراً بعد قرار الحكومة تحريك الأسعار، أي بزيادة قاربت 50 في المائة».

وأشار إلى أنه بعد ذلك التاريخ، وصلت الأسعار في أبريل (نيسان) الماضي إلى 125 دولاراً للبرميل، وتساءل: «هل اتخذت الدولة حينها أي إجراء لرفع الأسعار؟».

تذبذب الأسواق

كانت الحكومة قد رفعت في 10 مارس (آذار) الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وهي آخر زيادة أقرتها بعد 4 أشهر من أخرى أقدمت عليها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بنسبة 13 في المائة.

وسجل خام برنت انخفاضاً بنسبة 0.7 في المائة، الخميس، ليصل إلى 70.70 دولار للبرميل.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

وقال أمين سر لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، محمد الحداد، إن عدم استقرار أسواق النفط العالمية يدفع لعدم خفض أسعار الوقود مع الخروقات المستمرة للاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، وإن الحكومة قد تتجه إلى خفض الأسعار عند استقرار الأسواق العالمية.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن تعرض عدد من مصافي النفط للاستهداف أثناء الحرب يؤثر سلباً على استقرار الإمدادات، ولكي تعود للعمل بكامل قوتها وكفاءتها يمكن أن يستغرق الأمر عدة أشهر، والحكومة تضع في حسبانها تلك المتغيرات، وعلى أساسها يتم اتخاذ قرارات رفع أو خفض أسعار الوقود».

ورغم أن قرار رفع أسعار الوقود في مصر جاء بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، أشار مدبولي إلى أن «الحكومة تعتمد في قراراتها الخاصة بأسعار المنتجات البترولية على متوسطات الأسعار خلال فترات زمنية محددة، وليس على التغيرات اليومية أو الأسبوعية، بما يحقق التوازن بين استدامة دعم قطاع البترول ومراعاة الأعباء المعيشية للمواطنين».

وفسر أستاذ هندسة البترول الدكتور جمال القليوبي سرعة اتخاذ قرار رفع الأسعار وعدم اتخاذ القرار ذاته عند خفضها بأن «الارتفاع في أسعار الوقود عالمياً يكلف ميزانية الدولة أعباء هائلة، وكلما زاد سعر خام برنت دولاراً واحداً تكبدت ميزانية عام كامل 3 مليارات دولار، وهناك صعوبة في امتصاص تأثيرات الارتفاعات، وتؤدي إلى عجز في الاقتصاد».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار «تذبذب» الأسعار يُصعّب من اتخاذ قرار الخفض، ما دفع الحكومة للعودة إلى «آلية المراجعة» التي تقيّم الأسعار المحلية وفقاً لمتوسط أسعار الوقود خلال فترة زمنية، ولديها أدوات لقياس الأسواق العالمية».

«التسعير التلقائي»

وأعلن رئيس الوزراء عودة «لجنة التسعير التلقائي» للعمل بشكل دوري وفقاً للمعايير المعتمدة، اعتباراً من الربع الأول من العام المالي الحالي الذي بدأ مع بداية يوليو (تموز).

ولجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية لجنة حكومية تتولى مراجعة وتحديد أسعار بيع المنتجات البترولية بصورة دورية كل ثلاثة أشهر، وتعتمد في قراراتها على معادلة سعرية تشمل متوسط أسعار خام برنت في الأسواق العالمية، وسعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، إلى جانب تكاليف أعباء النقل والتشغيل والإنتاج داخل مصر، وفقاً لبيانات حكومية سابقة.

وتواجه الحكومة مطالب متكررة بخفض أسعار الوقود مع تراجع الأسعار العالمية والتي تتزامن أيضاً مع مكاسب الجنيه أمام الدولار، وهو ما عبر عنه عضو مجلس النواب، رضا عبد السلام، الذي طالب الشهر الماضي الحكومة بخفض أسعار البنزين بنحو ثلاثة جنيهات للتر، معتبراً في بيان برلماني أن «الظروف الاستثنائية التي استندت إليها الحكومة في رفع الأسعار لم تعد قائمة بنفس القوة».

وتراجع سعر الدولار من نحو 54 جنيهاً بعد اندلاع حرب إيران إلى نحو 49.2 جنيه.

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء)

لكن الدكتور القليوبي يرى أن قياس المخاطر الجيوسياسية بعد التوقيع على مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران «يحتاج فترة قد تمتد لأشهر لضمان الوصول إلى حالة الهدوء، ومن ثم انخفاض الأسعار، مع ترقب زيادة إنتاج النفط، وإضافة نحو 548 ألف برميل يومياً مطلع شهر أغسطس (آب) المقبل، وهو ما قد يمنح الأسواق مزيداً من الاستقرار والهدوء بما يتيح خفض الأسعار».

واستطرد قائلاً: «تراجع أسعار النفط العالمية الآن قد يكون راجعاً إلى الركود التجاري العالمي مع انحسار عمليات الشراء في هذا التوقيت. وفي حال عاد النشاط مرة أخرى فإن الأسعار مُعرضة للارتفاع مجدداً»، مضيفاً أن قرار الحكومة عودة «لجنة التسعير» يشير إلى أنها ستكون ملتزمة بزيادة أو خفض محدد دون اتخاذ إجراءات استثنائية.


التنقيب العشوائي عن الذهب في مصر... مخاطر أمنية وملاحقات قانونية

تجري عملية استخراج الذهب بشكل منظم من منجم السكري (وزارة البترول)
تجري عملية استخراج الذهب بشكل منظم من منجم السكري (وزارة البترول)
TT

التنقيب العشوائي عن الذهب في مصر... مخاطر أمنية وملاحقات قانونية

تجري عملية استخراج الذهب بشكل منظم من منجم السكري (وزارة البترول)
تجري عملية استخراج الذهب بشكل منظم من منجم السكري (وزارة البترول)

تتواصل في مصر الحملات الأمنية التي تستهدف عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب، في وقت صدر فيه حكم قضائي بالحبس لمدة عام بحق 450 شخصاً تورطوا في عمليات تنقيب غير مشروع عن الذهب داخل المناطق الجبلية والصحراوية بجنوب البحر الأحمر.

وجاء الحكم القضائي، الذي صدر الأربعاء، بعد نظر القضايا المتعلقة بالمتهمين، والتي تضمنت اتهامات بالوجود في مناطق محظور الوجود فيها، بما يمثل مخالفة صريحة للقوانين.

وبحسب صحف محلية فإن الحملات الأمنية التي استهدفت مناطق متفرقة من الصحراء الشرقية تأتي في إطار خطة موسعة لضبط المخالفين، وحماية الثروات المعدنية، ومنع استغلال المناجم العشوائية التي تشهدها بعض المناطق النائية.

ويجرّم قانون التعدين المصري التنقيب غير الشرعي عن المعادن، ويعاقب المخالفين بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة تتراوح بين 50 ألفاً إلى 5 ملايين جنيه (من 1000 إلى 100 ألف دولار).

«بؤر إجرامية»

أعلن المتحدث العسكري في 22 يونيو (حزيران) الماضي، ضبط 223 شخصاً، منهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، خلال عمليات تنقيب عن الذهب في حملة استهدفت «بؤراً إجرامية وشبكات تنقيب غير مشروع عن الذهب»، مع مصادرة معدات وأسلحة وسيارات ضبط رباعي، وإحالة المتهمين للجهات القضائية.

وكانت محافظة البحر الأحمر بجنوب شرقي مصر قد شهدت في الأول من مايو (أيار) الماضي واقعة دامية، بعدما تحولت رحلة تنقيب غير مشروع عن خام الذهب إلى مشاجرة مسلحة أسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر بسبب نزاع بين المنقبين، وفق بيان رسمي صدر عن وزارة الداخلية.

وفي 14 من ذلك الشهر، أعلنت الداخلية «مقتل عنصرين جنائيين شديدي الخطورة خلال مواجهة مسلحة مع قوات الأمن بمحافظة أسوان، بجنوب البلاد، بعد تورطهما في فرض النفوذ والاتجار بالمخدرات والأسلحة داخل بؤر التنقيب غير المشروع عن الذهب».

تهدد عمليات التنقيب غير المشروعة استثمارات استخراج الذهب في صحراء مصر (وزارة البترول)

وقال رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ ووزير البترول الأسبق، أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «الظاهرة ليست بجديدة، ولكن استفحالها في الفترة الأخيرة ارتبط بالأزمة السودانية وانتقال المنقِّبين بسبب ظروف الحرب من شمال السودان لجنوب مصر، في وقت اتسمت طبيعة عمل المنقبين السودانيين باحترافية أكبر؛ نظراً لكون عمليات التنقيب لديهم تعتمد على إطار فردي وغير منظم، على العكس من مصر التي تخضع فيها عمليات التنقيب عن الذهب لإطار قانوني».

وأضاف أن الدولة انتبهت لهذا الأمر منذ عام 2012 وأنشأت شركة «شلاتين للثروة المعدنية» لتنظيم عملية التنقيب عن الذهب في الصحراء الشرقية بشكل واضح بما يسمح بتحقيق أقصى استفادة ممكنة.

واستطرد قائلاً: «لكن ما حدث في الفترة الماضية تضمن التنقيب في مناطق امتياز لبعض الشركات بما يضر بالاستثمار في قطاع التعدين بالإضافة إلى هدر وتدمير»، وطالب بضرورة تنظيم عملية التنقيب للراغبين عبر الجهات المعنية.

ومنحت شركة «شلاتين للثروة المعدنية» مطلع العام الجاري 8 رخص تعدين جديدة، ليصل إجمالي عدد الشركات العاملة في نطاق امتيازها بالصحراء الشرقية إلى 61 شركة تعمل في مجال التنقيب واستخراج الذهب، بوقت تستهدف فيه الوصول بتسليماتها من الذهب للبنك المركزي بنحو 20 في المائة بنهاية العام الجاري لتصل إلى 1.5 طن، مع استهداف الوصول إلى 6 أطنان سنوياً بحلول 2030.

وتتسلم الشركة بشكل منتظم من الشركات والأفراد المسموح لهم بالعمل في مناطق الامتياز كميات الذهب، لتسلمها بدورها إلى البنك المركزي، مع احتساب سعر الذهب على أساس سعر الصرف الرسمي بالجنيه.

احتياطي الذهب

ويرى الإعلامي وعضو مجلس النواب، مصطفى بكري، أن الأمر تحول إلى «سلب ونهب للثروة» عبر العمل بلا ترخيص من أفراد وشركات للحصول على الذهب من دون اتباع الإجراءات القانونية التي ينظمها القانون، لافتاً إلى أن الفترة الماضية شهدت استخدام معدات متطورة للتنقيب غير المشروع.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن وجود أطراف خارجية تَسبب بالعديد من الصراعات بين القبائل والعائلات رغم سهولة الحصول على تصاريح بالتنقيب عبر هيئة الثروة المعدنية، متوقعاً أن تلعب الملاحقات الأمنية دوراً حاسماً في توقف عمليات نهب الذهب.

تتابع الحكومة احتياطات منجم السكري بشكل مستمر (وزارة البترول)

وسبق أن شكا رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس من ممارسات التنقيب العشوائي وغير القانوني قائلاً إنها تحرم مصر من أن تكون من أكبر الدول في الاحتياطي من الذهب.

ويلفت الوزير الأسبق أسامة كمال إلى وجود أضرار من عمليات التنقيب غير المشروع مرتبطة بإتلاف «فوهات» المناجم، بالإضافة إلى هدر المعادن المصاحبة الموجودة في الجبال لعدم قدرة المنقبين على التعامل معها، فضلاً عن الأضرار الجيولوجية، بما يُصعب الاستفادة من الثروات الكامنة مستقبلاً ويضر عمليات التنقيب التي تستثمر فيها الشركات مبالغ كبيرة.

وتضم مصر، وفق بيانات سابقة صادرة عن هيئة الثروة المعدنية، نحو 120 موقعاً معروفاً للذهب، تقع كلها بالصحراء الشرقية.