واشنطن تتهم «فاغنر» بتزويد قوات «حميدتي» بصواريخ عبر دول أفريقية

فرضت عقوبات على رئيس المجموعة الروسية في مالي

محمد حمدان دقلو (أ.ب)
محمد حمدان دقلو (أ.ب)
TT

واشنطن تتهم «فاغنر» بتزويد قوات «حميدتي» بصواريخ عبر دول أفريقية

محمد حمدان دقلو (أ.ب)
محمد حمدان دقلو (أ.ب)

اتهمت الولايات المتحدة، زعيم مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية في مالي، بالعمل على إخفاء جهود تبذلها للحصول على عتاد عسكري؛ لاستخدامه في أوكرانيا، وتزويد قوات «الدعم السريع» في السودان بصواريخ «أرض - جو»، من خلال مالي ودول أخرى.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان مساء الخميس (بتوقيت واشنطن)، إنها فرضت عقوبات على رئيس «فاغنر» في مالي، إيفان ألكساندروفيتش ماسلوف، بعدما وجدت أن موظفي المجموعة ربما يحاولون العمل من خلال مالي، للحصول على عتاد مثل الألغام والطائرات المسيّرة والرادارات والأنظمة المضادة للمدفعية لاستخدامها في أوكرانيا، بتنسيق وثيق مع مسؤولين في الحكومة المالية لنشر المجموعة في البلاد.

اتهام فاغنر

اتهامات لمجموعة «فاغنر» الروسية بتزويد قوات «الدعم السريع» بصواريخ مضادة للطائرات (أ.ف.ب)

واتهمت الخزانة الأميركية «فاغنر»، بتزويد قوات «الدعم السريع» السودانية بصواريخ «أرض - جو»، ما قد يمنح هذه القوات شبه العسكرية، التي يقودها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، دفعة في القتال الذي تخوضه ضد الجيش السوداني، الذي يعتمد بشدة على الضربات الجوية في استهدافها. وأقام قائد قوات «الدعم السريع» علاقات مع روسيا.

وقال دبلوماسيون غربيون في الخرطوم في عام 2022 إن «فاغنر» ضالعة في عمليات تعدين غير مشروعة للذهب في السودان، وتنشر معلومات مضللة.

وكان حميدتي قد قال، في وقت سابق، إنه نصح السودان بقطع العلاقات مع «فاغنر»، بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها. وأعلنت المجموعة في 19 أبريل (نيسان) أنها لم تعد تعمل في السودان.

زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ف.ب)

وأدى القتال، الذي اندلع بين الطرفين الشهر الماضي، إلى تفاقم أزمة إنسانية في البلاد، وأجبر أكثر من 1.3 مليون شخص على الفرار، ويهدد بزعزعة استقرار المنطقة.

وبينما لم تصدر حكومة مالي بعد أي رد على تلك الاتهامات، أضافت الخزانة الأميركية، أن ماسلوف يرتب أيضاً لقاءات بين مؤسس المجموعة يفغيني بريغوجين ومسؤولين حكوميين من دول أفريقية عدة. ويجمد الإجراء، أي أصول لماسلوف في الولايات المتحدة، ويمنع الأميركيين بوجه عام من التعامل معه. وحذرت واشنطن مراراً مما وصفته بـ«أنشطة فاغنر التي تزعزع الاستقرار»، وشددت العقوبات على المجموعة العسكرية الخاصة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا العام الماضي.

وقاتل مرتزقة «فاغنر» إلى جانب القوات الروسية النظامية في أوكرانيا، خصوصاً في بعض أعنف المعارك، منها تلك التي شهدتها مدينة باخموت. ويوم الاثنين، حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية ماثيو ميلر من أن «فاغنر» تسعى لنقل معدات عسكرية عبر مالي. ونفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الأربعاء، هذه الاتهامات ووصفتها بأنها «خدعة».

وقال براين نيلسون، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية في البيان، إن «عقوبات وزارة الخزانة ضد أكبر ممثل لمجموعة (فاغنر) في مالي تحدد وتعطل عنصراً رئيسياً يدعم أنشطة المجموعة العالمية». وأضاف: «وجود مجموعة (فاغنر) في القارة الأفريقية يمثل قوة مزعزعة للاستقرار لأي دولة تسمح بنشر موارد المجموعة على الأراضي الخاضعة لسيادتها».


مقالات ذات صلة

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

شمال افريقيا أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

بينما السودانيون منشغلون بحصر دمار البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة أخرى تشكلت بصمت داخل المزارع والحظائر... فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

الجيش السوداني ينقل المعركة إلى دارفور

نقل الجيش السوداني معاركه إلى دارفور، حيث قاد مواجهات عسكرية ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة بالإقليم الغربي، في تطور ميداني يأتي بالتزامن مع تصاعد.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب) p-circle

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

تجددت المعارك العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أكثر من محور بإقليم دارفور، غرب البلاد

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

الجيش السوداني يعلن تدمير 224 آلية لـ«الدعم السريع» في 5 مناطق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، تحقيق مكاسب ميدانية في 5 مناطق للقتال خلال الأسبوعين الماضيين، شملت شمال وغرب دارفور، وشمال وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

خاص تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استراتيجية شاملة لأفريقيا، ووجهت تحذيراً شديداً لـ«الإخوان المسلمين» في السودان لتعاونهم مع «الحرس الثوري» الإيراني.

علي بردى (واشنطن)

الجزائر: نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 11.24 % حتى الثالثة عصراً

مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
TT

الجزائر: نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 11.24 % حتى الثالثة عصراً

مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية الجزائرية 11.24 في المائة داخل الجزائر حتى الساعة الـ03:00 بعد زوال الخميس، بعد تصويت مليونين و610 آلاف و448 ناخباً من أصل 23 مليوناً و220 ألفاً و758 مسجلاً، فيما سجلت مشاركة الجالية الجزائرية في الخارج 9.46 في المائة، بعد إدلاء 72 ألفاً و443 ناخباً بأصواتهم، من أصل 854 ألفاً و285 مسجلاً في الكشوف، وفق ما أفاد به رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة»، كريم خلفان، خلال مؤتمر صحافي الخميس.

وأوضح خلفان أن الانتخابات شهدت تنافساً على 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني؛ 395 مقعداً داخل الجزائر، و12 مقعداً مخصصة للجالية في الخارج.

وأوضح خلفان أن الشباب يمثلون 54 في المائة من إجمالي المترشحين، فيما تشكل النساء 21 في المائة، ويحمل 47 في المائة منهم مستوى جامعياً، في إطار توجه يهدف إلى توسيع مشاركة الشباب والمرأة، وتعزيز حضور الكفاءات داخل المؤسسة التشريعية.

ولفت رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة إلى أن الهيئة اعتمدت، لأول مرة، مؤشر التنافسية الانتخابية لقياس مستوى المنافسة بين القوائم في مختلف الدوائر الانتخابية، موضحاً أن المؤشر يتيح قراءة لحظوظ المترشحين، ويعكس مستوى التنافس في هذا الاستحقاق، مع استمرار عملية التصويت حتى إغلاق مكاتب الاقتراع.

ويبقى الرهان الأكبر في هذا الاستحقاق الانتخابي هو نسبة المشاركة في ظل حملة انتخابية باهتة جداً، حيث غابت التجمعات الشعبية الكبيرة؛ مما أجبر كثيراً من المترشحين على اتباع التواصل المباشر، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ في محاولة لاستمالة الناخبين. ويتخوف بعض الملاحظين من تسجيل نسبة عزوف كبيرة عن التصويت؛ بسبب التجاوب المحتشم جداً مع خطابات الحملة الانتخابية لمختلف المترشحين، فضلاً عن التوقيت الذي عُدّ غير مشجع؛ لأنه تزامن مع العطلة الصيفية.

وتتنافس 846 قائمة انتخابية تضم 9886 مترشحاً، منها 660 قائمة تحت رعاية 32 حزباً سياسياً، وقائمة واحدة تحت رعاية أكثر من حزب سياسي (تحالف)، و131 قائمة حرة، للظفر بـ407 مقاعد في «المجلس الشعبي الوطني (مجلس النواب)» لعهدة برلمانية تستمر 5 سنوات.


مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

بواجهة مطلة على نهر النيل وأخرى على ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة، يقف مبنى جامعة الدول العربية شاهداً على أحداث تاريخية وتحولات سياسية، كان أحدثها انتقال القيادة من الأمين العام السابق أحمد أبو الغيط إلى الأمين العام الجديد نبيل فهمي الذي رفع علم الجامعة في ساحتها، معلناً بداية عهد جديد من العمل العربي المشترك.

