«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

TT

«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

مشهد من مدينة أم درمان السودانية
مشهد من مدينة أم درمان السودانية

منذ بداية الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان)، اختفت الشرطة عن الأنظار وأُغلقت جميع أقسامها ودورها، لتتحول أحياء العاصمة وشوارعها وأسواقها إلى مرتع للعصابات، ما جعل السكان عرضة للنهب تحت تهديد السلاح دون حماية من السلطات.

ويشكو سكان من استشراء ظاهرة النهب بوتيرة متصاعدة خلال الأيام الماضية. ويقول مروان المكي، الذي يسكن حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري، أحد أرقى أحياء العاصمة، إن عصابات مسلحة اقتحمت منزله ونهبت كل ما بداخله، بما في ذلك ثلاث سيارات. وأضاف في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قوات (الدعم السريع)، التي تسيطر على مدينة بحري، لم توفر لنا الحماية من العصابات، ولم نرَ أثراً للشرطة، كما أن الجيش يقف متفرجاً»، مشيراً إلى وجود العديد من الحالات المماثلة بين جيرانه في الحي.

ودعا وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم أمس (الجمعة) ضباط وجنود الجيش المتقاعدين، القادرين على حمل السلاح، إلى التوجه لمقر أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم.

* الأيام الأولى للحرب

في الأيام الأولى لنشوب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، كان التاجر كمال آدم يجلس أمام دكانه في سوق أم درمان، الذي يبيع فيه العطور بالتجزئة، عندما فاجأته مجموعة ممن وصفهم بالمنفلتين، وانهالوا عليه ضرباً بالعصي والسواطير قبل أن ينهبوا دكانه ويلوذوا بالفرار.

كُسرت يد كمال اليمنى في ذلك الهجوم، وأصيب بكدمات وجروح بالغة في أجزاء متفرقة من جسده. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بهذه الحادثة فقدت بضاعتي وكل رأس مالي، لا وجود للشرطة لتسترد لي حقوقي، جميع أقسام الشرطة مغلقة ولا ندري أين ذهبوا، معظم التجار تعرضوا للنهب بهذه الطريقة».

وانتشرت مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أُطلق عليها «مفتاحك»، تتحدث عن سرقة مئات السيارات من أصحابها.

وطُلب من سكان في نقاط ارتكازات تابعة لقوات عسكرية دفع مبالغ نظير العبور. وأبلغ السوداني عوض الله محمد «وكالة أنباء العالم العربي» بأنه ورفقة معه أوقفتهم قوات عسكرية في نقطة تمركز لها أثناء عبورهم إلى شمال أم درمان بالقرب من جسر الحلفايا، وطالبوهم بدفع 150 ألف جنيه (نحو 163 دولاراً) (الدولار الأميركي = 570 جنيهاً سودانياً).

* نهب تحت تهديد السلاح

ويقول عدة أشخاص تعرضوا لاعتداءات من قوات عسكرية أو منفلتين، إن الدافع الأساسي كان النهب. من بين هؤلاء مختار السماني، الذي تسورت منزله مجموعة يبلغ عدد أفرادها ثمانية، جميعهم كانوا ملثمين ومدججين بالسلاح.

وقال جمعة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «تسورت المجموعة حائط منزلي بعد الثانية منتصف الليل، واقتحمت غرفة نومي بعد أن كسر أفرادها الأقفال. أحدهم كان يحمل كلاش (بندقية كلاشنيكوف) جعله في وضع الاستعداد، وناداني باسمي طالباً مفتاح الخزينة ومعرفة مكان ذهب زوجتي. أخذوا جميع أموالي وذهب زوجتي واستولوا على سيارتي».

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار سوى الاستسلام؛ فالمقاومة قد تكلفني حياتي، ووضعت في الحسبان أطفالي وزوجتي، الذين عاشوا في حالة رعب في تلك اللحظات».

* الوقود يُنهب أيضاً

أما أنس السيفي، الذي يقيم في منطقة الثورة غرب أم درمان، فقد حصل أخيراً على وقود من السوق السوداء بعد معاناة استمرت عدة أيام للتنقل وتلبية احتياجات أسرته؛ لكن أثناء عبوره إلى منزله اعترضته دورية عسكرية ونهبت الوقود بعد ترويعه.

وارتفع سعر الوقود في السوق السوداء إلى 20 ألف جنيه للغالون الواحد، في حين يبلغ سعره في محطات الوقود 3500 جنيه فقط.

يقول السيفي، الذي تحدث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «اشتريت الوقود بثمانين ألف جنيه بعد رحلة بحث مضنية؛ نهبوه في لمحة بصر، دون مراعاة للظروف التي نمر بها. توقفت أعمالنا بعد الحرب، والنقود التي بحوزتنا على وشك النفاد».

وتعرض حراس أمن في محطات وقود وبنوك ومواقع حيوية أخرى لاعتداءات، فقد بعضهم حياته بسببها، كما هو حال رقيب الشرطة السوداني إسماعيل كوكو، الذي أبلغت أرملته «وكالة أنباء العالم العربي» أنه قُتل بعد أسبوع من اندلاع الصراع في بنك بشرق الخرطوم كان يحرسه.

وأضافت: «لا نعلم أي شيء عن الحادثة، أو الجهة التي قتلته، ولم نتمكن من تشريح الجثمان. فقط، علمنا أنه تعرض لثلاث طعنات بآلة حادة أودت بحياته. دفناه وننتظر من الشرطة التحقيق في ملابسات مقتله».

وتعرضت معظم البنوك والمحال التجارية، سواء الواقعة في دائرة الاشتباكات أو المناطق الآمنة، للنهب على أيدي أشخاص يرتدون زي قوات «الدعم السريع» تارة، والزي المدني تارة أخرى.

ونفت قوات «الدعم السريع» مراراً صلتها بعمليات النهب، وتقول إنها كونت غرفة طوارئ لملاحقة من أسمتهم بالمخربين، وضبطت أكثر من مجموعة أشخاص ينهبون البيوت والمارة والبنوك والمحال التجارية، وينتحلون صفة قواتها.

لكن مهجة محمد، مديرة مستشفى التجاني الماحي، وهو أكبر مستشفى للأمراض النفسية والعقلية في البلاد، قالت في بيان إن قوات «الدعم السريع» تتمركز في المستشفى منذ بداية الحرب، وإنها احتلت المستشفى بعد تهديد أفراد النظام العام التابعين للشرطة المدنية بالقتل.

* قانون الغاب

ومع انتشار السلاح غير المقنن في أيدي العصابات بأحياء العاصمة، لجأ بعض السكان إلى اقتناء أسلحة نارية لحماية أنفسهم.

وقال أحد السكان، بعد أن طلب عدم نشر اسمه حرصاً على سلامته، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إنه قرر شراء سلاح ناري بعدما شعر بالخطر «المتمثل في زحف المتفلتين نحو الأحياء»، مؤكداً أنه لم يسبق له اقتناء سلاح، «لكن ظروف الحرب الحالية التي يمر بها السودان تُحتم على كل فرد أن يُدافع عن نفسه وأسرته».

ووصف أوضاع العاصمة بأنها باتت «أشبه بقانون الغاب... غياب القانون، وغياب الدولة، يجعل الإنسان غير آمن حتى في بيته. والبلد أصبح يدار بقانون الغابة، حيث القوي يأكل الضعيف. لكي لا أكون الطرف الضعيف، قررت أن أتسلح».

وأوضح أن الأسلحة باتت متوفرة بكثرة في ضواحي مدن العاصمة الثلاث، قائلاً إنه حصل على السلاح بمساعدة صديق له، استطاع توفيره من أحد تُجار الأسلحة غير الرسميين.

وأضاف: «كنت أمام خيارين بين أنواع الأسلحة، إما سلاح صوتي أو سلاح ناري؛ فاخترت الأخير لفاعليته في أغراض الحماية الشخصية... لم يأخذ أمر توفير السلاح زمناً طويلاً؛ فبعد يومين من طلبه استلمته من صديقي. على الرغم من أن سعر السلاح يكاد يوازي راتبي الشهري، فإنني أراه ضرورياً لحفظ حياتي وحياة أسرتي».

واستطرد قائلاً: «اضطررت لاستدانة المبلغ المالي الذي اشتريت به السلاح، وهو 300 ألف جنيه سوداني. على الرغم من أن ظروف الحرب تجبر الإنسان على ادخار أي مبلغ مالي للاستفادة منه في مصروفات المعيشة، فإن الأمن في قائمة أولوياتي».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

شمال افريقيا بعض أجزاء من المُسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني بولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

أعلن الجيش السوداني إسقاط مُسيرة استراتيجية بشمال كردفان، في حين أفاد «محامو الطوارئ» بقتل 15 مدنياً خلال قصف طائرة مُسيرة في بلدتين بولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

لم يقتصر الخراب الذي خلفته الحرب على تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية، بل امتد إلى أكثر رموز البلاد تعبيراً عن تاريخها وهويتها الثقافية متحف السودان القومي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجامعة العربية تُحذّر من كارثة إنسانية وشيكة في السودان

حذّرت جامعة الدول العربية من «كارثة إنسانية وشيكة» في مدينة الأبيض بالسودان، وقال أمينها العام نبيل فهمي إنه يتابع بقلق بالغ التطورات الخطيرة هناك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا امرأة وطفل سودانيان نازحان يسيران في مخيم العفاض الذي أُنشئ حديثاً بالضبعة - الولاية الشمالية 13 نوفمبر 2025 (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجمات «الدعم السريع» في غرب السودان تدمّر قرى وتهجّر الآلاف

أدّت سلسلة هجمات شنّتها «قوات الدعم السريع» السودانية قرب الحدود الغربية مع تشاد إلى تدمير عدد من القرى وتهجير آلاف الأشخاص، حسب ما أفاد ناجيان والأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)

أثار قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» تساؤلات بشأن العائد المتوقع من تقليص «قوائم مستحقي الدعم» وسط غياب الأرقام الرسمية، فيما ذهبت تقديرات لخبراء إلى توفير مليارات الجنيهات حال ضبط المنظومة.

كانت الحكومة قد قررت إرجاء تطبيق التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» الذي كان مقرراً تطبيقه مطلع يوليو (تموز) الجاري، وسط نقاشات موسعة في البلاد شأنه. كما تواصل وزارة التموين وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» بما فيها الموقف من «رغيف الخبز المدعم».

وتصاعدت حدة الجدل عقب حذف آلاف المواطنين من «بطاقات التموين». وأكد المتحدث باسم «التموين»، محمد كمال، أن الوزارة مستمرة في مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين. وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، أنه تم حذف نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم خلال الشهر الماضي.

ويزيد عدد المستفيدين من الدعم التمويني على 65 مليون مواطن، بحسب بيانات وزارة التموين.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد حنفي أن «حجم العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم يُمكن أن يصل إلى مليارات الجنيهات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التجاوزات وتسرب الدعم وتهريب السلع التموينية يمكن أن يوفر المليارات ويقلل الحاجة إلى الاقتراض من الخارج»، لكنه أشار إلى أنه لا توجد أرقام دقيقة للعائد من ضبط منظومة الدعم.

وزارة التموين تواصل وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ووفق متحدث وزارة التموين، فإن الحكومة حددت عدداً من معايير استحقاق الدعم، تعتمد على مجموعة من المؤشرات التي تعكس القدرة الاقتصادية للمواطن، بما يؤدي إلى حذفه من البطاقات التموينية إذا كان يمتلك سيارة تتجاوز قيمتها مليون جنيه (نحو 20 ألف دولار)، أو لديه حيازة زراعية تزيد على 10 أفدنة، أو أبناء بمدارس دولية أو خاصة.

وأكد أن هذه المعايير تستهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، منوهاً إلى أن باب التظلمات مفتوح أمام المواطنين من خلال مكاتب التموين، حيث يجري فحص كل طلب على حدة، وفي حال ثبوت استحقاق المواطن للدعم، يعاد إدراجه ضمن منظومة البطاقات التموينية.

ويرى رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، محمود العسقلاني، أن قاعدة البيانات الدقيقة للمواطنين تشكل عائقاً أمام تحديد مستحقي الدعم.

قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ضبط منظومة الدعم يُمكن أن يوفر مليارات الجنيهات من قيمة الدعم الذي لا يذهب إلى مستحقيه... لكن يجب أن تكون قواعد الاستحقاق منصفة وعادلة».

وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس: «الحكومة لا تسعى للتوفير بتقليص القوائم، بل تحاول أن تعيد توزيع مبلغ الدعم التمويني والخبز الشعبي على عدد أقل من المواطنين كي يكفي».

ويجري حالياً حوار مجتمعي يضم عدداً من لجان مجلس النواب ومسؤولي وزارة التموين ووزارات أخرى لوضع رؤية للتحول إلى الدعم النقدي، حسبما أفاد عضو مجلس النواب صقر عبد الفتاح.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من السابق لأوانه التكهن بمجريات الحوار؛ فكل يطرح رؤيته، ولن نوافق إلا على ما يحقق مصلحة المواطن».


وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

يقود وسطاء دوليون جولة جديدة بين فرقاء السياسة في الصومال للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، وسط أجواء غير مسبوقة من الصراع والخلافات على الانتخابات المباشرة وتطبيق الدستور الجديد الذي يمنح رئيس البلاد تمديد ولايته حتى عام 2027.

وهذه الجولة، التي تشهد وساطة من تركيا وسفراء دول غربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، تحمل، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فرصاً لحلحلة العقدة السياسية في الصومال، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات؛ أحدها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الخلافات الرئيسية.

وبحسب الموقع الإخباري «الصومال الجديد»، احتضنت العاصمة مقديشو محادثات سياسية حساسة بين الحكومة الفيدرالية وائتلاف «مجلس المستقبل» المعارض، بجدول أعمال يشمل كيفية إجراء الانتخابات واستكمال الدستور ومراجعته وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية السياسية في البلاد.

وقال مصدر صومالي مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن المحادثات تتواصل، الأربعاء، ومن المنتظر أن تنضم إليها، الخميس، ولايتا جوبالاند وبونتلاند المناوئتان للحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع الجلسة الختامية التي سيحضرها سفراء عدد من الدول الغربية، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن تلك المحادثات «محاولة لإحياء التوافق حول الملفات الخلافية التي عطلت المشهد السياسي خلال العام ونصف العام الماضيين»، مشيراً إلى أنها تأتي في ظل تحديات متزامنة تتصدرها الحرب المستمرة ضد حركة «الشباب»، إلى جانب الخلافات السياسية الداخلية المرتبطة بالتعديلات الدستورية، وشكل النظام الانتخابي، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات.

ويبرز في هذه الجولة، بحسب كلني، «دخول تركيا على خط الوساطة السياسية للمرة الأولى بهذا المستوى، حيث تشارك بوصفها وسيطاً وضامناً للحوار»، مؤكداً أن هذا تطور «يعكس اتساع دور أنقرة في الصومال بعد سنوات من الحضور العسكري والاقتصادي والتنموي، ويعزز انخراط الشركاء الغربيين في دعم جهود التوصل إلى تسوية سياسية بين الأطراف الصومالية».

ومن المتوقع أن تنصب المحادثات على ثلاثة ملفات رئيسية هي مستقبل الانتخابات المقبلة، وتسوية الخلاف حول التعديلات الدستورية، ورسم إطار توافقي لإدارة المرحلة السياسية المقبلة، بما يضمن تجنب مزيد من الانقسام بين الحكومة الفيدرالية والولايات والقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

وفي مايو (أيار) الماضي، لم تنجح جولة حوار استمرت ثلاثة أيام بين الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود والمعارضة، في التوصل لاتفاق، رغم الوساطة الغربية والأممية التي شهدتها المحادثات.

وتتلخص الخلافات في رفض المعارضة إجراء انتخابات مباشرة بالبلاد مع التمسك بالنظام القبلي، ورفض تطبيق الدستور اعتراضاً على بندي تقليص صلاحيات الأقاليم وتمديد فترة الرئاسة لمدة عام بحيث تنتهي في 15 مايو 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأعلنت المعارضة الصومالية عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ محمود، ودعت لمظاهرات أسبوعية في يونيو (حزيران) الماضي، شهد بعضها اشتباكات مسلحة غير مسبوقة بين موالين للحكومة وموالين للمعارضة.

ورغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت انطلاق الحوار الجديد، فإن فرص تحقيق اختراق سياسي لا تزال مرهونة بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، لا سيما في القضايا التي ظلت محل خلاف منذ إقرار البرلمان التعديلات الدستورية في مارس (آذار) الماضي، وما تبعها من اعتراضات واسعة من قوى المعارضة وبعض الإدارات الإقليمية.

ويعتقد أن انخراط تركيا في الوساطة هذه المرة يمنح المفاوضات زخماً إضافياً، نظراً للعلاقات التي تربطها بمختلف الأطراف الصومالية، لكن كلني أشار إلى أن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى استعداد القوى السياسية لتغليب خيار التسوية على حساب استمرار الاستقطاب.

وهو يرجح أن تسفر المحادثات عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ أولها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الانتخابات والاستحقاقات الدستورية ويمهد لإنهاء أزمة استمرت نحو 18 شهراً، بينما يقوم الثاني على تحقيق تفاهمات جزئية تؤجل القضايا الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة بما يحافظ على الحوار دون إنهاء أسباب الخلاف.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في تعثر المفاوضات واستمرار الانقسام السياسي، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود مكافحة الإرهاب، ويؤخر استكمال عملية بناء مؤسسات الدولة.

ويضيف كلني: «ستظل مخرجات تلك الجولة اختباراً حاسماً لقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها، وإعادة إنتاج توافق وطني يوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط المرحلة الأمنية، في ظل استحقاقات سياسية وأمنية متسارعة تواجهها البلاد».


تونسيون يعانون من بطالة طويلة يطالبون بتسريع توظيفهم

من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
TT

تونسيون يعانون من بطالة طويلة يطالبون بتسريع توظيفهم

من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)

طالب متظاهرون تونسيون من بين خريجي الجامعات، ممن طالت مدة بطالتهم في احتجاج اليوم الأربعاء، بتسريع تطبيق قانون صدر منذ أشهر ينص على انتدابهم على دفعات.

وحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد احتشد المحتجون في محيط مقر الحكومة بالقصبة في العاصمة التونسية، وسط جو حار، رافعين شعارات تطالب بتوظيفهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام. وردد محتجون غاضبون، غالبيتهم في سن الأربعينات، «انتداب لا تراجع لا انسحاب»، و«لا منابر لا خطب الشوارع والغضب» و«شغل حرية كرامة وطنية».

ووصل المتظاهرون من عدة ولايات إلى وسط العاصمة قبل الانطلاق في مسيرة إلى ساحة القصبة. لكن قوات الأمن حالت دون تقدمهم لمسافة أقرب إلى مقر الحكومة. ويطالب العاطلون، وأغلبهم من طالت مدة بطالتهم لأكثر من عشر سنوات، بتسريع تفعيل قانون صادق عليه البرلمان ونشر بالجريدة الرسمية في ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويفرض القانون ترتيبات تتعلق بإطلاق منصة رقمية لتسجيل المترشحين إلى الوظائف، وتحديد معايير لأولوية التوظيف، مثل السن والوضع الاجتماعي وسنة التخرج الجامعي. كما ينص على البدء بعمليات التوظيف على دفعات في غضون ثلاث سنوات من تاريخ صدور القانون. لكن المحتجون يقولون إن التوظيف للدفعة الأولى لم يبدأ فعلياً. وقالت متحدثة وسط الحشود: «اليوم غايتنا واحدة وهي التشغيل اللائق. هذه رسالة إلى السلطة بأن تكف عن التسويف والمماطلة. أوجه نداء إلى الرئيس قيس سعيد بأن يوضع هذا الملف فوق الطاولة وليس بين الرفوف».

ويمثل خلق فرص عمل للعاطلين وخريجي الجامعات أحد أكبر التحديات أمام الحكومة في تونس، مع انحسار التوظيف في الوظيفة العمومية لعدة سنوات بسبب أزمة المالية العمومية.

وتبلغ نسبة البطالة في تونس وفق آخر تحديث 15 في المائة، بينما تتجاوز 24 في المائة في صفوف خريجي الجامعات. ويغادر البلاد نحو 30 ألف شخص سنوياً، وبينهم كوادر وأطباء ومهندسون وعمال، إلى الخارج للبحث عن فرص عمل، وفق بيانات المرصد الوطني للهجرة.