الثقة الثالثة لحكومة سلام: تثبيت لخيار الدولة و«هزيمة سياسية» لـ«حزب الله»

رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الثقة الثالثة لحكومة سلام: تثبيت لخيار الدولة و«هزيمة سياسية» لـ«حزب الله»

رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)

أعادت الثقة الثالثة التي نالتها حكومة نواف سلام «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» أمام وضع سياسي مربك. فالحكومة التي واجهها الطرفان بحملات انتقاد ومواقف عالية السقف خلال جلسة المناقشة التي عقدت يومي الثلاثاء والأربعاء، بقيت قائمة بدعم من 68 نائباً بينهم كتلة حليف الحزب رئيس البرلمان نبيه بري، فيما لم يذهب «حزب الله» إلى حد سحب وزرائه من الحكومة أو حجب الثقة عنها، واختار نوابه مغادرة الجلسة قبل بدء التصويت على الثقة.

وفتح هذا المشهد الباب أمام مواقف سياسية عدت أن ما جرى يؤكد تقدّم خيار الدولة، ويضع القوى المعترضة أمام مسؤولية خياراتها السابقة ونتائجها.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)

دريان: دعم للحكومة ودعوة إلى التعاون

ورأى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان أن مهمة الحكومة هي إخراج لبنان من «النفق المظلم» إلى نور الإصلاحات التي بدأت تظهر معالمها رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها الوطن. وجدد دعمه للرئيس سلام، داعياً القوى السياسية إلى التعاون مع الحكومة والوقوف إلى جانبها ومؤازرتها لإنقاذ البلد مما يمر به من اعتداءات إسرائيلية وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ومعيشية وإنمائية.

«القوات»: أكثرية الشعب اللبناني مع الحكومة

وفي موقف له بعد نيل حكومة سلام الثقة الثالثة عد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن وقائع اليومين الأخيرين في مجلس النواب أظهرت أن «أكثرية الشعب اللبناني» تعد أنه لا إمكانية للخروج من حالة الحروب المستمرة أو تحقيق الإصلاح وتحسين البنى التحتية والخدمات والوضع الاقتصادي والمعيشي، ما دام لم تُعالج مسألة «الأجنحة العسكرية والأمنية غير الشرعية»، وفي طليعتها التابعة لـ«حزب الله».

وعد جعجع أن جلسات الثقة أكدت أن أكثرية الشعب اللبناني تساند الحكومة مقابل أقلية «ضئيلة جداً» كانت مسؤولة عن الخراب والفساد. وقال إن أحداً لن يستطيع بعد اليوم القول إن الحكومة تتصرف من دون رأي اللبنانيين وخارج إرادتهم، داعياً القوى السياسية المعارضة إلى أخذ نتائج الجلسات في الاعتبار، بما يجنّب لبنان مزيداً من الحروب والضحايا والخراب والتدهور الاقتصادي والمعيشي.

الموقف نفسه عبّر عنه عضو كتلة «القوات» رازي الحاج قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ما حصل في جلسة البرلمان يعني أن «غالبية اللبنانيين والقوى السياسية داعمة للحكومة في مواجهة طرف يريد أخذ البلد إلى حرب ثالثة». كما وصف ما جرى بأنه «هزيمة سياسية» للثنائي «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» برئاسة النائب جبران باسيل، متهماً الأخير بالتناقض بين خطابه وأهدافه، وبمهاجمة الآخرين على ممارسات حصلت خلال مرحلة تولي ميشال عون رئاسة الجمهورية.

وسأل في المقابل «حزب الله» الذي يشارك في الحكومة من جهة ويهاجمها من جهة أخرى عن جدوى سلاحه في منع الحرب والتهجير وحماية اللبنانيين.

