كشفت أسر ضحايا «المقابر الجماعية» في مدينة ترهونة الليبية (90 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة طرابلس)، عن «جرائم عديدة ارتُكبت بحق أبنائهم وذويهم على أيدي ميليشيا الكانيات»، وذلك في إطار عملية توثيق ما وقع بالمدينة، وطالبوا سلطات البلاد بضرورة إخضاع الجناة للعدالة، و«وضع حد للإفلات من العقاب على أعمال التعذيب».
وزار موسى الكوني، النائب بالمجلس الرئاسي الليبي، مدينة ترهونة الأسبوع الماضي، وتفقد «المقابر الجماعية»، والتقى بعض أسر الضحايا، الذين طالبوا باعتقال المتورطين في تلك الجرائم، و«القصاص منهم».
وتُوجّه اتهامات لميليشيا «الكانيات» بخطف مواطنين وتعذيبهم، ودفنهم في «مقابر جماعية» بمدينة ترهونة، قبل «تحريرها» من قبضتهم في الخامس من يونيو (حزيران) 2020.

وقالت «رابطة ضحايا ترهونة»، إنها وثّقت جزءاً من الانتهاكات والجرائم، التي ارتكبتها «الكانيات»، مؤكدة أن ما حدث لضحايا التعذيب والإخفاء القسري «يفرض على كل السلطات في الدولة الليبية، سواء الحكومة، أو السلطة القضائية، أو السلطة التشريعية، وضع حد للإفلات من العقاب على أعمال التعذيب، ومحاسبة الجناة من خلال نظام عدالة فعال». مضيفة أن ميليشيا الكانيات «عرّضت الضحايا لآلام جسدية ونفسية غاية في الشناعة»، ومشيرة إلى «احتجاز الضحايا في أماكن تفتقر للمقومات الدنيا للحياة، من ضيق المكان، والحرمان من الطعام والماء والتعذيب الجسدي بالصعق الكهربائي، والضرب بالحجر الأسمنتي حتى الموت، والحرق بالنار ودفن الضحايا أحياء».
وذكرت «رابطة ضحايا ترهونة» أن جثث الضحايا «كانت تبقى أحياناً ليلة كاملة مع المحتجزين، والزنازين غارقة بدماء رفقائهم وأصحابهم»، مع استمرار «التهديد المستمر للأحياء بقتلهم هم وجميع أفراد عائلاتهم».
وفور انتهاء الحرب التي شنّها «الجيش الوطني» على طرابلس العاصمة، مطلع يونيو (حزيران) 2020، عثر مواطنون في ترهونة على مقابر ضمت مئات الجثث من مختلف الأعمار، كما أظهرت مقاطع فيديو عمليات الكشف عن القتلى، وانتشال عشرات الجثث لأشخاص بعضهم مكبل اليدين، بينهم أطفال، من مواقع بصحراء ترهونة، وحاوية حديدية، وبئر معطلة بالقرب من المدينة؛ الأمر الذي أحدث ردود فعل محلية ودولية واسعة.
وأضافت الرابطة موضحة أن «التعذيب يمثل أشد أنواع انتهاكات حقوق الإنسان خطراً، وأكثرها إهانة وإذلالاً للبشر، وفي كثير من الأحيان يؤدي إلى موت الضحية بحالة رعب، وهذا ما حدث مع العديد من حالات التعذيب التي ارتكبتها ميليشيا الكانيات في ترهونة».
وتؤكد «رابطة ضحايا ترهونة» على ضرورة العمل على «إنصاف الضحايا؛ خاصة وأن مرتكبي هذه الانتهاكات يتحركون بكل حرية في دول الجوار». كما تطالب أسر الضحايا المجلس الرئاسي بتبني «مشروع العدالة الانتقالية لمحاسبة الجناة المتورطين في قضايا القتل والخطف والتغييب القسري»، مشيرين إلى أن هذه «المقابر تعدّ أكبر شاهد ودليل على جرائم القتل، وتعذيب المدنيين». داعية إلى «تشكيل نيابة ومحكمة تختص بالجرائم التي تعرضت لها مدينة ترهونة للقصاص من المجرمين، وذلك بتطبيق العدالة التي ستساهم في نجاح مشروع المصالحة الوطنية».

وتواجه ميليشيا «الكانيات» اتهامات بتصفية مئات الأسرى، الذين وقعوا في قبضتها؛ انتقاماً لمقتل آمرها محسن الكاني، وشقيقه عبد العظيم، ودفنهما في «مقابر جماعية» على أطراف المدينة. وتكوّنت هذه الميليشيا من ستة أشقاء وأتباعهم، وكانت تتمتع بقوة عسكرية مطلقة في المدينة قبل عام 2020، وقد بثّ عناصرها الرعب في صفوف السكان المحليين، بينما قُضي بشكل منهجي على الأصوات الناقدة، حتى أن أقاربهم لم يسلموا من بطشهم، بحسب تقارير حقوقية، وذهبوا إلى حد استخدام «الأسود» لبث الرعب في ترهونة.
وفي زيارة أجراها إلى ترهونة في الثامن من نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، عبّر عن «بالغ دهشته» من كثرة «المقابر الجماعية»، وحجم «الجرائم والانتهاكات»، ووصف المشاهد حينها بـ«المروعة»، وسط مطالبات عائلات الضحايا «بسرعة محاسبة القتلة».

وسبق أن أمر النائب العام، المستشار الصديق الصور، بفتح 280 قضية تتعلق بهذه المقابر الجماعية، كما تمت إحالة 10 قضايا منها إلى المحاكم، وتوجيه تهم القتل والتعذيب والخطف والإخفاء القسري، والسطو المسلح والسرقة إلى 20 متهماً. غير أن أسر الضحايا يطالبون «بسرعة إنجاز القضية ومحاسبة القتلة»، لافتين إلى ما أثبتته من فظاعات بعثة تقصي الحقائق الأممية، التي قالت في تقريرها السابق إنها توصلت إلى «أسباب معقولة» للاعتقاد بأن أفراد من «ميليشيا الكانيات» ارتكبوا «جرائم ضد الإنسانية» متمثلة في الإبادة والسجن والتعذيب والاضطهاد، والاختفاء القسري ضد «سكان محددين» في ترهونة.
وعدّ طارق لملوم، الحقوق الليبي، في ذكرى «اليوم الدولي» لمساندة ضحايا التعذيب، الذي وافق أمس (الاثنين) أن ليبيا «تعدّ من الدول صاحبة السمعة السيئة في ملف التعذيب، وعدم حفظ الكرامة الإنسانية للمواطنين»، مشيراً إلى «استمرار اللجوء للتعذيب في جميع مرافق الأجهزة الأمنية والسجون ومراكز التوقيف الحكومية».




