3 أولويات لاجتماع باريس لدعم الجيش اللبناني

فرنسا قلقة من التصعيد وتقترح «آلية» إضافية للتحقق مما يقوم به الجيش اللبناني

موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» تعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» تعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
TT

3 أولويات لاجتماع باريس لدعم الجيش اللبناني

موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» تعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» تعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

تستضيف باريس، الخميس، اجتماعاً رباعياً يضم ممثلين عن فرنسا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ولبنان، وسط مخاوف من تصعيد إسرائيلي يطيح باتفاق وقف إطلاق النار المعمول به منذ أكثر من عام.

وتستشعر باريس، كما تفيد مصادرها، الخطر الداهم المحدق بلبنان في ظل تهديدات إسرائيلية معلنة ومتواترة بالعودة إلى الحرب. كذلك، تتخوف فرنسا من الغموض المحيط بالموقف الأميركي إزاء ما تخطط له إسرائيل. فثمة شعور عام فرنسي بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب غير عازمة على لجم يد إسرائيل التي تتهم الجيش اللبناني بعدم القيام بما التزمت به الحكومة في خطة نزع سلاح «حزب الله» في مرحلتها الأولى الخاصة بمنطقة جنوب الليطاني.

وما بين الضغوط الإسرائيلية، من جهة، وتصلّب «حزب الله» الرافض تسليم سلاحه من جهة أخرى، كانت باريس تبحث عن مخرج وعن وسيلة واضحة ومرئية لحماية لبنان من خلال إبراز أن جيشه، بعكس ما يشاع عنه، يقوم بما هو مطلوب منه لجهة نوع سلاح «حزب الله».

آلية جديدة لمواكبة عملية نزع السلاح

استناداً لما سبق، ولّد المقترح الفرنسي الداعي إلى إيجاد «آلية» تمكّن من تبيان ما يقوم به الجيش اللبناني، حقيقة مستندة إلى أدلة ملموسة وموثّقة. كذلك اقترحت باريس أن تواكب عناصر من القوات الدولية (اليونيفيل) عمليات التفتيش والمصادرة التي تقوم بها وحدات الجيش اللبناني، وتوثيق ذلك وجعله علنياً، ما يوفّر البرهان الملموس على جدية عمل الجيش، وعلى النتائج المتأتية منه.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع في ذكرى استقلال لبنان يوم 22 نوفمبر الماضي (مديرية التوجيه)

ولخّص وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، المقترح بقوله إن فرنسا «تعمل على آلية ثانية لمتابعة نزع سلاح (حزب الله)». من هنا، فإن الجولة الموسعة التي نظمتها قيادة الجيش في الجنوب، بمشاركة قائده العماد رودولف هيكل، يوم 15 الحالي، وضمت العديد من السفراء والملحقين العسكريين، وقبلها زيارة ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، والجولة التي دعيت إليها الصحافة اللبنانية والدولية، كل ذلك جاء في إطار المساعي الهادفة إلى إظهار جدية الحكومة والجيش اللبناني في تنفيذ مضمون القرار 1701، ودحض المزاعم التي تدّعي مماطلة الأولى وقصور الثاني.

في الأسابيع الأخيرة، عادت باريس لتنشط مجدداً في الملف اللبناني. ويعدّ اجتماع الخميس تتويجاً للحراك الدبلوماسي الفرنسي الذي شهد، خلال أقل من شهر، زيارتين للسفيرة آن كلير لوجاندر، مستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، وجان إيف لودريان، الوزير السابق ومبعوث ماكرون الشخصي للبنان.

وفي هذا الإطار، سبق للوجاندر أن قامت بزيارات إلى المنطقة، أهمها إلى السعودية. وقبل ذلك كله، دأب ماكرون على القيام بسلسلة اتصالات رئيسية تركزت على ملفين: الأول، المؤتمر الذي من المفترض أن يلتئم في الأسابيع المقبلة والمخصص لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، والثاني المخصص للدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار. والحال أن لا تاريخ محدداً بعد لهذين المؤتمرين.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (يمين) مجتمعاً مع المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان يوم 8 ديسمبر في قصر بعبدا الرئاسي وإلى جانبه السفير الفرنسي في لبنان هيرفيه مارغو (الرئاسة اللبنانية)

أهمية مشاركة العماد هيكل

تقول مصادر واسعة الاطلاع في باريس إن اجتماع الخميس يندرج في إطار ثلاث أولويات رئيسية؛ أُولاها النظر في عمل آلية «الميكانيزم» المنوطة بها مهمة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان، والنظر في تطويرها من خلال «الآلية» التي تحدث عنها الوزير بارو. والتطور الآخر يتناول عمل «الميكانيزم» بعد أن ضُم إليها دبلوماسي لبناني بشخص السفير السابق سيمون كرم، وممثل إسرائيلي هو يوري رسنيك الذي يشغل منصب مدير السياسات الخارجية في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.

وتضغط تل أبيب وواشنطن باتجاه توسيع مواضيع النقاش لتطال المسائل الاقتصادية والسياسية، وسط تخوف لبناني ورفض من جانب «حزب الله».

وتجدر الإشارة إلى أن مورغان أورتاغوس، المبعوثة الأميركية للملف اللبناني، وجان إيف لودريان، اللذين يشاركان في اجتماع باريس سيتوجهان إلى لبنان للمشاركة في اجتماع آلية «الميكانيزم»، ما يعطي، موضوعياً، مزيداً من الأهمية لما تقوم به هذه اللجنة الخماسية التي عجزت، بعد أكثر من عام على إنشائها، عن وقف العمليات الإسرائيلية شبه اليومية. كذلك تجدر الإشارة إلى أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى سيكون حاضراً اجتماع الخميس، وهو الأول من نوعه منذ تسلمه أخيراً منصبه رسمياً في بيروت.

ويمثّل لجم التصعيد الإسرائيلي في لبنان الأولوية الثانية للاجتماع الذي يشارك فيه العماد هيكل، والذي ستكون له نشاطات مصاحبة في وزارتي الخارجية والدفاع والقصر الرئاسي. ومشاركة هيكل ترتدي أهمية استثنائية؛ إذ سيوفر له الاجتماع الفرصة ليقدم عرضاً متكاملاً للصعوبات التي تلاقيها الوحدات العسكرية في تنفيذ مهامها، وعلى رأسها رفض إسرائيل الانسحاب من المواقع الخمسة الإضافية التي تحتفظ بها على الأراضي اللبنانية. ويفترض أن يقدم قائد الجيش اللبناني أيضاً عرضاً للإنجازات التي حققها جنوده في الأشهر الأربعة الأخيرة جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن خطته للمناطق اللبنانية الأخرى (خطة حصر السلاح في أيدي الدولة اللبنانية).

وسيكون من الأهمية بمكان العرض الذي ستقدمه أورتاغوس بخصوص الخطط الأميركية في لبنان، وما تسعى إليه من الدفع باتجاه تفاوض لبنان على المسائل السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، وقبل ذلك المهل التي تمنحها للبنان لإنجاز عملية حصر السلاح بأيدي القوى الشرعية.

جنود نيباليون تابعون لقوة «اليونيفيل» المرابطة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في صورة تعود إلى يوم 8 ديسمبر الحالي في مقرهم بقرية ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

المؤتمر الموعود لدعم الجيش

بيد أن العنوان الرئيسي لاجتماع باريس، الخميس، يتناول توفير الدعم للجيش اللبناني وللقوى الأمنية اللبنانية كخطوة أساسية تحضيرية لا يمكن القفز فوقها للمؤتمر الكبير الموعود لدعم الجيش. وحتى اليوم، ثمة مجهولان: الأول، مكان المؤتمر؛ إذ لم يُعرف بعد ما إذا كان سيلتئم في باريس أو في عاصمة أخرى. والمجهول الثاني تاريخ انعقاده. وسابقاً، كان من المتوقع أن يتم قبل نهاية العام الحالي، لكن احتمالاً كهذا يبدو اليوم مستبعداً. ولا تخفي باريس قلقها من أن الثقة بلبنان تضررت بشكل كبير في الماضي، ليس فقط عند المانحين المحتملين في منطقة الخليج، ولكن أيضاً لدى المانحين في بقية أنحاء العالم. لذا، فإن الأطراف الخارجية أخذت تتمسك بمبدأ تقييم النتائج وتربط مساعداتها للبنان، سواء العسكرية أو الاقتصادية، بالنتائج المحققة؛ أكانت على المستوى العسكري أم في القطاع الاقتصادي (الإصلاحات).

وثمة ملف آخر قد يجد طريقه إلى طاولة المباحثات في باريس، ويتناول وضع الحدود اللبنانية - السورية التي تشهد توترات متقطعة. وترى باريس أن هناك حاجة لترسيمها حتى لا تكون حجة إضافية يستخدمها «حزب الله» لتبرير احتفاظه بسلاحه.

وتفيد باريس بأنها جاهزة لتقديم مساعدتها للبنان وسوريا على السواء، بيد أن باريس تشدد على أهمية إعادة الثقة بين الجانبين اللبناني والسوري؛ فالأول، يهدف إلى التأكد من أن سوريا لن تعود طرفاً ينتهك السيادة اللبنانية بشكل مستمر. أما الطرف الثاني فإنه يتخوف، حقيقة، من أن يلعب «حزب الله» دوراً مزعزعاً للاستقرار في سوريا.


مقالات ذات صلة

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب اللبناني، لم يصوّت «حزب الله» لسحب الثقة منها ولإسقاطها، بل اختار نوابه الانسحاب من القاعة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي دبابات إسرائيلية تتجه نحو موقع مستحدث للجيش اللبناني عند مدخل بلدة دير ميماس جنوب لبنان في 18 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

قوات إسرائيلية تتقدّم باتجاه نقطة للجيش اللبناني في بلدة دير ميماس بجنوب لبنان

تقدّم الجيش الإسرائيلي، الجمعة، باتجاه حاجز للجيش اللبناني أقامه مؤخراً عند أطراف المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان وألقى قنابل صوتية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
TT

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

أنتجت الحرب الإسرائيلية الموسّعة على لبنان التي تحل ذكراها الثامنة، غداً الأربعاء، تغييراً كبيراً في وضعية «حزب الله» السياسية والعسكرية، وانتهت بإدارة إيرانية مباشرة للحزب.

وقال الخبير في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن قدرات «حزب الله» شهدت تراجعاً كبيراً بين عام 2024 واليوم، سواء على مستوى القيادة والبنية العسكرية، أو النفوذ السياسي وخطوط الإمداد، مقدّراً أن حجم هذا التراجع «تجاوز النصف تقريباً»، وأضاف أن «الإدارة كانت في عام 2024 محلية بتوجيه إيراني، أما اليوم فأصبحت الإدارة والتوجيه إيرانيين بصورة مباشرة».

في غضون ذلك، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة، مقدِّراً «التزامنا المشترك السلام والأمن والازدهار حول العالم».

وجاءت إشادة ترمب خلال رسالة أرسلها لعون، عبَّر فيها عن سعادته باستقباله في البيت الأبيض يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، وعن إعجابه بقيادته لبنان في هذه المرحلة؛ حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

ووصف ترمب زيارة عون إلى البيت الأبيض بـ«التاريخية بكل معنى الكلمة، وهي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن». وتابع: «في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعاً، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابة عن لبنان وشعبه».


كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
TT

كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)

بعد أكثر من 3 عقود على انفصالها خلال «حرب الإخوة» بين الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، وحزب «الاتحاد الوطني»، أعلن إقليم كردستان شمال العراق، أمس (الاثنين)، توحيد قوات «البيشمركة»، في خطوة قد تسهم في توحيد الصف الكردي المنقسم أمنياً وسياسياً.

وجرت مراسم توحيد «البيشمركة» في أربيل، بإشراف رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بصفته القائد العام لقوات «البيشمركة»، وبمشاركة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني. كما حضر مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.

وعبّر رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي، عن مباركته لاكتمال توحيد التشكيلات تحت مظلة وزارة شؤون (البيشمركة).

ويعود الانقسام في صفوف «البيشمركة» إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، حينما انقسمت إلى قوتين؛ واحدة تابعة لـ«الديمقراطي» وأخرى لـ«الاتحاد الوطني».


باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن الخلاصات التي أفضى إليها اجتماع الأسبوع الماضي الخاص بدعم الجيش اللبناني، والذي شهد مشاورات سياسية وأخرى عسكرية على مستوى رفيع للغاية، دافعاً يجب أن يمهد الطريق من أجل التحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.

وتؤكد باريس أن دعمها للجيش اللبناني ليس مشروطاً. بيد أن الجديد الذي يصر عليه الجانب الفرنسي، يتمثل في أن هدف المؤتمر الموعود لن ينحصر فقط بتوفير الدعم المالي والتجهيزي والتسليحي للجيش اللبناني بل يجب أن يتناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية مع هدف واضح هو تعزيز السيادة اللبنانية في كل المجالات.

وبكلام آخر، لا تريد باريس «تجزئة» الدعم للبنان بل معالجة وضعه بكليته، علماً بأن الرئيس ماكرون كان يدفع بداية من أجل مؤتمرين: الأول، مخصص لدعم الجيش، والثاني لدعم الاقتصاد اللبناني.

التصور الجديد

لكن التصور الجديد يدمج الأمرين معاً ويربط بهما ضرورة أن تعمل الدولة اللبنانية على إقرار الإصلاحات المطلوبة منها منذ سنوات وبما فيها الإصلاحات المالية، مشيرة تحديداً إلى ما يسمى قانون الفجوة المالية المتنقل ما بين مجلسي الوزراء والنواب وصندوق النقد الدولي.

الرئيس ماكرون يتوسط العاهل الأردني «يمين» عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عوف في قصر الأنفاليد بمناسبة الاجتماع المخصص لدعم الجيش اللبناني (د.ب.أ)

وتنبه باريس من أنه إذا كان اللبنانيون غير قادرين أو غير راغبين في القيام بهذه الإصلاحات، فإن الآخرين (الأطراف الخارجية) لن تحل مكانهم لا في توفير الأمن ولا في نزع سلاح «حزب الله» ولا في إعادة إيقاف المؤسسات اللبنانية على رجليها. وبنظرها، فإنه كلما تأخرت الإصلاحات، أصبح القيام بها أكثر صعوبة. وتساءلت باريس عما إذا كان لبنان يود أن يكون فقط «غسالة» للمال «الوسخ» أم أنه يطمح إلى العودة للانتظام المالي العادي المعمول به.

عرض مقنع ولكن...

ينظر الجانب الفرنسي إلى العرض الذي قدمه الرئيس جوزيف عون وقائد الجيش عن الوضع اللبناني وحاجات لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بالجيش والقوى الأمنية، على أنه جاء «مقنعاً» وأن الأطراف المشاركة في الاجتماع أكدت استعدادها لتقديم الدعم والانخراط في مساعدته، بما في ذلك الطرف الأميركي الذي تمثل في الاجتماع بوفد عسكري - دبلوماسي رفيع المستوى.

بيد أن الطرف الفرنسي ما زال يرى أن الخطة اللبنانية بحاجة «لمزيد من العمل» والبلورة، كما أنه يحث لبنان على أن يكشف «بوضوح ودقة» عن توقعاته وعما يريده تحديداً من فرنسا ومن الدول الشريكة.

وبالتوازي تدعو باريس السلطات اللبنانية إلى الإفصاح عما تنوي القيام به إن على الصعيد الأمني أو بالنسبة لانتشار الجيش بموجب القرار 1701، وأخيراً بالنسبة لما تريده وتقبل به «بديلاً» عن قوة «اليونيفيل».

والمعروف أن لبنان يرغب بأن يتم التمديد للقوة الدولية الحالية لفترة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة، علماً بأن انتدابها ينتهي نهاية العام الجاري. إلا أن واشنطن، بدفع من تل أبيب، ترفض التمديد كما أنها ترفض، حتى اليوم، مشروع حلول قوة متعددة الجنسيات أو قوة «يونيفيل 2»، أي تحت علم الأمم المتحدة، وبانتداب من قبلها محل القوة الحالية، وتدفع لأن تقوم اللجنة العسكرية الثلاثية المشكلة من الولايات المتحدة ولبنان وبإسرائيل بمهمات «اليونيفيل». وهذا الأمر يرفضه لبنان حتى اليوم.

ملف «اليونيفيل»

سيكون ملف «اليونيفيل» موضع تشاور إن في نيويورك، في إطار الأمم المتحدة، أو في إطار الاجتماعات التي سيعقدها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن، وعلى رأسها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وقالت باريس إن الوفد الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة سيكون سنداً للبنان في موضوع القوة البديلة. وتعمل فرنسا، منذ عدة أشهر، مع روما على فكرة تشكيل قوة متعددة الجنسيات في حال استحالة تشكيل قوة «يونيفيل 2».

وبالتوازي، يقوم الاتحاد الأوروبي بمشاورات داخلية لـ«مهمة» غرضها توفير الدعم للجيش اللبناني تدريباً وتجهيزاً وتمويلاً ومواكبة واستخبارياً، وهي منفصلة عن ملف بديل «اليونيفيل».

وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد مؤخراً، إن عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة في «المهمة» المذكورة.

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر (رويترز)

وبحسب الخارجية الفرنسية، فإن الاتحاد يدرس إمكانية استفادة لبنان، بالتوازي، من «الصندوق من أجل السلام» الذي منه تذهب المساعدات الأوروبية المالية إلى أوكرانيا. وما يهم لبنان وأيضاً أصدقاؤه وشركاؤه عدم قيام فراغ أمني في الجنوب بعد رحيل القوة الدولية، ما يعني غياب أي جهة يمكن أن تراقب الحدود وتسعى لمنع التعديات. وحجة واشنطن وتل أبيب أن القوة الدولية «لم تقم بمهماتها»، وبالتالي يتعين النظر في شيء آخر للحلول مكانها.

سلاح «حزب الله»

تعي فرنسا أن المطلوب من الجيش اللبناني أن يقوم بجمع السلاح من «حزب الله»، وتعي أيضاً أن هذا الجيش لن يعمد إلى الدخول في معارك معه، وهو ما أشار إليه وشدد عليه الرئيس جوزيف عون في كلمته أمام المؤتمرين. وفي هذه النقطة بالذات وكذلك بالنسبة لانتشار الجيش، تدعو باريس إلى التحلي بـ«الواقعية» لتحقيق هذين الهدفين.

وبالنظر للضغوط الشديدة التي تمارس على لبنان أميركياً وإسرائيلياً، بخصوص نزع السلاح، فإن باريس ترى أنه يتعين العمل على أمرين: الأول، «تليين» المطالب الأميركية - الإسرائيلية. والثاني، أن يعرض لبنان خطة لإعادة الانتشار ولنزع سلاح «حزب الله» تتميز بالصدقية، وأن يكون جاهزاً للعمل بموجبها. كذلك تعي باريس الصعوبة التي يعاني منها لبنان بشأن «المناطق التجريبية» التي ترفض إسرائيل السير بها بحجة أنها «غير مقتنعة» بأداء الجيش اللبناني، وأنه نجح في «تنظيفها» من سلاح «حزب الله». فضلاً عن ذلك، فإنها تعرف أن واشنطن وتل أبيب تريدان من لبنان أن يقوم بمبادرات وخطوات غير قادر على القيام بها، علماً بأن إسرائيل تتذرع بعدم نزع سلاح «حزب الله» لتبرير رفض انسحابها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها.

وبالمقابل، فإن «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه طالما أن إسرائيل تحتل أراضي لبنانية، ما يجعل الأمور تدور في فراغ. وبأي حال، فإن الرسالة التي تريد باريس إيصالها إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها أنه ليس بمقدورهم المراهنة على دور خارجي لقوات أوروبية أو غير أوروبية لنزع سلاح «حزب الله»، بل عليهم القيام بذلك بأنفسهم.