هدنة السبت صامدة... والبرهان مع أي حل ينهي الحرب في البلاد

تحت مراقبة الأقمار الصناعية... طرفا القتال في السودان ملتزمان بالهدنة

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
TT

هدنة السبت صامدة... والبرهان مع أي حل ينهي الحرب في البلاد

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)

لم يشهد يوم السبت أي خرق لاتفاق وقف إطلاق النار في السودان من طرفي القتال، الجيش وقوات «الدعم السريع»، وتوقف القصف الجوي والاشتباكات في العاصمة الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وفي أثناء ذلك، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الاتحاد الأفريقي، رئيس جزر القمر، غزالي عثماني، أنه مع أي حل ينهي الحرب مع قوات «الدعم السريع».

وكان الطرفان قد تعهدا بالالتزام بالهدنة لمدة 24 ساعة، وفقاً لمقترح من الوساطة السعودية الأميركية، خلال المحادثات الجارية في مدينة جدة السعودية، بعد فشل هدنتين سابقتين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتحذيرات من دولتي الوساطة بتعليق المحادثات.

وتأتي الهدنة القصيرة في أعقاب سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار انتهكها طرفا الصراع، وهما الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، اللذان تحول صراعهما على السلطة إلى أعمال عنف بدأت منذ ثمانية أسابيع، ما أدى إلى أزمة إنسانية.

وقالت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية إنهما تشعران بـ«خيبة أمل» بسبب الانتهاكات، في بيان الإعلان عن الهدنة الأخيرة، وهدد الوسيطان بتأجيل المحادثات التي استمرت بشكل غير مباشر في الآونة الأخيرة، إذا تواصل القتال. ووفقاً لمكتب الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأميركية، تخضع الهدنة الحالية لرقابة صارمة بالأقمار الصناعية وأدوات أخرى، لرصد أي خروقات من قبل الطرفين المتحاربين.

التزام بالهدنة

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر متعددة من مدن العاصمة السودانية الثلاث (الخرطوم، بحري، وأم درمان) بهدوء الأوضاع، وتوقف أصوات القصف الجوي والمضادات الأرضية، كما لم تسمع أصوات تبادل إطلاق النار تشير إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين. ووفقاً لشهود عيان، لم تشهد سماء المدينة تحليقاً للطيران الحربي التابع للجيش السوداني منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة.

وقال علي عثمان، المقيم في منطقة «الحاج يوسف» شرق النيل: «لقد توقف القصف الجوي تماماً، ويبدو أنه لا توجد اشتباكات بين الجيش والدعم السريع»، مضيفاً: «نتمنى ألا يتجدد القتال مرة أخرى».

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب متابعات «الشرق الأوسط»، ساد الهدوء التام في العاصمة، وعادت الحركة شبه طبيعية، لكنها محدودة في العديد من أحياء شرق الخرطوم، الواقعة بالقرب من المقر الرئيسي لقيادة الجيش، والتي شهدت اشتباكات وقصفاً مدفعياً طيلة الأسبوع الماضي.

غزالي عثمان يدعو إلى حل أفريقي

وذكر بيان صادر عن رئاسة مجلس السيادة السوداني أن رئيسه عبد الفتاح البرهان، تلقى السبت اتصالاً هاتفياً من رئيس الاتحاد الأفريقي، تطرق خلاله إلى الجهود المبذولة عبر منبر جدة لحل الأزمة في السودان.

وعزا البرهان فشل جميع الهدنات السابقة إلى عدم وجود آليات فعالة وملزمة لمتابعة خروقات قوات «الدعم السريع»، وعدم التزامها بإخلاء منازل المواطنين والمستشفيات والمرافق العامة والمقرات الحكومية.

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وقال البرهان إن «حكومة السودان مع أي حل ينهي حرب قوات الدعم السريع بمعاونة المرتزقة الأجانب، ويعيد الطمأنينة للشعب السوداني».

بدوره، أكد رئيس الاتحاد الأفريقي، غزالي عثمان، أهمية أن يكون الحل أفريقياً لإحلال السلام في السودان.

وكان الجيش السوداني أعلن موافقته على وقف إطلاق النار لمدة يوم واحد، لكنه أكد احتفاظه بالتعامل مع أي انتهاكات تصدر من جانب قوات «الدعم السريع»، التي بدورها أعلنت موافقتها على الاتفاق وكل الاتفاقيات السابقة المتعلقة بوقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية.

مالك عقار: تعدد المنابر لا يخدم الحل

من جهة ثانية، جدد نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، لدى لقائه في أديس أبابا، أمس، رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، ثقة بلاده في آلية رؤساء دول «منظمة التنمية الحكومية» (إيقاد) بشأن الحل في السودان.

وقال عقار: «أوضحت لرئيس الوزراء الإثيوبي أن تعدد المنابر الماثل الآن مضر ولا يساعد في الحل». وذكر بيان مجلس السيادة السوداني أن آبي أحمد شدد على أهمية الإسراع بوقف القتال بكافة السبل، مبدياً تأثره البالغ بالوضع الإنساني الكارثي الذي يمر به السودانيون. وأبدى آبي أحمد استعداده الكامل لزيارة الخرطوم مهما كلف الأمر، وذلك للجلوس مع الطرفين للوصول إلى وقف لإطلاق النار.

مالك عقار صار نائباً لرئيس مجلس السيادة (رويترز)

ودعا عقار القوى الإقليمية والدولية إلى توحيد الجهود والتنسيق الكامل لوقف تعدد المنابر والمبادرات الحالية.

وقطع اتفاق وقف إطلاق النار معارك ضارية تدور بين طرفي القتال في السودان، حول عدد من المناطق العسكرية الاستراتيجية التابعة للجيش في جنوب الخرطوم.

وأدى القتال إلى نزوح أكثر من 1.9 مليون شخص، عبر 200 ألف منهم أو أكثر الحدود إلى مصر.

شكوى النازحين إلى مصر

ويشتكي أولئك الذين يقطعون هذه الرحلة الطويلة إلى مصر، من الأوضاع السيئة وأوقات الانتظار الطويلة.

وقال شخصان كانا يحاولان عبور معبر «أشكيت» الحدودي، السبت، إن قراراً جديداً دخل حيز التنفيذ، يُلزم جميع السودانيين بالحصول على تأشيرة قبل دخول مصر، وهو ما يناقض اتفاقاً سابقاً بين البلدين كان يضمن حرية دخول الأطفال والنساء وكبار السن من الرجال دون الحصول على تأشيرة.

وقالت الطبيبة سندس عباس، في مكالمة مع وكالة «رويترز»، بينما كانت تقف في نقطة تفتيش بين البلدين: «أمضينا ليلتين في المنطقة المحايدة، والآن يعيدوننا. بعض الناس يرفضون المغادرة».

نازحون سودانيون يصطحبون أمتعتهم في محطة للنقل بمدينة أسوان (إ.ب.أ)

وفي تأكيد على القرار الجديد، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، إن السلطات رصدت «أنشطة غير مشروعة يقوم بها بعض الأفراد والجماعات على الجانب السوداني»، منها إصدار تأشيرات مزورة.

وأشار إلى أن مصر لا تسعى لمنع دخول السودانيين وإنما إلى تنظيمه، مضيفاً أنه جرى توفير المعدات اللازمة لسرعة إصدار التأشيرات.

مراقبة بالأقمار الصناعية

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في وقت متأخر من مساء الجمعة، إنها تدعم منصة يطلق عليها «مرصد نزاع السودان» لنشر نتائج عمليات المراقبة عبر الأقمار الصناعية للقتال ووقف إطلاق النار.

ووثق تقرير أولي للمرصد تدميراً «واسع النطاق وموجهاً» لمنشآت المياه والكهرباء والاتصالات.

كما وثق ثماني هجمات «ممنهجة» لإحراق الممتلكات عمداً، دمرت قرى في دارفور، وكذلك عدة هجمات على مدارس ومساجد وغيرها من المباني العامة في مدينة «الجنينة» في أقصى غرب البلاد، والتي شهدت هجمات عنيفة شنتها جماعات محلية وسط انقطاع للاتصالات.

