«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

TT

«قانون الغاب» في الخرطوم... انفلات أمني وحالات نهب وترويع

مشهد من مدينة أم درمان السودانية
مشهد من مدينة أم درمان السودانية

منذ بداية الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان)، اختفت الشرطة عن الأنظار وأُغلقت جميع أقسامها ودورها، لتتحول أحياء العاصمة وشوارعها وأسواقها إلى مرتع للعصابات، ما جعل السكان عرضة للنهب تحت تهديد السلاح دون حماية من السلطات.

ويشكو سكان من استشراء ظاهرة النهب بوتيرة متصاعدة خلال الأيام الماضية. ويقول مروان المكي، الذي يسكن حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري، أحد أرقى أحياء العاصمة، إن عصابات مسلحة اقتحمت منزله ونهبت كل ما بداخله، بما في ذلك ثلاث سيارات. وأضاف في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قوات (الدعم السريع)، التي تسيطر على مدينة بحري، لم توفر لنا الحماية من العصابات، ولم نرَ أثراً للشرطة، كما أن الجيش يقف متفرجاً»، مشيراً إلى وجود العديد من الحالات المماثلة بين جيرانه في الحي.

ودعا وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم أمس (الجمعة) ضباط وجنود الجيش المتقاعدين، القادرين على حمل السلاح، إلى التوجه لمقر أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم.

* الأيام الأولى للحرب

في الأيام الأولى لنشوب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، كان التاجر كمال آدم يجلس أمام دكانه في سوق أم درمان، الذي يبيع فيه العطور بالتجزئة، عندما فاجأته مجموعة ممن وصفهم بالمنفلتين، وانهالوا عليه ضرباً بالعصي والسواطير قبل أن ينهبوا دكانه ويلوذوا بالفرار.

كُسرت يد كمال اليمنى في ذلك الهجوم، وأصيب بكدمات وجروح بالغة في أجزاء متفرقة من جسده. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بهذه الحادثة فقدت بضاعتي وكل رأس مالي، لا وجود للشرطة لتسترد لي حقوقي، جميع أقسام الشرطة مغلقة ولا ندري أين ذهبوا، معظم التجار تعرضوا للنهب بهذه الطريقة».

وانتشرت مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أُطلق عليها «مفتاحك»، تتحدث عن سرقة مئات السيارات من أصحابها.

وطُلب من سكان في نقاط ارتكازات تابعة لقوات عسكرية دفع مبالغ نظير العبور. وأبلغ السوداني عوض الله محمد «وكالة أنباء العالم العربي» بأنه ورفقة معه أوقفتهم قوات عسكرية في نقطة تمركز لها أثناء عبورهم إلى شمال أم درمان بالقرب من جسر الحلفايا، وطالبوهم بدفع 150 ألف جنيه (نحو 163 دولاراً) (الدولار الأميركي = 570 جنيهاً سودانياً).

* نهب تحت تهديد السلاح

ويقول عدة أشخاص تعرضوا لاعتداءات من قوات عسكرية أو منفلتين، إن الدافع الأساسي كان النهب. من بين هؤلاء مختار السماني، الذي تسورت منزله مجموعة يبلغ عدد أفرادها ثمانية، جميعهم كانوا ملثمين ومدججين بالسلاح.

وقال جمعة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «تسورت المجموعة حائط منزلي بعد الثانية منتصف الليل، واقتحمت غرفة نومي بعد أن كسر أفرادها الأقفال. أحدهم كان يحمل كلاش (بندقية كلاشنيكوف) جعله في وضع الاستعداد، وناداني باسمي طالباً مفتاح الخزينة ومعرفة مكان ذهب زوجتي. أخذوا جميع أموالي وذهب زوجتي واستولوا على سيارتي».

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار سوى الاستسلام؛ فالمقاومة قد تكلفني حياتي، ووضعت في الحسبان أطفالي وزوجتي، الذين عاشوا في حالة رعب في تلك اللحظات».

* الوقود يُنهب أيضاً

أما أنس السيفي، الذي يقيم في منطقة الثورة غرب أم درمان، فقد حصل أخيراً على وقود من السوق السوداء بعد معاناة استمرت عدة أيام للتنقل وتلبية احتياجات أسرته؛ لكن أثناء عبوره إلى منزله اعترضته دورية عسكرية ونهبت الوقود بعد ترويعه.

وارتفع سعر الوقود في السوق السوداء إلى 20 ألف جنيه للغالون الواحد، في حين يبلغ سعره في محطات الوقود 3500 جنيه فقط.

يقول السيفي، الذي تحدث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «اشتريت الوقود بثمانين ألف جنيه بعد رحلة بحث مضنية؛ نهبوه في لمحة بصر، دون مراعاة للظروف التي نمر بها. توقفت أعمالنا بعد الحرب، والنقود التي بحوزتنا على وشك النفاد».

وتعرض حراس أمن في محطات وقود وبنوك ومواقع حيوية أخرى لاعتداءات، فقد بعضهم حياته بسببها، كما هو حال رقيب الشرطة السوداني إسماعيل كوكو، الذي أبلغت أرملته «وكالة أنباء العالم العربي» أنه قُتل بعد أسبوع من اندلاع الصراع في بنك بشرق الخرطوم كان يحرسه.

وأضافت: «لا نعلم أي شيء عن الحادثة، أو الجهة التي قتلته، ولم نتمكن من تشريح الجثمان. فقط، علمنا أنه تعرض لثلاث طعنات بآلة حادة أودت بحياته. دفناه وننتظر من الشرطة التحقيق في ملابسات مقتله».

وتعرضت معظم البنوك والمحال التجارية، سواء الواقعة في دائرة الاشتباكات أو المناطق الآمنة، للنهب على أيدي أشخاص يرتدون زي قوات «الدعم السريع» تارة، والزي المدني تارة أخرى.

ونفت قوات «الدعم السريع» مراراً صلتها بعمليات النهب، وتقول إنها كونت غرفة طوارئ لملاحقة من أسمتهم بالمخربين، وضبطت أكثر من مجموعة أشخاص ينهبون البيوت والمارة والبنوك والمحال التجارية، وينتحلون صفة قواتها.

لكن مهجة محمد، مديرة مستشفى التجاني الماحي، وهو أكبر مستشفى للأمراض النفسية والعقلية في البلاد، قالت في بيان إن قوات «الدعم السريع» تتمركز في المستشفى منذ بداية الحرب، وإنها احتلت المستشفى بعد تهديد أفراد النظام العام التابعين للشرطة المدنية بالقتل.

* قانون الغاب

ومع انتشار السلاح غير المقنن في أيدي العصابات بأحياء العاصمة، لجأ بعض السكان إلى اقتناء أسلحة نارية لحماية أنفسهم.

وقال أحد السكان، بعد أن طلب عدم نشر اسمه حرصاً على سلامته، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إنه قرر شراء سلاح ناري بعدما شعر بالخطر «المتمثل في زحف المتفلتين نحو الأحياء»، مؤكداً أنه لم يسبق له اقتناء سلاح، «لكن ظروف الحرب الحالية التي يمر بها السودان تُحتم على كل فرد أن يُدافع عن نفسه وأسرته».

ووصف أوضاع العاصمة بأنها باتت «أشبه بقانون الغاب... غياب القانون، وغياب الدولة، يجعل الإنسان غير آمن حتى في بيته. والبلد أصبح يدار بقانون الغابة، حيث القوي يأكل الضعيف. لكي لا أكون الطرف الضعيف، قررت أن أتسلح».

وأوضح أن الأسلحة باتت متوفرة بكثرة في ضواحي مدن العاصمة الثلاث، قائلاً إنه حصل على السلاح بمساعدة صديق له، استطاع توفيره من أحد تُجار الأسلحة غير الرسميين.

وأضاف: «كنت أمام خيارين بين أنواع الأسلحة، إما سلاح صوتي أو سلاح ناري؛ فاخترت الأخير لفاعليته في أغراض الحماية الشخصية... لم يأخذ أمر توفير السلاح زمناً طويلاً؛ فبعد يومين من طلبه استلمته من صديقي. على الرغم من أن سعر السلاح يكاد يوازي راتبي الشهري، فإنني أراه ضرورياً لحفظ حياتي وحياة أسرتي».

واستطرد قائلاً: «اضطررت لاستدانة المبلغ المالي الذي اشتريت به السلاح، وهو 300 ألف جنيه سوداني. على الرغم من أن ظروف الحرب تجبر الإنسان على ادخار أي مبلغ مالي للاستفادة منه في مصروفات المعيشة، فإن الأمن في قائمة أولوياتي».


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.