منيمنة: مرجعية الدولة في مواجهة ازدواجية «حزب الله»

وفيما شدد النائب إبراهيم منيمنة على أن «هذه الحكومة تمثل مشروع الدولة وخيار أغلبية اللبنانيين في مواجهة ازدواجية «حزب الله»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) الذي لم يتجرأ على عدم منحه الثقة للحكومة، هو مهزوم لأنه يستخدم خطابين، من داخل مجلس الوزراء ومن خارجه، هو يريد أن يكون في الحكومة وفي الوقت نفسه يتصرف وكأنه خارجها»، مؤكداً «من كان مسؤولاً عن جر البلد إلى الخراب لا يمكن أن يكون اليوم في موقع المحاسب».

وأضاف: «عندما طرحت الثقة، من المستغرب والمستهجن أن (حزب الله) ينسحب حتى لا يضطر لأن يمنح الثقة أو يمتنع عن منحها كما فعل (التيار الوطني الحر)»، واصفاً ما قام به بـ«النفاق السياسي»، وأضاف عندما يكون طرفٌ يشارك في الحكومة ولا يمنحها الثقة، فالأجدى أن ينسحب منها».

خلال جلسة مساءلة الحكومة يوم الأربعاء (الوكالة الوطنية للإعلام)

النائب ضو: زمن «حزب الله» انتهى

بدوره، عد النائب مارك ضو أن «الثقة الثالثة» التي حصلت عليها حكومة سلام تؤكد أن «زمن (حزب الله) انتهى». وكتب على حسابه على منصة «إكس» قائلاً: «الحكومة قررت أن سلاح (حزب الله) خارج عن القانون، كما قررت التفاوض المباشر مع إسرائيل، في حين (حزب الله) بالمقابل لم يجرؤ على سحب الثقة، بل انسحب من الجلسة». وأضاف: «انتهى زمن (حزب الله). مرحباً بكم في عصر الدولة صاحبة القرار»، مؤكداً أن لكل اللبنانيين مكاناً في الدولة من دون تمييز.

النائب الصادق: من العميل؟

وفي الإطار نفسه، وبعد الانتقادات التي وجهها «حزب الله» و«الوطني الحر» للحكومة، كتب النائب وضاح صادق على منصة «إكس»: «ما أوقحهم حين يسألون عن تسليح الجيش، وهم حكموا البلد وامتلكوا قراره على مدى 15 عاماً، من دون أن يسلحوه، رغم عشرات المليارات التي أنفقوها على حفر الأنفاق وملئها بالسلاح، ثم خسروها في حروب دمرت القرى وقتلت شبابنا»، مضيفاً: «ولو أن جزءاً من هذه المليارات أُنفق لمصلحة لبنان، لكان قد أسهم في إصلاح البنية التحتية والكهرباء والمياه وغيرها. وإذا كان تسليح الجيش، كما يقولون، ممنوعاً بقرار أميركي، فلماذا بقوا في الحكومات 15 عاماً وهم يمتلكون القرار والنفوذ؟». سائلاً: «فمن يكون العميل في هذه الحالة؟».


مقالات ذات صلة

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

المشرق العربي صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية والرئيس عون يحض المشاركين في الاجتماع على «الاستثمار» بالجيش اللبناني والقوى الأمنية.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)

شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

وضع القضاء العسكري في لبنان يده على واحدة من أخطر الشبكات الأمنية التي كُشف النقاب عنها خلال الأسابيع الماضية.

يوسف دياب (بيروت)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في باريس أمس (د.ب.أ)

توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين فرنسا والأردن

وقع الأردن وفرنسا الخميس اتفاقية تعاون عسكري في إطار تنويع عمّان لخياراتها الدفاعية وسط حالة من عدم استقرار الحدود مع العراق وسوريا.

محمد خير الرواشدة (عمان)
المشرق العربي مقر سفارة الولايات المتحدة في روما حيث عُُقدت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أغسطس الماضي (أ.ب)

لبنان يدرس إنشاء نقطة مراقبة دولية في تلال علي الطاهر

يستعد لبنان للجولة الثامنة من المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية وبضيافة إيطالية للمرة الثالثة على التوالي.

