الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
TT

الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)

استهلك القتال بين فصيلين عسكريين في السودان، أسابيع. ويفر السودانيون والأجانب من تلك البلاد الاستراتيجية، الواقعة في شرق أفريقيا، بأعداد كبيرة، غير أن الكثير من الناس لا يزالون عالقين في الداخل.

عندما يُحوِّل الجنرالات المتناحرون مدينة يسكنها 5 ملايين نسمة إلى ساحة لحربهم الشخصية، كما فعل اثنان منهم في السودان، فإن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً.

وحوصر العديد من السكان داخل منازلهم، في العاصمة الخرطوم، منذ اندلاع أعمال العنف في 15 أبريل (نيسان)، حيث احتل المقاتلون بعض أحياء وسط المدينة، مطلقين النار من الأسطح وبين المباني على الطائرات الحربية. كما تعاني المدينة انقطاعاً مستمراً في الكهرباء ونقص الغذاء والمياه، فضلاً عن أعمال النهب والسلب.

يفر المواطنون السودانيون والرعايا الأجانب، على حد سواء، بأعداد كبيرة من مناطق القتال. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نزح أكثر من 1.4 مليون شخص، منهم 360 ألف شخص عبروا الحدود إلى البلدان المجاورة، مثل مصر وإثيوبيا وجنوب السودان. وهرب آلاف السودانيين ومواطنون من دول أخرى إلى مدينة بورتسودان على البحر الأحمر، أملاً في الفرار على متن قوارب إلى السعودية.

ومع تنافس الجنرالين المتناحرين على السيطرة، فإن المصادمات بين مجموعة شبه عسكرية تُعرف باسم قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني، أعادت ترتيب الأوضاع في البلاد بسرعة مذهلة.

كما تبددت الآمال في أن يتمكن السودان (ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، مع أكثر من 45 مليون نسمة) من بدء حكم مدني في أي وقت قريب.

واستمر القتال في البلاد إثر الانتهاك المنتظم للعديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي أبرمها الجانبان من قبل. وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، في الأول من يونيو (حزيران) أنهما قررتا تعليق المحادثات التي كانتا تُسهلان إجراءها بين الجانبين في جدة، في المملكة العربية السعودية، «نتيجة للانتهاكات الجسيمة المتكررة» لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة.

أين يجري القتال؟

يبدو أن معظم القتال يجري الآن في الخرطوم، وفي المنطقة الغربية من دارفور. ويسيطر الجيش، الذي يمتلك قدرات الطيران الحربي، على معظم أنحاء البلاد، بما في ذلك بورتسودان. لكن المحللين يقولون إن معظم مناطق وسط الخرطوم تخضع لسيطرة قوات «الدعم السريع».

وتجاوز عدد القتلى المدنيين جراء القتال 865 شخصاً، وأصيب أكثر من 5000 شخص آخرين، بحسب وزارة الصحة السودانية، رغم أن العدد الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك بكثير.

وفي الخرطوم، أسفر القتال عن انقطاع الكهرباء والماء عن العديد من الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في منازلهم. ويقول الأطباء إنهم يكافحون من أجل التأقلم مع الأوضاع الراهنة. وقد أُبلغ عن اندلاع قتال بالقرب من القصر الرئاسي، ولم يتضح بعد من يسيطر على البلاد، إن كان هناك من يسيطر عليها فعلاً.

ووجد عمال الإغاثة والدبلوماسيون أنفسهم هذه المرة مستهدفين، بعدما كانوا قادرين من قبل، في كثير من الأحيان، على البقاء بعيداً عن الصراع في التوترات السابقة التي شهدها السودان.

من هما الجنرالان المتنافسان؟

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

زعيم أحد الفصيلين الرئيسيين المتنافسين، هو الجنرال عبد الفتاح البرهان، وهو قائد عسكري قوي، ظل لسنوات زعيماً فعلياً للسودان، بحكم الأمر الواقع.

وكان الجنرال البرهان، الذي لم يكن معروفاً إلا قليلاً قبل عام 2019، على صلة وثيقة بالحاكم السوداني القديم، الرئيس عمر حسن البشير، وصعد إلى السلطة في أعقاب الاضطرابات الصاخبة التي أدت إلى الإطاحة بالزعيم المكروه على نطاق واسع.

قبل ذلك، كان اللواء البرهان قائداً للجيش الإقليمي في دارفور، عندما قتل 300 ألف شخص هناك وشُرد ملايين آخرون في القتال الذي دار في الفترة من 2003 إلى 2008، والذي أثار إدانة عالمية لانتهاكاته حقوقَ الإنسان ولتسببه بخسائر بشرية فادحة.

