دارفور... «جرائم حرب» جديدة تعيد إلى الأذهان تاريخاً دامياً

جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
TT

دارفور... «جرائم حرب» جديدة تعيد إلى الأذهان تاريخاً دامياً

جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)

بعدما رأت منزلها يُحرق وشقيقها يُقتل، لم تجد إنعام مفرّاً سوى الفرار من مدينة الجنينة في السودان إلى تشاد، هرباً من انتهاكات قد ترقى إلى «جرائم حرب» تعيد إلى سكان إقليم دارفور ذكريات مريرة.

منذ اندلاع المعارك في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو، في 15 أبريل (نيسان)، شهد إقليم دارفور بغرب البلاد، بعضاً من أسوأ أعمال العنف التي ترافقت مع انتهاكات إنسانية وجنسية، وجرائم قتل على أساس عرقي، وعمليات نهب واسعة النطاق، وفق ما تؤكد منظمات إنسانية وشهود، في ظل انقطاع شبه تام للاتصالات في الإقليم.

وتقول إنعام إن مسلّحين ينتمون إلى «قوات الدعم السريع» وقبائل عربية حليفة لها «أحرقوا منزلنا وكل منازل الحي... قتلوا أخي أمام عينيّ» في مدينة الجنينة مركز ولاية غرب دارفور.

وتتابع الناشطة الحقوقية التي تحدثت إلى وكالة الصحافة الفرنسية عبر الهاتف من شرق تشاد، وطلبت استخدام اسم مستعار حمايةً لأقاربها الذين لا يزالون في الجنينة: «عندما خرجنا كانت الجثث في كل مكان والنيران مشتعلة في البيوت، لذا سلكنا طريقاً بعيداً حتى لا يقابلنا (الدعم السريع) أو المسلحون العرب».

الفرار لا يوفر الحماية

في ظل الظروف الراهنة، اضطر عشرات الآلاف في الجنينة ودارفور إلى ترك منازلهم.

إنعام هي واحدة من أكثر من 150 ألف شخص لجأوا إلى تشاد، وفق أحدث أرقام منظمة الهجرة الدولية.

وفي مختلف أنحاء السودان، بلغ عدد النازحين «مليوني شخص»، وفقاً للأمم المتحدة، كما فرّ نحو 600 ألف شخص إلى الدول المجاورة، بعد أن أوقعت الحرب الدائرة في البلاد حتى الآن أكثر من ألفي قتيل، وفقاً لتقديرات يرى خبراء أنّها أقلّ بكثير من الواقع.

ويتحدر غالبية الفارين إلى تشاد وأفريقيا الوسطى من إقليم دارفور المكوّن من خمس ولايات ويمتد على ربع مساحة السودان، ويقطن فيه ربع عدد سكان البلاد المقدّر بـ48 مليون نسمة.

لكن الفرار لا يوفر حماية فورية، إذ تؤكد منظمات إنسانية أن سكان دارفور عانوا الأمرّين للهروب من مناطقهم.

ونقلت منظمة «أطباء بلا حدود» شهادة السودانية سلمى (اسم مستعار)، وتبلغ من العمر 18 عاماً، تعرضت شقيقتها للاغتصاب من رجال مسلحين في أثناء فرارها مع شقيقتيها من مدينة الجنينة.

وتحكي سلمى أنه في ظهر الخامس عشر من يونيو (حزيران)، أوقفهن ستة رجال مسلحين وقاموا باغتصاب واحدة من شقيقتيها تبلغ من العمر 15 عاماً.

وقالت سلمى، حسبما نقلت «أطباء بلا حدود»: «احتجزوها لبعض الوقت داخل الحافلة وبعد أن انتهوا منها ألقوا بها خارجها وغادروا».

وفي ظل صعوبة الاتصال مع مختلف ولايات الإقليم، تنتشر على مواقع التواصل تسجيلات وصور تُظهر نزوح الآلاف من سكان دارفور إلى الحدود مع تشاد.

جحيم الجنينة

في منتصف الشهر الجاري قُتل والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، بعد ساعات على اتّهامه «قوات الدعم السريع» بـ«تدمير» مدينة الجنينة.