محمد شقير (بيروت)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
TT

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)

يوم لبناني بامتياز عاشته باريس، الخميس، بمناسبة انعقاد الاجتماع الخاص بتوفير الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية. فما بين الاجتماع الثنائي الذي حصل صباحاً في قصر الإليزيه بين الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس جوزيف عون، ثم القمة الثلاثية التي عُقدت لاحقاً في قصر الأنفاليد وضمت، إلى الرئيسين اللبناني والفرنسي، العاهل الأردني عبد الله الثاني، والكلمات الافتتاحية التي ألقاها الثلاثة في افتتاح الاجتماع التقني - العسكري بحضور قادة ورؤساء أركان وكبار الضباط من 17 دولة ومنظمة، كل ذلك أعاد الملف اللبناني، بمعنى ما، إلى واجهة الاهتمامات الدولية.

وبعد انتهاء الاجتماع، غرَّد ماكرون على منصة «إكس» عصراً ليعدّ أن «باريس هي اليوم المكان الذي يجتمع فيه شركاؤنا من أجل تعزيز سيادة لبنان وتمكينه من ضمان أمنه بشكل كامل»، عادَّاً أن لبنان الذي ينعم بالسلام «أمل يتجدد للشرق الأوسط بأسره. ولبنان ذو السيادة والمستقر هو خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة برمتها». وحرص ماكرون على التأكيد أننا «بالتعاون مع الرئيس اللبناني وملك الأردن، وبالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وشركائنا الدوليين، ندعم القوات المسلحة اللبنانية، التي لا غنى عنها لترسيخ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها».

وأبعد من لبنان، أشار ماكرون إلى أنه «في مواجهة التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، الدبلوماسية والحوار وحدهما من شأنهما وضع حد لتصعيد لا أفق له»، مجدداً تأكيد تضامن بلاده مع الأردن وإدانة الهجمات الإيرانية. كذلك، شدد الرئيس الفرنسي على «أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفي البحر الأحمر، وفي مضيق باب المندب». وأكد ماكرون أنه «يعمل بلا كلل من أجل خفض حدة التوترات، وتأمين إمداداتنا من النفط، وتخفيف الضغط على الأسعار».

اجتماع ثلاثي

واستفاد عون من المناسبة ليقدم عرضاً منهجياً للوضع اللبناني وصعوباته ولما تقوم به الدولة، وخصوصاً عرض الحجج القيّمة التي تجعل من مساعدة قوات الشرعية اللبنانية استثماراً في أمن المنطقة واستقرارها، بحيث لا تنحصر فائدته بلبنان وحده. وأسهمت مشاركة الملك عبد الله الثاني في الاجتماع بصفته يندرج في إطار «مسار العقبة» بإعطائه طابعاً إقليمياً وشرق أوسطياً بحيث شملت المحادثات، إن في الإليزيه أو في قصر الأنفاليد، الوضعين اللبناني والإقليمي. ووفق ما نقلته «الوكالة الوطنية للأنباء» عن أوساط رئاسة الجمهورية اللبنانية، فإن الثلاثة تناولوا في قمتهم «الوضع الإقليمي الخطير، وأكدوا ضرورة تكثيف الجهود الدولية للتوصل إلى تهدئة شاملة ومستدامة تعيد للمنطقة استقراراها. وقد تم البحث في مجمل التطورات في غزة والضفة الغربية والقدس». ومن جانبه، شدَّد عون على «أهمية ترابط أمن المنطقة» ودعا إلى «صياغة استراتيجية أمن إقليمي مشترك من خلال مشاريع الطاقة المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي».