وبعد أن وقع المدنيون والجيش على اتفاق لتقاسم السلطة عام 2019، صار اللواء البرهان رئيساً لمجلس السيادة، وهو الهيئة التي أنشئت للإشراف على انتقال البلاد إلى الحكم الديمقراطي. لكن، مع اقتراب موعد تسليم السلطة إلى المدنيين أواخر عام 2021، ثبت أنه غير راغب في التخلي عن السلطة.

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)

المنافس الرئيسي للجنرال البرهان هو الفريق محمد حمدان دقلو، الذي يقود قوات «الدعم السريع»، وهي مجموعة شبه عسكرية قوية.

وبرز الجنرال حمدان، الذي يتحدر من أصول متواضعة، والمعروف على نطاق واسع باسم «حميدتي»، بوصفه قائداً لميليشيات «الجنجويد» سيئة السمعة، التي كانت مسؤولة عن أسوأ فظائع الصراع في دارفور.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، تحالف اللواء البرهان والجنرال حمدان للاستيلاء على السلطة في انقلاب عسكري، ما جعلهما فعلياً الزعيم ونائب الزعيم في السودان. لكن، في الأشهر الأخيرة، وقعت مواجهات علنية، ونُشرت بهدوء قوات ومعدات إضافية في معسكرات الجيش في الخرطوم وعبر مختلف أنحاء البلاد.

لماذا تستثمر دول أخرى كثيرة في الصراع؟

يحتل السودان موقعاً محورياً في القارة الأفريقية، حيث إن له ساحلاً كبيراً على البحر الأحمر، وتحيط به سبع دول هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، ومصر، وإريتريا، وإثيوبيا، وليبيا، وجنوب السودان.

وهناك مخاوف من أن تجتذب الفوضى الجديدة تلك البلدان المجاورة.

وقد انتشر العنف بالفعل في قلب دارفور، المنطقة المعذبة بدائرة صراعها الخاص منذ 20 عاماً. ودارفور هي موطن للعديد من الجماعات المتمردة التي يمكن أن تنغمس في القتال، وكانت قاعدة لمقاتلي شركة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة. وقد قدمت شركة «فاغنر» المشورة للحكومة السودانية، وحصلت على حق الوصول إلى عمليات التنقيب عن الذهب المربحة. كما سعت روسيا إلى السماح لسفنها الحربية بالرسو على ساحل البحر الأحمر في السودان.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن السودان يتجاوز عقوداً مطولة من العزلة صوب الديمقراطية في السنوات الأخيرة، رفعت الولايات المتحدة تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب.

وفي الأشهر الأخيرة، حاولت مجموعة من المسؤولين الأجانب، من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الولايات المتحدة، التفاوض على اتفاق بين الجنرالين، والضغط عليهما للسماح بالانتقال إلى حكومة يقودها المدنيون.

لكن الجنرالين لم يتفقا على مدى سرعة استيعاب قوات «الدعم السريع» في الجيش السوداني. وبدلاً من ذلك، دفعا بقواتهما إلى أتون الحرب المستعرة بين الفريقين.

 

* خدمة «نيويورك تايمز»



مصر: نقاشات إعلامية متصاعدة حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب السيسي

صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
TT

مصر: نقاشات إعلامية متصاعدة حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب السيسي

صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

تصاعدت نقاشات إعلامية في مصر بشأن تعديل الدستور بما يتيح إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك رغم أنه أكد في أكثر من مناسبة أن «الدستور لن يٌمس»، وأنه سيترك منصبه في نهاية فترة حكمه عام 2030.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، على نطاق واسع، السجال الذي دار بين الإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، والإعلامي عمرو أديب، خلال برنامج «الحكاية»، مساء الجمعة، وخلال المداخلة المطولة تمسك بكري برغبته في أن يترشح الرئيس لفترة رئاسية جديدة، حتى لو استدعى ذلك «إصدار دستور جديد يليق بالدولة» في ظل «الظروف الاستثنائية».

يضاف هذا النقاش إلى نقاشات أخرى جاءت عبر وسائل إعلامية مصرية خلال الأيام الماضية، تطرقت إلى تقييم موقف الرئيس السيسي من تسليم السلطة في 2030، وهو ما أثار جدلاً حول «تعديل الدستور» بين مؤيدين ومعارضين.

ووفق التعديلات الدستورية التي وافق عليها المصريون في تصويت عام 2019، تنتهي فترة حكم الرئيس المصري عام 2030، وبموجب تلك التعديلات تم مد الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين.

