هل يدفع التأييد الشعبي نحو تعزيز الشراكة بين باماكو وموسكو؟

استطلاع رأي ألماني أشار إلى ثقة 90% من مواطني مالي في روسيا

متظاهرون مؤيدون للمجلس العسكري بقيادة غويتا (رويترز)
متظاهرون مؤيدون للمجلس العسكري بقيادة غويتا (رويترز)
TT

هل يدفع التأييد الشعبي نحو تعزيز الشراكة بين باماكو وموسكو؟

متظاهرون مؤيدون للمجلس العسكري بقيادة غويتا (رويترز)
متظاهرون مؤيدون للمجلس العسكري بقيادة غويتا (رويترز)

رغم الانتقادات المتزايدة من القوى الغربية الكبرى والمنظمات الدولية للتقارب بين روسيا والسلطة العسكرية في مالي، يتزايد الدعم الشعبي لموسكو شريكاً للبلاد.

ووفق استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «فريدريش إيبرت شتيفتونغ» الألمانية، فإن «أكثر من 9 من كل 10 مواطنين في مالي يثقون في قدرة روسيا على مساعدة بلادهم في مواجهة انعدام الأمن والنشاط (الإرهابي)»، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (الخميس).

وخلص الاستطلاع كذلك إلى أن «الماليين يشعرون بالرضا بالنسب نفسها عن زعيم المجلس العسكري العقيد أسيمي غويتا، وأن الأغلبية راضية كذلك عن إدارته للفترة الانتقالية، في انتظار عودة المدنيين إلى السلطة، إذ اعتقد ثلاثة من كل خمسة أن التقيد بالجدول الزمني ليس مهماً».

وحسب الاستطلاع، يرى «82 في المائة من الماليين تحسناً في الوضع العام للبلاد».

وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، قال الباحث السياسي محمد أغ إسماعيل، إن «الماليين يعتقدون أن روسيا شريك موثوق بسبب وجود كراهية للسياسات الغربية، لا سيما الفرنسية، علاوة على إمداد موسكو الجيش بالأسلحة والمعدات».

وأضاف أغ إسماعيل أن «هناك كذلك دعاية إعلامية مكثفة ترعاها السلطة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تروّج لهذا التعاون».

وتابع أن «من بين أهم العوامل الأخرى لهذا التأييد الشعبي، عدم تدخل موسكو بشكل مباشر في الملفات السياسية الداخلية بشكل علني».

وهذا الأسبوع، في اجتماع للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في جنيف، أثارت دول غربية، من بينها الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأوكرانيا، مخاوف بشأن «أنشطة مرتزقة (فاغنر) في مالي»، بما في ذلك «مزاعم عن دورها في قتل المدنيين».

وطالبت تلك القوى بـ«إجراء تحقيق مستقل» في حادث وقع في مارس (آذار) 2022 في مورا وسط مالي، حيث قتل مئات المدنيين الماليين. وأكدت الأمم المتحدة أن «محققيها مُنعوا من الوصول إلى الموقع».

في المقابل، قال مدير القضاء العسكري في مالي العقيد بوبكر مايغا، إن «التحقيق في الواقعة جارٍ بالفعل»، مضيفاً أن «الوصول كان صعباً لأن مالي في حالة حرب».

وزعمت المبعوثة الروسية ماريا مولودتسوفا، أن «القتلى (في مورا) كانوا مسلحين من الجماعات (الإرهابية) التي استهدفت السكان لسنوات». وقالت إن «عملية عسكرية روسية ساهمت في إحلال السلام والهدوء هناك».

وأعرب أغ إسماعيل عن اعتقاده بأن «إرادة القطيعة مع الغرب لا تزال قوية لدى صنّاع القرار في باماكو رغم الضغوط والعقوبات»، وتوقع أن «تستمر السلطة في توجهها، لا سيما في ظل دفاع موسكو عن رؤية النظام داخل أروقة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية».

كما توقع أن «يستمر ذلك التقارب والتأييد الشعبي له، في ظل العزلة التي تفرضها القوى الغربية على النظام، بشرط نجاح باماكو في توفير الضروريات الأساسية للمواطنين واستمرار السيطرة على الإعلام».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، دافع وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، عن تعاون الحكومة العسكرية مع روسيا، وقال أمام مجلس الأمن إن «مالي لن تستمر في تبرير شراكتها مع روسيا، التي توفر التدريب والمعدات للجيش».

وتشهد مالي هجمات مرتبطة بـ«إرهابيين» على صلة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» اللذين يشنان هجمات منذ أكثر من عقد، أسفرت عن قتل المئات وتشريد الآلاف.

وفي 18 أغسطس (آب) الماضي، شهدت مالي انقلاباً عسكرياً، وتعهد قادته بتنظيم انتخابات «ذات مصداقية» مع إعلانهم تأسيس لجنة أطلقوا عليها «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب»، يتزعمها غويتا، للإشراف على فترة الانتقال السياسي في البلاد.

ودفع المجلس العسكري الحاكم في مالي، الذي بات يتعامل مع مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية، الجيش الفرنسي، إلى مغادرة البلاد، بعد انتشار لمدة تزيد عن 9 سنوات في إطار مهمة مكافحة الجماعات المسلحة والمتطرفة.

وبعد تأجيل موعده الذي كان مقرراً في 19 مارس الماضي، أعلن المجلس العسكري الحاكم (الجمعة)، أنّ الاستفتاء على دستور جديد للبلاد سينظّم في 18 يونيو (حزيران) المقبل. وجاء في مرسوم تلاه الناطق باسم الحكومة الكولونيل عبد الله مايغا، عبر التلفزيون الرسمي، أنّ «الهيئة الناخبة مدعوّة يوم الأحد 18 يونيو في كلّ أنحاء البلاد وفي البعثات الدبلوماسية والقنصلية لجمهورية مالي، لبتّ مشروع الدستور».



«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
TT

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

تسعى القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي إلى توسيع قاعدتها الشعبية والأمنية والعسكرية بجنوب البلاد في مواجهة القوات التابعة لسلطات العاصمة طرابلس، مستهدفة بذلك إحكام قبضتها على الحدود الجنوبية المترامية، والقضاء على تمرد تقوده «غرفة تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

قيادات أمنية من «التبو» خلال لقائهم خالد حفتر (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

وأمام تحديات عديدة في الصحراء الجنوبية المترامية، اتجه «الجيش الوطني» إلى تعزيز علاقته مع بعض المكونات الاجتماعية، من بينها قبائل «التبو»، وإزالة أي شوائب قد علقت بعلاقتهما خلال السنوات الماضية.

وقالت رئاسة الأركان العامة للجيش إن رئيسها الفريق خالد حفتر، الذي التقى عدداً من قيادات «التبو»، شدد على «أهمية التنسيق المستمر، والتعاون بين القوى الأمنية والوحدات العسكرية بمناطق الجنوب».

ونقلت رئاسة الأركان أن خالد حفتر ثمّن جهود رجال الأمن من مختلف القبائل التي تساهم في ذلك، ومن بينهم أبناء «التبو»، وقال إنهم «لم يتأخروا في الدفاع عن الوطن وتقديم أرواحهم دونه، وقارعوا الإرهاب وساهموا في الانتصار عليه».

وخلال فبراير (شباط) الماضي تفجرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاء عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب»، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، والخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

أحد أعيان قبيلة «أولاد سليمان» الليبية متحدثاً خلال لقاء صدام حفتر في سبتمبر 2025 (إعلام القيادة العامة)

وهذه النقاط الحدودية هي منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ومع تعاظم التحديات أمام «الجيش الوطني» بعمق الصحراء الجنوبية، بدأت قياداته في إذابة «خلافات الماضي» مع قبائل «التبو» والاهتمام بمشاكلها وأزماتها، من خلال لقاءات عديدة مع مشايخها.

وخلال لقائه بوزير الشؤون الأفريقية المفوض، عيسى عبد المجيد، وعدد من القيادات الأمنية من مكون «التبو» في مقر القيادة العامة بالرجمة، شدد خالد حفتر على أن الجيش «يثمّن تضحيات أهل الجنوب»، وقال بهذا الخصوص: «نعمل راهناً على حلحلة أي معوقات بهذه المنطقة الحيوية، حتى تزدهر وتتقدم وتنال نصيبها من الإعمار والأمن، وخصوصاً أنها مستهدفة».

ورغم تحدث خالد حفتر عن «صعوبة المهمة»، فإنه قال «إنها ليست مستحيلة؛ فبالإرادة والعزم والصدق يتحقق ما نريد، ويجب أن نكون يقظين وجاهزين دائماً لقطع الطريق على من يحاول النيل من قبائلنا، والزج بأبنائهم في صراعات وفتن لا تخدم الوطن، وتضر باستقراره».

ومن وقت لآخر، تطلّ ما تسمى قيادة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على الليبيين ببيان، تتحدث فيه عن «انتصارات جديدة»؛ إذ ادعت مؤخراً أن قواتها المرابطة على الثغور «تمكنت من تطهير كامل الشريط الحدودي مع دولة النيجر الشقيقة، وفرض السيطرة النارية الكاملة على جميع المنافذ، والمعابر الحدودية في هذا القطاع الواسع»، وهي الرواية التي دحضها الجيش.

وكانت قبائل «التبو» قد أعلنت في نهاية فبراير الماضي تبرؤها من العناصر، التي انضمت إلى صفوف من وصفتهم بـ«المرتزقة» التابعين لـ«غرفة تحرير الجنوب»، وشددت على رفضها جر أبناء «التبو» إلى ما وصفتها بـ«محرقة عبثية»، أو صدام داخلي مع «مكونات فزان الأخرى».

وحدات من «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي في فبراير الماضي (رئاسة الأركان البرية)

وحمّلت القبائل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية الزج بأبنائها في هذه الأحداث، وأكدت «التزامها بأمن واستقرار الجنوب الليبي ورفض الاقتتال».

وفي 24 أغسطس (آب) 2023 اشتكت قبائل «التبو» من اعتقالات تعسفية، طالت المئات من أبنائها على يد عناصر مسلحة شبه عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني»، احتجزتهم في قاعدة عسكرية في ظروف غير إنسانية، لكن القيادة العامة نفت الأمر في حينه.

ومنذ تصعيد خالد وصدام، نجلَي القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، إلى قيادة المؤسسة العسكرية، وهما يعملان على تعزيز النفوذ في الأوساط الاجتماعية، ومن بينها قبائل «التبو»، و«أولاد سليمان»، و«الدرسة»، و«أولاد علي».


اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
TT

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك»، وفق ما أعلن الجيش الموريتاني في برقية إخبارية.

وقال الجيش الموريتاني في برقية عبر صفحته على «فيسبوك»، إن الاجتماع كان هو «اللقاء الأمني التنسيقي الأول لسنة 2026»، وذلك في إشارة إلى الاجتماعات الأمنية، التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في البلدين.

الوفدان العسكريان بحثا سبل «تطوير التنسيق الأمني المشترك» بين البلدين (الجيش الموريتاني)

وأضاف الجيش أن اللقاء شارك فيه وفد من الجيش الموريتاني، يرأسه العقيد الشيخ سيدي بوي السالك؛ قائد المنطقة العسكرية الثانية، وهي المنطقة المحاذية للحدود مع الجزائر، كما شارك فيه وفد من الجيش الوطني الشعبي الجزائري، برئاسة اللواء مراجي كمال؛ قائد القطاع العملياتي الجنوبي بتندوف، المنطقة المحاذية للحدود مع موريتانيا.

وأوضح الجيش الموريتاني أن الجانبين ناقشا خلال اللقاء «سبل تطوير آليات التنسيق الأمني المشترك، القائم بين جيشي البلدين الشقيقين في المنطقة الحدودية المشتركة».

ويأتي هذا الاجتماع في وقت يواجه البلدان تحديات مشتركة، تتمثل في خطر التنظيمات الإرهابية المسيطرة على مناطق من دول الساحل القريبة، خصوصاً دولة مالي المحاذية لكل من الجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى خطر شبكات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وشبكات تهريب المخدرات والبشر والسلاح، التي تنشط في منطقة الصحراء الكبرى.

تحية العلم الجزائري قبيل بدء الاجتماع (الجيش الموريتاني)

ومنذ 2016 ظهرت عمليات التنقيب الأهلي عن الذهب في موريتانيا، وأصبحت تستقطب عشرات آلاف الشبان، الذين يخاطرون بدخول مناطق عسكرية مغلقة، وتجاوز الحدود بين الجزائر وموريتانيا للتنقيب داخل أراضي الجزائر، وهو ما عرّض بعضاً منهم للاعتقال على يد الجيش الجزائري.

ويشكل التنقيب الأهلي عن الذهب واحداً من أهم الملفات التي تدار بحذر على طرفي الحدود بين البلدين، وذلك في ظل مخاوف من دخول تنظيمات متطرفة أو شبكات إجرامية على الخط، واستغلال نشاط التنقيب من أجل تمويل أنشطتها.

ولمواجهة هذا التحدي، وقع البلدان منذ أبريل (نيسان) 2021 بنواكشوط، مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة حدودية مشتركة، تعني بتنسيق وتطوير التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد، والثقافة وتسيير الأزمات بالمناطق الحدودية.

وأعلن آنذاك أن الهدف من هذه اللجنة هو تعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية بين المناطق الحدودية، إلى جانب تأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، في إطار مواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

من جهة أخرى، يأتي هذا اللقاء الأمني بعد انعقاد اللجنة الثنائية للتعاون بين البلدين، مطلع أبريل الحالي في الجزائر، حيث ناقش البلدان ملفات التعاون المشترك، التي يعد من أهمها الطريق البري الرابط بين مدينة تندوف الجزائرية ومدينة أزويرات الموريتانية.

ويوصف هذا المشروع بأنه واحد من أهم المشاريع التنموية التي تربط البلدين، وتسعى الجزائر من ورائه للوصول إلى السوق في دول غرب أفريقيا عبر موريتانيا، كما ترغب نواكشوط في تنويع وارداتها المحلية عبر الانفتاح أكثر على السوق الجزائرية.

ويمتد الطريق على مسافة تصل إلى 850 كيلومتراً، وسط صحراء وعرة وغير مأهولة، ويتولى تنفيذه أكثر من 10 شركات جزائرية، ورغم أن الأشغال مستمرة في الطريق، فإنه يواجه تحديات كبيرة بسبب صعوبة البيئة التي يشيد فيها.

وأكدت السلطات الجزائرية العام الماضي، أنها تسعى لإكمال الأشغال في الطريق في أجل أقصاه شهر يوليو (تموز) من العام الحالي؛ أي في غضون 3 أشهر فقط، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية تأخر موعد التسليم.


تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.