الرئيس اللبناني: نهاية الجفاء مع فرنسا

بيد أن عون أراد أيضاً من المناسبة أن يغلق ملف «الجفاء» القائم بين لبنان وفرنسا من خلال التركيز على شكر الرئيس ماكرون لـ«الدعم الذي تقدمه فرنسا للبنان وحرصه على تعزيز سلطة الدولة وسيادتها ودعم مؤسساتها الرسمية والأمنية والعسكرية». كذلك، أثنى على اهتمام ماكرون، بالتعاون مع رئيسة وزراء إيطاليا، بإيجاد بديل عن قوة «يونيفيل»؛ لتجنب الفراغ الأمني في جنوب لبنان. وذهب أبعد من ذلك بدعوته إلى «تعزيز التعاون في المجالات كافة، ولا سيما في المجال الاقتصادي والطاقة واستئناف التنقيب عن النفط والغاز في البلوكات اللبنانية». ومجدداً عاد عون، في كلمته الافتتاحية، لتوجيه الشكر للأردن ولماكرون ولفرنسا «باسم كل اللبنانيين على استضافتها الاجتماع وعلى وقوفها الدائم إلى جانب لبنان».

الرئيسان اللبناني والفرنسي وملك الأردن قبيل ظهر الخميس في قصر الأنفاليد حيث حصل الاجتماع الخاص بلبنان (أ.ب)

في كلمته الطويلة نسبياً، رسم عون صورة قاتمة عن الوضع في جنوب لبنان بسبب الاعتداءات والممارسات الإسرائيلية. إلا أنه، بالمقابل، عدَّ أن أمام لبنان فرصة توافرت بفضل «إرادة واضحة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها والمضي في الإصلاحات التي يحتاج إليه البلد». وكلام عون ليس جديداً، إنما التركيز عليه في باريس غرضه طمأنة المتخوفين من مراوحة الوضع اللبناني مكانه ومن عجز الدول عن ترجمة وعودها إلى أفعال.

يقول عون إن أمام لبنان فرصة يتعين اقتناصها، أساسها «قيام دولة قوية ومؤسسات فاعلة».

وهنا، يبرز دور الجيش والقوات الأمنية اللبنانية وتبرز الحاجة إلى دعم إقليمي ودولي. وإذ أشار إلى أهمية حصرية السلاح، شدد بالمقابل على أنه «أولاً خيار لبناني ومصلحة لبنانية» وهي حجة يرفعها بوجه من يتهم الدولة بـ«الانصياع للخارج». ودافع عن سياسة التفاوض مع إسرائيل، منبهاً بأن «التفاهمات والاتفاقيات لا تنجح بالتوقيع عليه فقط، بل باحترامها وتنفيذها من قِبل جميع الأطراف» في انتقاد واضح لإسرائيل. لذا؛ طلبه من «الأصدقاء والشركاء المساعدة على تنفيذ ما تم الاتّفاق عليه كاملاً، والتّعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه مبدأً ثابتاً لا يخضع للانتقائيّة».

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً صباحاً الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

عون: هذه لحظة قرار لا لحظة انتظار

ولأن غرض الاجتماع «التقني والتمهيدي» مخصص لدعم الجيش؛ فقد سرد عون بإسهاب المهمات المتنوعة التي يتولى تنفيذها (تعزيز سلطة الدولة وحضورها، حماية الأمن الاستقرار ومنع انتهاكات الحدود ومحاربة التهريب...). يضاف إلى ما سبق الدور المفترض أن يلعبه بعد انتهاء مهمة «يونيفيل» بحيث لا يفضي رحيلها إلى فراغ أمني. كذلك، عرض لمهمات الأمن الداخلي ليخلص إلى القول إنه «لا يمكن تعزيز سلطة الدّولة من دون مؤسّسات عسكريّة وأمنيّة قوية فاعلة وحاضرة على كامل الأراضي اللّبنانيّة».

