شائعات وأخبار زائفة تربك الرأي العام السوداني

أشهرها مقتل حميدتي وكباشي... ومحاولة انتحال اسم «لجان المقاومة» المدنية

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)
حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

شائعات وأخبار زائفة تربك الرأي العام السوداني

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)
حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

بعد اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وسيطرة قوات «الدعم السريع» على مبنيَي التلفزيون والإذاعة الحكوميَين، وخروج الوكالة الرسمية «سونا» من الخدمة، وتوقف الصحف المستقلة عن الصدور، أصبح الحصول على المعلومات حكراً على الفضائيات الدولية والإقليمية ووسائط التواصل الاجتماعي، وخلا المسرح للأخبار المفبركة والشائعات، وأصبحت الدعاية الحربية والحرب النفسية سائدتَين، الأمر الذي تسبب بعملية «تضليل» واسعة النطاق، جعلت كل معلومة يتم تداولها، خصوصاً من طرفَي القتال أو مناصريهما، عرضة للتشكيك في أنها مجرد دعاية حربية.

في ظل هذه الأجواء، سادت الأخبار الزائفة، وسيطرت على أحاديث المجالس ووجّهت الرأي العام، وأشهر هذه الشائعات كانت مقتل قائد قوات «الدعم السريع» الفريق محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي».

وجاء في تلك الشائعة التي روج لها سياسيون كبار، من بينهم مبارك الفاضل، أن سيارة حميدتي استُهدفت وأُصيب إصابة بالغة لقي حتفه إثرها. لكن الشائعة تداعت سريعاً بعد صدور بيان قمة دول «إيقاد» في جيبوتي في 12 من الشهر الحالي، والتي أوصت بعقد لقاء «وجهاً لوجه» بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وحميدتي، وهو ما اعتُبر نفياً رسمياً أكدته الخارجية السعودية بإعلانها إجراء اتصال من قبل الوزير السعودي بكل من الرجلين.

محمد حمدان دقلو (أ.ف.ب)

شمس الدين كباشي

ومثلما راجت شائعة مقتل حميدتي، راجت شائعة مناوئة عن مقتل نائب القائد العام للجيش، الفريق شمس الدين كباشي، أثناء مواجهات بين الجيش و«الدعم السريع»، لكن الرجل أطل بعد يومين مخاطباً القوات في الميدان، فأثبت أن رواية مقتله شائعة حربية.

وتداولت مجالس الخرطوم في اليومين الماضيين بياناً باسم «لجان المقاومة»، يدعو المواطنين للخروج في «موكب غضب»، رداً على تداول مقطع فيديو لاغتصاب فتاة اتّهمت به عناصر من «الدعم السريع». لكن «لجان المقاومة» تبرأت، في بيان رسمي، من الدعوة واعتبرتها محاولة لانتحال اسمها لتحقيق أهداف سياسية. وقالت في بيانها إن خروج المواطنين في هذا التوقيت يمثل خطراً على حياتهم، ودعتهم لعدم الخروج.

ويدور جدل مستمر في وسائط التواصل الاجتماعي بأن قوات «الدعم السريع» متقدمة جداً في مجال الحرب الدعائية والنفسية، على عكس الجيش الذي بدت حربه النفسية وتوجيهه المعنوي «متخلفاً» عن خصمه (الدعم السريع). ورصدت مجموعات التحقق من المعلومات أكثر من معلومة نشرها الجيش كانت غير دقيقة، إن لم تكن كاذبة، وظل خطابه معتمداً على الترويج لانتصارات شكك كثير من المواطنين بها، واعتُبر خطابه فاشلاً في تسويق وضعه الأمني والعسكري.