وقالت الهيئة النقابية لأطباء ولاية غرب دارفور، إن مدينة «الجنينة» تحولت إلى «مدينة أشباح»، وأشارت إلى وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، منها فرض «حصار» على المدينة، وحرمان المدنيين من الوصول للمياه، وقتل كبار السن.

وقال مواطنون إن بعض الرجال الذين هاجموا المدينة كانوا يرتدون زي قوات «الدعم السريع».

وسمح وقف إطلاق النار السابق بوصول بعض المساعدات الإنسانية، لكن وكالات الإغاثة قالت إنها لا تزال تواجه عراقيل بسبب القتال والقيود البيروقراطية والنهب.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود»، اليوم السبت، إن قوات «الدعم السريع» أوقفت بعض موظفيها و«أجبرتهم» على الإدلاء ببيان وزعته القوات شبه العسكرية لاحقاً.

ودب الخلاف بين الجيش وقوات «الدعم السريع» حول خطط لدمج القوات شبه العسكرية في الجيش، وإعادة تنظيم تسلسل القيادة في إطار المرحلة الانتقالية.



بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
TT

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، المعروفة باسم «الحركة الإسلامية»، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية أجنبية»، وهو القرار الذي دخل حيّز التنفيذ في 16 مارس (آذار) الحالي. وبعد مرور نحو أسبوعين، لم يصدر أي بيان رسمي من قيادة الحركة، سواء في الداخل أو الخارج، يوضح موقفها من هذا التصنيف أو تداعياته.

وشمل القرار الأميركي كذلك الجناح المسلح، كتيبة «البراء بن مالك»؛ ما أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإسلامية حول مستقبل التنظيم، وخياراته المحتملة لتفادي تداعيات القرار، سواء عبر المسار السياسي أو العسكري، فضلاً عن طبيعة تعاطيه مع المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة.

قرار «سياسي» وتداعياته

عضو «الحركة الإسلامية» السفير السابق، حاج ماجد سوار، عدّ التصنيف الأميركي خطوة «سياسية» لا تستند إلى حيثيات موضوعية، عادَّاً أن الهدف منها إقصاء «الحركة الإسلامية» من المشهد السياسي، وإضعاف الجيش السوداني عبر استهداف كتيبة «البراء بن مالك» التي تُصنف ضمن القوى المساندة له.

وأوضح سوار أن «الحركة الإسلامية» في السودان، رغم تأثرها في بداياتها بفكر «الإخوان المسلمين»، فإنها انتهجت لاحقاً مساراً خاصاً يتلاءم مع خصوصية المجتمع والدولة السودانية، مشيراً إلى أنها قطعت صلتها بالتنظيم الدولي منذ وقت مبكر. كما شدد على أن «الحركة» تتبنى منهجاً وسطياً، ولم تُسجل عليها أي أنشطة إرهابية أو ارتباطات فكرية متطرفة. رغم أن تقارير وشهادات حقوقية أشارت في السابق إلى اتهامات طالت تجربة «الحركة» خلال فترة حكمها، خصوصاً ما عُرف بـ«بيوت الأشباح»، التي ارتبطت بممارسات احتجاز وتعذيب طالت معارضين سياسيين، إلى جانب انتهاكات أخرى وثقتها منظمات حقوقية، وهو ما يطرح رواية مغايرة لتوصيف «الحركة» لنفسها.

ونفى سوار الذي شغل مناصب قيادية عدّة في عهد الرئيس المعزول، عمر البشير، وجود أي علاقة تنظيمية بين «الحركة الإسلامية» وكتيبة «البراء بن مالك»، عادَّاً أن الحديث عن هذا الارتباط يندرج ضمن «محاولات التشويش وإثارة الفتنة». وأوضح أن الكتيبة تُعد جزءاً من تكوينات «الدفاع الشعبي» وقوات الاحتياط التي تأسست في عام 1987، وأن انخراط عناصرها في الحرب الحالية جاء ضمن تعبئة عامة، على غرار فصائل أخرى، بعيداً عن أي انتماء آيديولوجي أو سياسي.