ولأن المؤسسات الأمنية تعيش ظروفاً قاسية، فإن الحاجة ملحة «إلى مواكبة ودعم دوليين» لتمكين القوى الأمنية من القيام بواجباتها. وهذا بالتحديد الغاية من الاجتماع التمهيدي الذي يراد منه أن يطلع على الخطة التفصيلية الدقيقة لانتشار الجيش اللبناني والنظر في كيفية التجاوب مع احتياجاته الكثيرة. وحرص الرئيس اللبناني على إيصال رسالة مفادها أن مساعدة القوى اللبنانية «استثمار يتجاوز حدود لبنان»؛ إذ إن «استقراره جزء من استقرار المنطقة»، مضيفاً أن «أي فراغ أمنيّ يمكن أن يتحول سريعاً مصدرَ عدم استقرار أوسع للمنطقة». وبناءً على ما سبق؛ فإن عون يطالب الاجتماع، وبقوة، بـ«نتائج ملموسة»، داعياً إلى أن يفضي إلى «خريطة طريق للمؤتمر الدّوليّ لدعم الجيش وقوى الأمن الدّاخليّ، وبجدول زمنيّ واضح لانعقاده وأن تؤسّس هذه الخريطة لمقاربة طويلة الأمد في دعم مؤسّساتنا العسكريّة والأمنية». وتبديداً للشكوك الدولية، فإن عون وعد بـ«الشفافية الكاملة والمساءلة» التي يتعين أن تترافق مع الدعم ووعد بأن تتحمل الدولة اللبنانية «حصة متزايدة في تمويل مؤسساتها الأمنية مع استعادة قدرتها المالية». وإشارة عون إلى «المؤتمر الدولي» مرده لكون اجتماع الخميس «تحضيري».

وختم الرئيس اللبناني كلمته داعياً إلى الاستثمار «في نجاح الدّولة اللّبنانيّة وفي استقرار المنطقة، فكما أن نجاح لبنان فإنّ نتائجه لن تبقى داخل حدوده، وتداعيات سقوطه أيضاً». ولمن ما زال متردداً وغير مقتنع، أردف قائلاً: «هذه لحظة قرار، لا لحظة انتظار».

القادة الثلاثة خلال اجتماعهم المغلق الخميس في قصر الأنفاليد (أ.ب)

هل أقنع الرئيس اللبناني المجتمعين؟ حقيقة الأمر، أن باريس، منذ بدء الحديث على اجتماع الخميس حرصت على خفض سقف التوقعات، ووعود الدعم التي تحدثت عنها مصادرها كانت «مؤجلة» للمؤتمر الذي أُلغي أو تأجل في مارس (آذار) الماضي. واللافت، أن الأطراف الثلاثة (فرنسا والأردن ولبنان) امتنعت طيلة النهار عن توفير أي معلومات عما دار داخل الاجتماع، بل رفض الإليزيه نقل كلمة القادة الثلاثة رغبة منه في إبقاء ما يقال داخل غرفة الاجتماع.


شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
TT

شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)

وضع القضاء العسكري في لبنان يده على واحدة من أخطر الشبكات الأمنية التي كُشف النقاب عنها خلال الأسابيع الماضية، بعدما أظهرت التحقيقات الأولية تورّط مجموعة -تضمّ ضباطاً وعناصر من فلول نظام الأسد وأشخاصاً مرتبطين بـ«حزب الله»، أبرزهم ياسر علاء الدين الملقب بـ«الحاج علاء»- في تجنيد عشرات السوريين ونقلهم من الساحل السوري وتدريبهم، وإخضاعهم لدورات تدريبية على الأسلحة والمتفجرات واستخدام الطائرات المسيّرة، وإعادتهم إلى سوريا؛ تمهيداً لتنفيذ أعمال أمنية هناك.

التطوّر الأبرز في هذه القضية تمثّل في ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم على 14 شخصاً لبنانيين وسوريين بينهم 5، وأسند إليهم جرائم «تأليف عصابة من الأشرار، والتدريب على الأسلحة الحربية والمتفجرات والبنادق القناصة وتشغيل المسيّرات، بهدف القيام بأعمال إرهابية في الساحل السوري، وذلك استناداً إلى مواد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة».

وأحال الملف على قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، طالباً استجواب الموقوفين وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، واتخاذ ما تراه مناسباً بالنسبة للفارين من العدالة.

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي مع سوريا بشرق لبنان (إ.ب.أ)

ادعاء القاضي غانم على الشبكة الأمنية جاء بعد أكثر من أسبوع على تسلّمه محاضر الاستجوابات الأولية التي أجرتها شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وأوضحت مصادر قضائية مطلعة على الملفّ لـ«الشرق الأوسط»، أن التحقيقات الأولية «رسمت مساراً منظّماً للعمليات التي نفذتها الشبكة، بدءاً من استقدام عشرات الأشخاص من سوريا إلى لبنان وإخضاعهم لدورات تدريب مكثّفة، وصولاً إلى نقل المعدات العسكرية إلى سوريا».

وأكدت أن الاعترافات الأولية للموقوفين، وأبرزهم العقيد في المخابرات الجوية في جيش بشار الأسد، مناف علي صافي، تحدثت عن «إدخال أكثر من 40 ضابطاً وعنصراً من فلول الأسد من الساحل السوري عن طريق سلوك معابر غير شرعية في شمال لبنان، على دفعات وبمعدل 5 أشخاص في كل مرة».

وقالت إن «المسؤول في تنظيم (حزب الله)، ياسر علاء الدين، المتواري عن الأنظار، كان يشرف على عمليات تهريب أعضاء الشبكة وتدريبهم»، مشيرة إلى أن هؤلاء «خضعوا لتدريبات داخل معسكرات تابعة لـ(حزب الله)، شملت استخدام المسيّرات والمتفجرات والأسلحة الحربية وبنادق القنص، في إطار التحضير لتنفيذ عمليات أمنية داخل الأراضي السورية، وأن هذه العمليات كان يديرها قائد قوات الصحراء في جيش الأسد اللواء محمد جابر، الموجود حالياً في العاصمة الروسية موسكو، والمقرب من بشار الأسد».

الحدود اللبنانية السورية (المركزية)

ولم تقتصر أنشطة الشبكة على التدريب، إذ كشفت التحقيقات أنها «نجحت في تهريب كميات من المتفجرات والأسلحة وطائرات الدرون (المسيّرات) إلى سوريا، بعد تفكيكها وإخفائها داخل مستوعبات وكراتين مخصصة لنقل مساعدات من (حزب الله) إلى مجموعات محددة في الساحل السوري».

ولفتت المصادر القضائية إلى أن الشبكة «كانت تخطّط لاستهداف قوات الأمن العام السورية، وتنفيذ أعمال تهدف إلى زعزعة الاستقرار في سوريا، على أن تمتد تداعياتها تدريجياً إلى مناطق سورية أخرى».

ووصفت المخطط بأنه «خطير وكبير جداً»، بالنظر إلى حجم الشبكة وطبيعة التدريبات والمعدات المستخدمة». وحذّرت من أن «تنفيذ هذا المخطط لم يكن ليهدد الأمن السوري فحسب، بل كان من شأنه أيضاً أن يرتد على الداخل اللبناني ويفتح الباب أمام تداعيات أمنية بالغة الخطورة».


صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
TT

صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)

بعد اغتيال أبرز قادة المجلس العسكري لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، خلال الحرب على قطاع غزة، انتقلت إسرائيل لاستهداف الصف الثاني من قادة الكتائب بعدما أصبحوا هم من يديرون العمل العسكري في القطاع.

وخلال الأسبوع المنصرم، اغتالت إسرائيل قائديْ لواءي خان يونس ورفح في غارتين منفصلتين بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، وهما محمد اليازوري ونائل أبو عبيد، اللذان يعدّان من أبرز قيادات «القسام» في المنطقة الجنوبية.

وكان اليازوري قد تولى مسؤولية لواء خان يونس بعد فترة قصيرة من مقتل القياديَّين، عز الدين الحداد ومحمد عودة، اللذين اغتيلا بفارق لم يتجاوز عشرة أيام في مايو (أيار) الماضي. وقد قُتل برفقته، حذيفة أبو معمر، أحد المهندسين في «كتائب القسام»، والذي كان مسؤولاً عن تطوير قدراتها العسكرية ومقرباً من قياداتها البارزة.