بيد أن خبراء عسكريين أشاروا إلى أن للجيش إدارة متخصصة تسمى «إدارة الحرب النفسية»، متخصصة في مقاومة الشائعات، بل وتستخدم الشائعة لضرب مكامن قوة العدو وتكسير معنوياته. وقال هؤلاء إن الطرفين المتحاربين يهتمان كثيراً بالحرب الدعائية، ويمتلك كل منهما غرفاً متخصصة، وهي بحسب هؤلاء الخبراء لا تقل أهمية عن السلاح. وتابعوا أن قوى سياسية ارتبطت بالخارج طوّرت من قدراتها مع جهات أخرى في الحرب الدعائية.

نائب قائد الجيش الفريق شمس الدين كباشي (أ.ف.ب)

عوائق تقنية

ويرى محللون أن «السوشيال ميديا» وحدها غير قادرة على السيطرة على الرأي العام أثناء الحرب؛ لأن المعلومة والمعلومة المضادة «متاحتان» للطرفين. وتقول وجهة النظر هذه باستحالة «سيطرة جهة على المعلومات». بيد أن هناك أدوات معروفة لتوجيه الرأي العام، مثل تقارير الوكالات الإعلامية العالمية، التي يتم تداولها بشكل كبير وسط المواطنين.

وقال الخبير الإعلامي محمد عبد السيد لـ«الشرق الأوسط»، إن «السوشيال ميديا» لم تؤثر في الرأي العام السوداني خلال الحرب، لوجود إشكاليات تقنية تتعلق بها. وأضاف: «وجدت الحرب اهتماماً كبيراً من الشعب السوداني، وتم تداول معلوماتها، صورةً وصوتاً».

وأرجع عبد السيد حالة عدم الثقة بأجهزة الإعلام إلى انقلاب 25 مايو (أيار) 1969، بقيادة الرئيس الأسبق جعفر النميري. ففي عهده تم تأميم الصحف ونقل ملكيتها للحكومة، بعد أن كانت «خاصة»، وصارت بوقاً لإعلام الحكومة. لكن المعارضة لم تتوقف، إذ استخدمت لإيصال رسالتها المنشورات والبيانات، بل وأشرطة «الكاسيت» التي تهرب من خارج السودان، وكانت تجد رواجاً جعل منها مصدراً مهماً للمعلومات.

وتابع عبد السيد: «في عهد نظام (الرئيس السابق عمر) البشير، سادت صحافة الرأي، وانقسم الكتاب بين مؤيدين للنظام ومعارضين له، ولعبوا دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام، قبل أن تصبح وسائط التواصل الاجتماعي أداة للصراع».

معلومات حربية

معروف أيضاً أن الشائعات تنمو وتزداد في ظل غياب المعلومات، وأثناء الحروب تصبح المعلومات عن الأوضاع العسكرية من أسرار الميدان، لكن في بعض الأحيان قد تقتضي مصلحة الطرفين الحديث عن انتصار عسكري، وقد تبث معلومات مجتزأة عن ذلك، بحيث يتحقق لها ولجنودها حافز معنوي، وفي الوقت ذاته توفير معلومات للمواطن تساعده على مواجهة وفهم الأوضاع دون تفاصيل قد تضر به.

ويقول خبير حقوق الإنسان، رفعت ميرغني لـ«الشرق الأوسط»، إن الشائعات تكون أحياناً ممنهجة من قبل طرفي النزاع، ومن قبل أجهزة الإعلام الداعمة لكل منهما.

وأضاف: «إنها جزء من أدوات الحرب التي يستخدمها طرف ضد الآخر لإضعافه معنوياً. ضعف التواصل الرسمي مع الجمهور من شأنه أن يهيئ بيئة مواتية لانتشار الشائعات». ويستطرد ميرغني قائلاً: «ما حدث في الحرب بين الجيش و(الدعم السريع) ليس أمراً جيداً. فبسبب غياب المعلومات الصحيحة فقد كثير من الأشخاص حياتهم، وتعرض أمنهم للخطر».

مرضى فشل كلوي في مستشفى سوبا جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

خطر حقيقي

وبطبيعتها، فإن الشائعات فعالة لحظياً على الرغم من أن عمرها قصير، وقد يحدث رد فعل عكسي بعد اكتشاف أنها شائعة، ما يفقد مصدرها مصداقيته. لكنها تظل مهمة في الحروب الخاطفة، إذ تساعد في تحقيق أهداف عسكرية بسرعة، ويمكن معالجة آثارها بوجه عام. ويرى مراقبون أن الحرب الدعائية تؤثر مباشرة في المجتمعات والقوات، بل وعلى الرأي العام الدولي أحياناً، ويمكن أن تلعب دوراً مهماً في التغطية على جرائم ترتكبها القوات المتقاتلة.

ويصف سياسيون غياب الإعلام الحكومي الرسمي طوال أيام الحرب، وتوقف الصحف والبثّيَن التلفزيوني والإذاعي الرسمييَن، بأنه كان كارثياً؛ لأن العالم يعتمد بصورة أساسية على ما تبثه وتنشره وسائل الإعلام هذه، ما أتاح للأشخاص العاديين نشر معلومات وشائعات تتناسب مع آرائهم ومواقفهم واصطفافهم في المعركة، واستُخدمت في ذلك مواقع إلكترونية مجهولة لا تملك سياسة تحرير أو مقاراً واضحة، ولا تلتزم بضوابط الخدمة الإعلامية والصحافية.

ويقول القيادي في «حزب الأمة القومي»، عروة الصادق، إن أولوية القائمين على هذه المواقع تتمثل في جذب مزيد من المتابعين، والتفاعلات، وجني بعض الأموال، مقابل أموال أو عمولات من طرفي الصراع، فيسارعون إلى نشر «شائعات تخدم هذا الطرف أو ذاك». ويضيف: «يعمد متابعو الشائعات إلى توسيع دائرة نشرها؛ بسبب جهل بعضهم، ظناً منهم أن قادة العمليات يعتمدون على هذه المعلومات الخاطئة في اتخاذ القرارات التي قد ترجح كفة أحد الطرفين».

نزوح متزايد من الخرطوم إلى مدينة ود مدني جنوب العاصمة (أ.ف.ب)

إغلاق مواقع

لكن الصادق يرى أن مثل هذه المعلومات أسهمت بشكل كبير في تفاقم ظواهر معقدة، تضمنت تشويه صورة أشخاص أو جماعات، والعبث بوثائق ومظهر الحكومة الرسمية.

يشار إلى أن عدداً كبيراً من المواقع الإلكترونية جرى إغلاقه في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وكان معظمها يبث من خارج البلاد، تحت إشراف قادة النظام السابق، وكان الهدف منها عرقلة الفترة الانتقالية عن طريق نشر الشائعات وإرباك الرأي العام الداعم للتحول المدني الديمقراطي، ما أفقدها مصداقيتها، بسبب نشرها شائعات كانت تسري بين الناس مثل النار في الهشيم.


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة. وقبيل زيارة تستغرق يومين إلى العاصمة المغربية الرباط، قال فاديفول، اليوم (الأربعاء)، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، إن المغرب يعد بالفعل ثاني أكبر شريك تجاري لألمانيا في القارة الأفريقية، مضيفاً: «لا تزال هناك إمكانات نمو كبيرة، لا سيما في علاقاتنا الاقتصادية، وتحديداً في مجالات الطاقة المتجددة، والمواد الخام المهمة، أو في ملف الهيدروجين».

كما أشار فاديفول، الذي يرافقه وفد اقتصادي وأعضاء من البرلمان الألماني، إلى أن الكوادر الفنية المغربية «تمثل ركيزة قيمة» في قطاعي الصحة والرعاية الطبية في ألمانيا.

وبمناسبة حلول الذكرى السنوية السبعين لإقامة علاقات ثنائية بين البلدين هذا العام، قال الوزير المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي، إن المغرب «يعد شريكاً محورياً بالنسبة لألمانيا، باعتباره جسراً مهماً بين القارتين الأوروبية والأفريقية»، مشيراً إلى أن البلدين يجمعهما العمل من أجل إيجاد نظام دولي، قائم على القواعد، تكون الأمم المتحدة في القلب منه.

وكان فاديفول قد عاد لتوه صباحاً من زيارة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وبحسب فاديفول، يتضمن الحوار الاستراتيجي مع نظيره ناصر بوريطة مجموعة واسعة من القضايا الدولية. وصرح فاديفول بأن المغرب أبدى استعداده للمشاركة في تنفيذ خطة النقاط العشرين الخاصة بقطاع غزة، والإسهام في قوة أمنية دولية.

كما قال فاديفول إن بلاده تتقاسم مع المغرب هدف تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل للحد من أسباب الأزمات واللجوء هناك. وكانت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد وافقت في نهاية فبراير (شباط) الماضي على تعديل قانوني، يسهل على ألمانيا ودول أخرى في التكتل ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة تصنف بأنها دول آمنة، وذلك اعتباراً من شهر يونيو (حزيران) المقبل، حتى وإن لم تكن للمهاجرين صلة سابقة بها.

وصنف الاتحاد الأوروبي دول المغرب وتونس ومصر من شمال أفريقيا، بالإضافة إلى كوسوفو وكولومبيا والهند وبنغلاديش، بأنها أوطان آمنة.

يذكر أن الحوار الاستراتيجي بين ألمانيا والمغرب يعقد كل سنتين على مستوى وزيري الخارجية؛ حيث يتم تناول القضايا الثنائية والدولية. وكانت آخر نسخة من هذا الحوار أقيمت في برلين في يونيو 2024، حين حل وزير الخارجية المغربي ضيفاً على العاصمة الألمانية.

وتشمل المواضيع المهمة الأخرى على جدول أعمال الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وفق «الخارجية» الألمانية، التعاون في مجالات هجرة اليد العاملة المؤهلة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب.


تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)
تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)
TT

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)
تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، وهو ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي، لكن هذا التحسن يأتي وسط مخاوف من ارتدادات سلبية نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية.

وأظهرت «النشرة السنوية المجمعة لنتائج بحث القوى العاملة»، التي يُصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهاز حكومي، تراجع البطالة في مختلف الفئات العمرية، حيث سجلت الفئة من 20 إلى 24 عاماً أعلى معدل عند 16.9 في المائة مقارنة بـ19.1 في المائة في العام السابق، تلتها الفئة من 25 إلى 29 عاماً بنسبة 11.5 في المائة مقارنة بنحو 14.9 في المائة، ثم الفئة من 15 إلى 19 عاماً عند 9.8 في المائة مقابل 12.2 في المائة عام 2024.

وتأتي تلك الأرقام في وقت تترقب فيه قطاعات تشغيلية عديدة انعكاسات التداعيات الاقتصادية التي سبّبتها الحرب الإيرانية، بخاصة مع خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في مصر إلى 4.2 ⁠في المائة خلال هذا العام، من تقدير سابق بلغ 4.7 في المائة، ومع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وارتفاع معدلات التضخم مرة أخرى.

وخلال العام الماضي، شهدت قوة العمل في مصر نمواً ملحوظاً، إذ ارتفع عددها إلى 34.154 مليون فرد، بزيادة 6.6 في المائة عن العام السابق، توزعت بين 26.683 مليون من الذكور و7.471 مليون من الإناث. وكذلك انخفضت البطالة بين الحاصلين على مؤهلات متوسطة وفوق متوسطة وجامعية إلى 16.8 في المائة، من 18.7 في المائة عام 2024، وفقاً لنشرة «جهاز الإحصاء».

المشروعات القومية

وقال وزير العمل حسن رداد، في تصريحات صحافية، إن تراجع معدلات البطالة «يعكس تحسناً واضحاً في أوضاع سوق العمل نتيجة التوسع في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، وما صاحبها من توفير فرص عمل جديدة في مختلف القطاعات»، مشيراً إلى أن النسبة تراجعت من نحو 13.4 في المائة خلال عام 2013 إلى نحو 6.2 في المائة بنهاية عام 2025.

