«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

TT

«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

مشهد من مدينة أم درمان السودانية
مشهد من مدينة أم درمان السودانية

منذ بداية الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان)، اختفت الشرطة عن الأنظار وأُغلقت جميع أقسامها ودورها، لتتحول أحياء العاصمة وشوارعها وأسواقها إلى مرتع للعصابات، ما جعل السكان عرضة للنهب تحت تهديد السلاح دون حماية من السلطات.

ويشكو سكان من استشراء ظاهرة النهب بوتيرة متصاعدة خلال الأيام الماضية. ويقول مروان المكي، الذي يسكن حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري، أحد أرقى أحياء العاصمة، إن عصابات مسلحة اقتحمت منزله ونهبت كل ما بداخله، بما في ذلك ثلاث سيارات. وأضاف في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قوات (الدعم السريع)، التي تسيطر على مدينة بحري، لم توفر لنا الحماية من العصابات، ولم نرَ أثراً للشرطة، كما أن الجيش يقف متفرجاً»، مشيراً إلى وجود العديد من الحالات المماثلة بين جيرانه في الحي.

ودعا وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم أمس (الجمعة) ضباط وجنود الجيش المتقاعدين، القادرين على حمل السلاح، إلى التوجه لمقر أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم.

* الأيام الأولى للحرب

في الأيام الأولى لنشوب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، كان التاجر كمال آدم يجلس أمام دكانه في سوق أم درمان، الذي يبيع فيه العطور بالتجزئة، عندما فاجأته مجموعة ممن وصفهم بالمنفلتين، وانهالوا عليه ضرباً بالعصي والسواطير قبل أن ينهبوا دكانه ويلوذوا بالفرار.

كُسرت يد كمال اليمنى في ذلك الهجوم، وأصيب بكدمات وجروح بالغة في أجزاء متفرقة من جسده. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بهذه الحادثة فقدت بضاعتي وكل رأس مالي، لا وجود للشرطة لتسترد لي حقوقي، جميع أقسام الشرطة مغلقة ولا ندري أين ذهبوا، معظم التجار تعرضوا للنهب بهذه الطريقة».

وانتشرت مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أُطلق عليها «مفتاحك»، تتحدث عن سرقة مئات السيارات من أصحابها.

وطُلب من سكان في نقاط ارتكازات تابعة لقوات عسكرية دفع مبالغ نظير العبور. وأبلغ السوداني عوض الله محمد «وكالة أنباء العالم العربي» بأنه ورفقة معه أوقفتهم قوات عسكرية في نقطة تمركز لها أثناء عبورهم إلى شمال أم درمان بالقرب من جسر الحلفايا، وطالبوهم بدفع 150 ألف جنيه (نحو 163 دولاراً) (الدولار الأميركي = 570 جنيهاً سودانياً).

* نهب تحت تهديد السلاح

ويقول عدة أشخاص تعرضوا لاعتداءات من قوات عسكرية أو منفلتين، إن الدافع الأساسي كان النهب. من بين هؤلاء مختار السماني، الذي تسورت منزله مجموعة يبلغ عدد أفرادها ثمانية، جميعهم كانوا ملثمين ومدججين بالسلاح.

وقال جمعة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «تسورت المجموعة حائط منزلي بعد الثانية منتصف الليل، واقتحمت غرفة نومي بعد أن كسر أفرادها الأقفال. أحدهم كان يحمل كلاش (بندقية كلاشنيكوف) جعله في وضع الاستعداد، وناداني باسمي طالباً مفتاح الخزينة ومعرفة مكان ذهب زوجتي. أخذوا جميع أموالي وذهب زوجتي واستولوا على سيارتي».

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار سوى الاستسلام؛ فالمقاومة قد تكلفني حياتي، ووضعت في الحسبان أطفالي وزوجتي، الذين عاشوا في حالة رعب في تلك اللحظات».

* الوقود يُنهب أيضاً

أما أنس السيفي، الذي يقيم في منطقة الثورة غرب أم درمان، فقد حصل أخيراً على وقود من السوق السوداء بعد معاناة استمرت عدة أيام للتنقل وتلبية احتياجات أسرته؛ لكن أثناء عبوره إلى منزله اعترضته دورية عسكرية ونهبت الوقود بعد ترويعه.

وارتفع سعر الوقود في السوق السوداء إلى 20 ألف جنيه للغالون الواحد، في حين يبلغ سعره في محطات الوقود 3500 جنيه فقط.

يقول السيفي، الذي تحدث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «اشتريت الوقود بثمانين ألف جنيه بعد رحلة بحث مضنية؛ نهبوه في لمحة بصر، دون مراعاة للظروف التي نمر بها. توقفت أعمالنا بعد الحرب، والنقود التي بحوزتنا على وشك النفاد».

وتعرض حراس أمن في محطات وقود وبنوك ومواقع حيوية أخرى لاعتداءات، فقد بعضهم حياته بسببها، كما هو حال رقيب الشرطة السوداني إسماعيل كوكو، الذي أبلغت أرملته «وكالة أنباء العالم العربي» أنه قُتل بعد أسبوع من اندلاع الصراع في بنك بشرق الخرطوم كان يحرسه.

وأضافت: «لا نعلم أي شيء عن الحادثة، أو الجهة التي قتلته، ولم نتمكن من تشريح الجثمان. فقط، علمنا أنه تعرض لثلاث طعنات بآلة حادة أودت بحياته. دفناه وننتظر من الشرطة التحقيق في ملابسات مقتله».

وتعرضت معظم البنوك والمحال التجارية، سواء الواقعة في دائرة الاشتباكات أو المناطق الآمنة، للنهب على أيدي أشخاص يرتدون زي قوات «الدعم السريع» تارة، والزي المدني تارة أخرى.

ونفت قوات «الدعم السريع» مراراً صلتها بعمليات النهب، وتقول إنها كونت غرفة طوارئ لملاحقة من أسمتهم بالمخربين، وضبطت أكثر من مجموعة أشخاص ينهبون البيوت والمارة والبنوك والمحال التجارية، وينتحلون صفة قواتها.

لكن مهجة محمد، مديرة مستشفى التجاني الماحي، وهو أكبر مستشفى للأمراض النفسية والعقلية في البلاد، قالت في بيان إن قوات «الدعم السريع» تتمركز في المستشفى منذ بداية الحرب، وإنها احتلت المستشفى بعد تهديد أفراد النظام العام التابعين للشرطة المدنية بالقتل.

* قانون الغاب

ومع انتشار السلاح غير المقنن في أيدي العصابات بأحياء العاصمة، لجأ بعض السكان إلى اقتناء أسلحة نارية لحماية أنفسهم.

وقال أحد السكان، بعد أن طلب عدم نشر اسمه حرصاً على سلامته، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إنه قرر شراء سلاح ناري بعدما شعر بالخطر «المتمثل في زحف المتفلتين نحو الأحياء»، مؤكداً أنه لم يسبق له اقتناء سلاح، «لكن ظروف الحرب الحالية التي يمر بها السودان تُحتم على كل فرد أن يُدافع عن نفسه وأسرته».

ووصف أوضاع العاصمة بأنها باتت «أشبه بقانون الغاب... غياب القانون، وغياب الدولة، يجعل الإنسان غير آمن حتى في بيته. والبلد أصبح يدار بقانون الغابة، حيث القوي يأكل الضعيف. لكي لا أكون الطرف الضعيف، قررت أن أتسلح».

وأوضح أن الأسلحة باتت متوفرة بكثرة في ضواحي مدن العاصمة الثلاث، قائلاً إنه حصل على السلاح بمساعدة صديق له، استطاع توفيره من أحد تُجار الأسلحة غير الرسميين.

وأضاف: «كنت أمام خيارين بين أنواع الأسلحة، إما سلاح صوتي أو سلاح ناري؛ فاخترت الأخير لفاعليته في أغراض الحماية الشخصية... لم يأخذ أمر توفير السلاح زمناً طويلاً؛ فبعد يومين من طلبه استلمته من صديقي. على الرغم من أن سعر السلاح يكاد يوازي راتبي الشهري، فإنني أراه ضرورياً لحفظ حياتي وحياة أسرتي».

واستطرد قائلاً: «اضطررت لاستدانة المبلغ المالي الذي اشتريت به السلاح، وهو 300 ألف جنيه سوداني. على الرغم من أن ظروف الحرب تجبر الإنسان على ادخار أي مبلغ مالي للاستفادة منه في مصروفات المعيشة، فإن الأمن في قائمة أولوياتي».


مقالات ذات صلة

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

حمّل رئيس حكومة «تأسيس» المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية مسؤولية إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي «محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

تشهد رحلات العودة الطوعية للسودانيين من مصر إلى بلادهم، زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
TT

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت، الخميس، مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، جنوب وسط السودان، وأسفرت عن مقتل 7 وجرح عدد من الأشخاص، في حين نفت «قوات الدعم السريع» المتهمة بتنفيذ الغارة، أي صلة لها بالهجوم.

وقالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أدّى إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين، من بينهم طبيب وطبيبة، ووصفت الحادث بأنه «تصعيد خطير» في وتيرة الاعتداءات التي تهدد النظام الصحي في البلاد. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيّرة نفّذت غارتين بفارق زمني قصير، استهدفت الأولى مبنى المستشفى بشكل مباشر، بينما وقعت الثانية خلال محاولة السكان إسعاف الضحايا وإجلائهم، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى. وبحسب الشهود، فقد قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص من أسرة واحدة، إلى جانب العمدة إبراهيم حامد، أحد زعماء القبائل في إقليم شمال كردفان.

«الخارجية» تدين

وأدانت وزارة الخارجية السودانية، بأشد العبارات، ما وصفته بـ«الهجوم الإرهابي الغادر» الذي قالت إن «قوات الدعم السريع» نفّذته بطائرة مسيّرة، مستهدفة المستشفى الوحيد في مدينة الجبلين، الذي يقدم خدماته لسكان المنطقة. وقالت الوزارة، في بيان صحافي، صدر في وقت متأخر من مساء الخميس، إن الهجوم يمثل «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية»، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم أطفال وكوادر طبية، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من المستشفى ومعداته. وأضافت أن القصف تزامن مع انطلاق حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على تعمد منفذي الهجوم إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر بين المدنيين. ودعت الخارجية السودانية المجتمع الدولي إلى إدانة ما جرى، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مجددة مطالبتها بتصنيف «قوات الدعم السريع» منظمة إرهابية.

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أي مسؤولية لها عن قصف مستشفى الجبلين، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها «مزاعم باطلة» يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه بهدف تشويه صورتها. وأضافت أنها ترفض «بشكل قاطع» محاولات الزجّ بها فيما وصفته بـ«حملات تضليل ممنهجة»، متهمة الجيش السوداني بالسعي إلى صرف الأنظار عن الانتهاكات التي يرتكبها بحق المدنيين والمنشآت العامة.

ويأتي هذا الهجوم بعد نحو أسبوع من اتهامات وُجهت إلى الجيش السوداني بشنّ غارة بطائرات مسيّرة استهدفت مستشفى مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وأسفرت عن مقتل 64 شخصاً وإصابة عشرات المدنيين.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

تصاعد هجمات المسيرات

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الطائرات المسيّرة التابعة لـ«قوات الدعم السريع» هجماتها على مواقع عسكرية في عدد من مدن ولاية النيل الأبيض، غير أن بعض تلك الهجمات أدّى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. واعتبرت قوى سياسية ومدنية أن استهداف مستشفى الجبلين، وما نتج عنه من سقوط قتلى وجرحى بين المرضى والكوادر الطبية، يمثل «جريمة نكراء» تضاف إلى سجل الانتهاكات، التي ترتكبها أطراف الحرب بحقّ المدنيين والمنشآت الخدمية. وفي السياق نفسه، أعرب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المناهض للحرب، عن إدانته الشديدة للهجوم، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤوليته.

وشدّد التحالف، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان نشره عبر موقع «فيسبوك»، على ضرورة وقف استهداف المنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، أو بأي وسائل عسكرية أخرى، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين. ودعا التحالف طرفي النزاع، ممثلين في القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، إلى الاستجابة العاجلة لمقترحات الهدنة الإنسانية، والشروع في اتخاذ خطوات جادة نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليمي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.