ونشأة «الجامعة العربية» ككيان سياسي تسبق مقرها الحالي؛ إذ تم التوقيع على الصيغة النهائية لميثاق الجامعة في مارس (آذار) عام 1945 في البهو الرئيسي لـ«قصر الزعفران» بالقاهرة، من قبل رؤساء حكومات خمس دول عربية هي: العراق، وشرق الأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، ثم وقّعت المملكة العربية السعودية فيما بعد على النسخة الأصلية للميثاق المكون من 20 مادة حددت مقاصد «الجامعة» والأطر الأساسية لنظام عملها، وتلا ذلك تعيين عبد الرحمن عزام أميناً عاماً للجامعة.

أما تاريخ المقر الحالي للجامعة فيعود إلى خمسينات القرن الماضي. وكان الموقع في السابق مقراً لثكنات عسكرية بريطانية. وبعد «ثورة 1952» وإخلاء المنطقة عرضت «بلدية القاهرة» في ذلك الوقت على «الجامعة العربية» استغلال جزء من الأرض. وبالفعل تم اختيار المعماري محمود رياض لإنشاء مبنى الجامعة عام 1955 على مساحة 13500 متر مربع، ليحل مقر «الجامعة العربية» محل ثكنات الجيش الإنجليزي ضمن ثلاثة مبانٍ، كان من بينها فندق ومقر للاتحاد الاشتراكي آنذاك.

نبيل فهمي خلال رفع علم الجامعة العربية في ساحتها يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ومنذ ذلك الوقت شهد المقر اجتماعات عدة لمسؤولين ووزراء عرب، كان أبرزها القمة العربية الأولى عام 1964، والتي تم خلالها إقرار اجتماع مجلس ملوك ورؤساء الدول الأعضاء مرة واحدة على الأقل كل عام، وهو القرار الذي يعتبر فاتحة إضفاء طابع مؤسسي على آلية مؤتمرات القمة؛ نظراً لعدم وجود نص عليها في أحكام ميثاق الجامعة، بحسب موقع «الجامعة العربية».

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة والعميد السابق لـ«معهد البحوث العربية» التابع لجامعة الدول العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، لـ«الشرق الأوسط» إن تلك القمة كانت أبرز حدث شهده المقر الجديد للجامعة «لا سيما أنها جاءت في ظل أزمات عصفت بالمنطقة»، مشيراً إلى أنه رغم عقد قمتين عربيتين؛ الأولى في أنشاص بمحافظة الشرقية المصرية عام 1946، والثانية بالعاصمة اللبنانية بيروت عام 1956، فإن قمة القاهرة عام 1964 تعد أول قمة عربية رسمية.

ولا تعترف سجلات الجامعة بـ«قمة أنشاص» التأسيسية التي عُقدت في مايو (أيار) 1946 بدعوة من ملك مصر فاروق الأول في «قصر أنشاص» بحضور الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية، وهي: مصر، وشرق الأردن، والسعودية، واليمن، والعراق، ولبنان، وسوريا. وكان محورها الأساسي «دعم فلسطين». وكذلك لا تدخل ضمن الحصر الرسمي للقمم العادية قمة «التضامن العربي» في بيروت عام 1956 التي عُقدت لـ«دعم مصر ضد العدوان الثلاثي، وتأكيد سيادتها على قناة السويس».

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويلفت أستاذ العلوم السياسية إلى «حدث سياسي آخر كان المبنى شاهداً عليه؛ فعقب توقيع مصر اتفاق السلام مع إسرائيل تم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، لكن مصر أصرت على تشغيل المقر الحالي لينقسم الموظفون بين دولتين حتى عادت الجامعة إلى القاهرة مرة أخرى عام 1990».

وكانت قمة عُقدت في بغداد عام 1978 رداً على توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأعلنت رفض الاتفاقية، ونقل مقر الجامعة العربية، وتعليق عضوية مصر، قبل أن يعود المقر إلى مصر مرة أخرى.

نبيل فهمي وأحمد أبو الغيط داخل مبنى الجامعة العربية يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وطوال السنوات الماضية، احتضن مقر الجامعة في القاهرة اجتماعات لوزراء ومسؤولين وأجانب، وشهد اتخاذ قرارات مهمة بشأن قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، من بينها اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب خلال حرب لبنان عام 2006، والدورة العادية لمجلس وزراء الخارجية العرب نهاية 2011، والتي تم خلالها اتخاذ قرار تعليق مشاركة وفود سوريا في اجتماعات مجلس الجامعة وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها. كما شهد المقر عودة سوريا لمقعدها بالجامعة العربية في اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في مايو (أيار) 2023.


الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
TT

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

بينما السودانيون منشغلون بحصر الدمار الذي طال البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة فادحة أخرى تشكَّلت بصمت داخل المزارع والحظائر؛ فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين المحسنة وراثياً» التي استغرق تطويرها نحو 50 عاماً، وتعرضت واحدة من أهم الثروات الإنتاجية لضربة قد يصعب تعويضها في المستقبل القريب.

ووفقاً لخبراء وشهود، تسبَّبت الحرب التي تخطَّت عامها الرابع في خسائر واسعة بقطاع الثروة الحيوانية، وفي فقدان نحو 320 ألف رأس من الأبقار الهجين في ولاية الخرطوم وحدها، تمثل نحو 80 في المائة من إجمالي القطيع الهجين البالغ حجمه أكثر من 400 ألف رأس في العاصمة؛ إما بالنهب والسرقة، وإما بانعدام الخدمات البيطرية. كما فقدت ولاية الجزيرة بوسط البلاد نحو 100 ألف رأس أخرى.

ويقول خبراء إن هذه الأبقار المحسَّنة التي خسرها السودان جاءت بعملية تطوير امتدت لنحو خمسة عقود؛ ما يجعل فقدها لا يقف عند حدودها كماشية، بل الخسارة الأفدح هي «ضياع إرث وراثي يصعب تعويضه في المستقبل القريب»، لا سيما بعد الدمار الذي لحق بمراكز البحوث والإنتاج الحيواني خلال الحرب.

تعويض يحتاج إلى عقود

وقال وكيل وزارة الثروة الحيوانية، عمار الشيخ إدريس، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المربّين تمكنوا من نقل أبقارهم إلى ولايات لم تصل إليها الحرب، لكن نحو 80 في المائة من الأبقار الهجين الموجودة في الخرطوم قبل اندلاع القتال تعرَّضت للسرقة، متهماً «قوات الدعم السريع» بالضلوع في الأمر.

وأوضح أن المربين تكبدوا خسائر مالية ضخمة؛ إذ يبلغ متوسط سعر البقرة الواحدة نحو 15 مليون جنيه (نحو 3000 دولار). وأضاف: «ليست الأبقار وحدها، بل الماعز المحسنة وراثياً تعرَّضت أيضاً للسرقة والنهب».

وكشف عن خطة جديدة لتحسين سلالات الأبقار شرعت وزارته في تبنّيها، ويُنتظر أن يبدأ تنفيذها خلال الفترة المقبلة بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث، لإعادة بناء القطيع وتحسين تركيبته الوراثية.

نساء وأطفال يصطفون للحصول على وجبة غذاء مجانية في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان يوم 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال أستاذ الطب البيطري في الجامعات السودانية، فيصل عمر الزبير، لـ«الشرق الأوسط»: «استعادة القطيع الذي فقده السودان تحتاج إلى سنوات طويلة، وإمكانات مالية كبيرة، إلى جانب إرادة رسمية ودعم من الجهات المختصة في وزارتي الثروة الحيوانية الاتحادية وولاية الخرطوم».

وأشار إلى أن أكثر من 90 في المائة من أبقار ولاية الخرطوم كانت من السلالات الهجين عالية الإنتاجية في الألبان، ونتجت عن عملية تطوير استمرَّت خلال خمسة عقود، عبر برامج الانتخاب والتلقيح الاصطناعي، باستخدام سلالات «الهولشتاين فريزيان» الأوروبية الحلوب، بهدف تحسين التركيبة الوراثية للقطيع.

وتابع: «هذه الأبقار كانت تنتشر في مجمع «مشروع السليت للألبان»، إلى جانب مجمعات الإنتاج في الخرطوم وأم درمان».

واتهم بدوره «قوات الدعم السريع» بنهب جزء من الأبقار، لكنه أكد أن هناك أخرى نفقت لغياب الرعاية والخدمات البيطرية. ولفت إلى أن آلاف الأبقار سُلبت أيضاً في مناطق شمال الجزيرة، التي تُعدّ من أهم مناطق إنتاج الألبان في السودان، وكانت تسهم في سد الفجوة بولاية الخرطوم، بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، مستفيدةً من قربها الجغرافي من العاصمة.

وأضاف: «يحتاج السودان إلى عشرات السنين، ليعود إلى مستوى ما قبل الحرب، لأن السلالات التي فقدها كانت قد تأقلمت مع البيئة المحلية واكتسبت مناعة طبيعية، ولم تعد تحتاج إلى حظائر بالمواصفات التي تتطلبها الدول التي استُورِدَت منها في الأصل».

