روايات حرب السودان: لم أستطع حمل أي من أعمالي الفنية معي

الحركة التشكيلية السودانية... ضحية أخرى لـ«حرب الجنرالين»

داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
TT

روايات حرب السودان: لم أستطع حمل أي من أعمالي الفنية معي

داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)

فرّ العشرات من الفنانين والمعنيين بالأعمال الفنية من السودان، تاركين وراءهم استوديوهاتهم ومعارضهم في العاصمة؛ الأمر الذي يعرّض آلاف الأعمال الفنية للخطر، ويهدد مشهداً فنياً لعب دوراً محورياً في ثورة 2019.

فصباح اليوم الذي اشتعل فيه القتال بين القوى العسكرية المتناحرة في السودان، كان ياسر القريع في الاستوديو الخاص به وسط العاصمة الخرطوم، يستعد ليوم آخر من العمل، تحيطه الألوان ولوحات قماشية.

كان ذلك في الـ15 من أبريل (نيسان) ـ وخلال الأيام الثلاثة التي تلت ذلك، ظل القريع محاصراً داخل مرسمه، يتضور جوعاً ويعاني العطش الشديد، في ظل احتدام المعارك في شوارع الخرطوم.

وعلى مدار ساعات كل يوم، ظل القريع مختبئاً في حالة من الرعب، بينما اخترق الرصاص نوافذ المبنى، واهتزت الجدران تحت وقع قذائف ضربت المبنى بالخطأ. وعندما سادت أخيراً فترة وجيزة من الهدوء تسمح بالفرار، حرص القريع على اقتناصها، لكن بقلب مثقل.

عن ذلك، قال القريع (29 عاماً)، الذي فرّ تاركاً خلفه غيتاره المفضل وأكثر عن 300 لوحة مختلفة الأحجام «لم أستطع حمل أيّ من أعمالي الفنية معي أو متعلقاتي الشخصية. لقد حرمنا هذا الصراع من فننا وسلامنا، وتركنا اليوم ونحن نحاول الاحتفاظ بتعقلنا في خضم التشرد والموت».

عمل فني جديد للفنانة السودانية داليا عبد الإله بعشر... وهي تركت وراءها أكثر من عشرين لوحة قماشية كبيرة في شقتها في الخرطوم (نيويورك تايمز)

المشهد الفني تحت الحصار

القريع واحد من بين عشرات الفنانين السودانيين الذين فرّوا من استوديوهاتهم ومعارضهم، في الوقت الذي يعيث الجنرالان المتحاربان فساداً ودماراً بواحدة من أكبر الدول الإفريقية، وأهمها من الناحية الجيوسياسية.

وتسبب الصراع المشتعل بين الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، بمقتل المئات، وتشريد أكثر من مليون شخص، إضافة إلى حاجة أكثر من نصف سكان البلاد إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

وفي خضم هذا العنف المنفلت، يخشى كثيرون من أن تقضي الحرب على المشهد الفني المزدهر في العاصمة، والذي يقف خلفه بشكل أساسي فنانون شباب خرجوا من رحم ثورة عام 2019 الداعمة للديمقراطية، والذين كانوا قد بدأوا في جذب اهتمام إقليمي وعالمي.

وفي تصريحات لـ«نيويورك تايمز»، قال عشرات الفنانين والمعنيين بالفن من السودانيين، داخل السودان ومصر وكينيا، إنه ليست لديهم أدنى فكرة عن مصير منازلهم أو استوديوهاتهم أو معارضهم، والتي تضم في مجملها أعمالاً فنية تقدر قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات.

في هذا الصدد، قالت عزة ساتي، وهي مخرجة سودانية تعمل كذلك في مجال تنظيم المعارض الفنية «سيتحطم النظام البيئي الفني الإبداعي لبعض الوقت». وأضافت أن الفنانين «عاينوا حاجة الناس إلى التعبير عن أنفسهم، والشعور بالحياة والشعور بالتقدير»، معربة عن اعتقادها بأن الحرب أسفرت تدريجياً عن «محو هذا الصوت، وهذه الهوية».

سطو على الثروات الفنية والأثرية

وفي سياق متصل، دارت بعض أشرس المعارك في العاصمة داخل أحياء مثل الخرطوم2، حيث توجد أحدث المعارض الفنية في المدينة، أو في أحياء صاخبة مثل سوق العربي، حيث يوجد الاستوديو الخاص للقريع. في هذه المناطق، تتفشى أعمال السطو والنهب، ويلقي السكان باللوم على القوات شبه العسكرية التي أحكمت قبضتها على العاصمة على نحو متزايد.

ومع تعرض المتاحف والمباني التاريخية للهجوم والتدمير، يساور القلق كثيرين كذلك إزاء نهب الثروات الفنية والمواقع الأثرية في البلاد.

من جهتها، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) في بيان لها، أن متحف التاريخ الطبيعي في السودان، ومحفوظات جامعة أم درمان الأهلية تعرّضا لأضرار جسيمة وأعمال نهب.

الطيب ضو البيت... فنان سوداني داخل الاستوديو الخاص به في منزله بنيروبي (نيويورك تايمز)

حرب على الفن أيضاً

في هذا الصدد، قال الطيب ضو البيت، وهو فنان سوداني مخضرم مقيم في نيروبي «داخل الحرب، الحرب الفعلية، ثمة حرب أخرى تدور حول الفن». جدير بالذكر أن ضو البيت يملك أعمالاً فنية عدّة معروضة في صالات عرض سودانية، وأعرب عن خوفه من أن تتعرض المؤسسات الفنية والثقافية في السودان للنهب، مثلما حدث في العراق قبل عقدين.

وشدد على أن «الأعمال الفنية في حاجة إلى الحماية».

يذكر أنه بعد استقلال البلاد عن المملكة المتحدة عام 1956، تميز السودان بمشهد فني صاخب أنجب أسماء مشهورة، منها أحمد شبرين، وإبراهيم الصلحي وكمالا إبراهيم إسحاق. إلا أنه خلال فترة حكم الديكتاتور عمر حسن البشير، الممتدة لثلاثة عقود، عمد النظام إلى استغلال الرقابة والمراسيم الدينية والسجن للحد من التعبير الإبداعي؛ ما أجبر الكثير من الفنانين والموسيقيين على الفرار من البلاد.

بدأ هذا الوضع في التحول خلال ثورة 2019، عندما تدفق الفنانون الشباب إلى الشوارع لرسم الجداريات على الجدران والطرق، والمطالبة بحكم ديمقراطي. وعندما أطيح بالبشير في نهاية المطاف، في أبريل من ذلك العام، احتفل الفنانون بحريتهم الجديدة، وشرعوا في الرسم والنحت لالتقاط صورة للحياة الجديدة في السودان بعد الثورة.

ومن بين هؤلاء داليا عبد الإله بعشر (32 عاماً)، وهي فنانة علّمت نفسها بنفسها، واستقالت من وظيفة مدرسة فنون بعد الثورة لتعمل بدوام كامل على فنها. وتهتم اللوحات التي أبدعتها بعشر بالقمع الذي تعانيه المرأة داخل المجتمع السوداني. وعلى مر السنوات، جذبت أعمالها انتباه المعنيين بالفن في السودان ومصر وكينيا والولايات المتحدة.

وقبل أيام من اندلاع حرب السودان في أبريل، توجهت هي وعائلتها إلى مصر، في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك وعطلة العيد التالية.

وحزمت بعشر لوحات عدة صغيرة معها في رحلتها، على أمل بيعها، لكنها تركت أكثر عن عشرين لوحة كبيرة في المنزل.

وقالت خلال مقابلة بالفيديو من القاهرة «لا يمكنني أن أصف بالكلمات أو على قماش الرسم شعوري حيال هذه الحرب». وأضافت أن شقتها والحي الذي تعيش به في الخرطوم أصبحا مهجورين، وأنها لا تعرف مصير أي من ممتلكاتها.

وقالت «لا نزال نشعر بالصدمة والهلع. لم نتخيل أبداً أن هذا قد يحدث، وأننا سنفقد الحركة الفنية التي كنا نبنيها».

رحيم شداد المؤسس المشارك لمعرض «داون تاون غاليري» بالخرطوم (نيويورك تايمز)

حملة دعم للفنانين

وشاركها ألمها رحيم شداد، الذي ساهم خلال الأيام التي أعقبت الثورة في تأسيس معرض في وسط الخرطوم.

ويعمل شداد (27 عاماً)، مع أكثر عن 60 فناناً من جميع أرجاء السودان، وكان يخطط لإقامة معرض منفرد في الخرطوم لوليد محمد، وهو رسام يبلغ من العمر 23 عاماً.

وكان شداد قد انتهى لتوه من تنسيق وشحن الأعمال الفنية لمعرض من المقرر أن يسافر إلى الخارج، بعنوان «اضطراب في النيل». وسيتجول المعرض، الذي يبدأ في أواخر يونيو (حزيران)، في لشبونة ومدريد وباريس، وسيضم فنانين سودانيين من مختلف الأجيال.

إلا أنه منذ اشتعال القتال، تركز اهتمام شداد، حصراً، على ضمان سلامة الفنانين وأعمالهم الفنية.

في الوقت ذاته، هناك المئات من اللوحات والأعمال الفنية عالقة في «داون تاون غاليري» في الخرطوم2. علاوة على ذلك، أسفر الصراع عن استنزاف مدخرات الكثير من الفنانين وحرمهم من دخل منتظم، كان يأتي في الجزء الأكبر منه من المبيعات للأجانب ومسؤولي السفارات الذين جرى إجلاؤهم الآن.

وسعياً لمعاونة الفنانين وعائلاتهم، أطلق شداد، مع سودانيين معنيين بالأعمال الفنية، مثل ساتي، حملة تمويل جماعي هذا الشهر. كما يفكرون في كيفية نقل أعمال الفنانين إلى مكان آمن بمجرد أن يعم هدوء نسبي الخرطوم. ورغم وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام، والذي من المقرر أن ينتهي الاثنين، قال شداد إنه تناهى إلى علمه وقوع أعمال سطو وتحرش بالمدنيين الذين يغامرون بالعودة إلى المنطقة القريبة من معرضه.

وأضاف باكياً، خلال مقابلة هاتفية معه من القاهرة «يتعرض قلب المشهد الفني في السودان لهجوم خطير. إنه لمن المؤلم للغاية التفكير في أن العمل الشاق الذي قمنا به سيضيع».

الشغف في مواجهة الموت

إضافة إلى ذلك، حرم الصراع كثيراً من الفنانين من الوصول إلى مصدر إلهامهم.

من جانبه، هرب خالد عبد الرحمن، الذي تصوّر أعماله مناظر طبيعية لأحياء الخرطوم والمقابر الصوفية، من الاستوديو الخاص به في الخرطوم3 من دون لوحاته، وقال إنه كان يفكر في كيفية تأثير الصراع على رؤيته وإبداعاته المستقبلية.

وأضاف «لا يمكنني معرفة ذلك الآن. أنا حزين حقاً بشأن ما يجري».

ومع ذلك، فإنه في قلب الموت والنزوح اللذين يعصفان بالسودان، يرى فنانون أن هذه فترة أخرى في تاريخ أمتهم سيتعين عليهم توثيقها بطريقة أو بأخرى.

عن ذلك، قال القريع الذي يقيم حالياً في قرية شرق الخرطوم «هذه حقبة يجب أن ندرسها بعناية كي نتمكن من نقلها إلى الأجيال القادمة، وتعريفهم بما حدث للبلاد». وأضاف مؤكداً، أن «الشغف لن يموت أبداً»

* خدمة «نيويورك تايمز»



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.