غياب الردود الرسمية

ورغم التوقعات بأن يخرج الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية»، علي كرتي، وهو وزير خارجية سابق، بتوضيح رسمي بشأن موقف «الحركة» من التصنيف، فإنه التزم الصمت، كما لم تصدر كتيبة «البراء بن مالك» أي تعليق عبر منصاتها، رغم محاولات التواصل مع قيادتها.

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وحسب القرار الأميركي، يقود المصباح أبو زيد طلحة أكثر من 20 ألف مقاتل ضمن الكتيبة، التي يُعتقد أن بعض عناصرها تلقوا تدريبات ودعماً من «الحرس الثوري» الإيراني، ويشاركون منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 إلى جانب الجيش السوداني في مواجهة «قوات الدعم السريع».

بدوره، قال نائب رئيس حزب «المؤتمر الشعبي»، محمد بدر الدين، إن القرار الأميركي اتسم بشيء من التعميم، وكان من الأجدر أن يحدد الأطراف المعنية مباشرة بإدارة الحرب ورفض التسوية السياسية. وأضاف أن التصنيف يضع السلطة القائمة أمام خيارين كلاهما صعب: إما حل هذه الكيانات وحظر نشاطها، وهو ما قد يقود إلى صدام داخلي وربما نزاع جديد، أو الالتفاف على القرار عبر تغيير الأسماء والواجهات التنظيمية. وأشار إلى أن خيار تغيير الأسماء قد لا يكون مجدياً في نظر المجتمع الدولي، الذي أصبح أكثر دراية بما وصفه بـ«أساليب الالتفاف»، محذراً من أن ذلك قد يقود إلى عزلة دولية أشد، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية على البلاد.

تغيير الاسم... جدوى محدودة

في السياق ذاته، رجّحت تحليلات أن تلجأ «الحركة الإسلامية» إلى تغيير اسمها كأحد الخيارات المتاحة، إلا أن المفكر الإسلامي حسن مكي عدّ هذه الخطوة «تحصيل حاصل» ولا تحقق أثراً حقيقياً، واصفاً القرار الأميركي بأنه ذو «طابع معنوي» وتأثير محدود. في المقابل، لم يستبعد سوار خيار تغيير الاسم، مشيراً إلى أنه كان مطروحاً منذ سنوات طويلة، حتى قبل صدور قرار التصنيف، كما أوضح أن حل «الحركة» يظل خياراً وارداً وفق نظامها الأساسي، إذا ما رأت القيادة أن ذلك يخدم مصالحها.

على الجانب الآخر، رأى المتحدث باسم القوى الديمقراطية المدنية «صمود»، جعفر حسن، أن القرار يمثل نهاية مرحلة نفوذ جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان والمنطقة، مشيراً إلى أنه يرفع الغطاء القانوني عن أنشطتها، ويضع قيوداً صارمة على تعاملاتها المالية وتحركات أعضائها. وأوضح أن القرار يجرّم أي تعامل مع الجماعة وواجهاتها التنظيمية؛ ما يعني عملياً إقصاءها من المشهد السياسي، وتحميلها مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة والحرب في البلاد.

وفي السياق نفسه، قال القيادي في الحزب الشيوعي السوداني، صديق فاروق، إن الإدارات الأميركية ظلت لسنوات تتعامل مع النظام السابق رغم طبيعته، قبل أن تلجأ الآن إلى هذا التصنيف، عادّّاً أن القرار قد يُستخدم أداةً لإعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي، وربما دفع «الجماعة» إلى الدخول في تفاهمات مع أطراف دولية لضمان استمرارها في المشهد.

وبين صمت القيادة، وتضارب التقديرات، وتعدد السيناريوهات، تقف «الحركة الإسلامية» في السودان أمام مرحلة مفصلية، قد تعيد تشكيل حضورها السياسي والتنظيمي. وبين خيار المواجهة أو التكيف، يبقى مستقبلها مرهوناً بتوازنات داخلية معقدة وضغوط خارجية متزايدة، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.


اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء مدبولي في مكتبه يثير تباينات

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
TT

اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء مدبولي في مكتبه يثير تباينات

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

أثار اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مكتبه، تباينات بين أعضاء بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان).

وبينما اشترط بعض «النواب» ضرورة «حضور رئيس الحكومة لـ(المجلس) أولاً قبل تلبية دعوة الاجتماع معه بمكتبه»، رأى آخرون أن «اللقاء ربما يكون تمهيداً لزيارة مدبولي للمجلس»، وأشاروا إلى أن «البرلمان ليس في خصومة مع الحكومة، لكن هناك اختلافاً في السياسات، والظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة وتداعياتها تستوجب التواصل بين مختلف المؤسسات».

ووجّه مدبولي الدعوة لرؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في البرلمان، للقائه السبت، حسب تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية، نقلاً عن مصادر برلمانية.

وطالب رؤساء الهيئات البرلمانية في اجتماع مع رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، الأربعاء الماضي، بـ«ضرورة حضور مدبولي للبرلمان لعرض البيانات والمعلومات الخاصة بموقف مصر من الحرب الإيرانية وتداعياتها على الداخل المصري». وشدّد بدوي خلال الاجتماع على ضرورة «تفعيل دور أعضاء المجلس النيابي، مع الالتزام بالأدوات التشريعية والرقابية»، وأكد «أهمية مناقشة الملفات كافة التي تهم الرأي العام بشكل موضوعي، حال حضور ممثلين عن الحكومة».

واعتذر رؤساء هيئات برلمانية لبعض الأحزاب، منها «العدل، والمصري الديمقراطي، والإصلاح والتنمية»، عن تلبية دعوة رئيس الحكومة المصرية، وفق عضو مجلس النواب، نائب رئيس «الحزب المصري الديمقراطي»، فريدي البياضي، وأشار إلى أن «بعض أعضاء المجلس طالبوا حضور رئيس الحكومة للبرلمان».

ويعتقد البياضي أن «دعوة رئيس الوزراء لبرلمانيين للقائه في مكتبه ليست الطريقة المثلى في تعامل الحكومة مع البرلمان»، ويشير إلى أن «مدبولي لم يزر المجلس منذ تشكيله الجديد مطلع العام الحالي، حتى بعد إجراء تعديل وزاري على حكومته في فبراير (شباط) الماضي».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة الفترة الأخيرة، على وقع الحرب الإيرانية، ومن بينها رفع أسعار الوقود، تستدعي حضور رئيس الحكومة، لتوضيح سياساته في التعامل مع الأزمة، في ظل تساؤلات عديدة مقدمة من أعضاء المجلس».

وتتخذ الحكومة المصرية إجراءات عدة، لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وكذا رفع أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، كما أعلنت عن إجراءات لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

مصطفى مدبولي خلال إلقائه بياناً سابقاً أمام البرلمان (مجلس الوزراء المصري)

وقال رئيس الوزراء المصري، في وقت سابق، إنه «لا يزال أمامنا تحدٍ واضح، وهو عدم القدرة على استنتاج مدى زمني لانتهاء الحرب، وهذا ما يضاعف من تأثيراتها الاقتصادية».

في المقابل، يرى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «التجمع» بمجلس النواب، عاطف مغاوري، أن «ظروف الحرب الحالية تستدعي تعميق التواصل بين مؤسسات الدولة، ومن بينها الحكومة والبرلمان». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء رئيس الوزراء مع رؤساء الهيئات البرلمانية في مكتبه ربما تكون خطوة تمهيدية لزيارته إلى البرلمان».

ويؤكد مغاوري أن «البرلمان ليس في خصومة مع الحكومة، والاختلاف معها في بعض السياسات لا يعني قطع التواصل والحوار معها». ويشير إلى أن «تداعيات الحرب الإيرانية تستدعي وجود قدر من الحوار مع الحكومة لمواجهة هذه الآثار»، عادّاً اللقاءات الخاصة مع رئيس الوزراء أو أعضاء الحكومة «تؤتي نتائج مثمرة أكثر من اللقاءات العامة داخل قاعات البرلمان، التي تحكمها قواعد برلمانية محددة في النقاش».

وخلال اجتماع رئيس البرلمان مع رؤساء الهيئات البرلمانية، أكد «أهمية الاصطفاف الوطني والشعبي خلف القيادة السياسية لمواجهة تحديات الأزمات الدولية الراهنة»، حسب بيان مجلس النواب المصري.

ووفق عضو «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب، صلاح فوزي، فإنه «لا يوجد ما يمنع لائحياً أو قانونياً من لقاء رئيس الحكومة أو أحد وزرائها مع أعضاء البرلمان في مكاتبهم». ويشير إلى أن «مثل هذه اللقاءات تأتي في إطار التعاون بين السلطات، وخصوصاً السلطة التنفيذية والتشريعية».

ويوضح فوزي لـ«الشرق الأوسط» أن «المصلحة العليا للدولة تقتضي أن يكون هناك قدر من التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية»، ويشير إلى أن «ظرف الحرب القائمة في المنطقة يستوجب قنوات تواصل وحوار دائمة، لأن هذا يعود بالنفع مباشرة على شواغل المواطن في الشارع».


مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

شددت مصر على «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان». وأعربت عن «رفضها القاطع المساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، أو استهداف البنى التحتية المدنية».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، «أهمية تمكين مؤسسات الدولة والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن (رقم 1701) ودعم جهود الدولة اللبنانية في حصر السلاح وفرض سلطاتها وسيادتها على الأراضي اللبنانية كافّة». جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي، والسكرتير العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مساء الجمعة، تناول الجهود التي تبذلها مصر لخفض التصعيد في المنطقة بالإضافة إلى مستجدات عدد من الملفات الإقليمية.

وأشاد غوتيريش بالدور البارز الذي تقوم به مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة لخفض التصعيد في ظل أزمات إقليمية شديدة التعقيد. وثمّن التزام مصر الراسخ بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسعيها الدؤوب لتعزيز السلم والأمن الدوليين. كما أعرب عن تقديره لجهود الوساطة التي تقوم بها مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجهودها الحثيثة بالتعاون مع تركيا وباكستان في دعم المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً «دعم الأمم المتحدة لهذه الجهود التي تستهدف خفض التصعيد في المنطقة».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، تميم خلاف، مساء الجمعة، شهد تبادل التقييمات حول التصعيد العسكري في المنطقة وتداعياته الوخيمة، خصوصاً على حرية الملاحة وسلاسل الإمداد، اتصالاً بالأمن الغذائي وضمان تدفق مكونات الأسمدة المطلوبة للزراعة، فضلاً عن أمن الطاقة في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة والنفط.

بينما رحّب وزير الخارجية المصري بتعيين جان أرنو، مبعوثاً شخصياً للسكرتير العام لقيادة جهود الأمم المتحدة بشأن الصراع في الشرق الأوسط، معرباً عن تطلعه إلى التعاون معه من أجل العمل على خفض التصعيد في المنطقة.

حول تطورات الملف الفلسطيني، استعرض الوزير عبد العاطي الجهود المصرية الدؤوبة لتنفيذ بنود المرحلة الثانية كافّة من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بما يشمل نشر «قوة الاستقرار الدولية»، وتمكين «لجنة إدارة غزة»، وبدء ممارسة مهامها تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها، وجهود مصر اتصالاً بتدريب الشرطة الفلسطينية، وتشغيل معبر رفح. وأكد أهمية تكثيف الجهود لحماية المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، مشدداً على أن تلك الممارسات تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتقوّض فرص تحقيق السلام.

ودعت مصر في وقت سابق إلى «ضرورة تحرك المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، بشكل فوري لردع هذه الممارسات الإسرائيلية المنفلتة، للحيلولة دون مزيد من التدهور في الأوضاع الأمنية والإنسانية، وتجنيب لبنان خطر الانزلاق إلى مزيد من عدم الاستقرار».