أما أبو عبيد، فقد تولى قيادة لواء رفح بعد اغتيال محمد شبانة في مايو 2025، حين قصفت إسرائيل نفقاً بخان يونس كان فيه برفقة محمد السنوار القائد العام لـ«القسام»، الذي خلف بدوره محمد الضيف بعد اغتياله أيضاً في قصف في 13 يوليو (تموز) 2024، وبرفقته رافع سلامة قائد لواء خان يونس السابق.

ومن الملاحظ أن حركة «حماس» وجناحها المسلح باتا يكتفيان بنعي القيادات، دون أن تحمل البيانات أي لغة تهديد بالرد كما كان يحدث خلال الحرب وقبلها.

وبينما يرى مراقبون أن «حماس» أصابها الوهن، وأصبحت لا تستطيع الرد عسكرياً، يقول آخرون إنها فقط لا ترغب في جر إسرائيل لردود فعل أشد وطأة أو إعطائها ذريعة لاستئناف الحرب.

الإعلام الإسرائيلي

تتحدث وسائل الإعلام العبرية عن عدم قدرة «حماس» على الرد. وذكرت «القناة 12» أن الحركة تخشى رد فعل إسرائيل ولا تنوي الرد على الاغتيالات، «وباتت تدرك أن اليد العليا للجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة».

فيما نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤول رفيع سابق في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقطاع غزة قوله إن «حماس» لم تعد قادرة على العمل بحرية للرد على اغتيال قياداتها البارزة، وإن بوادر ذلك بدأت تظهر حتى قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مشيراً إلى أن إطلاق الصواريخ من غزة باتجاه إسرائيل كاد يكون «منعدماً» خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، ولم تكن هناك عمليات عسكرية كبيرة.

فلسطيني ينقِّب الخميس عن أشياء بين أنقاض مبنى سكني انهار بعد تضرره في قصف إسرائيلي سابق بمدينة غزة (رويترز)

ونسبت جريدة «يديعوت أحرونوت» إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال مداولات أمنية مغلقة بحضور رئيس حكومته بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إن حركة «حماس» انهزمت، وإن إسرائيل حسمت المواجهة؛ في حين حذَّر مسؤول في شعبة الاستخبارات العسكرية من أنها لا تزال تشكل تهديداً وتسعى إلى استعادة قدراتها وحكمها.

وقال كاتس إن «حماس» باتت تواجه «واقعاً استراتيجياً صعباً»، مضيفاً أن إسرائيل «ستواصل العمل لإنجاز أهدافها الأمنية وضمان عدم تكرار تهديد 7 أكتوبر»، مضيفاً: «لقد أحبطنا قادة (حماس) داخل وخارج غزة وحتى في إيران. لن نسمح لإيران أو لأي طرف آخر بتسليح (حماس) مرة أخرى».

أولويات الحركة

غير أن أربعة مصادر في «حماس»، منها مصدر سياسي بالخارج وآخر من غزة ومصدران ميدانيان بالقطاع، أكدوا جميعاً لـ«الشرق الأوسط»، في إفادات منفصلة، أن هناك أولويات لدى الحركة وجناحها المسلح تتمثل بشكل أساسي في حرمان إسرائيل من أي ذريعة لاستغلال الوضع واستئناف الحرب.

وصرَّح المصدر السياسي بالخارج بأن هناك «قراراً واضحاً بعدم الرد على أي اغتيالات كانت؛ لأن إسرائيل ما ترغب به هو رد فعل يمنح مصداقية لروايتها التي تدَّعي أن هناك سلاحاً حقيقياً يؤثر عليها داخل قطاع غزة ويجب نزعه بالقوة».

فيما قال المصدر الآخر من غزة إن «حماس» لا تريد أن تجر سكان القطاع إلى الحرب مجدداً، لذا فإن هناك تفاهمات فصائلية واسعة على ضرورة تجنب تنفيذ أي أعمال قد توصف بأنها «استفزازية»، ما قد يجر رداً إسرائيلياً غير محسوب.

أفراد من الدفاع المدني الفلسطيني يحملون جثماناً انتشلوه من وسط أنقاض مبنى منهار بمدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

ويؤكد المصدران أن الحركة ملتزمة بشروط اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، وكذلك بالتفاهمات مع «مجلس السلام» بشأن المرحلة الثانية، مؤكدين أن المشكلة هي عند إسرائيل التي تواصل خروقاتها وترفض الالتزام بأي اتفاق.

وقالا إن هناك قراراً داخل «حماس»، وبتنسيق مع الفصائل، على ضرورة المضي بالاتفاق بما يضمن ويشمل تسليم الحكم للجنة الوطنية لإدارة غزة، وبما يضمن حصر السلاح عبرها فقط وليس من خلال حصره بيد إسرائيل أو الولايات المتحدة. وأشارا إلى أن عرقلة إسرائيل للاتفاق تمنع البدء بعملية الحصر، وأنها لا تزال تعرقل دخول اللجنة للقطاع لمباشرة مهامها.

أما المصدران الميدانيان فقالا إن لدى «حماس» والفصائل إمكانيات يمكن وصفها بأنها «محدودة» مثل الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة والقذائف المضادة للآليات، يمكن أن تنفذ من خلالها هجمات؛ لكن القرار المتخذ في أوساط القيادتين السياسية والعسكرية هو الحفاظ على الهدوء ما أمكن، والاستعداد لأي عمليات دفاعية فقط وليست هجومية.

أطفال نازحون ينقِّبون وسط ركام مبنى انهار بمدينة غزة يوم الأربعاء وأسفر عن مقتل 21 فلسطينياً على الأقل (إ.ب.أ)

وبحسب أحد المصادر، فإن الأمر لا يتعلق بالخوف من مواجهة الإسرائيليين بقدر ما يتعلق بالحفاظ على حياة السكان، ووقف أي محاولات من إسرائيل لاستغلال ذلك لتهجير الفلسطينيين وإجبارهم على النزوح من منطقة لأخرى، وتدمير مزيد من المنازل التي ما زالت قائمة بالقطاع.

وأضاف: «الاعتقاد السائد في إسرائيل بأن (حماس) انهزمت مجرد شعار لا قيمة له على أرض الواقع»، مؤكداً أن الحركة «تُفضِّل تجنيب سكان القطاع ويلات الحرب على أن تُثبت فشل هذا الشعار من خلال أي هجوم لا أهمية لنتائجه في الوقت الحالي».

انتقادات «مجلس السلام»

وفي سياق متصل، نقلت قناة (آي 24 نيوز) العبرية عن مصدر مسؤول في «مجلس السلام» انتقاده استراتيجية إسرائيل الحالية بغزة، والمتمثلة في اغتيال القيادات مع بقاء عناصر مسلحة واستمرار حكم «حماس».

ونسبت القناة إلى المصدر قوله إن «مجلس السلام» يسعى لتفكيك «حماس» والقضاء عليها بالكامل، في حين تقتل إسرائيل نشطاء دون أن تقضي على الحركة نفسها.

وقال المصدر المسؤول إن سياسة إسرائيل تماثل ما كان سائداً قبل السابع من أكتوبر 2023، وإن السبيل لتحقيق هدف تفكيك الحركة هو 14 يوماً من الهدوء - باستثناء الإجراءات اللازمة لمواجهة التهديدات المباشرة - وتعاون الحكومة الإسرائيلية الكامل في جميع الخطوات التحضيرية واللوجستية المطلوبة لنزع السلاح طوعاً، والالتزام بالمهلة التي حددها «مجلس السلام» لوقف الهجمات من أجل الاتفاق على جدول زمني لبدء عملية حصر السلاح، كما كان متفقاً عليه في القاهرة.

وأضاف: «إذا بدأت (حماس) بتفكيك نفسها بسرعة وقدمت جميع إحداثيات الأنفاق، فسيكون ذلك ممتازاً. أما إذا لم تنزع سلاحها، فسيحصل الجيش الإسرائيلي على دعم دولي للقيام بذلك بالقوة».