لبنان بين هدنتين: أكثر من 100 إنذار إخلاء و970 منزلاً مدمراً بالكامل

التجريف متواصل وخوف من تثبيت «منطقة عازلة» على التلال

مشيعون يشاركون في جنازة عنصرين من الدفاع المدني اللبناني قتلا في غارة إسرائيلية على مدينة النبطية في 13 مايو 2026 (رويترز)
مشيعون يشاركون في جنازة عنصرين من الدفاع المدني اللبناني قتلا في غارة إسرائيلية على مدينة النبطية في 13 مايو 2026 (رويترز)
TT

لبنان بين هدنتين: أكثر من 100 إنذار إخلاء و970 منزلاً مدمراً بالكامل

مشيعون يشاركون في جنازة عنصرين من الدفاع المدني اللبناني قتلا في غارة إسرائيلية على مدينة النبطية في 13 مايو 2026 (رويترز)
مشيعون يشاركون في جنازة عنصرين من الدفاع المدني اللبناني قتلا في غارة إسرائيلية على مدينة النبطية في 13 مايو 2026 (رويترز)

تكشف المعطيات الميدانية، التي تلت دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان، وإسرائيل حيّز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الماضي، أن الهدنة لم تنعكس هدوءاً فعلياً على الأرض، بل بقيت المناطق الجنوبية تحت وطأة الاستهدافات، والإنذارات، والتدمير المتواصل، في مشهد يعزز الانطباع بأن العمليات العسكرية انتقلت من نمط المواجهات الواسعة إلى إدارة ميدانية طويلة الأمد للضغط العسكري، والأمني.

ووثقت «الشرق الأوسط» عدد القرى والنقاط الحدودية التي لا تزال إسرائيل تسيطر عليها، أو تتمركز داخلها، أو في محيطها منذ اندلاع الحرب الأخيرة، وما تبعها من ترتيبات ميدانية، بلغ نحو 41 قرية ونقطة حدودية، فيما تجاوز عدد إنذارات الإخلاء التي صدرت خلال المرحلة الماضية عتبة 100 إنذار، مع تسجيل نحو 104 إنذارات طالت قرى وبلدات موزعة على محافظات الجنوب، والنبطية، والبقاع.

ولم تقتصر الإنذارات على المناطق الجنوبية الحدودية، بل امتدت إلى مناطق في البقاع الغربي، وشملت بلدات عدة، بينها سحمر، ويحمر، ومشغرة، وزلايا وإليا، ومناطق مجاورة، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للضغوط الميدانية.

رجال الدفاع المدني وعناصر في الجيش يتفقدون موقع استهداف سيارة بغارة إسرائيلية في بلدة الجية على طريق الجنوب في 13 مايو 2026 (إ.ب.أ)

كلفة التدمير مستمرة

وكشفت أرقام الباحث والكاتب محمد شمس الدين أنّ المعطيات الميدانية المسجلة منذ 17 أبريل وحتى 13 مايو (أيار)، تعكس استمرار الكلفة التدميرية المرتفعة في المناطق الجنوبية على رغم الهدنة المعلنة.

وأوضح شمس الدين لـ«الشرق الأوسط» أن «الإحصاءات المتوافرة تشير إلى تدمير 970 منزلاً بشكل كامل خلال هذه الفترة، مقابل تسجيل أضرار جسيمة في 545 منزلاً إضافياً، فضلاً عن أضرار طفيفة طالت نحو 3400 منزل».

لا تعكس هذه الأرقام فقط حجم الخسائر المادية، بل تكشف أيضاً أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لم تعنِ توقف آثار الحرب على الأرض، إذ إن حجم الأضرار المسجلة يترك انعكاسات مباشرة على واقع السكان، وظروف العودة، وإعادة الإعمار.

وتُظهر معطيات ميدانية مرتبطة بتداعيات المرحلة التي تلت وقف الأعمال العدائية استمرار ارتفاع الكلفة البشرية أيضاً. وبحسب أرقام غرفة العمليات التابعة لوزارة الصحة العامة، فقد بلغ عدد القتلى والجرحى المسجلين منذ منتصف ليل 16 أبريل وحتى 17 مايو 694 قتيلاً، و1666 جريحاً، ما يعكس استمرار التداعيات الميدانية رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.

مخاوف من حزام أمني جديد

في المقابل، يرى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تحمل مؤشرات تتجاوز الطابع العسكري الموضعي، باتجاه محاولة تثبيت معادلات أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية.

وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: إن «التطورات الميدانية الأخيرة في جنوب لبنان توحي بأن إسرائيل تتحرك وفق مقاربة تتجاوز العمليات العسكرية الموضعية، باتجاه محاولة تثبيت واقع أمني جديد عبر السيطرة على التلال، والمرتفعات الاستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية».

وأوضح أن «المعطيات الميدانية بعد الهدنة المعلنة، وخلال الأيام الأخيرة، ولا سيما في المناطق الممتدة بين دير سريان، ودير عامص، والقرى المقابلة لمنطقة الشقيف، تُظهر تركيزاً واضحاً على نقاط جغرافية ذات أهمية استراتيجية».

مسعفون تابعون لجمعية الرسالة الكشفية الإسلامية يتجمعون في موقع القصف الإسرائيلي الذي استهدف أحد مراكزهم في قرية عرنون جنوب لبنان في 12 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وأضاف ملاعب: «يبدو أن هناك سعياً لإعادة إنتاج نموذج سبق أن اعتمدته إسرائيل أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما تقدمت نحو عدد من المرتفعات، والتلال، وأنشأت نقاط تموضع، وخطوطاً دفاعية ضمن الأراضي اللبنانية».

وحذّر من أن «ما يُخشى اليوم هو محاولة نقل هذا الخط الدفاعي إلى مواقع جديدة بحيث يصبح قائماً على سلسلة من التلال، والمرتفعات الطبيعية، بما يسمح بإنشاء حزام أمني، أو منطقة عازلة تستند إلى عناصر جغرافية تمنحها أفضلية ميدانية».

وفي قراءته للمرحلة التي تلت إعلان وقف الأعمال العدائية، رأى ملاعب أن «المشكلة الأساسية تكمن في التباين القائم حول تفسير الاتفاق نفسه»، موضحاً أن «البيان الصادر عن الخارجية الأميركية بعد اجتماعات الموفدين حمل مقاربة تعتبر أن ما تقوم به إسرائيل يدخل في إطار حق الدفاع عن النفس، وليس ضمن الأعمال العدائية المباشرة».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنازحين (رويترز)

وأضاف: «إسرائيل تعتمد على هذا التفسير في مقاربتها للميدان، إذ تقدم عملياتها باعتبارها إجراءات استباقية لمنع تهديدات مستقبلية، لا عمليات هجومية تقليدية، وهذه نقطة بالغة الحساسية، لأنها تفتح الباب أمام استمرار العمليات العسكرية تحت عناوين مختلفة».

واعتبر أن «ما يثير القلق هو أن وتيرة العمليات منذ إعلان الهدنة لم تتراجع بصورة فعلية، بل شهدت تصاعداً تدريجياً مع احتمال ارتفاعها أكثر خلال المرحلة المقبلة»، مشيراً إلى أن «التركيز على مناطق مثل دبين، والقرى المحيطة بها، والتلال المشرفة عليها ليس تفصيلاً ميدانياً، لأن هذه المرتفعات تشكل بطبيعتها حواجز جغرافية تمنح من يسيطر عليها أفضلية عسكرية وأمنية كبيرة».


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)

مخاوف لبنانية من تداعيات زلزالية للتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب

لم تعد التفجيرات الإسرائيلية المتتالية في جنوب لبنان مجرد عمليات عسكرية تستهدف منشآت ومواقع لـ«حزب الله».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً في قرية عيترون جنوب لبنان... 27 يناير 2025 (أ.ب)

لبنان يواجه «الرمادي» الإسرائيلي بالتمسك بـ«اتفاق الهدنة» والـ425 و1701

يفتح ما يُتداول في وسائل إعلام إسرائيلية عن احتمال اعتماد ما يسمى «الخط الرمادي» في جنوب لبنان نقاشاً لبنانياً يتجاوز تفاصيل أي تغيير محتمل في الانتشار العسكري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي النيران تشتعل في مرتفعات «علي الطاهر» إثر تفجير إسرائيلي للمنشآت (وزارة الدفاع الإسرائيلية)

لبنان يعوّل على «روما-3» لتثبيت وقف النار وإلحاق «علي الطاهر» بـ«المناطق التجريبية»

تلوذ قيادة «حزب الله» بـ«الصمت الاستراتيجي»، أسوة بصبرها الاستراتيجي، لدى سؤالها عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل إيران لمنع إسرائيل من سيطرتها على «علي الطاهر»

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى الإعلام في مدينة النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

الرئيس اللبناني من النبطية: لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي

قام الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (السبت)، بزيارة مفاجئة لمدينة النبطية في جنوب لبنان التي عزز فيها الجيش أخيراً وجوده.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.