واتهم الجيش «قوات الدعم السريع» بخطف واغتيال أبكر، إلا أنها أدانت من جهتها مقتل الوالي، مؤكّدة أنّه جرى «على أيدي متفلتين... على خلفية الصراع القبلي المحتدم في الولاية».

كما حمّلت الأمم المتحدة «قوّات الدعم» مسؤوليّة «العمل الشنيع».

وقالت بعثة المنظّمة في بيان: «تنسب إفادات شهود عيان مُقنعة، هذا الفعل إلى الميليشيات العربيّة و(قوات الدعم السريع)»، داعيةً إلى «تقديم الجناة بسرعة للعدالة وإلى عدم توسيع دائرة العنف في المنطقة بشكل أكبر».

وتؤكد أطراف ومنظمات دولية أن الجنينة هي الأكثر تعرضاً لأعمال العنف في دارفور خلال الأسابيع الماضية.

ووصفت الأمم المتحدة الوضع فيها بـ«الخطير جداً» منذ مطلع يونيو.

وقال منسق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في دارفور طوبي هاروارد: «أُحرقت الأسواق، ونُهبت الخدمات الصحية، وتجوب المدينة جماعات مسلحة تقتل الناس بطريقة عشوائية، غالباً بسبب عرقهم»، متابعاً أنه «وضع خطير للغاية يمكن أن يتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية إذا لم تستعد السلطات السيطرة وتُفرض هيبة الدولة».

ويقول محمد (اسم مستعار)، الذي كان يسكن الجنينة وفرّ إلى أدري في تشاد، لوكالة الصحافة الفرنسية: «منذ بداية الحرب والنظام الصحي بأكمله خارج الخدمة»، مضيفاً: «لا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات».

وتابع: «جميع صهاريج المياه دُمِّرت ولم تعد هناك سوى الآبار للحصول على الماء»، مشيراً إلى أن من يقرر الذهاب إلى الآبار يتعرض لاستهداف القناصين».

وبالنسبة إلى تدبير المواد الغذائية، قال محمد إن الأسواق الصغيرة التي فتحت أبوابها لخدمة المواطنين «تعرضت للنهب».

ويوضح متحدث منظمة «أطباء بلا حدود»، رداً على أسئلة وجهتها «الصحافة الفرنسية»: «لم يهدّد النزاع حياتهم من العنف المباشر فحسب، بل أثّر أيضاً على نيل الرعاية الصحية، ما يؤثّر على كل شرائح المجتمع بمن فيها من يعانون الأمراض المزمنة، والحوامل، والأطفال، ومن يحتاجون إلى رعاية طبية»، وأنّ «توفّر الضروريات الأساسية مثل مياه الشرب النظيفة بات مقيّداً بشكل حاد».

ويروي إبراهيم عيسى، وهو أستاذ مدرسة فرّ من الجنينة إلى تشاد: «خرجنا من الجحيم... أعادت لنا الحرب ذكريات عامي 2003 و2004 حين كان القتل متصلاً بالهوية والعرق».

وحسبما يقول محمد، فقد تم توقيف الكثير من الفارين على الحدود من المسلحين: «يسألونك عن هويتك واسمك وقبيلتك... والبعض يتعرض للتصفية».

عنف عرقي

ترجع تسمية دارفور بهذا الاسم إلى أن الإقليم كان موطناً لشعب الفور قديماً وبتواتر الأجيال أصبحت المنطقة تضم بين سكانها مجموعات قبلية بينها العرب مثل قبائل الرزيقات التي ينتسب إليها دقلو ومجموعات عرقية أفريقية مثل الزغاوة والمساليت والتي يتحدر منها والي غرب دارفور أبكر.

كان إقليم دارفور ساحة لحرب أهلية مريرة عام 2003 بين متمردي الأقليات العرقية الأفريقية وحكومة الرئيس المعزول عمر البشير التي كان غالبية أعضائها من العرب.

وأوقع النزاع نحو 300 ألف قتيل وشرّد 2.5 مليون شخص، حسب الأمم المتحدة.

وفي أثناء حرب 2003، استعان البشير لمساندة قواته، بميليشيات «الجنجويد» التي شكّلت بعد ذلك نواة «قوات الدعم» التي أنشئت رسمياً في 2013.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتَي توقيف بحق البشير وبعض مساعديه لاتهامهم بارتكاب إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأعربت منظمة العفو الدولية في بيان عن قلقها «إزاء التقارير التي تُفيد بوقوع عمليات قتل موجهة ذات دوافع عرقية... على أيدي (قوات الدعم السريع) والميليشيات العربية المتحالفة معها».

وفي هذا الصدد قال محمد: «ليست هناك علاقة بين الحرب في دارفور وما يحصل في الخرطوم... في البداية كان (النزاع) بين الجيش و(قوات الدعم السريع) ولكن بعد ذلك تحول إلى حرب أهلية... على أساس الهوية».

وأشار إلى تاريخ العنف القديم بين المجموعات العربية و«الدعم السريع» ضد مجموعة المساليت، العرقية الأبرز في غرب دارفور التي تتخذ من الجنينة عاصمتها التاريخية.

من جهتها اتهمت المساليت «قوات الدعم السريع»، حسب تقرير أعدته عن الأوضاع في الجنينة في الفترة من 24 أبريل حتى 12 يونيو، بارتكاب معظم الانتهاكات في المدينة.

وأفاد التقرير الذي حصلت «الصحافة الفرنسية» على نسخة منه، بأن «انعدام الأمن وغياب سيادة الدولة أديا إلى مقتل أكثر من 5 آلاف شخص وما لا يقل عن 8 آلاف جريح»، وكان الشقيق الأكبر لزعيم المساليت من بين القتلى.

ولكن لم يتسنَّ التحقق من هذا العدد بشكل دقيق ومستقل في ظل الأوضاع الراهنة.

وأكدت المساليت في تقريرها أنه نظراً إلى «تدهور الوضع الأمني بمدينة الجنينة مع الانتشار الواسع للقناصة على أسطح المنازل والأماكن المرتفعة... أصبح المواطنون في الجنينة يواجهون مصيراً مجهولاً من حيث فقدان الأمن والمأوى والغذاء والدواء».

وأشارت إلى «حرق وتدمير جميع مراكز إيواء النازحين البالغ عددها 86»، إضافةً إلى «نهب وحرق قصر سلطنة دار مساليت»، مطالبةً المجتمع الدولي بوضعه تحت «الوصاية الدولية».

حامية أُمّ دافوق

كانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان «الاستيلاء الكامل» على حامية عسكرية مهمة في منطقة أُمّ دافوق الحدودية مع جمهورية أفريقيا الوسطى في جنوب دارفور.

وفي هذا الصدد قال ضابط سابق في الجيش السوداني سبق وعمل في منطقة أُمّ دافوق، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «سيطرة (الدعم السريع) على الحامية يزيد من فرص حصول قواتها على إمداد خارجي عبر حلفاء في ميليشيا (فاغنر) المنتشرة في أفريقيا الوسطى».

وأوضح: «هذه السيطرة ستنقل الصراع السوداني من شأنٍ داخلي إلى إقليمي»، وزعم أن «المعلومات تفيد بأن (قوات الدعم السريع) التي هاجمت حامية أُمّ دافوق جاءت بـ250 عربة وألفَي مقاتل من داخل حدود أفريقيا الوسطى».

من جهتها، تحدثت منظمة العفو الدولية عن «أوجه تشابه مثيرة للقلق بين العنف الجاري وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في دارفور منذ 2003، وحتى أولئك الذين يبحثون عن الأمان لا يسلمون من هذا العنف».