السيسي يُصوت في انتخابات «مجلس الشيوخ» 2025 (المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

وانفجر الجدل في الساحة السياسية حول بقاء السيسي بعد مدته منذ صرح في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن «الدستور لن يُمسّ»، في إشارة إلى رفضه تعديل الدستور لتمديد حكمه، وفي اليوم التالي، أكد المعنى نفسه، قائلاً إنه سيسلم السلطة في 2030، مقترحاً أن تتولى «الأكاديمية العسكرية» تدريب المرشحين المقبلين للرئاسة.

وعبّر بكري عن رفضه لقرار السيسي، معتبراً أن القرار يعبر عن نزاهته، ولا يمنع في المقابل تعبير المواطنين عن رأيهم فيه، ومطالبته بالبقاء لـ«استكمال مشروعه الوطني»، مُذكراً برفض المصريين تنحي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي. واستند في حديثه إلى «الأوضاع الجيوسياسية الملتهبة حول مصر وفي عمقها الاستراتيجي في دول الجوار والمنطقة»، مشككاً في وجود من يتولى المسؤولية بعده.

وانتقد المحلل السياسي جمال أسعد دعوات تعديل الدستور للمرة الثانية في عهد السيسي، مشيداً بموقفه الذي أعلن عدم الترشح «رغم الظروف الاستثنائية التي يتحدث عنها الداعون للتعديل»، متسائلاً : «هل هم أكثر حرصاً على الدولة من الرئيس ذاته؟». وانتقد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، استدعاء التجربة الناصرية في هذا الظرف، قائلاً إن «الرفض الشعبي لتنحي عبد الناصر كان في إطار هزيمة، ورغم أن جزءاً منه يعود إلى محبة الجماهير له، فإن جزءاً آخر مرتبط بتحمله لمسؤولية نكسة 1967، ومصر اليوم ليست في موقف مشابه يصلح للقياس عليه».

الساحة السياسية لم تتجاوز بعد إعلان الرئيس المصري عدم ترشحه لفترة جديدة (الشرق الأوسط)

ولا يعد حديث بكري الأول، إذ يتبنى هذا الموقف عدد من الإعلاميين، في مقدمتهم أحمد موسى، ومحمد الباز. والأول استضاف المفكر السياسي حسام بدراوي، الأسبوع الماضي، في نقاش محتدم، تحفظ فيه بدراوي على مطالب وأسانيد موسى للمطالبة بتعديل الدستور، واعتبر أنها تعكس عدم احترام له.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الدستوري وعضو مجلس النواب صلاح فوزي، أن المطالبة بتعديل الدستور أمر دستوري، وفق آلية الدستور نفسه في المادة 226 التي تفصل طريقة تعديله، «لذلك فإن الحديث عن عدم احترام الدستور عند المطالبة بتعديله بمثابة تعطيل لأحد مواده وهو ما لا يستطيع أحد فعله»، لافتاً إلى أنه «بشكل شخصي يرى أن الدستور الذي تم إعداده في عام 2014 يحتاج إلى تعديل في كثير من المواد بما يناسب الأجيال الجديدة».

وتنص المادة 226 على أنه «لرئيس الجمهورية أو لخُمس أعضاء مجلس النواب طلب تعديل مادة أو أكثر، مع توضيح المواد وأسباب التعديل».

وعدد فوزي بضعة مواد يرى ضرورة تغييرها، مثل صلاحيات مجلس الشيوخ، والفئات العمرية للشباب الذين يحق لهم الترشح في الانتخابات المحلية وغيرها من المواد، لافتاً إلى «أن بكري بصفته نائباً يستطيع تقديم مشروع لتعديل الدستور بعد جمع تواقيع من 120 نائباً، وحال الموافقة عليه بما لا يقل عن ثلثي النواب، يُطرح للاستفتاء».

الرئيس عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو الرئيس إلى «التراجع عن قراره»، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، من بينها لمواطنين يبكون ويدعون السيسي إلى البقاء.

ويعتبر المحلل السياسي جمال أسعد «أن هذا النوع من النقاشات حول تعديل الدستور يعود بنا للخلف ويعطلنا عن مقتضيات المرحلة في تجهيز بدائل، وفتح المجال العام وتنشيط الحياة السياسية».


بعثات أممية على أعتاب النهاية... ما مصير مهام حفظ السلام في المغرب والصومال ولبنان؟

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
TT

بعثات أممية على أعتاب النهاية... ما مصير مهام حفظ السلام في المغرب والصومال ولبنان؟

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

تواجه بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام والدعم السياسي في عدد من مناطق النزاع مرحلة مفصلية، مع اقتراب انتهاء أو بدء إنهاء ولايات بعثات دولية استمرت لسنوات، في إطار تحولات سياسية وأمنية تشهدها هذه المناطق.

ويعيد هذا التطور طرح تساؤلات بشأن مستقبل الدور الأممي، ومدى قدرة الحكومات والجهات المحلية على تولي المهام التي كانت تضطلع بها الأمم المتحدة، في ظل استمرار تحديات تتعلّق بالأمن والاستقرار والتسويات السياسية.

وتختلف طبيعة المهمات الأممية في المغرب والصومال ولبنان، كما تختلف ظروف إنهائها وتداعياتها؛ فبعضها يرتبط بملف نزاع لم يُحسم سياسياً، وبعضها الآخر يأتي في سياق انتقال المسؤوليات إلى السلطات الوطنية، فيما يثير إنهاء بعثات أخرى مخاوف بشأن الاستقرار في مناطق تشهد توترات مستمرة.

المغرب: بعثة «مينورسو» ونزاع الصحراء

أخفق مجلس الأمن، مساء أمس (الجمعة)، في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (مينورسو)، التي ينتهي تفويضها الحالي بعد ساعات معدودة، إثر استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة، فيما لم يحصل نص مضاد قدمته موسكو على عدد كافٍ من الأصوات.

وبهذا الفشل سيتعيّن على البعثة الأممية، التي أُنشئت في أبريل (نيسان) 1991، الانسحاب من المنطقة التي تشهد توتراً بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

ووسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية، سعى دبلوماسيون إلى إيجاد مساحة توافق قبل مغادرة أفراد البعثة، البالغ عددهم 534 شخصاً، التي تراقب وقف إطلاق النار وتساعد على الوصول إلى تسوية.

وكان المشروع الأميركي قد حصل على تأييد 11 صوتاً من الأعضاء الـ15 في المجلس. غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، ثم صوّت الأعضاء على مشروع قرار روسي مضاد، يكتفي بتمديد الولاية الحالية لـ«مينورسو» بصورة تقنية حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، فنال تأييد ثلاثة أصوات فحسب، مقابل صوت معارض واحد للولايات المتحدة، وامتناع 11 عضواً عن التصويت. وبالتالي، لم ينل المشروع الحد الأدنى اللازم لاعتماد أي قرار، وهو 9 أصوات. ويجب التمييز هنا بين انتهاء ولاية البعثة وانتهاء وجودها فعلياً؛ إذ إن انتهاء التفويض الأممي لا يعني بالضرورة تسوية النزاع أو التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف.

وقد ظل مستقبل البعثة مرتبطاً بموقف مجلس الأمن من تجديد ولايتها وبالتطورات السياسية في ملف الصحراء المغربية.

الصومال: الانتقال من البعثة السياسية إلى المسؤولية الوطنية

شهد الوجود الأممي في الصومال تحولاً تدريجياً من خلال إنهاء بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (يونسوم) (UNSOM)، التي اضطلعت بدور سياسي واستشاري في دعم المؤسسات الحكومية، والمصالحة الوطنية، وبناء مؤسسات الدولة، ومساندة جهود تحقيق الاستقرار. وبدأت عملية الانتقال إلى بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال (يونتميس) (UNTMIS) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ضمن خطة لنقل المسؤوليات تدريجياً إلى المؤسسات الصومالية.

وتستهدف المرحلة الانتقالية تعزيز قدرة الحكومة الصومالية على تولي مسؤولياتها في مجالات الحوكمة والأمن وبناء المؤسسات، مع نقل بعض المهام الأممية إلى فريق الأمم المتحدة القطري. ومن المقرر أن تنتهي ولاية «يونتميس» في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في إطار إنهاء الوجود السياسي الانتقالي للبعثة، وليس إنهاء جميع أشكال التعاون بين الأمم المتحدة والصومال.

لبنان: نهاية مهمة «يونيفيل» بعد عقود من الانتشار

تُعد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) (UNIFIL) من أقدم بعثات حفظ السلام الأممية في المنطقة، إذ أُنشئت عام 1978، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب. وتوسعت مهماتها بعد حرب عام 2006، بموجب قرار مجلس الأمن رقم «1701»، لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساندة انتشار الجيش اللبناني في جنوب البلاد.

وفي أغسطس (آب) 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية القوة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، مع بدء ترتيبات إنهاء مهمتها والانسحاب المنظم خلال فترة عام بعد انتهاء ولايتها. ويأتي القرار في ظل استمرار التوتر على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وما يثيره من تساؤلات بشأن قدرة الجيش اللبناني على تولي المهام الأمنية في الجنوب، خصوصاً مع استمرار التحديات المرتبطة بتنفيذ القرار 1701.


فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
TT

فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

أخفق مجلس الأمن، مساء الجمعة، في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو»، التي ينتهي تفويضها الحالي بعد ساعات معدودة، إثر استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» لإسقاط مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة، فيما لم يحصل نص مضاد قدمته موسكو على عدد كافٍ من الأصوات.

وبهذا الفشل سيتعين على البعثة الأممية، التي أنشئت في أبريل (نيسان) 1991، الانسحاب من المنطقة التي تشهد توتراً بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

ووسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية، سعى دبلوماسيون إلى إيجاد مساحة توافق قبل مغادرة أفراد البعثة البالغ عددهم 534 شخصاً، التي تراقب وقف إطلاق النار وتساعد على الوصول إلى تسوية.

وكان المشروع الأميركي قد حصل على تأييد 11 صوتاً من الأعضاء الـ15 في المجلس. غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، ثم صوت الأعضاء على مشروع قرار روسي مضاد، يكتفي بتمديد الولاية الحالية لـ«مينورسو» بصورة تقنية حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، فنال تأييد ثلاثة أصوات فحسب، مقابل صوت معارض واحد للولايات المتحدة، وامتناع 11 عضواً عن التصويت. وبالتالي، لم ينل المشروع الحد الأدنى اللازم لاعتماد أي قرار، وهو تسعة أصوات.

وما لم تُبذل جهود في اللحظات الأخيرة لإحيائها، تنتهي السبت ولاية «مينورسو»، بعدما دأب المجلس على تجديدها لنحو 35 عاماً.

تغيير جوهري

ذهب مشروع القرار الأميركي إلى أبعد بكثير من القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن العام الماضي، والذي كان سينهي هذه المهمة في 30 أبريل 2027، مع تقليص المشاركة العسكرية، ليستبدلها ببعثة سياسية لا تُعنى بالتحضير للاستفتاء، كما كانت تنص القرارات السابقة، بل يغير اسمها إلى (بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية) «مينوسو». كما ينص على أن «الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن للتفاوض على حل مقبول للطرفين».

وعقب التصويت، لاحظ المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن الاستفتاء لم يُجرَ قط بسبب خلافات طويلة الأمد حول أهلية الناخبين. وقال: «يُخبرنا مسؤولو الأمم المتحدة بهذه الحقيقة منذ 30 عاماً». وأعرب عن أسفه لاستخدام روسيا «الفيتو».

في المقابل، رأت روسيا أن المسودة الأميركية أكدت تأييد موقف المملكة المغربية من الصحراء. وقال مندوبها لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: «نؤكد أن مجلس الأمن لا يمكنه أن يُقرر مسبقاً بشكل تلقائي مسائل تتعلق بالسيادة». ووصف تصويت الولايات المتحدة ضد النص الروسي بأنه «اغتيال سياسي للبعثة».

من جانبه، ندد المندوب الفرنسي جيروم بونافون بـ«عرقلة روسيا»، فيما حضت السفيرة البريطانية سارة ماكنتوش الجهات التي لم تؤيد القرار الأميركي على «السعي لإيجاد حل قائم على مسودة القرار».

ورحّب الديوان الملكي المغربي بعدم تجديد الولاية، عادّاً ذلك «تطوراً مهماً»، يعني ضرورة سحب قضية الصحراء من نظر مجلس الأمن وإزالتها من جدول أعماله.

في المقابل، شكر المندوب الجزائري عمار بن جامع روسيا، مؤكداً أن بلاده ستواصل دعم «حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير».

كما أعرب ممثل «البوليساريو» في نيويورك سيدي عمر عن «ارتياحه» لرفض القرار الأميركي.

وتضم البعثة 155 عسكرياً، وتبلغ كلفتها 62 مليون دولار في السنة المالية، التي بدأت في يونيو (حزيران) الماضي، وفقاً لتقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وكان المغرب قد أعلن أن الصحراء مغربية منذ عام 1975. وأقرّ مجلس الأمن، بقيادة الولايات المتحدة، قراراً يعد خطة الحكم الذاتي، التي قدمتها الرباط عام 2007، الحل «الأكثر جدوى» وأساساً للمفاوضات. وهذا يتماشى مع دعم إدارة الرئيس دونالد ترمب للمغرب. كما تحظى الخطة المغربية أيضاً بدعم بريطانيا وفرنسا ودول أخرى.