برامج التحسين الوراثي

وخلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت خروج أعداد كبيرة من الماشية من العاصمة، من بينها أبقار هجين.

وتسببت الحرب كذلك في توقف برامج التحسين الوراثي للأبقار والخراف والماعز، التي كانت تعتمد على التلقيح الاصطناعي لإنتاج سلالات محسَّنة من الألبان واللحوم، بعد تعرّض المراكز المتخصصة لأضرار كبيرة، من بينها «مركز التلقيح الاصطناعي السوداني التركي» بمدينة المناقل في ولاية الجزيرة.

وكان السودان قد بدأ، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، تنفيذ برامج لتحسين السلالات المحلية باستخدام أبقار «الفريزيان»، لرفع الإنتاجية وتحسين الأداء التناسلي وزيادة إنتاج الألبان واللحوم المخصصة للتصدير.

نساء وأطفال متجمعون للحصول على كميات من المياه بولاية النيل الأبيض يوم 25 يونيو 2026 (د.ب.أ)

ويشير مسؤولون في قطاع الثروة الحيوانية إلى أن شركة «زادنا العالمية» كانت من أبرز الجهات العاملة في استجلاب الأبقار المحسَّنة وراثياً، وتمتلك مزارع كبيرة في مناطق مختلفة بولاية الخرطوم، ضمن برامج تطوير التركيبة الوراثية للقطيع.

ولم تقتصر آثار الحرب على فقدان الأبقار، بل امتدت إلى المربين أنفسهم، الذين تحدثوا عن خسائر كبيرة وانعدام الأمل في تعويض ما فقدوه، مطالبين وزارة الثروة الحيوانية بدعمهم وخفض أسعار الأعلاف التي ارتفعت ارتفاعاً كبيراً، حتى يتمكنوا من المحافظة على ما تبقى من قطعانهم.

وقال مربي الأبقار علي محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يمتلك، قبل الحرب، نحو 600 بقرة هجين في مزارع شمال مدينة بحري، لكن لم يعد يتبقى لديه سوى 70 بقرة.

وأضاف: «مع اشتداد المعارك، نُقل القطيع إلى منطقة كرري بأم درمان؛ حيث ذُبحت عشرات الأبقار لتوفير الغذاء في ظل انعدامه، فيما نفقت أعداد أخرى بسبب غياب الرعاية البيطرية»، مضيفاً أن أبقاره لم تتعرض للسرقة.

قطاع الألبان وصادرات اللحوم

من جهته، قال رئيس غرفة الألبان بولاية الخرطوم، محمدين العوض، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الألبان تأثر بشدة نتيجة فقدان الأبقار الهجين، مضيفاً: «مزارع وحظائر التربية تحولت إلى خراب، سُرقت منها مولدات الكهرباء وخزانات المياه وغيرها من المعدات، كما ارتفعت معدلات البطالة وسط العاملين في القطاع، وغالبيتهم من الشباب».

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية على المستوى القومي، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن السودان يمتلك نحو 107 ملايين رأس من الماشية، بينما تُقدَّر أعدادها الفعلية بنحو ضعف هذا الرقم.

وأوضح أن مساهمة قطاع الثروة السودانية في الصادرات تراجعت بقوة بعد الحرب، نتيجة توقف صادرات اللحوم والجلود بسبب تدمير المسالخ والمعامل وعدم استيفاء الاشتراطات الفنية للتصدير.

وتابع: «الوزارة تعتزم، خلال السنوات الثلاث المقبلة، زيادة الصادرات، عبر افتتاح أربعة مسالخ جديدة، إلى جانب إعادة تأهيل ثلاثة مسالخ أخرى».

واستطرد قائلاً إن حكومته تمنع بشكل قاطع تصدير الأصول الحيوانية (إناث الإبل والماشية): «لكن ظروف الحرب فتحت الباب لعمليات تهريب واسعة إلى بعض دول الجوار». وأضاف: «كذلك أثَّرت الحرب تأثيراً مباشراً على الثروة الحيوانية في إقليمَي كردفان ودارفور؛ ما أدى إلى تراجع الإمدادات الواردة منهما».

وكشف إدريس عن طرح وزارته 40 مشروعاً غير تقليدي لتطوير القطاع، يتضمن إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، بتكلفة تُقدَّر بمليار دولار للمدينة الواحدة، إلى جانب برامج تحسين السلالات وإعادة بناء قطاع الثروة الحيوانية.