كانت المستشارة الأممية الخاصة المعنية بمنع الإبادة، أليس نديريتو، قد وصفت العنف في غرب دارفور بأنه «مروّع»، محذرةً حال استمراره «من أن يتطور إلى حملات متجددة من الاغتصاب والقتل والتطهير العرقي، التي ترقى إلى مستوى الجرائم الفظيعة». وبالنسبة إلى إيما دي نابولي، المحامية في القانون الإنساني الدولي، «من حيث المبدأ ربما ترقى جرائم كثيرة تم التبليغ عنها في دارفور إلى جرائم ضد الإنسانية أو حتى جرائم حرب».

وأضافت لوكالة الصحافة الفرنسية: «يجب على الناشطين على الأرض الحفاظ على الأدلة بأفضل شكل ممكن... لأن هذا ضروري للمحاكمات المستقبلية أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أي مكان آخر».


مقالات ذات صلة

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

قصفت «قوات الدعم السريع» في ساعة مبكرة من صباح السبت، منزل حاكم إقليم النيل الأزرق، اللواء أحمد العمدة.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي «حرص مصر على مواصلة تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاستثمارية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يوسع انتشاره في شمال كردفان

عزز الجيش السوداني، الجمعة، انتشاره في شمال كردفان بإعلانه استعادة بلدة «المزروب» الاستراتيجية، بعد أسبوع من دخوله مدينة سودري.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير داخل قفص في محكمة بالخرطوم خلال محاكمته بتهم فساد يوم 31 أغسطس 2019 (رويترز) p-circle

عمر البشير يطلب السماح بالسفر خارج السودان لتلقي العلاج

طلب الرئيس السوداني السابق عمر البشير، المسجون حالياً، الإذن بالسفر إلى خارج البلاد لتلقي العلاج، وفق ما قال محاميه لوكالة الصحافة الفرنسية الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

حضّت جهات دولية عدة الأطراف المتحاربة في السودان على الانخراط فوراً في مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستند إلى خريطة طريق «الآلية الرباعية».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

أحزاب بالجنوب الليبي تحذر من «تغول القبلية» في السياسة

تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
TT

أحزاب بالجنوب الليبي تحذر من «تغول القبلية» في السياسة

تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)

حذرت أحزاب سياسية في جنوب ليبيا من «تغول» الاعتبارات القبلية على حساب العمل الحزبي، داعية إلى الحفاظ على مساحة أوسع للقوى السياسية في إدارة المرحلة المقبلة، وعدم تكريس نموذج يعيد توزيع النفوذ على أساس الانتماءات الاجتماعية والمناطقية.

وجاءت التحذيرات خلال لقاءات عقدها ممثلون عن أحزاب سياسية مسجلة في الجنوب الليبي، على مدار أسبوع، مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه، والسفير الفرنسي لدى ليبيا تييري فالا، في وقت تتصاعد فيه اعتراضات حزبية على ترتيبات سياسية وتشريعية ترى هذه القوى أنها قد تحد من حضور الأحزاب وتمنح الاعتبارات القبلية والمناطقية وزناً أكبر في المشهد العام.

وقال رئيس حزب «التنمية والسلم» الليبي، أحمد حسن، أحد المشاركين في اللقاءين، لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثلي الأحزاب والقوى السياسية في الجنوب نقلوا إلى المبعوثة الأممية والسفير الفرنسي «تحذيراً واضحاً من تجاهل الأحزاب ونظام القوائم الحزبية» في الترتيبات المنظمة للاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وأضاف أن «قوى سياسية في الجنوب ترى أن توسيع مساحة العمل الحزبي يمكن أن يحد من هيمنة الاعتبارات المحلية والقبلية، ويفتح المجال أمام التنافس على أساس البرامج وقضايا المواطنة»، مشيراً إلى أن عكس هذا المسار قد يقود إلى «تغول الاعتبارات القبلية بشكل أوسع».

ويبين حسن أن هذا الموقف «لا يعبر عن رؤية حزب (التنمية والسلم) وحده، وإنما تتبناه أيضاً الأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في هذه اللقاءات»، علماً بأنه ينتمي إلى قبيلة «أولاد سليمان»، إحدى أبرز القبائل العربية في ليبيا، التي تنتشر تاريخياً في مناطق من فزان (الجنوب الليبي) وسرت (شمالاً).

