بينما شجب مسؤول كبير في الجزائر ما سماه «بقايا الاستعمار الفرنسي»، بسبب احتجاج في باريس على إعادة دمج مقطع في النشيد الوطني، فيه هجوم على فرنسا، هونت وزيرة في حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون من الجدل، الذي يحتدم منذ أيام حول القضية، وأكدت «وجود عزيمة على الاستمرار في مسار تعميق العلاقات الثنائية».
وقال رئيس «مجلس الأمة» الجزائري، صالح قوجيل، الذي يعد الرجل الثاني في الدولة وفق الدستور، اليوم الخميس، بمناسبة تصويت أعضاء «المجلس» على نصوص قانونية إن «بقايا الاستعمار الفرنسي ما زالت موجودة، ووصلت إلى حد التعليق على النشيد الوطني». وأكد قوجيل أن الجزائريين «يفرقون اليوم بين الشعب الفرنسي والاستعمار الفرنسي (..) فقد رأينا ردة فعل الاستعمار الفرنسي القديم، أو الجديد أو المتجدد، (بخصوص قضية النشيد)... والاستعمار الفرنسي للجزائر كان استعمار إبادة».
وكان مرسوم أصدره الرئيس عبد المجيد تبون قبل أسبوعين أثار حفيظة فرنسا، كونه يعيد جزءا محذوفا من النشيد الوطني، يتضمن هجوما ووعيدا ضد فرنسا، وذلك بعد إلغائه بقرار عام 1986. ونصت المادة الثالثة من المرسوم على أنه «يؤدى النشيد الرسمي في صيغته الكاملة، كلمات وموسيقى، بمقاطعه الخمسة»، محددة المناسبات والأماكن التي يعزف ويردد فيها.

ويقول مقطع النشيد محل سخط الفرنسيين: «يا فرنسا قد مضى وقت العتاب، وطويناه مثلما يطوى الكتاب، يا فرنسا إن ذا يوم الحساب، فاستعدي وخذي منا الجواب، إن في ثورتنا فصل الخطاب، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر».
وأمس الأربعاء، حط هذا الجدل بـ«الجمعية الوطنية» الفرنسية في شكل «سؤال ـ عتاب»، طرحته البرلمانية ميشال طارابو من حزب «الجمهوريون» اليميني على الحكومة، حيث ذكرت أن القرار الجزائري «غير بريء»، وعدته «خطوة محسوبة». وقالت ميشال إن «الأمر موجه ضد الرئيس ماكرون، الذي يزعم أنه يريد إعطاء بعد جديد للعلاقات بين فرنسا والجزائر». مشيرة إلى أنها «ليست المرة الأولى التي يتلقى فيها ازدراء من الجزائر».

في المقابل، هونت سكرتيرة الدولة للتنمية والفرنكفونية بالحكومة الفرنسية، كريسولا زاكابولو، في تفاعلها مع البرلمانية اليمينية، من الجدل حول القضية. وقالت: «صحيح أن الموضوع حساس، لكن الجزء من النشيد المثير كان دائما ضمن النشيد الوطني الجزائري، والمرسوم الذي يتعلق به لم يضفه إلى نص النشيد، وإنما رسم قراءة النشيد كاملا، بعدما كان يقرأ جزئيا».
ورددت زاكابولو نفس الكلام الذي قالته وزيرة الخارجية كاترين كولونا بهذا الخصوص، وهو أن «القرار الجزائري يبدو عكس الزمن»، على أساس أنه جاء بعد أكثر من 60 سنة على استقلال الجزائر. وحرصت على التأكيد بأن الحكومة الفرنسية «لن تتراجع عن خيارها تعميق العلاقات مع الجزائر».
وأضافت زاكابولو موضحة: «طموحنا مع الجزائر والجزائريين هو مواجهة تاريخنا المشترك، وهذا التاريخ لا ينبغي أن نخفيه، ولا أن نغلق على أنفسنا بداخله... يجب أن ننظر إلى المستقبل».
والخميس الماضي، صرحت وزيرة الخارجية الفرنسية بأن إعادة طرح الجزء، الذي يهاجم فرنسا في النشيد الجزائري، «قرار يأتي عكس مجرى التاريخ نوعا ما». مشيرة إلى أن «النص كتب عام 1956 في سياق مرتبط بمحاربة الاستعمار، ومن أجل التعبير عن كل شيء يخص الحرب، ومنه جاءت كلمات تخصنا». ورد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف عليها بنبرة ساخرة في مقابلة مع وكالة «نوفا» الإيطالية، نشرت أمس الأربعاء، قائلا: «ربما كان يمكنها أن تنتقد أيضا موسيقى النشيد الوطني، فربما الموسيقى لا تناسبها أيضا».

وأضاف قائلا: «بعض الأحزاب أو السياسيين الفرنسيين يرون أن اسم الجزائر أصبح سهل الاستخدام في الأغراض السياسية... وهم يتحدثون الآن عن اتفاقات بشأن إقامة الجزائريين في فرنسا... حقا لا نفهم لماذا يجب أن تثار كل هذه الضجة، وكما ذكرت سابقا، فإن البعض يتبنى هذه المواقف للاستفادة من الفرص السياسية». في إشارة إلى دعوات في فرنسا لإلغاء اتفاق الهجرة مع الجزائر (1968)، بحجة أنه يمنح تسهيلات للجزائريين، الأمر الذي يعيق حسبهم، الإجراءات التي تحد من الهجرة إلى فرنسا.



