دارفور... «جرائم حرب» جديدة تعيد إلى الأذهان تاريخاً دامياً

جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
TT

دارفور... «جرائم حرب» جديدة تعيد إلى الأذهان تاريخاً دامياً

جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في دارفور (أ.ف.ب)

بعدما رأت منزلها يُحرق وشقيقها يُقتل، لم تجد إنعام مفرّاً سوى الفرار من مدينة الجنينة في السودان إلى تشاد، هرباً من انتهاكات قد ترقى إلى «جرائم حرب» تعيد إلى سكان إقليم دارفور ذكريات مريرة.

منذ اندلاع المعارك في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو، في 15 أبريل (نيسان)، شهد إقليم دارفور بغرب البلاد، بعضاً من أسوأ أعمال العنف التي ترافقت مع انتهاكات إنسانية وجنسية، وجرائم قتل على أساس عرقي، وعمليات نهب واسعة النطاق، وفق ما تؤكد منظمات إنسانية وشهود، في ظل انقطاع شبه تام للاتصالات في الإقليم.

وتقول إنعام إن مسلّحين ينتمون إلى «قوات الدعم السريع» وقبائل عربية حليفة لها «أحرقوا منزلنا وكل منازل الحي... قتلوا أخي أمام عينيّ» في مدينة الجنينة مركز ولاية غرب دارفور.

وتتابع الناشطة الحقوقية التي تحدثت إلى وكالة الصحافة الفرنسية عبر الهاتف من شرق تشاد، وطلبت استخدام اسم مستعار حمايةً لأقاربها الذين لا يزالون في الجنينة: «عندما خرجنا كانت الجثث في كل مكان والنيران مشتعلة في البيوت، لذا سلكنا طريقاً بعيداً حتى لا يقابلنا (الدعم السريع) أو المسلحون العرب».

الفرار لا يوفر الحماية

في ظل الظروف الراهنة، اضطر عشرات الآلاف في الجنينة ودارفور إلى ترك منازلهم.

إنعام هي واحدة من أكثر من 150 ألف شخص لجأوا إلى تشاد، وفق أحدث أرقام منظمة الهجرة الدولية.

وفي مختلف أنحاء السودان، بلغ عدد النازحين «مليوني شخص»، وفقاً للأمم المتحدة، كما فرّ نحو 600 ألف شخص إلى الدول المجاورة، بعد أن أوقعت الحرب الدائرة في البلاد حتى الآن أكثر من ألفي قتيل، وفقاً لتقديرات يرى خبراء أنّها أقلّ بكثير من الواقع.

ويتحدر غالبية الفارين إلى تشاد وأفريقيا الوسطى من إقليم دارفور المكوّن من خمس ولايات ويمتد على ربع مساحة السودان، ويقطن فيه ربع عدد سكان البلاد المقدّر بـ48 مليون نسمة.

لكن الفرار لا يوفر حماية فورية، إذ تؤكد منظمات إنسانية أن سكان دارفور عانوا الأمرّين للهروب من مناطقهم.

ونقلت منظمة «أطباء بلا حدود» شهادة السودانية سلمى (اسم مستعار)، وتبلغ من العمر 18 عاماً، تعرضت شقيقتها للاغتصاب من رجال مسلحين في أثناء فرارها مع شقيقتيها من مدينة الجنينة.

وتحكي سلمى أنه في ظهر الخامس عشر من يونيو (حزيران)، أوقفهن ستة رجال مسلحين وقاموا باغتصاب واحدة من شقيقتيها تبلغ من العمر 15 عاماً.

وقالت سلمى، حسبما نقلت «أطباء بلا حدود»: «احتجزوها لبعض الوقت داخل الحافلة وبعد أن انتهوا منها ألقوا بها خارجها وغادروا».

وفي ظل صعوبة الاتصال مع مختلف ولايات الإقليم، تنتشر على مواقع التواصل تسجيلات وصور تُظهر نزوح الآلاف من سكان دارفور إلى الحدود مع تشاد.

جحيم الجنينة

في منتصف الشهر الجاري قُتل والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، بعد ساعات على اتّهامه «قوات الدعم السريع» بـ«تدمير» مدينة الجنينة.

واتهم الجيش «قوات الدعم السريع» بخطف واغتيال أبكر، إلا أنها أدانت من جهتها مقتل الوالي، مؤكّدة أنّه جرى «على أيدي متفلتين... على خلفية الصراع القبلي المحتدم في الولاية».

كما حمّلت الأمم المتحدة «قوّات الدعم» مسؤوليّة «العمل الشنيع».

وقالت بعثة المنظّمة في بيان: «تنسب إفادات شهود عيان مُقنعة، هذا الفعل إلى الميليشيات العربيّة و(قوات الدعم السريع)»، داعيةً إلى «تقديم الجناة بسرعة للعدالة وإلى عدم توسيع دائرة العنف في المنطقة بشكل أكبر».

وتؤكد أطراف ومنظمات دولية أن الجنينة هي الأكثر تعرضاً لأعمال العنف في دارفور خلال الأسابيع الماضية.

ووصفت الأمم المتحدة الوضع فيها بـ«الخطير جداً» منذ مطلع يونيو.

وقال منسق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في دارفور طوبي هاروارد: «أُحرقت الأسواق، ونُهبت الخدمات الصحية، وتجوب المدينة جماعات مسلحة تقتل الناس بطريقة عشوائية، غالباً بسبب عرقهم»، متابعاً أنه «وضع خطير للغاية يمكن أن يتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية إذا لم تستعد السلطات السيطرة وتُفرض هيبة الدولة».

ويقول محمد (اسم مستعار)، الذي كان يسكن الجنينة وفرّ إلى أدري في تشاد، لوكالة الصحافة الفرنسية: «منذ بداية الحرب والنظام الصحي بأكمله خارج الخدمة»، مضيفاً: «لا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات».

وتابع: «جميع صهاريج المياه دُمِّرت ولم تعد هناك سوى الآبار للحصول على الماء»، مشيراً إلى أن من يقرر الذهاب إلى الآبار يتعرض لاستهداف القناصين».

وبالنسبة إلى تدبير المواد الغذائية، قال محمد إن الأسواق الصغيرة التي فتحت أبوابها لخدمة المواطنين «تعرضت للنهب».

ويوضح متحدث منظمة «أطباء بلا حدود»، رداً على أسئلة وجهتها «الصحافة الفرنسية»: «لم يهدّد النزاع حياتهم من العنف المباشر فحسب، بل أثّر أيضاً على نيل الرعاية الصحية، ما يؤثّر على كل شرائح المجتمع بمن فيها من يعانون الأمراض المزمنة، والحوامل، والأطفال، ومن يحتاجون إلى رعاية طبية»، وأنّ «توفّر الضروريات الأساسية مثل مياه الشرب النظيفة بات مقيّداً بشكل حاد».

ويروي إبراهيم عيسى، وهو أستاذ مدرسة فرّ من الجنينة إلى تشاد: «خرجنا من الجحيم... أعادت لنا الحرب ذكريات عامي 2003 و2004 حين كان القتل متصلاً بالهوية والعرق».

وحسبما يقول محمد، فقد تم توقيف الكثير من الفارين على الحدود من المسلحين: «يسألونك عن هويتك واسمك وقبيلتك... والبعض يتعرض للتصفية».

عنف عرقي

ترجع تسمية دارفور بهذا الاسم إلى أن الإقليم كان موطناً لشعب الفور قديماً وبتواتر الأجيال أصبحت المنطقة تضم بين سكانها مجموعات قبلية بينها العرب مثل قبائل الرزيقات التي ينتسب إليها دقلو ومجموعات عرقية أفريقية مثل الزغاوة والمساليت والتي يتحدر منها والي غرب دارفور أبكر.

كان إقليم دارفور ساحة لحرب أهلية مريرة عام 2003 بين متمردي الأقليات العرقية الأفريقية وحكومة الرئيس المعزول عمر البشير التي كان غالبية أعضائها من العرب.

وأوقع النزاع نحو 300 ألف قتيل وشرّد 2.5 مليون شخص، حسب الأمم المتحدة.