السفير الفرنسي لدى ليبيا خلال لقاء مع ممثلي أحزاب سياسية في الجنوب الليبي الخميس (السفارة الفرنسية)

ويعكس هذا الموقف، بحسب المشاركين في اللقاءات، مخاوف أوسع لدى أحزاب الجنوب من أن يؤدي تراجع دور التنظيمات السياسية إلى إعادة إنتاج أنماط من التنافس تقوم على الروابط الاجتماعية والمناطقية، بدلاً من بناء كتل سياسية قادرة على التعبير عن مصالح المواطنين عبر برامج ومواقف معلنة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في جنوب ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات القبلية والمناطقية مع التوازنات السياسية والأمنية، بينما تسعى القوى الحزبية إلى تثبيت حضورها في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

وكانت تيتيه قد التقت في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي ممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا. ووفق ما أعلنته البعثة الأممية، أعرب المشاركون عن قلقهم من «تقلص دور الأحزاب السياسية»، وطالبوا البعثة بطرح المسألة مع الأطراف المعنية.

وبعد أسبوع، عقد السفير الفرنسي لقاءً مع ممثلي الأحزاب السياسية المسجلة في الجنوب، في إطار ما وصفته السفارة بالحوار المستمر مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك منطقة فزان التي تربطها بفرنسا «علاقات تاريخية وودية مهمة».

وقال حسن إن «ممثلي الأحزاب طلبوا من السفير الفرنسي دعم مطالبهم خلال مداخلة بلاده في جلسة مجلس الأمن المقبلة بشأن ليبيا، خصوصاً ما يتعلق بضمان مشاركة الأحزاب في العملية السياسية، وعدم حصر التنافس السياسي في الأفراد».

خلفيات الأزمة

وتعود جذور الاعتراضات الحالية إلى الاتفاق الذي وقعته لجنة «4+4» في نهاية أغسطس (آب) الماضي، والذي ترى أحزاب سياسية أنه يعيد العمل بإطار انتخابي سبق أن جرت على أساسه انتخابات مجلس النواب الحالي، في ظل نظام يقوم بصورة أساسية على انتخاب الأفراد.

وتقول هذه الأحزاب إن قانون الانتخابات المعدل في 2023، والذي أعد في إطار مخرجات لجنة «6+6» المشتركة بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، كان يتيح مساحة أوسع لمشاركة القوى السياسية، مقارنة بالنظام الذي تخشى أن يعيد إنتاج المنافسة الفردية.

وترى قيادات حزبية أن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة اختيار المرشحين، وإنما بطبيعة البرلمان المقبل وقدرته على تشكيل كتل سياسية متماسكة تتنافس على أساس برامج وطنية، بدلاً من تركيز المنافسة على الاعتبارات المحلية والاجتماعية والقبلية.

وبحسب حسن، فإن ممثلي الأحزاب سبق أن التقوا أعضاء في لجنة «4+4»، وسمعوا منهم طرحاً مفاده أن الأحزاب الليبية «ضعيفة»، معتبراً أن هذا الطرح يثير تساؤلاً بشأن كيفية تقوية الأحزاب وتنشيطها إذا جرى في الوقت نفسه تقليص مساحة مشاركتها في العملية السياسية والانتخابية.

وسبق أن دعت أحزاب سياسية المبعوثة الأممية إلى ضمان ألا تقل نسبة تمثيل الأحزاب عن 80 في المائة من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، كما لوحت باللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في أي تشريع أو ترتيب انتخابي يحرمها من المشاركة عبر قوائمها ومؤسساتها وبرامجها السياسية المعتمدة.

وتضم قائمة المشاركين في لقاءات الأحزاب في الجنوب كلاً من أحمد حسين أبو بكر شكل، رئيس حزب «التنمية والسلم»، وعبد السلام غربال الشاوش، رئيس حزب «نبض الوطن»، وإبراهيم عادل أباعلي شها، رئيس حزب «الشعوب الديمقراطي». ومن بين الحاضرين أيضاً سليمان علي سليمان أدهيكيل، رئيس حزب «الرابطة الليبي»، وعلي جبريل المبروك الذهبي، الأمين العام لحزب «البركة الليبي»، ونوري علي محمد الأحول، نائب رئيس حزب «الهدى الديمقراطي».


