«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

TT

«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

مشهد من مدينة أم درمان السودانية
مشهد من مدينة أم درمان السودانية

منذ بداية الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان)، اختفت الشرطة عن الأنظار وأُغلقت جميع أقسامها ودورها، لتتحول أحياء العاصمة وشوارعها وأسواقها إلى مرتع للعصابات، ما جعل السكان عرضة للنهب تحت تهديد السلاح دون حماية من السلطات.

ويشكو سكان من استشراء ظاهرة النهب بوتيرة متصاعدة خلال الأيام الماضية. ويقول مروان المكي، الذي يسكن حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري، أحد أرقى أحياء العاصمة، إن عصابات مسلحة اقتحمت منزله ونهبت كل ما بداخله، بما في ذلك ثلاث سيارات. وأضاف في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قوات (الدعم السريع)، التي تسيطر على مدينة بحري، لم توفر لنا الحماية من العصابات، ولم نرَ أثراً للشرطة، كما أن الجيش يقف متفرجاً»، مشيراً إلى وجود العديد من الحالات المماثلة بين جيرانه في الحي.

ودعا وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم أمس (الجمعة) ضباط وجنود الجيش المتقاعدين، القادرين على حمل السلاح، إلى التوجه لمقر أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم.

* الأيام الأولى للحرب

في الأيام الأولى لنشوب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، كان التاجر كمال آدم يجلس أمام دكانه في سوق أم درمان، الذي يبيع فيه العطور بالتجزئة، عندما فاجأته مجموعة ممن وصفهم بالمنفلتين، وانهالوا عليه ضرباً بالعصي والسواطير قبل أن ينهبوا دكانه ويلوذوا بالفرار.

كُسرت يد كمال اليمنى في ذلك الهجوم، وأصيب بكدمات وجروح بالغة في أجزاء متفرقة من جسده. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بهذه الحادثة فقدت بضاعتي وكل رأس مالي، لا وجود للشرطة لتسترد لي حقوقي، جميع أقسام الشرطة مغلقة ولا ندري أين ذهبوا، معظم التجار تعرضوا للنهب بهذه الطريقة».

وانتشرت مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أُطلق عليها «مفتاحك»، تتحدث عن سرقة مئات السيارات من أصحابها.

وطُلب من سكان في نقاط ارتكازات تابعة لقوات عسكرية دفع مبالغ نظير العبور. وأبلغ السوداني عوض الله محمد «وكالة أنباء العالم العربي» بأنه ورفقة معه أوقفتهم قوات عسكرية في نقطة تمركز لها أثناء عبورهم إلى شمال أم درمان بالقرب من جسر الحلفايا، وطالبوهم بدفع 150 ألف جنيه (نحو 163 دولاراً) (الدولار الأميركي = 570 جنيهاً سودانياً).

* نهب تحت تهديد السلاح

ويقول عدة أشخاص تعرضوا لاعتداءات من قوات عسكرية أو منفلتين، إن الدافع الأساسي كان النهب. من بين هؤلاء مختار السماني، الذي تسورت منزله مجموعة يبلغ عدد أفرادها ثمانية، جميعهم كانوا ملثمين ومدججين بالسلاح.

وقال جمعة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «تسورت المجموعة حائط منزلي بعد الثانية منتصف الليل، واقتحمت غرفة نومي بعد أن كسر أفرادها الأقفال. أحدهم كان يحمل كلاش (بندقية كلاشنيكوف) جعله في وضع الاستعداد، وناداني باسمي طالباً مفتاح الخزينة ومعرفة مكان ذهب زوجتي. أخذوا جميع أموالي وذهب زوجتي واستولوا على سيارتي».

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار سوى الاستسلام؛ فالمقاومة قد تكلفني حياتي، ووضعت في الحسبان أطفالي وزوجتي، الذين عاشوا في حالة رعب في تلك اللحظات».

* الوقود يُنهب أيضاً

أما أنس السيفي، الذي يقيم في منطقة الثورة غرب أم درمان، فقد حصل أخيراً على وقود من السوق السوداء بعد معاناة استمرت عدة أيام للتنقل وتلبية احتياجات أسرته؛ لكن أثناء عبوره إلى منزله اعترضته دورية عسكرية ونهبت الوقود بعد ترويعه.

وارتفع سعر الوقود في السوق السوداء إلى 20 ألف جنيه للغالون الواحد، في حين يبلغ سعره في محطات الوقود 3500 جنيه فقط.

يقول السيفي، الذي تحدث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «اشتريت الوقود بثمانين ألف جنيه بعد رحلة بحث مضنية؛ نهبوه في لمحة بصر، دون مراعاة للظروف التي نمر بها. توقفت أعمالنا بعد الحرب، والنقود التي بحوزتنا على وشك النفاد».

وتعرض حراس أمن في محطات وقود وبنوك ومواقع حيوية أخرى لاعتداءات، فقد بعضهم حياته بسببها، كما هو حال رقيب الشرطة السوداني إسماعيل كوكو، الذي أبلغت أرملته «وكالة أنباء العالم العربي» أنه قُتل بعد أسبوع من اندلاع الصراع في بنك بشرق الخرطوم كان يحرسه.

وأضافت: «لا نعلم أي شيء عن الحادثة، أو الجهة التي قتلته، ولم نتمكن من تشريح الجثمان. فقط، علمنا أنه تعرض لثلاث طعنات بآلة حادة أودت بحياته. دفناه وننتظر من الشرطة التحقيق في ملابسات مقتله».

وتعرضت معظم البنوك والمحال التجارية، سواء الواقعة في دائرة الاشتباكات أو المناطق الآمنة، للنهب على أيدي أشخاص يرتدون زي قوات «الدعم السريع» تارة، والزي المدني تارة أخرى.

ونفت قوات «الدعم السريع» مراراً صلتها بعمليات النهب، وتقول إنها كونت غرفة طوارئ لملاحقة من أسمتهم بالمخربين، وضبطت أكثر من مجموعة أشخاص ينهبون البيوت والمارة والبنوك والمحال التجارية، وينتحلون صفة قواتها.

لكن مهجة محمد، مديرة مستشفى التجاني الماحي، وهو أكبر مستشفى للأمراض النفسية والعقلية في البلاد، قالت في بيان إن قوات «الدعم السريع» تتمركز في المستشفى منذ بداية الحرب، وإنها احتلت المستشفى بعد تهديد أفراد النظام العام التابعين للشرطة المدنية بالقتل.

* قانون الغاب

ومع انتشار السلاح غير المقنن في أيدي العصابات بأحياء العاصمة، لجأ بعض السكان إلى اقتناء أسلحة نارية لحماية أنفسهم.

وقال أحد السكان، بعد أن طلب عدم نشر اسمه حرصاً على سلامته، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إنه قرر شراء سلاح ناري بعدما شعر بالخطر «المتمثل في زحف المتفلتين نحو الأحياء»، مؤكداً أنه لم يسبق له اقتناء سلاح، «لكن ظروف الحرب الحالية التي يمر بها السودان تُحتم على كل فرد أن يُدافع عن نفسه وأسرته».

ووصف أوضاع العاصمة بأنها باتت «أشبه بقانون الغاب... غياب القانون، وغياب الدولة، يجعل الإنسان غير آمن حتى في بيته. والبلد أصبح يدار بقانون الغابة، حيث القوي يأكل الضعيف. لكي لا أكون الطرف الضعيف، قررت أن أتسلح».

وأوضح أن الأسلحة باتت متوفرة بكثرة في ضواحي مدن العاصمة الثلاث، قائلاً إنه حصل على السلاح بمساعدة صديق له، استطاع توفيره من أحد تُجار الأسلحة غير الرسميين.

وأضاف: «كنت أمام خيارين بين أنواع الأسلحة، إما سلاح صوتي أو سلاح ناري؛ فاخترت الأخير لفاعليته في أغراض الحماية الشخصية... لم يأخذ أمر توفير السلاح زمناً طويلاً؛ فبعد يومين من طلبه استلمته من صديقي. على الرغم من أن سعر السلاح يكاد يوازي راتبي الشهري، فإنني أراه ضرورياً لحفظ حياتي وحياة أسرتي».

واستطرد قائلاً: «اضطررت لاستدانة المبلغ المالي الذي اشتريت به السلاح، وهو 300 ألف جنيه سوداني. على الرغم من أن ظروف الحرب تجبر الإنسان على ادخار أي مبلغ مالي للاستفادة منه في مصروفات المعيشة، فإن الأمن في قائمة أولوياتي».


مقالات ذات صلة

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

شمال افريقيا موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

سيطر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في حين سيطرت «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي في إقليم النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

مقتل ضابطين بالجيش المصري في حملة لمكافحة التنقيب عن الذهب على الحدود الجنوبية

عناصر من الجيش المصري (رويترز - أرشيفية)
عناصر من الجيش المصري (رويترز - أرشيفية)
TT

مقتل ضابطين بالجيش المصري في حملة لمكافحة التنقيب عن الذهب على الحدود الجنوبية

عناصر من الجيش المصري (رويترز - أرشيفية)
عناصر من الجيش المصري (رويترز - أرشيفية)

قال المتحدث العسكري، الخميس، إن ضابطين في الجيش المصري قُتلا خلال حملة عسكرية تستهدف عمليات تنقيب غير قانونية عن الذهب على الحدود الجنوبية، مضيفاً أن الحملة تهدف إلى بسط السيادة المصرية على كامل أراضيها.

وأوضح المتحدث على «فيسبوك»: «استشهاد رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية ورئيس عمليات كتيبة خلال التصدي للتنقيب غير المشروع عن الذهب».


اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)
موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)
TT

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)
موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

شهد إقليما كردفان والنيل الأزرق في السودان تطورات ميدانية متزامنة، إذ أفادت مصادر بسيطرة الجيش والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في مقابل سيطرة «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي بإقليم النيل الأزرق.

وذكرت منصات موالية للجيش أن قواته دخلت البلدتين الواقعتين على الطريق المؤدي إلى جنوب كردفان، عقب انسحاب «قوات الدعم السريع» منهما دون اشتباكات، فيما لم يتسنَّ التحقق من النطاق الكامل للانتشار العسكري الجديد أو الوقوف على ملابسات الانسحاب.

وجاء إعلان الجيش وحلفائه في غرب كردفان بعد يوم من إعلان سيطرته على بلدة أم مراحيك قبل يومين في شمال غربي كردفان، وهو ما نسبته وكالة «الأناضول» إلى محمد ديدان، الذي عرفته بأنه المتحدث باسم «قوات العمل الخاص» في إقليم كردفان، وأنه أكد السيطرة على المنطقة بعد معارك ضد «قوات الدعم السريع»، فيما نشر مقاتلون من الجيش والقوة المشتركة المساندة له مقاطع قالوا إنها توثق دخولهم البلدة.

وقال ديدان، في إفادة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، الأربعاء، إن الجيش والقوة المشتركة والتشكيلات المساندة له نفّذوا، خلال 48 ساعة، عمليات تمشيط شملت أكثر من 35 قرية وموقعاً، ووصلوا إلى تخوم بلدة عيال بخيت. وأوضح أن العمليات أسفرت عن الاستيلاء على عشرات المركبات وأسر عدد من عناصر «قوات الدعم السريع».

مدينة الأُبيّض

حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

وتقع هذه التحركات ضمن جبهة تمتد غرب مدينة الأُبيّض وشمالها، باتجاه الحدود الغربية لإقليم كردفان. وكان الجيش قد وسَّع نطاق سيطرته في شمال كردفان خلال الأشهر الماضية، باستعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وسودري والمزروب، إلى جانب مواقع على الطرق البرية التي تربط بينها، وفي مقدمتها الطريق الرابط بين أم درمان، في العاصمة الخرطوم، والأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان.

وحافظ الجيش على سيطرته على مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، واسترد مدينتي أم روابة والرهد، إلى جانب مدن ومواقع في شمال الولاية وشرقها.

وكانت «قوات الدعم السريع» تتمركز في مواقع غرب مدينة الأبيض وجنوبها، من بينها محورا كازقيل وأبو قعود، قبل ورود إفادات جديدة بشأن دخول الجيش إليهما.

وفي ولاية غرب كردفان، لا تزال «قوات الدعم السريع» تفرض سيطرتها على معظم المدن الرئيسية، ومن بينها الفولة والنهود والمجلد وأبو زبد والخوي، في حين تتركز التحركات العسكرية الأخيرة للجيش على محاور تمتد إلى داخل الولاية انطلاقاً من شمال كردفان.

أما في جنوب كردفان، فتتوزع مناطق النفوذ بين الجيش و«الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى جانب المجموعات المتحالفة مع «قوات الدعم السريع». ففي حين يُسيطر الجيش على مدن كادوقلي والدلنج وأبو جبيهة وتلودي وهبيلا ومناطق محيطة بها، تسيطر «الحركة الشعبية» على بلدة كاودا ومساحات واسعة من جبال النوبة، فيما تسيطر «قوات الدعم السريع» على مدينة الدبيبات، وتنتشر في عدد من المواقع والمحاور الأخرى بالولاية.

وشهد محيط الدلنج، ثاني مدن الولاية، عمليات جديدة خلال الأيام الماضية، إذ أفادت مصادر عسكرية بسيطرة الجيش على خور ورل، جنوب شرقي المدينة، ونشرت عناصر عسكرية مقاطع قالت إنها توثق دخول المنطقة، بالتزامن مع قصف مدفعي وتبادل لإطلاق النار حول المدينة.

إقليم النيل الأزرق

عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

وفي إقليم النيل الأزرق، أعلنت «قوات الدعم السريع» استعادة منطقة بكوري، وقالت منصات موالية لها إنها تتقدم باتجاه بلدة دندرو، وذلك بعد يوم من إعلان الجيش صد هجوم على البلدة التي كانت قد استعادها في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أن سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» في أغسطس (آب) الماضي.

وسبقت هذه التطورات سيطرة هذه القوات نفسها على بلدة سالي الاستراتيجية يوم الثلاثاء، وأظهرت مقاطع فيديو مقاتلين داخل البلدة.

وظلت مدينتا الكرمك وقيسان وبلدة سركم تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية»، مع احتفاظ الجيش بمواقع قريبة من هذه المناطق، في حين تحتفظ «الحركة الشعبية» بسيطرتها على بلدة يابوس، أحد معاقلها قرب الحدود مع إثيوبيا وجمهورية جنوب السودان.

وفي محافظة باو، تشير التقارير إلى أن «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» تسيطران على بلدة ملكن، فيما كان الجيش وحلفاؤه قد صدوا هجوماً على بلدات السلك خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين.

وتبقى مدن الدمازين والرصيرص وود الماحي والتضامن ضمن نطاق سيطرة الحكومة، رغم أن الدمازين تعرّضت لهجمات مكثفة بالمسيّرات خلال ليل الثلاثاء وفجر الأربعاء.

وذكرت تقارير محلية أن تلك الهجمات أوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين، وألحقت أضراراً بمنازل، في حين ظلت الدمازين والرصيرص تستقبلان آلاف الأسر الفارة من مناطق القتال في الإقليم.


النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)
لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)
TT

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)
لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي ربطت فيه إثيوبيا التفاهم مع مصر بشأن مياه النيل، بشرط مساعدة الأخيرة لها في الحصول على منفذ بحري، قال مصدر رسمي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة لا تتعاطى مع مثل هذه الأحاديث»، مشدداً على موقف بلاده الثابت، والذي عبرت عنه في الاجتماع الرباعي الأخير بين وزراء خارجية ومياه مصر والسودان، والرافض لـ«أي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها».

والاثنين الماضي، عَقد في القاهرة وزراءُ الخارجية والري بمصر والسودان، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

وشدد الجانبان على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل. كما اتفق الجانبان على أن سد النهضة الإثيوبي «تترتب عليه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان خلال الاجتماع الرباعي «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدُوَلِه المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان كذلك على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

لكن وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، طالب مصر بالمساهمة في بناء السدود الجديدة التي تعتزم بلاده إقامتها على روافد النيل، داعياً القاهرة إلى دعم مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، باعتبار أن ذلك قد يفتح الباب أمام تفاهمات بشأن مياه النيل.

وقال الوزير، في تصريحات مصورة، الخميس، إن «على مصر أن تسهم بإيجابية في تحقيق مشاريعنا التنموية، والمساهمة أيضاً في بناء السدود الجديدة التي نبنيها». وأوضح أن الأولوية الحالية لبلاده لم تعد تتركز على السدود، بعد الانتهاء من بناء سد النهضة، بل على تحقيق هدف الحصول على منفذ بحري بالوسائل السلمية.

وأضاف: «على مصر التوقف عن شن الحملات الإعلامية ضد إثيوبيا»، مؤكداً أن تلك الحملات لن تحول دون تحقيق أهداف بلاده. وتابع: «يجب أن تسهم مصر في حصول إثيوبيا على منفذ بحري، حينها ستكون هناك فرصة لخلق تفاهم فيما يخص ملف مياه النيل».

وعلق عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري على تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي، قائلاً: «هذا ابتزاز ومساس بالأمن القومي المصري، وأمن مضيق باب المندب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك 15 دولة أفريقية لا منفذ لها على البحر، فإذا كانت السلطة الشرعية في الصومال ترفض ذلك، فسيصبح الأمر اعتداء على السلطة الصومالية الرافضة للاتفاق المشبوه بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي».

اجتماع رباعي في القاهرة لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان أكد رفض وصول إثيوبيا للبحر الأحمر عبر «أرض الصومال» (الخارجية المصرية)

وعن عرض إثيوبيا التفاهم حول سد النهضة ومياه النيل مقابل مساعدة القاهرة لها في الحصول على المنفذ البحري، أوضح بكري أن «مصر لن تقبل بالابتزاز، والموقف المصري معلن ورافض لذلك، والمقايضة بمياه نهر النيل تتنافى مع الحقوق التاريخية والاتفاقات الدولية التي تحفظ حقوق مصر المائية».

ونوه إلى أن تصريحات الوزير الإثيوبي «تكشف للجميع عن أن مصر رقم صعب في المعادلة، ولا يمكن عمل شيء دون إرادتها، وقد أعلنت مصر موقفها الرافض؛ لأن ذلك يمس أمنها القومي، ولكن هذا الموقف الرافض يخص الصومال بالأساس».

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

كما تسعى إثيوبيا الحبيسة للوصول إلى البحر الأحمر، وعقدت اتفاقاً مع أرض الصومال للحصول على ميناء بها، وهو ما رفضه الصومال ووصفه بالاتفاق الباطل؛ لأنه معقود مع سلطة انفصالية وغير شرعية، وتضامنت مصر والسودان مع الصومال في ذلك الرفض.

من جانبه، وصف خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي بـ«الاستفزازية»، وقال: «بها استعراض مرفوض للقوة، وكأنه يقول نحن انتصرنا في ملف سد النهضة وفعلنا ما نريد، والآن ننتقل إلى ملف الوصول للبحر الأحمر».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الوصول إلى البحر الأحمر عبر صومالي لاند مسألة يرفضها الصومال؛ لأنها اعتداء على سيادته وأرضه»، مشيراً إلى أن «هذا الخطاب موجه للداخل الإثيوبي وللقارة السمراء بتصوير أن مصر هي التي تعرقل التنمية، وكذلك يربط قضية النهر بالبحر، وكأنه يقول إن سد النهضة أصبح أمراً واقعاً، ولن تستطيع مصر تغييره وعليها التفاهم حوله مع أديس أبابا مقابل شروط إثيوبية».