مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تدخل أسبوعاً حاسماً

«الإطار التنسيقي» يتغاضى عن دعوة الصدر إلى حل الفصائل

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)
TT

مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تدخل أسبوعاً حاسماً

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)

في وقت نفت فيه «هيئة الحج والعمرة» العراقية صحة ما تداولته أوساط بشأن توجه 182 نائباً إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج خلال الأسبوع الحالي، وفي ظل مؤشرات على تراجع مستوى الدعم الذي حظي به المكلف بتشكيل الحكومة علي الزيدي داخل قوى الإطار التنسيقي، يدخل المشهد السياسي العراقي أسبوعاً بالغ الحساسية، يُتوقع أن يُحسم فيه مصير تمرير الحكومة الجديدة من عدمه.

وبحسب مصدر برلماني مطلع، فإن العدد الكلي للنواب المسجلين رسمياً لأداء فريضة الحج يبلغ 42 نائباً فقط، وهو رقم لا يُفترض أن يؤثر في النصاب في حال جرى التصويت على الكابينة الوزارية خلال الجلسة المرتقبة، المقرر عقدها يوم الخميس المقبل، إلا أن المخاوف، وفق المصدر، لا تزال قائمة من احتمال سفر عدد إضافي من النواب عبر استثناءات خاصة خارج الحصة الرسمية، الأمر الذي قد ينعكس على اكتمال النصاب القانوني.

وكان الزيدي قد سلم، الخميس الماضي، برنامجه الحكومي إلى رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، حيث ينتظر البرنامج حالياً الملاحظات النهائية من لجنة برلمانية شُكلت لهذا الغرض، وتضم نواباً من لجان متعددة، بينها لجنة التخطيط الاستراتيجي.

ووفقاً للمصدر نفسه، كان من المقرر أن يُعقد التصويت على الكابينة الحكومية يوم الاثنين، قبل أن يُؤجل إلى الخميس، مشيراً إلى أن التأجيل يعود إلى سببين رئيسيين: الأول حاجة اللجان النيابية لمزيد من الوقت لمراجعة البرنامج الحكومي وإبداء الملاحظات بشأنه، والثاني استمرار الخلافات حول عدد من الحقائب الوزارية، سواء القائمة أو تلك التي يُقترح إعادة توزيعها ضمن ما يُعرف بعمليات «التدوير» بين المكونات السياسية.

وتشمل نقاط الخلاف أيضاً مقترحات باستحداث وزارات جديدة، من بينها وزارة دولة للشؤون الخارجية ووزارة للأمن الاتحادي، إضافة إلى طرح فكرة تعيين 4 نواب لرئيس الوزراء، وهي مقترحات ما زالت محل جدل بين الكتل السياسية.

إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)

منتصف الطريق

وفي موازاة هذه التعقيدات، يرى سياسي عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن المشهد السياسي بات أكثر غموضاً بفعل التداخل بين الخلافات الداخلية والتصريحات الخارجية، خصوصاً تلك الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي عُدَّتْ في بعض الأوساط عاملاً إضافياً زاد حساسية موقف الزيدي.

ويقول السياسي إن الدعم الأميركي الذي بدا في بعض مراحله داعماً للزيدي، أصبح لاحقاً موضع إشكال سياسي داخلي، بعد تصريحات منسوبة لترمب أشارت إلى أنه كان وراء دعم ترشيح الزيدي، بل وفرضه سياسياً أيضاً، في مقابل عدم رضاه، ولو ضمنياً، عن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي كان مطروحاً سابقاً للمنصب.

وأضاف المصدر أن هذه الأجواء أسهمت في دفع بعض قيادات «الإطار التنسيقي» إلى إعادة تقييم موقفها من الزيدي، من دون إعلان ذلك بشكل صريح، لكنها بدأت عملياً بطرح عراقيل تتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية، سواء عبر تقييد صلاحيات المكلف في اختيار الوزراء، أو الإصرار على تدوير الوزارات، وفق اعتبارات حزبية ومكونية، أو فرض شروط إضافية معقدة.

وتشير هذه المعطيات، بحسب المصدر، إلى أن بعض القوى تسعى إلى إبطاء عملية تشكيل الحكومة ضمن السقف الدستوري، أو الدفع باتجاه استحداث مناصب جديدة كوسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل التشكيلة الوزارية، في ظل ما تصفه هذه القوى بضرورة معالجة «الاختلالات الهيكلية» في مؤسسات الدولة.

كما أشار إلى أن مسألة عدم اكتمال النصاب بسبب موسم الحج تٌستخدم، وفق تعبيره، كعامل ضغط سياسي، خشية تمرير الحكومة من دون القدرة على فرض الشروط التي تطالب بها بعض أطراف الإطار، أو تطويق صلاحيات المكلف من خلال تعيين نواب له من داخل القوى الشيعية التقليدية، خصوصاً أنه يُنظر إليه بوصفه خارج البنية التقليدية للبيت السياسي الشيعي، رغم انتمائه إليه.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مقاربة الصدر

في سياق متصل، أثارت مقاربة الزيدي التي تتضمن في أولوياتها حصر السلاح بيد الدولة، مخاوف عدد من القوى المسلحة المنضوية ضمن الفصائل، والتي تصف نفسها بـ«المقاومة». وقد دفعت هذه المقاربة بعض القيادات إلى توجيه أنصارها لتصعيد خطاب سياسي وإعلامي رافض لمسار تشكيل الحكومة إذا لم يتم أخذ موقفها في الحسبان.

وتفيد مصادر مطلعة بأن عدداً من نواب «الإطار التنسيقي» لا يزالون مترددين في حضور جلسة التصويت المرتقبة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مآلات التفاهمات السياسية.

وبحسب هذه المصادر، فإن أي إخفاق في تمرير حكومة الزيدي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات بديلة داخل الإطار التنسيقي نفسه، لكن الخلافات العميقة بين مكوناته قد تعرقل التوصل إلى بديل متوافق عليه ضمن المهلة الدستورية، ما قد يضع العملية السياسية أمام احتمالات معقدة.

وفي هذا السياق المضطرب، جاءت مبادرة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر بشأن تنظيم ملف الفصائل المسلحة، لتضيف بعداً جديداً إلى الأزمة؛ إذ عدَّها البعض محاولة لتقديم مخرج سياسي، بينما رآها آخرون تعقيداً إضافياً داخل البيت الشيعي بين أطرافه المختلفة.

وتقترح مبادرة الصدر دمج الفصائل المسلحة في هيئة الحج والعمرة، أو تحويلها إلى تشكيلات ذات طابع إنساني وإغاثي، مع تأكيده استعداده لحل الأجنحة المسلحة التابعة لتياره، بما فيها «لواء اليوم الموعود»، وتسليم «سرايا السلام» إلى القائد العام للقوات المسلحة، في حال تنفيذ هذا الطرح.

وقال الصدر في بيان له إن على أي مكلف برئاسة الحكومة تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل موحد، أو إعادة توجيهها نحو أعمال إنسانية، معتبراً أن من يرفض ذلك «يُعد خارجاً على القانون»، داعياً إلى الإسراع في حسم هذا الملف.


مقالات ذات صلة

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية المصري محمد شريف يحتفل بهدف الزوراء في مرمى قطر (نادي الزوراء)

«أبطال الخليج»: المصري شريف يسجل... والزوراء يتعادل مع قطر

تعادل نادي قطر بصعوبة مع ضيفه الزوراء العراقي بنتيجة 1 - 1 الثلاثاء، في افتتاح مشوار الفريقين بدوري أبطال الخليج لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية فرحة لاعبي الشرطة بالتسجيل في مرمى إيست بنغال (الاتحاد الآسيوي)

«أبطال آسيا 2»: الشرطة العراقي يفوز في الهند

واصل فريق الشرطة العراقي انطلاقته القوية في دور المجموعات من بطولة دوري أبطال آسيا الثاني، ليفوز خارج ملعبه على مضيّفه الهندي إيست بنغال.

«الشرق الأوسط» (كالكوتا (الهند))

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.