«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
TT

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

استهدفت طائرات مسيّرة منزل حاكم إقليم النيل الأزرق، الفريق أحمد العمدة، بمدينة الدمازين، في ساعة مبكِّرة من صباح السبت، في هجوم نسبه إلى «قوات الدعم السريع»، من دون توافر معلومات موثَّقة بشأن وقوع ضحايا.

وقال العمدة، في بيان نشره على صفحته الرسمية بمنصة «فيسبوك»، إن قوات الدفاع الجوي تصدَّت لهجوم نفَّذته «قوات الدعم السريع» بمسيّرات انتحارية استهدفت منزله وبعض الأعيان المدنية في الدمازين، عاصمة الإقليم. وأكد أن الاستهداف لن يثنيه عن مواصلة الدفاع عن الوطن حتى «تطهير كامل تراب الوطن من التمرد والعدوان».

ونشر حاكم الإقليم صوراً أظهرت انهيار أجزاء من جدران، وتناثر ركام في إحدى الباحات، إلى جانب آثار احتراق على مبنى آخر، وقال إنها توثِّق الأضرار الناجمة عن الهجوم.

آثار الدمار الذي لحق بمنزل حاكم النيل الأزرق (صفحته على «فيسبوك»)

ودعا العمدة سكان النيل الأزرق إلى الوحدة والتماسك وتغليب المصلحة الوطنية، والابتعاد عن الفرقة والفتن، قائلاً: «إن وحدتنا وتماسكنا هما السد المنيع في وجه العدوان»، وإن تماسك أبناء الإقليم يمثل الضمانة لحمايته والحفاظ على مكتسباته ومقدراته. كما حثَّ أبناء الإقليم وبناته على الوقوف خلف القوات المسلحة والقوات المساندة لها، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، مجدِّداً تعهده بمواصلة أداء مسؤولياته تجاه سكان الإقليم والوطن رغم الاعتداءات.

وتعرَّضت الدمازين، الواقعة تحت سيطرة الجيش، خلال الأيام الماضية لهجمات متكرِّرة بالطائرات المسيّرة، نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن سقوط ضحايا وأضرار مادية في مناطق مدنية.

رئيس أركان الجيش الفريق ياسر العطا لدى لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق في وقت سابق (فيسبوك)

وفي تطوُّر ميداني متصل، أفادت تقارير إعلامية، نقلاً عن مصادر عسكرية، بتصدي الجيش والقوات المساندة له لهجمات برية شنَّتها «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها على بلدات مينزا، وجبل النمر، والكداولو بولاية النيل الأزرق. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش بشأن هذه المعارك. ويشهد الإقليم، الواقع جنوب شرقي السودان والمحاذي للحدود الإثيوبية، تصاعداً في العمليات العسكرية، بعدما سيطرت «قوات الدعم السريع» قبل أشهر على مدينتَي الكرمك وقيسان، وهما من أكبر مدن الولاية. وتحدَّثت منصات إعلامية محسوبة عليها عن مواجهات مع الجيش في مواقع متفرقة بالإقليم.

الهدنة الإنسانية

وفي سياق آخر، أكد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن الدولة لا ترفض الهدنة الإنسانية، قائلاً: «نريد الهدنة اليوم قبل الغد»، في حين جدَّد رفض الحكومة توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان. وقال مناوي، في مؤتمر صحافي بمطار الخرطوم الدولي عقب عودته من نيويورك، إنهم سبق أن طالبوا بهدنة إنسانية قبل سقوط الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مشيراً إلى ما شهدته المدينة من «انتهاكات مروعة» ضد المدنيين، اتهم «قوات الدعم السريع» بارتكابها.

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي خلال زيارته مخيم نازحين بشمال السودان في 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وكانت واشنطن قد جدَّدت، في الأيام الماضية، دعوتها إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، وفق خريطة الطريق التي طرحتها «الآلية الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، ومصر، والإمارات. لكن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، رفض المقترح، متعهداً بمواصلة الحرب حتى إنهاء تمرد «قوات الدعم السريع». واتهم مناوي دولاً لم يسمّها بالتأثير على الإدارة الأميركية لعدم منح البرهان تأشيرة دخول إلى نيويورك للمشارَكة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت أخيراً.

كما جدَّد رفض الحكومة السودانية المقترح الأميركي أمام مجلس الأمن الدولي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها. وقال: «نحن ندافع عن أنفسنا في مواجهة جرائم التطهير العرقي والانتهاكات»، متهماً «قوات الدعم السريع» والدول الداعمة لها بالمسؤولية عن استمرارها ضد المدنيين.

ويقود مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، أحد أبرز الفصائل المكوِّنة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي انحازت إلى الجيش في مواجهة «قوات الدعم السريع» بعد نحو عام من اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.


البحارة المصريون المختطفون في الصومال يغادرون إلى القاهرة عقب تحريرهم

البحارة المصريون لدى وصولهم إلى مطار مقديشو السبت (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
البحارة المصريون لدى وصولهم إلى مطار مقديشو السبت (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
TT

البحارة المصريون المختطفون في الصومال يغادرون إلى القاهرة عقب تحريرهم

البحارة المصريون لدى وصولهم إلى مطار مقديشو السبت (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
البحارة المصريون لدى وصولهم إلى مطار مقديشو السبت (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

يغادر البحارة المصريون الثمانية، الذين كانوا مختطفين على متن السفينة «إم تي يوريكا (MT EUREKA)» قبالة سواحل إقليم بونتلاند في الصومال منذ 2 مايو (أيار) الماضي، إلى القاهرة عقب تحريرهم.

واستقبل سفير مصر لدى الصومال محمد صلاح، السبت، البحارة المصريين لدى وصولهم إلى مطار مقديشو، حيث تم نقلهم على الفور إلى مقر السفارة وسط حراسة مشددة، وتوفير الإقامة لهم، تمهيداً لسفرهم برفقة السفير المصري إلى القاهرة.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، السبت، بأن ذلك كان بناء على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمتابعة مستمرة من وزير الخارجية بدر عبد العاطي لعودة البحارة المصريين من الصومال إلى مصر.

وأعلنت القاهرة، الأربعاء، انتهاء أزمة البحارة الثمانية. ووجهت وزارة الخارجية حينها باستقبال البحارة المصريين، والاطمئنان عليهم، وتيسير عودتهم إلى مصر على أقرب رحلة طيران.

وقال متحدث الخارجية المصرية نادر زكي، السبت، إن «السفارة المصرية في مقديشو حرصت منذ بدء عملية الاحتجاز على التواصل الدائم مع البحارة وأهاليهم».

وتابع: «كما أجرت اتصالات عديدة مع المسؤولين بالحكومة الفيدرالية، وحكومة إقليم بونتلاند، بالإضافة إلى ملاك السفينة وحمولتها، لمتابعة تطورات الموقف، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها السفارة المصرية في اليمن مع السلطات هناك بتوجيهات من وزير الخارجية».

سفير مصر لدى الصومال خلال استقبال البحارة المصريين لدى وصولهم إلى مطار مقديشو السبت (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وبحسب زكي، فإن «الاهتمام الأكبر لوزارة الخارجية طوال فترة الاحتجاز انصب في المقام الأول على ضمان أمن وسلامة البحارة، والدفع نحو سرعة الإفراج عنهم». وأعرب عن خالص تهانيه لأهالي البحارة لعودتهم سالمين.

ويشار إلى أن الناقلة «إم تي يوريكا» وأفراد طاقمها المكون من 8 مصريين و4 هنود كانوا محتجزين لدى قراصنة صوماليين، عقب اعتراضها في الثاني من مايو الماضي قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية، قبل أن تتجه السفينة إلى خليج عدن، ثم إلى المياه المقابلة للسواحل الصومالية.