وفي أثناء حرب 2003، استعان البشير لمساندة قواته، بميليشيات «الجنجويد» التي شكّلت بعد ذلك نواة «قوات الدعم» التي أنشئت رسمياً في 2013.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتَي توقيف بحق البشير وبعض مساعديه لاتهامهم بارتكاب إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأعربت منظمة العفو الدولية في بيان عن قلقها «إزاء التقارير التي تُفيد بوقوع عمليات قتل موجهة ذات دوافع عرقية... على أيدي (قوات الدعم السريع) والميليشيات العربية المتحالفة معها».

وفي هذا الصدد قال محمد: «ليست هناك علاقة بين الحرب في دارفور وما يحصل في الخرطوم... في البداية كان (النزاع) بين الجيش و(قوات الدعم السريع) ولكن بعد ذلك تحول إلى حرب أهلية... على أساس الهوية».

وأشار إلى تاريخ العنف القديم بين المجموعات العربية و«الدعم السريع» ضد مجموعة المساليت، العرقية الأبرز في غرب دارفور التي تتخذ من الجنينة عاصمتها التاريخية.

من جهتها اتهمت المساليت «قوات الدعم السريع»، حسب تقرير أعدته عن الأوضاع في الجنينة في الفترة من 24 أبريل حتى 12 يونيو، بارتكاب معظم الانتهاكات في المدينة.

وأفاد التقرير الذي حصلت «الصحافة الفرنسية» على نسخة منه، بأن «انعدام الأمن وغياب سيادة الدولة أديا إلى مقتل أكثر من 5 آلاف شخص وما لا يقل عن 8 آلاف جريح»، وكان الشقيق الأكبر لزعيم المساليت من بين القتلى.

ولكن لم يتسنَّ التحقق من هذا العدد بشكل دقيق ومستقل في ظل الأوضاع الراهنة.

وأكدت المساليت في تقريرها أنه نظراً إلى «تدهور الوضع الأمني بمدينة الجنينة مع الانتشار الواسع للقناصة على أسطح المنازل والأماكن المرتفعة... أصبح المواطنون في الجنينة يواجهون مصيراً مجهولاً من حيث فقدان الأمن والمأوى والغذاء والدواء».

وأشارت إلى «حرق وتدمير جميع مراكز إيواء النازحين البالغ عددها 86»، إضافةً إلى «نهب وحرق قصر سلطنة دار مساليت»، مطالبةً المجتمع الدولي بوضعه تحت «الوصاية الدولية».

حامية أُمّ دافوق

كانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان «الاستيلاء الكامل» على حامية عسكرية مهمة في منطقة أُمّ دافوق الحدودية مع جمهورية أفريقيا الوسطى في جنوب دارفور.

وفي هذا الصدد قال ضابط سابق في الجيش السوداني سبق وعمل في منطقة أُمّ دافوق، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «سيطرة (الدعم السريع) على الحامية يزيد من فرص حصول قواتها على إمداد خارجي عبر حلفاء في ميليشيا (فاغنر) المنتشرة في أفريقيا الوسطى».

وأوضح: «هذه السيطرة ستنقل الصراع السوداني من شأنٍ داخلي إلى إقليمي»، وزعم أن «المعلومات تفيد بأن (قوات الدعم السريع) التي هاجمت حامية أُمّ دافوق جاءت بـ250 عربة وألفَي مقاتل من داخل حدود أفريقيا الوسطى».

من جهتها، تحدثت منظمة العفو الدولية عن «أوجه تشابه مثيرة للقلق بين العنف الجاري وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في دارفور منذ 2003، وحتى أولئك الذين يبحثون عن الأمان لا يسلمون من هذا العنف».

كانت المستشارة الأممية الخاصة المعنية بمنع الإبادة، أليس نديريتو، قد وصفت العنف في غرب دارفور بأنه «مروّع»، محذرةً حال استمراره «من أن يتطور إلى حملات متجددة من الاغتصاب والقتل والتطهير العرقي، التي ترقى إلى مستوى الجرائم الفظيعة». وبالنسبة إلى إيما دي نابولي، المحامية في القانون الإنساني الدولي، «من حيث المبدأ ربما ترقى جرائم كثيرة تم التبليغ عنها في دارفور إلى جرائم ضد الإنسانية أو حتى جرائم حرب».

وأضافت لوكالة الصحافة الفرنسية: «يجب على الناشطين على الأرض الحفاظ على الأدلة بأفضل شكل ممكن... لأن هذا ضروري للمحاكمات المستقبلية أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أي مكان آخر».


مقالات ذات صلة

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».


مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني، ويحمي حدود البلاد الشرقية.

وتحتفل مصر في 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»، حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها من إسرائيل في 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها تنفيذاً لمعاهدة السلام.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «معركة التحرير التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر في سيناء، امتدت (اليوم) إلى معركة البناء والتنمية»، وقال في كلمة بهذه المناسبة، السبت، إنه «كما استعادت مصر الأرض بالتضحيات، فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل».

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، عدداً من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، مؤكداً أن «رؤية الدولة للتنمية في شمال سيناء تتركز على أن تكون المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر».

وسبق أن ذكر مدبولي في نهاية 2023 أن «الحكومة أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال عشر سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري) شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية»، ونوه حينها إلى أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدر بنحو 363 مليار جنيه لتنفيذ نحو 302 مشروع خلال ثلاث سنوات»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

جانب من المشروعات في شمال سيناء (وزارة الري المصرية)

وتزامناً مع ذكرى «تحرير سيناء»، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر أن «حجم الاستثمارات المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامي (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأكدت، في بيان، السبت، أن «59 في المائة من هذه الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».

ووفق الخبير العسكري المصري، اللواء محمد قشقوش، «تشكل خطة التنمية في سيناء خط الدفاع الأول عن شبه جزيرة سيناء في الوقت الحالي»، ويشير إلى أن «الحكومة المصرية تضع مشروع التنمية في سيناء ضمن أولوياتها خلال السنوات الأخيرة، بغرض زيادة الاستثمارات، ما ينعكس على الكثافة السكانية بتلك المنطقة».

ويرى قشقوش أن «زيادة الكثافة السكانية في سيناء وارتفاع نسبة الأيدي العاملة في المشروعات التنموية والخدمية والاستثمارية بها، سيساهم في حماية وأمن هذه المنطقة التي تشكل البوابة الشرقية للدولة المصرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تستهدف زيادة السياحة في هذه المنطقة التي تضم مقاصد سياحية وترفيهية عديدة».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه أعضاء البرلمان عن سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت الحكومة، العام الماضي، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب قشقوش، «تستهدف الحكومة المصرية تعزيز الربط الدائم بين سيناء والدلتا، عبر مشروعات طرق وأنفاق وكبارٍ عديدة».

وأقامت الحكومة المصرية 6 أنفاق أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، ضمن مشروعات التنمية والتعمير في سيناء، بتكلفة وصلت إلى 35 مليار جنيه، وقال السيسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «بلاده ربطت سيناء بالدلتا عبر 6 أنفاق تحت قناة السويس لمن لا ينتبه، لتصبح سيناء والدلتا حتة (قطعة) واحدة».

ويشير الخبير الأمني في مكافحة الإرهاب، حاتم صابر إلى أن «الحكومة المصرية أقامت مشروعات التنمية بالتوازي مع مواجهة شاملة مع تنظيمات الإرهاب التي كانت تتخذ من سيناء موضع قدم لها».

والشهر الماضي، تحدث الرئيس المصري عن تكلفة الحرب التي خاضتها بلاده ضد الإرهاب منذ عام 2012 وحتى 2022، قائلاً إن «مصر أنفقت نحو 120 مليار جنيه في الحرب على الإرهاب».

جامعة العريش - سيناء (وزارة التعليم العالي المصرية)

ويرى صابر أن «الحكومة تعمل على توسيع المشروعات لتوفير بيئة صالحة للاستثمار والتنمية»، وعدّ ذلك «يمنع أي محاولات لاستغلال الظهير الصحراوي في سيناء من قبل جماعات متطرفة، كما يحبط أي سيناريوهات كانت تستهدف توطين الفلسطينيين في سيناء».

وتشدد مصر بشكل متكرر على «رفض تهجير الفلسطيني من غزة»، وتقول إن ذلك يعدّ «خطاً أحمر بالنسبة لها».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع؛ أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

بُعد آخر تحدث عنه صابر بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حرصاً على مشاركة أهالي سيناء في مشروعات التنمية، بما يعزز من قيم المواطنة والمشاركة، عقب شكاوى التهميش التي كان يرددها بعضهم في وقت سابق».

وأكد رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم».