مصير حميدتي بين إشاعات الموت والإصابة

خبراء يستبعدون الأخبار عن مقتله

قائد «الدعم السريع» (حميدتي) (أ.ف.ب)
قائد «الدعم السريع» (حميدتي) (أ.ف.ب)
TT

مصير حميدتي بين إشاعات الموت والإصابة

قائد «الدعم السريع» (حميدتي) (أ.ف.ب)
قائد «الدعم السريع» (حميدتي) (أ.ف.ب)

إلى جانب القتال المستعر بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يدور قتال على مستوى الدعاية الحربية والحرب النفسية، تخوضها دوائر استخبارية وسياسية، الهدف منها إلحاق الهزيمة بأحد الطرفين، وتستخدم فيها الإشاعة والأكاذيب والأخبار المفبركة، وكان أخطرها إشاعة موت قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بل وموت شقيقه، القائد الثاني لقوات «الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو، لكن من دون ورود أي أنباء رسمية تؤكد مقتل أي الرجلين.

وبعد نحو أسبوع من بداية الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) الماضي، تداولت صفحات التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، و«تويتر» منشورات زعمت فيها مقتل حميدتي في غارة جوية، لكن الرجل ظهر بالزي القتالي وهو يحمل بندقية، على عربة مسلحة رباعية الدفع، محاطاً بعدد من جنوده عند القصر الرئاسي الذي تسيطر عليه قواته منذ اليوم الأول للحرب.

«حميدتي» في إحدى المناسبات (أ.ب)

الإشاعات تتجدد

ولم تتوقف إشاعات موت حميدتي عن التجدد، لكن الرجل ظل يحاربها بإجراء مقابلات «صوتية» مع عدد من الفضائيات والصحف. ففي 20 أبريل الماضي، أجرت فضائية «الجزيرة» مقابلة هاتفية مع الرجل، قال فيها إن الحل الوحيد للأزمة في السودان هو تسليم البرهان للعدالة، وأعقبها بمقابلة مع فضائية «العربية» في 22 من الشهر ذاته، ذكر فيها أن قواته أفشلت انقلاب البرهان. وفي 28 من الشهر ذاته، أجرت معه قناة «بي بي سي» مقابلة، أكد خلالها استعداده للاجتماع مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مشترطاً وقف إطلاق النار، وأضاف إليها مقابلة أخرى مع صحيفة «الشرق الأوسط» في الأول من مايو (أيار) الحالي، أكد فيها سيطرة قواته على العاصمة، ثم مع فضائية «الشرق» في الثاني من الشهر ذاته.كما خرج شقيقه، القائد الثاني لقوات الدعم السريع عبدالرحيم دقلو، الأربعاء، مؤكداً أن قائده «حميدتي» بخير وأنه «في الصفوف الأمامية» مع قواته.

بلينكن اتصل بالبرهان في آخر محادثة هاتفية ولم يتصل بقائد «الدعم السريع» (أرشيفية)

الاتصالات الدولية توقفت معه

بعد سلسلة المقابلات هذه، صمت الرجل طويلاً. وبعد أن كان مسؤولون غربيون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يجرون اتصالات متزامنة معه ومع البرهان، فإن وزير الخارجية الأميركي أجرى في 20 مايو الحالي اتصالاً مع البرهان، من دون أن يجري اتصالاً مع حميدتي، كما أن تصريحات نُسبت إلى الوسيط الجنوب سوداني تفيد بأنه لم يستطع الوصول إلى حميدتي؛ ما عزز قبول شيوع فرضيات حول موت الرجل، أو ربما إصابته.

وزادت الشكوك بتوالي الإشاعات عن مقتله، وكلها منسوبة لصحافيين ونشطاء مؤيدين للجيش ومن أنصار نظام الرئيس المعزول عمر البشير. لكن الشكوك تعمّقت أكثر، بعد أن بث موقع حميدتي على الأنترنت تسجيلاً صوتياً له، موجهاً لقواته، اتضح أن معلوماته قديمة، واضطر الموقع إلى حذفه في وقت لاحق. لكن في 22 مايو الحالي، تم بث حديث صوتي قصير بصوت الرجل، منتج بعناية، وتصاحبه ترجمة إلى الإنجليزية، حيا فيه الشعب وتأسف لحال البلد، وحيا فيه الوسطاء السعوديين والأميركيين لجهودهم في إنهاء القتال، وأكد خلاله حرصه على نبذ الخلافات.

لكن التسجيل الأخير واجه تشكيكاً واسعاً، بأنه ربما كان مجرد استخدام للذكاء الاصطناعي، لإخفاء موت الرجل، أو على الأفل إصابته. لكن كل التحليلات وعمليات التقصي أكدت أنه «حقيقي» ومواكب، وليس تجميعاً لمقولات قديمة، وأثبتت عمليات التقصي أن دعاية غياب الرجل، بالموت أو الإصابة، هي دعاية حربية تهدف إلى ضرب معنويات جنوده.

صورة متداولة لمستشار «حميدتي» السياسي يوسف عزت

مستشاره ينفي

وحتى أمس القريب، لم تتوقف الإشاعات حول موت الرجل؛ ما اضطر مستشاره السياسي، يوسف عزت الماهري، إلى نفي خبر مقتله مجدداً، وقال في تصريحات بثتها «الجزيرة» إن الرجل موجود في الخرطوم، ولم يُصَب بأي أذى، وأضاف «أتحدث إليه بشكل يومي».

وبين النفي والتأكيد، فإن إشاعات مقتل الرجل لم تتوقف، وتراوحت بين موته متأثراً بجراح، أو مقتله في غارة جوية أثناء قصف مستشفى «شرق النيل» التي زُعم أنه كان يتلقى العلاج فيها من إصابة خطيرة. لكن المرجح أن الرجل، بحسب تحليلات، يستخدم أسلوب الاختباء ليترك لخيال صناع الإشاعة فرصة للعمل؛ ليجهض ادعاءاتهم دفعة واحدة بطهوره العلني. بيد أن الرجل، في حقيقة الأمر، لم يظهر علناً طوال الحرب سوى مرة واحدة، وحين تم سؤاله عنها، قال إن الفيديو نُشر عن طريق الخطأ.

من جهته، استبعد المحلل السياسي، الجميل الفاضل، فرضية مقتل الرجل، مستنداً في ذلك إلى أن طبيعة الأداء العسكري والحربي الميداني لـ«الدعم السريع» لم تتغير. وقال: «الوتيرة التي تسير عليها عمليات الدعم السريع لا تشير إلى تغير في أسلوب القتال، وهذا هو المؤشر الأول الذي يدل على موته أو حياته». وتابع: «لم تظهر النزعة الانتقامية والثأرية في أسلوب القتال، ولم تتراجع الروح المعنوية للمقاتلين؛ لذلك أستبعد أن يكون الرجل في عداد الموتى والقتلى».

وأوضح الفاضل أنه، وفقاً للموروث الثقافي القبلي والإثني لمجتمعات غرب السودان، فحين موت القائد، يكتسب القتال «روحاً ثأرية». وتابع: «القتال لم يتخذ طابعاً انتقامياً كاملاً، ورغم الأحداث الكثيرة والتعدي على الممتلكات، فإنه لم يصل حد حرق المعبد بمن فيه». وتابع: «إذا قُتل الرجل، فإن نائبه وشقيقه عبد الرحيم، المعروف بالشراسة والعنف الزائدين، سيحول المعركة إلى عمليات انتقامية، لن تهدأ إلا بعد الثأر للقائد». وأضاف: «لذلك؛ أستبعد مقتله».


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال سودانيون من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 21 نوفمبر 2025 (رويترز)

«الدعم السريع»: لجنة تحقيق في أحداث كردفان

جددت «قوات الدعم السريع» استعدادها لقبول «أي مبادرة سلام أو هدنة إنسانية»، وكشفت عن تشكيل «لجنة تقصي حقائق» بشأن هجمات دامية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة، وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا في ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
TT

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)

ما زالت إسرائيل تفرض قيوداً على حركة عبور الأفراد من معبر «رفح» البري، بما يمنع مرور «العدد المتفق عليه» في خطة وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

ويقتصر المرور اليومي للأفراد من المعبر على المرضى والمصابين، في حين يتم منع فئات أخرى مثل الطلاب ورجال الأعمال، حسب مصادر في جمعيات الإغاثة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن «الجانب الإسرائيلي يفرض اشتراطات أمنية على من يُسمح بمروره عبر معبر رفح ما خفض أعداد المسموح بعبورهم إلى النصف».

ويشكل معبر رفح البري (على الحدود المصرية الشرقية مع قطاع غزة) الشريان الرئيسي لعبور المساعدات الإنسانية للفلسطينيين منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستقبل المعبر مئات شاحنات المساعدات المقدمة من مصر، ودول عربية وأجنبية، فيما أعلنت القاهرة «إعادة تأهيل المعبر لتسهيل عبور المساعدات بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي عدة مرات».

ومن بين اشتراطات اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي استجابة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «إعادة فتح معبر رفح والسماح بمرور حركة المساعدات والأفراد»، إلا أن تل أبيب «فرضت قيوداً جديدة على حركة المساعدات الإنسانية، وحصرت عبور الأفراد على المرضى والجرحى، رغم النداءات الدولية بضرورة دعم القطاع، الذي يعاني من أزمات إنسانية».

حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط (الهلال الأحمر المصري)

ويواصل «الهلال الأحمر المصري» استقبال المرضى والمصابين الفلسطينيين من معبر رفح، وأشار في إفادة، الأربعاء، إلى «استقبال الدفعة رقم 46 من الجرحى والمرضى، إلى جانب مرافقيهم»، ونوه إلى «تقديم الدعم والرعاية اللازمة لهم» إلى جانب «توديع فلسطينيين آخرين عائدين إلى القطاع».

وتشمل الخدمات المقدمة للجرحى والمصابين الفلسطينيين، حسب «الهلال»، تيسير إجراءات العبور، وتوزيع الوجبات الغذائية الساخنة والملابس ومستلزمات العناية الشخصية بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للمصابين ومرافقيهم خلال فترة وجودهم.

ورفعت مصر حالة الاستعداد القصوى بمستشفيات شمال سيناء والمحافظات المجاورة لتكون جاهزة لاستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين، وأكدت وزارة الصحة في وقت سابق توافر الفرق الطبية والأجهزة والمستلزمات لاستقبال وإحالة المصابين، وأشارت إلى «إمداد محافظة شمال سيناء بـ150 سيارة إسعاف لاستقبال المصابين، لضمان سرعة نقل الحالات الحرجة وتقديم الرعاية الصحية لها».

وقال رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي: «لا تزال إسرائيل تفرض عراقيل على عبور الفلسطينيين من معبر رفح عبر الاتجاهين». ويضيف أن «الأعداد لا تتجاوز 70 فرداً من المرضى والمصابين، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار يقضي بمرور 150 شخصاً يومياً».

ويشير عبد العاطي إلى أن «حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط»، ويوضح أن «هناك أصحاب الحاجة من الطلاب ورجال الأعمال تمنع إسرائيل عبورهم»، ونوه إلى أن «عملية مرور الأفراد تخضع لاشتراطات من الجانب الإسرائيلي من بينها الحصول على موافقات أمنية، ما يضاعف الأعباء الإنسانية داخل القطاع».

وأكد أن «حركة العبور اليومية لا تلبي احتياجات سكان قطاع غزة»، وأوضح أن «هناك عالقين يريدون العودة إلى القطاع ويتم منعهم»، وأشار إلى أن «العراقيل المفروضة تشكل عبئاً وضغطاً على المنظمات الإغاثية العاملة في القطاع».

الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة من المرضى والجرحى الفلسطينيين (الهلال)

وحسب المتحدث باسم «اللجنة المصرية في غزة»، محمد منصور، فإن «مصر لا تغلق معبر رفح أمام حركة الأفراد»، ويقول إن «من يعيق العبور هو الجانب الإسرائيلي، الذي يحتل منطقة رفح الفلسطينية، ويمنع وصول الفلسطينيين إلى معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

ويرى منصور أن «القيود الإسرائيلية تمتد أيضاً إلى نسبة المساعدات الإغاثية المقدمة للقطاع، فعدد الشاحنات اليومية لا يلبي احتياجات القطاع، ولا يلبي الاستحقاق المتفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار».

وينص اتفاق «وقف إطلاق النار» على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى غزة، بينها 50 شاحنة وقود، وتُخصّص 300 شاحنة منها لشمال القطاع. وأعلن «الهلال الأحمر المصري»، الأربعاء، تسيير القافلة رقم 207 من سلسلة قوافل «زاد العزة»، وقال إن «القافلة تضم عدداً من الشاحنات محملة بنحو 2415 طناً من المساعدات الإنسانية الشاملة».


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».


ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended