من صور إلى النبطية… إنذارات ترسم واقعاً جديداً في جنوب لبنان

إسرائيل توسّع «منطقة النار»... وخوف على بيروت

وحدات مدفعية إسرائيلية متمركزة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
وحدات مدفعية إسرائيلية متمركزة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

من صور إلى النبطية… إنذارات ترسم واقعاً جديداً في جنوب لبنان

وحدات مدفعية إسرائيلية متمركزة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
وحدات مدفعية إسرائيلية متمركزة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

تتقدّم رقعة الاستهداف الإسرائيلي في جنوب لبنان بخطى متسارعة، متجاوزة الإطار التقليدي للمناطق الحدودية نحو عمق جغرافي يشمل مدناً رئيسية كقضاءي صور والنبطية، في مسار ميداني يعكس تحولاً تدريجياً في قواعد الاشتباك، من عمليات موضعية إلى سياسة ضغط شامل تُدار بالنار والإنذارات معاً، رغم استمرار الهدنة المعلنة.

في هذا السياق، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إنذاراً إلى سكان بلدات قانا ودبعال وقعقعية الجسر وصريفا، داعياً إلى إخلائها فوراً، والابتعاد لمسافة لا تقل عن 1000 متر، مبرراً ذلك بوجود نشاطات عسكرية لـ«حزب الله».

وفي قراءة لهذا التصعيد، يقول العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن «بلدات أرنون ويحمر وزوطر الشرقية والغربية تُدرج عملياً ضمن نطاق الخط الأصفر، رغم وقوعها شمال نهر الليطاني؛ ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض واقع ميداني يتجاوز الحدود المعلنة»، ويضيف أن «القوات الإسرائيلية لم تصل ميدانياً إلى هذه المناطق بعد، لكنها تسعى تدريجياً للتقدم نحو نقاط استراتيجية مثل أرنون وزوطر ويحمر وقلعة الشقيف، لما تمنحه من قدرة على التحكم في منطقة شمال الليطاني، وفرض سيطرة بالنار على نطاق واسع يمتد إلى النبطية والطيبة ودير سريان».

ويتابع ياسين أن «الاشتباكات العنيفة الدائرة في محيط وادي راج (دير سريان – زوطر)، باستخدام الأسلحة الرشاشة والقذائف المباشرة، تعكس محاولة إسرائيلية لفرض هذا التقدم، رغم أنها لم تنجح حتى الآن في وقف الهجمات التي تستهدفها في تلك المناطق»، مشيراً إلى أنه «يبدو أن لدى إسرائيل نية واضحة لتكريس السيطرة على زوطر تحديداً، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في هذا السياق».

«منطقة عازلة بالنار»... استراتيجية غير معلنة

في قراءة معمقة لهذا المسار، يرى ياسين أن ما يجري يتجاوز الردود العسكرية التقليدية، ليشكّل محاولة منهجية لفرض «منطقة عازلة بالنار» داخل الأراضي اللبنانية.

ويرى أنّ إدراج مناطق في قضاءي صور والنبطية ضمن نطاق الاستهداف «يعكس توجّهاً واضحاً لتوسيع العمليات تدريجياً نحو العمق»، مشيراً إلى أن إسرائيل «لا تحتاج إلى السيطرة الميدانية المباشرة، بل تفرض سيطرتها عبر النار والإنذارات المتكررة».

ويضيف أن هذه السياسة «تجعل الحياة في هذه المناطق شبه مستحيلة؛ ما يؤدي إلى تفريغها من السكان وتحويلها إلى مسرح عمليات مفتوح»، لافتاً إلى أن هذا التمدد قد لا يتوقف عند حدود الجنوب، بل «قد يصل لاحقاً إلى الساحل».

آليات عسكرية إسرائيلية تسلك طريقاً داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

هندسة ميدانية... وأثر ديموغرافي

ويشير ياسين إلى أن تكرار إنذارات الإخلاء «ليس إجراءً عسكرياً فقط، بل أداة ضغط ديموغرافي»؛ إذ يؤدي إلى موجات نزوح تضغط على الدولة اللبنانية، وتربك بنيتها الاجتماعية.

ويشرح أن هذه الآلية تمنح إسرائيل أفضلية مزدوجة: «من جهة، تخفيف الكثافة السكانية بما يسهل العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى، توفير غطاء سياسي عبر ادعاء أنها حذّرت المدنيين مسبقاً؛ ما يخفف تداعيات أي خسائر مدنية أمام المجتمع الدولي».

مهلة للدبلوماسية... أم توسعة للحرب؟

رغم هذا التصعيد، يرى ياسين أن عدم توسيع الضربات حتى الآن نحو بيروت «مرتبط بإعطاء فرصة للمسار الدبلوماسي، في ظل ضغوط دولية وأميركية لفتح قنوات تفاوض مع الدولة اللبنانية».

لكنه يحذّر في المقابل من أن فشل هذه الجهود «سيدفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها بشكل كبير». مشيراً إلى أنّ «المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً، قد تعود معه الضربات لتطول بيروت والضاحية خلال فترة قصيرة»، معتبراً أن ما يجري حالياً ليس سوى «مرحلة تمهيدية لفرض وقائع جديدة، سواء على الأرض أو على طاولة التفاوض».

تصعيد بالنار... وسماء لا تهدأ

في موازاة ذلك، لا تهدأ وتيرة العمليات العسكرية؛ فقد نفذت القوات الإسرائيلية، ليل الأحد الاثنين، عمليات تفجير في الخيام والقنطرة، بالتوازي مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة حتى ساعات الصباح، كما ألقت قنابل مضيئة فوق برعشيت، واستهدفت مدفعياً أطراف صفد البطيخ وياطر ومجدل سلم والشعيتية.

ومع ساعات النهار، توسعت الضربات لتشمل سلسلة غارات على تولين وزوطر الغربية، إضافة إلى 3 غارات عنيفة استهدفت برج قلاويه من دون إنذار مسبق، طالت أحياءً سكنية وبنى تحتية، كما امتد القصف إلى كفرتبنيت ويحمر الشقيف وزوطر الشرقية، فضلاً عن استهداف مجرى نهر الليطاني وخراج بلدة البويضة، في وقت طال القصف المدفعي بلدة المنصوري؛ ما يعكس تصعيداً متدرجاً يجمع بين الضغط الناري والإنذارات المسبقة.

وأدت إحدى الغارات على بلدة شحور إلى سقوط قتيلين، في مؤشر إضافي على تصاعد التكلفة البشرية، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات على «بنى تحتية» في عدة مناطق، بعد توجيه إنذارات مسبقة لها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» في بيان «استهداف موقع قيادي إسرائيلي في بلدة البيّاضة بقنابل ألقتها محلّقة، وأصابت أهدافها بدقّة».

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان (أ.ف.ب)

هدنة قائمة... وتصعيد مستمر

ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 16–17 أبريل (نيسان) الماضي، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتمديده حتى 17 مايو (أيار) الحالي، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، بل شهدت تصعيداً لافتاً خلال الأيام الأخيرة.

وشنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات مكثفة على مناطق متفرقة في جنوب لبنان، زاعماً استهداف بنى تحتية ومبانٍ قال إنها تابعة لـ«حزب الله»، بينها عشرات المواقع التي جرى تدميرها وفق الرواية الإسرائيلية. وفي المقابل، أعلن الحزب تنفيذ عدة عمليات رداً على تلك الهجمات والخروق، استهدفت تجمعات لجنود إسرائيليين ومواقع عسكرية في جنوب لبنان، مستخدماً قصفاً مباشراً وصواريخ مضادة؛ ما يعكس استمرار الاشتباك ضمن سقف الهدنة الهشّة.


مقالات ذات صلة

خلافات مستمرة بين لبنان وإسرائيل تحول دون تنفيذ «اتفاق الإطار»

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أثناء مراسم توقيع «إطار العمل الثلاثي» بين مستشار الوزارة دانيال هولر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر «الخارجية» بواشنطن (أرشيفية - رويترز)

خلافات مستمرة بين لبنان وإسرائيل تحول دون تنفيذ «اتفاق الإطار»

لم تتوصل اجتماعات تامبا بين الوفدَين العسكريَين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أميركية، التي عقدت يومي الثلاثاء والأربعاء إلى أي نتائج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال زيارته مدينة طرابلس يوم السبت (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني يؤكد من طرابلس «مركزية السلاح» بيد الجيش الواحد

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على حصرية السلاح بيد الجيش، وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الطاقة اللبناني جو صدي خلال مؤتمر صحافي (أرشيفية - المركزية)

حرب قضائية بين «القوات» و«الوطني الحر» على جبهة وزارة الطاقة

انتقلت معركة وزارة الطاقة بين «القوات» و«الوطني الحر» من المنابر السياسية إلى القضاء، مع تبادل الشكاوى والإخبارات بشأن عقود الكهرباء واستيراد الفيول.

يوسف دياب (بيروت) يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)

«حزب الله» يتعهد مجدداً عدم التدخل إسناداً لطهران

يترقب اللبنانيون رد فعل «حزب الله»، في حال أصر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديده لإيران بإعطائه الضوء الأخضر باستهدافها بضربة عسكرية

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

توسّعت دائرة الملاحقات القضائية في ملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، مع صدور مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق شخصين تواريا عن الأنظار بعد استدعائهما للتحقيق.

يوسف دياب (بيروت)

الأردن يتوعّد الإرهاب بـ «يد من حديد»

أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
TT

الأردن يتوعّد الإرهاب بـ «يد من حديد»

أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)

لوّح الأردن، أمس (السبت)، بالضرب «بيد من حديد»، رداً على هجوم إرهابي استهدف «كنيسة حمود» في الكرك جنوب البلاد، ما أوقع 9 قتلى وعشرات الجرحى.

وترأس العاهل الأردني الملك عبد اﷲ الثاني، السبت، اجتماعاً لمجلس الأمن القومي، استمع فيه إلى إيجاز أمني حول الهجوم الإرهابي، موجهاً الحكومة والمؤسسات المعنية بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف.

وشدد العاهل الأردني، خلال الاجتماع الذي حضره الأمير الحسين بن عبد اﷲ الثاني ولي العهد، على أن أمن الأردنيِّين وسلامتهم خط أحمر، مؤكداً أن يد العدالة ستطول كل إرهابي. ووجَّه الأجهزة المعنية بالرد بحزم، والضرب بيد من حديد على «الخوارج» وكل مَن تسوّل له نفسه العبث بوحدة الأردنيِّين.

وأكدت مصادر مطلعة تقدُّم التحقيقات في أحداث كنيسة حمود وتحديد هوية منفِّذي الجريمة. وأظهرت مشاهد مصورة للاعتداء 3 إرهابيِّين ترجَّلوا من مركبة وهم يحملون أسلحةً أتوماتيكيةً، وبدأوا في إطلاق النار على المدنيِّين بدم بارد. وكانت بعض وجوههم واضحة للكاميرات.


«حزب الله» يتعهد عدم إسناد إيران

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يتعهد عدم إسناد إيران

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

قالت مصادر نيابية ووزارية لبنانية لـ «الشرق الأوسط»، إن «حزب الله» لن يتدخل هذه المرة إسناداً لإيران في أي حرب جديدة تستهدفها، وهذا ما أبلغه الحزب لرئيس البرلمان نبيه بري، ومن خلاله لرئيس الجمهورية جوزيف عون.

ورأت مصادر نيابية «أن الحزب لا يتحمّل وزر ردّ فعل حاضنته الشعبية، وهذا ما يدعوه للتريُّث بتموضعه خلف بري»، مؤكدة أن المزاج الشيعي العام في لبنان لن يلوذ بالصمت في حال قرر الحزب التدخُّل للمرة الثانية إسناداً لإيران كما حصل في مارس (آذار) الماضي، بخلاف تعهّده لبري بعدم التدخّل.

وشكّل ذلك التدخل يومها إحراجاً لبري أمام عون ورئيس الحكومة نواف سلام بعدما كان أبلغهما بأن الحزب لن يتدخّل نقلاً عن لسان أمينه العام نعيم قاسم.


نتنياهو يهدد السلطة بـ«مفاجأة»

An Israeli checkpoint in Hebron, West Bank, on Saturday (AFP)
An Israeli checkpoint in Hebron, West Bank, on Saturday (AFP)
TT

نتنياهو يهدد السلطة بـ«مفاجأة»

An Israeli checkpoint in Hebron, West Bank, on Saturday (AFP)
An Israeli checkpoint in Hebron, West Bank, on Saturday (AFP)

أطلق الجيش الإسرائيلي، أمس، عمليةً عسكريةً واسعةً في قلب الخليل، جنوب الضفة الغربية، واحتلَّ منازل وأجبر مئات العائلات على مغادرة منازلها، في عملية تهجير جديدة، ما فرض واقعاً أمنياً جديداً في الضفة المُحاصَرة والمغلقة. وفيما سارعت «السلطة الفلسطينية» إلى مطالبة العالم بالتدخل العاجل، هدَّدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«مفاجأة كبيرة... مباغتة».

واقتحم الجيش الإسرائيلي، الخليل، مغلقاً جميع المنافذ إليها، بعد العملية التي نفَّذها فلسطينيان على حاجز إسرائيلي في منطقة فرش الهوى، على مشارف المدينة، ما أدى إلى مقتل جنديَّين وإصابة 3 آخرين. واحتلَّ الجيش منازل وطرد سكانها في منطقة دير بحة التي خرج منها المنفِّذان، وكذلك في مناطق عدة مجاورة.