الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
TT

الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)

استهلك القتال بين فصيلين عسكريين في السودان، أسابيع. ويفر السودانيون والأجانب من تلك البلاد الاستراتيجية، الواقعة في شرق أفريقيا، بأعداد كبيرة، غير أن الكثير من الناس لا يزالون عالقين في الداخل.

عندما يُحوِّل الجنرالات المتناحرون مدينة يسكنها 5 ملايين نسمة إلى ساحة لحربهم الشخصية، كما فعل اثنان منهم في السودان، فإن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً.

وحوصر العديد من السكان داخل منازلهم، في العاصمة الخرطوم، منذ اندلاع أعمال العنف في 15 أبريل (نيسان)، حيث احتل المقاتلون بعض أحياء وسط المدينة، مطلقين النار من الأسطح وبين المباني على الطائرات الحربية. كما تعاني المدينة انقطاعاً مستمراً في الكهرباء ونقص الغذاء والمياه، فضلاً عن أعمال النهب والسلب.

يفر المواطنون السودانيون والرعايا الأجانب، على حد سواء، بأعداد كبيرة من مناطق القتال. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نزح أكثر من 1.4 مليون شخص، منهم 360 ألف شخص عبروا الحدود إلى البلدان المجاورة، مثل مصر وإثيوبيا وجنوب السودان. وهرب آلاف السودانيين ومواطنون من دول أخرى إلى مدينة بورتسودان على البحر الأحمر، أملاً في الفرار على متن قوارب إلى السعودية.

ومع تنافس الجنرالين المتناحرين على السيطرة، فإن المصادمات بين مجموعة شبه عسكرية تُعرف باسم قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني، أعادت ترتيب الأوضاع في البلاد بسرعة مذهلة.

كما تبددت الآمال في أن يتمكن السودان (ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، مع أكثر من 45 مليون نسمة) من بدء حكم مدني في أي وقت قريب.

واستمر القتال في البلاد إثر الانتهاك المنتظم للعديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي أبرمها الجانبان من قبل. وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، في الأول من يونيو (حزيران) أنهما قررتا تعليق المحادثات التي كانتا تُسهلان إجراءها بين الجانبين في جدة، في المملكة العربية السعودية، «نتيجة للانتهاكات الجسيمة المتكررة» لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة.

أين يجري القتال؟

يبدو أن معظم القتال يجري الآن في الخرطوم، وفي المنطقة الغربية من دارفور. ويسيطر الجيش، الذي يمتلك قدرات الطيران الحربي، على معظم أنحاء البلاد، بما في ذلك بورتسودان. لكن المحللين يقولون إن معظم مناطق وسط الخرطوم تخضع لسيطرة قوات «الدعم السريع».

وتجاوز عدد القتلى المدنيين جراء القتال 865 شخصاً، وأصيب أكثر من 5000 شخص آخرين، بحسب وزارة الصحة السودانية، رغم أن العدد الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك بكثير.

وفي الخرطوم، أسفر القتال عن انقطاع الكهرباء والماء عن العديد من الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في منازلهم. ويقول الأطباء إنهم يكافحون من أجل التأقلم مع الأوضاع الراهنة. وقد أُبلغ عن اندلاع قتال بالقرب من القصر الرئاسي، ولم يتضح بعد من يسيطر على البلاد، إن كان هناك من يسيطر عليها فعلاً.

ووجد عمال الإغاثة والدبلوماسيون أنفسهم هذه المرة مستهدفين، بعدما كانوا قادرين من قبل، في كثير من الأحيان، على البقاء بعيداً عن الصراع في التوترات السابقة التي شهدها السودان.

من هما الجنرالان المتنافسان؟

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

زعيم أحد الفصيلين الرئيسيين المتنافسين، هو الجنرال عبد الفتاح البرهان، وهو قائد عسكري قوي، ظل لسنوات زعيماً فعلياً للسودان، بحكم الأمر الواقع.

وكان الجنرال البرهان، الذي لم يكن معروفاً إلا قليلاً قبل عام 2019، على صلة وثيقة بالحاكم السوداني القديم، الرئيس عمر حسن البشير، وصعد إلى السلطة في أعقاب الاضطرابات الصاخبة التي أدت إلى الإطاحة بالزعيم المكروه على نطاق واسع.

قبل ذلك، كان اللواء البرهان قائداً للجيش الإقليمي في دارفور، عندما قتل 300 ألف شخص هناك وشُرد ملايين آخرون في القتال الذي دار في الفترة من 2003 إلى 2008، والذي أثار إدانة عالمية لانتهاكاته حقوقَ الإنسان ولتسببه بخسائر بشرية فادحة.

وبعد أن وقع المدنيون والجيش على اتفاق لتقاسم السلطة عام 2019، صار اللواء البرهان رئيساً لمجلس السيادة، وهو الهيئة التي أنشئت للإشراف على انتقال البلاد إلى الحكم الديمقراطي. لكن، مع اقتراب موعد تسليم السلطة إلى المدنيين أواخر عام 2021، ثبت أنه غير راغب في التخلي عن السلطة.

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)

المنافس الرئيسي للجنرال البرهان هو الفريق محمد حمدان دقلو، الذي يقود قوات «الدعم السريع»، وهي مجموعة شبه عسكرية قوية.

وبرز الجنرال حمدان، الذي يتحدر من أصول متواضعة، والمعروف على نطاق واسع باسم «حميدتي»، بوصفه قائداً لميليشيات «الجنجويد» سيئة السمعة، التي كانت مسؤولة عن أسوأ فظائع الصراع في دارفور.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، تحالف اللواء البرهان والجنرال حمدان للاستيلاء على السلطة في انقلاب عسكري، ما جعلهما فعلياً الزعيم ونائب الزعيم في السودان. لكن، في الأشهر الأخيرة، وقعت مواجهات علنية، ونُشرت بهدوء قوات ومعدات إضافية في معسكرات الجيش في الخرطوم وعبر مختلف أنحاء البلاد.

لماذا تستثمر دول أخرى كثيرة في الصراع؟

يحتل السودان موقعاً محورياً في القارة الأفريقية، حيث إن له ساحلاً كبيراً على البحر الأحمر، وتحيط به سبع دول هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، ومصر، وإريتريا، وإثيوبيا، وليبيا، وجنوب السودان.

وهناك مخاوف من أن تجتذب الفوضى الجديدة تلك البلدان المجاورة.

وقد انتشر العنف بالفعل في قلب دارفور، المنطقة المعذبة بدائرة صراعها الخاص منذ 20 عاماً. ودارفور هي موطن للعديد من الجماعات المتمردة التي يمكن أن تنغمس في القتال، وكانت قاعدة لمقاتلي شركة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة. وقد قدمت شركة «فاغنر» المشورة للحكومة السودانية، وحصلت على حق الوصول إلى عمليات التنقيب عن الذهب المربحة. كما سعت روسيا إلى السماح لسفنها الحربية بالرسو على ساحل البحر الأحمر في السودان.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن السودان يتجاوز عقوداً مطولة من العزلة صوب الديمقراطية في السنوات الأخيرة، رفعت الولايات المتحدة تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب.

وفي الأشهر الأخيرة، حاولت مجموعة من المسؤولين الأجانب، من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الولايات المتحدة، التفاوض على اتفاق بين الجنرالين، والضغط عليهما للسماح بالانتقال إلى حكومة يقودها المدنيون.

لكن الجنرالين لم يتفقا على مدى سرعة استيعاب قوات «الدعم السريع» في الجيش السوداني. وبدلاً من ذلك، دفعا بقواتهما إلى أتون الحرب المستعرة بين الفريقين.

 

* خدمة «نيويورك تايمز»



مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
TT

مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)

أكدت مصر إدانتها الشديدة لاستمرار الهجمات على أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة. وشددت على استنكارها البالغ لتلك الاعتداءات السافرة والتصرفات غير المسؤولة وما تحمله من انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والاستهتار بسلامة المدنيين من مختلف الجنسيات.

ونعت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الأحد، وفاة المواطنة عزة رمزي جراء الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

وحسب وزارة الخارجية المصرية، أصدر وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، تكليفات للسفارة والقنصلية بالرياض بالتواصل مع أسرة الفقيدة ومتابعة إجراءات نقل الجثمان إلى مصر في أسرع وقت ممكن.

كما وجّه عبد العاطي كلاً من السفير والقنصل بالرياض بزيارة المصابين المصريين بالمستشفيات البالغ عددهم خمسة مواطنين وإجراء الاتصالات مع أسرهم وتقديم جميع سبل الرعاية اللازمة لهم حيث قاما بزيارة المصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية.

ووفق «الخارجية»، الأحد، تتابع السفارة والقنصلية في الرياض التنسيق مع مختلف السلطات في المملكة العربية السعودية الشقيقة والتي تقدم جميع أشكال الدعم للمصابين المصريين، سواء فيما يخص الرعاية الطبية أو أي تسهيلات أخرى.


حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حذّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة يهدد وحدة السودان ويحوّله إلى مناطق نفوذ متنازعة، مؤكداً ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون وبناء جيش وطني موحد.

وقال مناوي، الذي يتزعم «حركة تحرير السودان»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الجيش يمتلك اليد العليا في الميدان، وإن ميزان القوى يميل لمصلحته، رغم استمرار الكرّ والفرّ، وأوضح أن «القوة المشتركة» التي ينتسب إليها، تقاتل بالتنسيق مع القوات المسلحة، بينما يتطلب استكمال الترتيبات الأمنية إصلاح المؤسسات ودمج القوات وإعادة هيكلتها.

وربط مناوي أي هدنة مقبلة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تكريس الانقسام، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي حتى تتوافر ظروف تضمن مشاركة السودانيين بحرية وتكافؤ. كما حذّر من قيام سلطات موازية، وشدّد على صون سيادة البلاد ووحدتها في مواجهة التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية.

ودعا مناوي إلى معالجات تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته، مؤكداً أن الحرب اتسعت وتداخلت أطرافها، ولم تعد مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين. واستشهد بتجارب النزاعات في الصحراء وليبيا واليمن والصومال، محذراً من هدنة تثبّت نتائج الحرب وتكرّس الانقسام، بدلاً من حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد.


حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.

وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.

السلاح ومؤسسات الدولة

وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».

أنصار حاكم دارفور يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك 3 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.

وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.

وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.

وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.

حوار لا يكرّس الأمر الواقع

وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.

وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.

وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.

ضمانات للهدنة ووحدة السودان

وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.

وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.

وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.

كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.

مستشفى الفاشر إثر إصابته بالمعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (صفحة حاكم دارفور- فيسبوك)

وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.

وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.

أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية

ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.

وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.

وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.

مناوي خلال لقائه أعضاء من الجالية السودانية في موسكو ديسمبر 2024 (صفحته على فيسبوك)

وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.

اتفاق جوبا قابل للمراجعة

وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.

وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.

الإسلاميون وحدود الإقصاء

وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.

وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.

وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.

وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.

المساءلة والحق في العلاج

وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.

الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير خلال محاكمته بتهم فساد 31 أغسطس 2019 (رويترز)

وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.

ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.