واتفق في ذلك نائب رئيس «اتحاد عمال مصر»، مجدي البدوي، الذي أكّد أن تنفيذ المشروعات القومية جذب عدداً كبيراً من الشباب، كما أشار إلى التغيير الذي أدخلته الحكومة على المحتويات الدراسية والأقسام العلمية لطلاب التعليم الفني، بعد أن كانت مخرجات العمالة لا تتماشى مع احتياجات سوق العمل، وقال إن ذلك ساهم في تقليص معدلات البطالة وخلق أسواقاً أكثر تنوعاً.

وتوسعت مصر بشكل كبير في المشروعات القومية خلال العقد الأخير كركيزة أساسية للتنمية المستدامة والاقتصاد، حيث تم استصلاح ملايين الأفدنة وتطوير البنية التحتية، وإنشاء مدن ذكية مثل «العاصمة الإدارية».

المشروعات القومية ساهمت في نمو مؤشرات سوق العمل (إدارة العاصمة الجديدة)

وقال البدوي لـ«الشرق الأوسط» إن مصر تمر بمرحلة انتقال «من نظام تشغيل قديم قائم على الوظائف النمطية المستقرة في الجهات الحكومية إلى أنماط أكثر مرونة وتركيزاً على المهارات الرقمية مدفوعة بالتطور التكنولوجي»، لافتاً إلى أن ما تشهده سوق العمل الآن هو مزيج بين الأنماط القديمة والحديثة.

ومن وجهة نظر القيادي العمالي، فإن الحكومة تتجه نحو تعزيز الربط بين الخريجين وأسواق العمل مع دخول «قانون العمل» حيز التنفيذ العام الماضي، الذي ينص على تشكيل «مجلس أعلى لتخطيط وتشغيل القوى العاملة» مهمته رسم السياسات التشغيلية، وآخر «لتنمية مهارات الموارد البشرية» يعمل على دراسة احتياجات سوق العمل وتحويلها إلى مراكز تدريب تؤهل العمالة، متوقعاً أن يتم الإعلان قريباً عن «الاستراتيجية الوطنية للتشغيل».

وتعدّ هذه الاستراتيجية، وفقاً لوزير العمل: «إطاراً وطنياً شاملاً يهدف إلى تنظيم سوق العمل، والحد من البطالة، وتعزيز فرص العمل اللائق بما يتماشى مع (رؤية مصر 2030)». وترتكز الاستراتيجية على ربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، وتنمية مهارات الشباب وتأهيلهم للمهن المستقبلية، إلى جانب دعم ريادة الأعمال والعمل الحر، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتوسيع فرص التشغيل للفئات الأكثر احتياجاً، بما يسهم في تعزيز كفاءة سوق العمل وتحقيق التنمية المستدامة.

الفجوة الجغرافية

لكن في المقابل، بيَّنت مؤشرات «جهاز الإحصاء» أن الفجوة الجغرافية ما زالت قائمة، حيث بلغ معدل البطالة في الحضر 9.8 في المائة مقابل 3.5 في المائة في الريف. كما سجلت بطالة إناث الحضر 22.5 في المائة مقارنة بـ8.8 في المائة بالريف، وهو ما يعكس تحديات إضافية تواجه النساء في المدن.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

ويعتقد الخبير الاقتصادي تامر النحاس أن مؤشرات «الإحصاء» تتعلق بالعام الماضي، وأن مؤشرات هذا العام قد لا تكون إيجابية مع مشكلات تعانيها قطاعات تشغيلية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، في مقدمتها السياحة، وكذلك تراجع مؤشرات النمو التي تعبِّر عن وضعية انكماشية يعانيها الاقتصاد المصري.

وأوضح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مؤشرات البطالة تتعارض كذلك مع «مؤشر مديري المشتريات» الذي تراجع الشهر الماضي، مدفوعاً بتزايد معدلات التضخم الذي يؤثر سلباً على نشاط دائرة الإنتاج ويقود لخسائر في أسواق العمل.

وسجّل «مؤشر مديري المشتريات» الصادر عن «إس آند بي غلوبال» المعدل موسمياً 48 نقطة في مارس (آذار) الماضي مقابل 48.9 نقطة في فبراير (شباط)، منخفضاً أكثر من مستوى الخمسين الفاصل بين النمو والانكماش، ومسجلاً أدنى مستوى منذ عامين تقريباً.

ويُعد «مؤشر مديري المشتريات» مؤشراً مركباً يُقدّم رؤية شاملة حول أوضاع التشغيل في اقتصاد القطاع الخاص غير المنتج للنفط. ويُحسب بناءً على 5 مؤشرات فرعية: الطلبات الجديدة، والإنتاج، والتوظيف، ومواعيد تسليم الموردين، ومخزون المشتريات.


ليبيا: «يمين الوزراء» يفجر خلافات الصلاحيات بين الدبيبة والمنفي

اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)
اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: «يمين الوزراء» يفجر خلافات الصلاحيات بين الدبيبة والمنفي

اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)
اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)

دخلت الخلافات الدستورية والقانونية بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة منعطفاً جديداً، مع تصعيد المنفي اليوم الأربعاء اعتراضه على مباشرة وزراء جدد مهامهم قبل أداء اليمين القانونية، في خطوة تعكس اتساع دائرة الصراع بين المؤسستين التنفيذيتين في البلاد.

وطالب المنفي في رسالة رسمية وجهها إلى الدبيبة بالإسراع في تحديد موعد عاجل لأداء اليمين القانونية أمام المجلس الرئاسي، مؤكداً أن «أداء اليمين أمام رئيس الدولة شرط أساسي لاكتساب الصفة القانونية، ومباشرة الاختصاصات الوزارية». مشدداً على أن أي قرارات أو ممارسات تصدر قبل استكمال هذا الإجراء «تفتقر إلى السند القانوني الصحيح»، واستند في رسالته إلى قانون صدر عام 2014 يلزم الوزراء بأداء اليمين القانونية أمام الرئيس (المجلس الرئاسي)، قبل الشروع في مباشرة مهامهم.

الدبيبة في لقاء مع نشطاء وأكاديميين ليبيين في العاصمة طرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

وفي خطوة عُدّت محاولة لتوسيع الطابع القانوني الرقابي على تحركات الحكومة، حرص المنفي على إحاطة ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية بمضمون رسالته، الداعية إلى «وقف وتعليق اجتماعات مجلس الوزراء وإصدار أي قرارات جديدة إلى حين استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية»، مستنداً في ذلك إلى قانون نافذ منذ أكثر من 12 عاماً، يُلزم الوزراء بأداء اليمين القانونية قبل مباشرة مهامهم الرسمية.

وتصاعد التوتر بين المنفي والدبيبة خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك على خلفية التعديل الوزاري، الذي أجراه رئيس الحكومة في مارس (آذار) الماضي، والذي عدّه المجلس الرئاسي تجاوزاً لصلاحيات حكومة «تصريف أعمال»، وعدّ أن أي تغيير في الوزارات السيادية يجب أن يتم عبر توافق وتشاور وطني واسع.

ويأتي الاشتباك حول «اليمين القانونية للوزراء الليبيين» بعد نحو أسبوع وأكثر من تصعيد آخر في ملف وزارة الخارجية، حين طالب المنفي حكومة الدبيبة تقديم «مرشح رسمي» لتولي حقيبة الخارجية وفق الأصول القانونية، وإيقاف وزير الخارجية المكلف طاهر الباعور عن العمل، محذراً من أن أي ترتيبات منفردة قد تؤدي إلى «إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». كما شدد المجلس الرئاسي مراراً على تمسكه بصلاحياته السيادية، المتعلقة بالتمثيل الخارجي والدفاع.

غير أن وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة» سارعت إلى مخاطبة السفراء ورؤساء البعثات، والقناصل في الخارج بتوجيهات تحظر تسلم أي مراسلات، أو مخاطبات رسمية من جهات داخلية خارج إطار وزارة الخارجية، فيما عدّه متابعون رداً ضمنياً على رسالة المنفي.

الطاهر الباعور (يمين) خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية اليوناني في طرابلس في 27 من أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وبحسب مراقبين، تظهر هذا التطورات هشاشة الترتيبات القائمة، المتعلقة بالصلاحيات الدستورية بين المنفي والدبيبة، علماً أنه سبق أن صرح أعضاء في «الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور»، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بأن غياب قاعدة دستورية دائمة «حوَّل المشهد السياسي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات».

وفي مقابل هذا التصعيد، واصل الدبيبة تحركاته السياسية الداخلية والخارجية، حيث عقد لقاءات مع شخصيات سياسية وأكاديمية ونشطاء، الأربعاء، لبحث سبل إنهاء المرحلة الانتقالية والدفع نحو الانتخابات، مؤكداً أهمية الوصول إلى «حلول واقعية»، تعزز الاستقرار وتحافظ على وحدة المؤسسات.

وأعقب ذلك لقاء مع وفد من البرلمان الإيطالي برئاسة لورينزو غيريني، رئيس اللجنة البرلمانية لأمن إيطاليا، جرى خلاله التأكيد على أهمية دعم المسار السياسي، بما يسهم في تحقيق الاستقرار وإنهاء المراحل الانتقالية.

كما بحث الجانبان تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتوسيع الشراكة في القطاعات الحيوية، إلى جانب ملف الهجرة غير الشرعية، وفق مكتب الدبيية.

إلى ذلك، أعلنت لجنة حكومية بشرق ليبيا، الأربعاء، أن وضع ناقلة الغاز الروسية الجانحة قبالة السواحل الليبية «آمن وتحت السيطرة»، مؤكدة استمرار أعمال المتابعة الفنية والاحترازية، تحسباً لأي طارئ بيئي أو فني.

وقال المتحدث باسم اللجنة المعنية بالأزمة، مجدي الشريف، إن جميع الفرق الميدانية تواصل عملها «وفق الخطط المعتمدة، وبأعلى درجات الجاهزية ومعايير السلامة»، موضحاً أن الإجراءات شملت إنزال مخاطيف التثبيت الخاصة بالناقلة، إضافة إلى قياس نسب الغاز في محيط السفينة.

وأضاف الشريف أن الفرق الفنية تأكدت من وصول نسبة الغاز إلى «الصفر» باستخدام أجهزة القياس التابعة للفريق المختص، في مؤشر وصفه بأنه «مطمئن» بشأن سلامة الوضع الميداني. مشيراً إلى أن لجنة الأزمة تستعد لتنفيذ خطة الاستجابة السريعة عقب استكمال التقييم الفني للناقلة، وموضحاً أن الخطة تتضمن التعامل الفوري مع أي تسرب نفطي محتمل عبر نشر أطواق الاحتواء البحرية، واستخدام المواد الماصة والمشتتات النفطية.

وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إصدار مصلحة الموانئ والنقل البحري الليبية تعميماً عاجلاً، حذرت فيه من مخاطر الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز»، عقب خروجها عن السيطرة في عرض البحر المتوسط شمال مدينة بنغازي، إثر انقطاع حبل الجر في أثناء محاولة سحبها.

وبدأت أزمة الناقلة مطلع مارس (آذار) الماضي، عندما كانت تعبر البحر المتوسط، محمّلة بنحو 62 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال، قبل أن تتعرض، وفق الرواية الروسية، لهجوم بزوارق وطائرات مسيّرة، ما تسبب في تعطلها، وانجرافها بالمياه الإقليمية القريبة من السواحل الليبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended