البطريرك الراعي يدعو «حزب الله» إلى تسليم السلاح و«التحرر من إيران»

أكّد أن «حصرية السلاح» ليست استهدافاً للشيعة «أشقائنا في الوطن»

البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
TT

البطريرك الراعي يدعو «حزب الله» إلى تسليم السلاح و«التحرر من إيران»

البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)

دعا بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، بشارة الراعي، الأميركيين للضغط على إسرائيل لـ«وقف استباحتها للبنان»، متوقعاً أن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان هي «رسالة سلام، وتشجيع على تجنب الحرب» بخطاب للبنانيين والإسرائيليين.

وفي المقابل، دعا البطريرك «حزب الله» إلى «التحرر من إيران»، كما طالبه بتسليم السلاح والاتجاه نحو العمل السياسي، رافضاً بشدة تصوير هذه المطالبات على أنها استهداف للشيعة الذين نعيش معهم في وطن واحد هو لنا جميعاً.

ورأى الراعي -في حوار مع «الشرق الأوسط»- أن زيارة البابا المزمعة يوم الأحد، تُعبّر عن محبته للبنان، وتحمل رسالة إلى الرأي العام العالمي بأن لبنان ولد من جديد، بالنظر إلى أن كل وسائل الإعلام العالمية ستكون موجودة في لبنان على مدى يومي الزيارة، وستبث للعالم الذي سيكون مشدوداً إلى هذه النقطة الجغرافية من العالم. مضيفاً أن ذلك «يعني أن البابا مدرك لهذه الحقيقة، واختار لبنان ليقوم فيه بزيارة رسمية. وهذا يشير إلى حجم إدراكه لقيمته، وأن لبنان يمثل ميزة خاصة وقيمة حضارية بالنسبة لبلدان الشرق الأوسط».

كما أشار إلى أن الزيارة تبعث برسالة إلى اللبنانيين مفادها: «أنا معكم، تشجعوا وحافظوا على أرضكم، فلبنان أرض السلام وليس أرض الحروب».

رسالة سلام

وأشار الراعي إلى أن زيارة البابا هي زيارة سلام، وأصرّ على الزيارة رغم التهديدات (الإسرائيلية)، موضحاً: «قداسة البابا هو رجل دين ورجل صلاة (...) يعرف قيمة لبنان، ويعرف أن هناك حرباً مهدِّدة، وحين سُئل عن زيارته في ظل التهديدات الأمنية، أكد إصراره على الزيارة».

ولفت الراعي إلى أن البابا عملياً «لا يأتي إلى لبنان فقط، بل إلى كل الدول العربية، حاملاً معه رسالة سلام مستمدة من إيمانه. موجهة أيضاً إلى السياسيين، ومفادها: «كفى حروباً وقتلاً ودماراً».

وقال الراعي: «منذ 50 سنة في لبنان نعيش الحروب. آن الأوان لأن تنتهي. لم تُقدم الحرب غير الدمار والقتل، كذلك الحرب الأخيرة بين (حزب الله) وإسرائيل. هناك أرواح بشرية تُقتل». ثم سأل الراعي: «من له الحق بأن يضع حدّاً لحياة أي إنسان؟».

وتابع: «هذه الأمور غير مقبولة من قبل الكنيسة. أعتقد أن البابا سيتكلم بهذا الضمير لوضع حدٍّ لمن يعبثون بحياة البشر. هذا الأمر غير مقبول أن يستمر».

إيقاف الحرب

ويتطرق الراعي إلى الأزمة القائمة، على ضوء التهديدات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه «لا مجال للحرب والقتل، ولا سبيل إلا بالدبلوماسية، وهو طريق طويل ويحتاج إلى الصبر»، داعماً خطوات الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يعمل على حل الأزمة دبلوماسياً وسياسياً.

وأضاف: «ما أراه، أن على الأميركيين أن يؤثروا على إسرائيل، كما أن على الإيرانيين أن يؤثروا على (حزب الله). الحزب عرف أن هناك قراراً نهائياً صدر بحصرية السلاح، ومن ثم عليه أن يسلم سلاحه للجيش اللبناني، ويعيش مثل كل الأحزاب اللبنانية بوصفه حزباً سياسياً. أما إسرائيل فلم تحترم القرار (1701)، ولم تحترم وقف إطلاق النار، وتضرب يومياً، وكأنها تأخذ لبنان بوصفه مقاطعة، تضرب وتقصف وتستهدف أماكن فيه، سيصبح لبنان كتلة أحجار متراكمة».

وتابع الراعي: «لذلك، أعتقد أن قداسة البابا سيوجه نداء سلام، فالسلام يمكن تحقيقه، ومن يحملون الأسلحة هم المسؤولون عن تحقيقه»، منتقداً حملة السلاح بالقول: «ليست المرجلة أن تطلق النار، بل المرجلة أن تكون رجل سلام وليس رجل حرب... وأعتقد أنه حان الوقت لأن يصل كل من إسرائيل و(حزب الله) إلى هذه القناعة. الحزب يجب أن يُسلّم سلاحه، وإسرائيل يجب أن تنسحب من الجنوب والنقاط المحتلة فيه كي يتمكن الجيش اللبناني من أن يبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ويواصل تسلُّم السلاح من (حزب الله). الخطة وضعها الجيش، ويجب إعطاؤه المجال لكي ينفذها».

ولا يجزم الراعي بأن البابا سيتحدث عن الأمر بالتفصيل، لكن يشير إلى أن «أمانة سر الفاتيكان توافق على هذا الحديث»، علماً بأن أمانة سر الدولة هي الآلية السياسية للكرسي الرسولي. وأضاف: «لأن لبنان في هذا الظرف مهدد بالحرب، قرر البابا أن يزوره».

مسؤولية القوى السياسية

ولا يحصر الراعي مسؤولية إيجاد حل للأزمات اللبنانية، بالرئاسة اللبنانية ورئاسة الحكومة، إذ يُشدد على وجوب «وقف النار، والتوقف عن رمي البنزين على النار»، موضحاً: «يجب أن نكون جميعاً مسؤولين عن السلام وتحقيقه. على السياسيين والأحزاب بأكملها أن تعمل على تحقيق السلام في لبنان، ويجب أن نخرج من العداوات»، مؤكداً: «إننا بلد ديمقراطي، والديمقراطية لا تعني العداوة». ويضيف: «من حق الأجيال أن تعيش بسلام؛ لذلك على الأحزاب أن تتغير، وتُغير المفهوم والممارسة القائمة ونمط التفكير».

استهداف الشيعة

ويعرب الراعي عن استغرابه من تصوير حصرية السلاح استهدافاً للشيعة، وقال: «أنا شخصياً متعجب! لماذا يعدّ الشيعة أنفسهم مستهدفين»، ويسأل: «مَن يستهدفهم؟»، مشيراً إلى أن المواطنين الشيعة «موجودون في الوزارات والإدارات»، ويضيف: «هل يعدّون أنفسهم مستهدفين لأنه يُطلب منهم تسليم السلاح؟ كل الطوائف في لبنان لا تحمل السلاح. هذا الأمر مثير للعجب، ولا أرى أنهم مستهدفون».

ويُشير الراعي إلى أن «الطوائف في لبنان هي فسيفساء البلد، وتثبت التعددية في لبنان. قيمة لبنان في التوازن والفسيفساء. وأؤكد أن الشيعة إخوتنا، ونحن إخوتهم، لبنان لنا ولهم، ولا أحد يستهدف الآخر. هذا بيتنا المشترك، وكلنا نقيم فيه».

وفي ردٍّ على تصريح مسؤول إيراني قال إن «حزب الله» وسلاحه هو حاجة للبنان، قال الراعي: «ليس السلاح مَن يوفر الأمن، بل الجيش اللبناني هو مَن يوفر الأمن لكل اللبنانيين». وحذّر الراعي من أن «الأمن الذاتي يخلق دويلات، والدويلات داخل الدولة لا تصح».

وأكّد «أننا نريد أن نعيش في دولة فيها جيش واحد، ودولة واحدة تحمي الجميع»، لافتاً إلى أن «الجيش والقوى الأمنية الرسمية لم تخل بالواجب وتعمل لجميع اللبنانيين، رافضاً ما يُقال بأن تسليم السلاح يعني العزلة».

ويُضيف: «شعورنا مختلف: أنت أخي وأنا أخوك، وكلانا لبنانيان متساويان في العزة والكرامة والحقوق والواجبات. لكن المطلوب منك اليوم هو أن تتحرر من إيران. فلا يمكن لإيران أن تُصدر الأحكام، ولا يجوز لأي طرف أن يتلقى الأوامر منها، بعد الحرب التي دمّرت كل شيء، يجب أن نعود إلى ذواتنا، ونفكر كيف يمكن للبنان أن يعيش بسلام. وهذا لن يتحقق بالحرب، ولا بالسلاح الذي يجب أن يُجمَع ويوضَع حصرياً بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية».

وتابع: «في حال كانت الدولة بحاجة لمؤازرة، أو شعرت بأي تهديد، فيمكنها حينئذٍ أن تُصدر تعبئة عامة وتطلب من كل الشعب مؤازرتها».

العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية

ولا ينفي الراعي أن لبنان يعيش أزمة سياسية تسببت في أزمات اقتصادية ومعيشية واجتماعية. ويقول: «نحتاج إلى الاستقرار السياسي حتى يستطيع البلد النهوض. يجب تثبيت الاستقرار السياسي، ويكون ولاء الجميع للبنان»، مشيراً إلى أن «المشكلة في لبنان منذ مائة عام. وأن الولاء للوطن والانتماء إليه لم يكبرا مع بعضهما بالمستوى نفسه. يجب أن يتساوى الولاء مع الانتماء. وهذا الأمر يثبت الاستقرار، ويمنع شعور أن طرف من أن يكون معزولاً أو مضطهداً».

ويرى الراعي أن علاج هذه الأزمة يكمن في التربية، ويقول في هذا السياق: «نطالب بالعودة إلى خدمة العلم حتى يتعلّق الشعب بلبنان». وشدّد على أن «إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت موجودة في لبنان كان خطأ ارتُكب»، مُضيفاً: «خدمة العلم تظهر للمواطن بأن ما يخدمه هو وطن يعيش في سبيله، وهو شرفه... لكن إذا كانت الخدمة غير موجودة، فكيف سيكون هناك ولاء؟».

ويشير الراعي إلى أن التربية الحقيقية تبدأ من المدارس، مروراً بالعائلة اللبنانية، والجامعات، والمجتمع، ولكنه يختتم بتأكيد أن «الأهم هو التربية في خدمة العلم؛ حيث يشعر الفرد اللبناني بالانتماء لهذا الوطن».


مقالات ذات صلة

مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)

مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

توقفت الأوساط السياسية على اختلاف مشاربها أمام الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بالرئيس جوزيف عون، والذي تلازم مع وصول مساعده إلى بيروت.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي فعالية دينية سابقة في بلدة بعبدات في جبل لبنان (مواقع تواصل)

ملف شراء متموّل شيعي لعقارات في جبل لبنان ينتقل إلى القضاء

انتقلت المعلومات عن شراء متمول شيعي لعقارات واسعة في جبل لبنان، من التراشق الإعلامي إلى القضاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله (الوكالة الوطنية للإعلام)

«حزب الله» يتبنى شاحنة المتفجرات... ويطالب الدولة بالتراجع عن إجراءاتها

أعلن «حزب الله» رسمياً تبنّيه شاحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية عند حاجز ضهر البيدر، شرق لبنان، الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض تتوسط مساعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام والمسؤول بمجلس الأمن القومي آندي بايكر (الشرق الأوسط - أرشيفية)

إخبار ضد سفيرة لبنان بواشنطن «يفتقد للسند القانوني»

ولّد الإخبار الذي تقدّم به أحد المحامين ضدّ سفيرة لبنان في واشنطن، ندى معوض، تساؤلات قانونية، على خلفيّة اتهامها بـ«خرق قانون مقاطعة إسرائيل»

يوسف دياب (بيروت)

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
TT

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

يستكمل العراق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي عبر تفاهمات تشمل ملء الحقائب الوزارية الشاغرة واستحداث وزارات جديدة، إلى جانب تسمية أربعة نواب لرئيس الوزراء، في ترتيبات تعكس استمرار تقاسم المناصب بين القوى السياسية، من دون رواتب أو مخصصات مالية للنواب الجدد.

وأدرج مجلس النواب على جدول أعمال جلسته المقررة مساء الخميس التصويت على المرشحين للوزارات الشاغرة والمستحدثة ومناصب نواب رئيس الوزراء. وجاء ذلك بعد اتفاقات بين الكتل السياسية على عدد من الأسماء، فيما ظلت حقائب موضع خلاف حتى الساعات التي سبقت الجلسة.

وضمت قائمة المرشحين لمناصب نواب رئيس الوزراء ليث الخزعلي عن «حركة عصائب أهل الحق»، ومحسن المندلاوي عن «تحالف الأساس»، ومحمد تميم عن «حزب تقدم»، وفارس بريفكاني عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني».

كان الزيدي قد أبلغ البرلمان أن نواب رئيس الوزراء لن يتقاضوا رواتب أو تخصيصات مالية، وأنه لن تُستحدث تعيينات جديدة لمكاتبهم.

ولم تتضمن المعطيات المعلنة تفاصيل عن الصلاحيات التنفيذية التي ستُمنح لهم أو طبيعة المسؤوليات التي ستُسند إليهم في إدارة العمل الحكومي.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

مناصب جديدة

كما تشمل التفاهمات المطروحة استحداث وزارة للاقتصاد الرقمي والحوكمة، وأخرى للدولة لشؤون الأقليات، فضلاً عن وزارة السياحة والآثار. ورُشح محمد صاحب الدراجي، عن «تحالف خدمات» الذي يتزعمه شبل الزيدي، لوزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة، ومحمد سمعان عن الجبهة التركمانية لوزارة الدولة لشؤون الأقليات، وعلي الدخيلي لوزارة السياحة.

ولم يتضح بعد نطاق الصلاحيات التنفيذية للوزارات المستحدثة، أو كيفية توزيع مسؤولياتها مع الوزارات والمؤسسات القائمة. كما لم تقدم التفاهمات المعلنة تفاصيل عن هياكلها الإدارية والمالية، بما يسمح بتقدير أثرها على عمل الحكومة.

ويثير الجمع بين استحداث وزارات وتسمية نواب لرئيس الوزراء تساؤلات بشأن الوظيفة العملية لهذه المواقع، في وقت تركز فيه المفاوضات السياسية على توزيع المناصب بين الكتل.

ولا تتعلق المسألة بهوية المرشحين وحدها، بل أيضاً بمدى ارتباط المناصب الجديدة بمسؤوليات تنفيذية محددة، وما إذا كانت ستضيف وظائف حكومية واضحة أم ستوسع الهيكل الإداري للدولة.

حسم الداخلية والدفاع

وفيما يتعلق بالحقائب الشاغرة، شملت قائمة المرشحين ياسر المالكي لوزارة الداخلية، وحيدر بهاء الحسيني لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ونايف الشمري لوزارة الدفاع، وريباز حملان لوزارة الإعمار والإسكان، وصفاء الكناني لوزارة الشباب والرياضة.

ظلت وزارتا التخطيط والهجرة والمهجرين موضع خلاف في التفاهمات التي سبقت الجلسة، بحسب تصريحات نواب. ويعكس استمرار الخلاف على بعض الحقائب، بالتزامن مع الاتفاق على استحداث وزارات ومناصب جديدة، صعوبة فصل استكمال التشكيلة الحكومية عن المساومات بين الكتل السياسية.

ولا تقتصر أهمية هذه الترتيبات على استكمال التشكيلة الحكومية، بل تمتد إلى طبيعة الأدوار التي ستؤديها المؤسسات والمناصب الجديدة، ومدى وضوح مسؤولياتها وآليات مساءلتها داخل الحكومة.


الحصار الحوثي على تعز يفاقم المعاناة الإنسانية

آلاف المرضى في تعز مهددون بتوقف الرعاية ونقص الأدوية جراء الحصار الحوثي (رويترز)
آلاف المرضى في تعز مهددون بتوقف الرعاية ونقص الأدوية جراء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يفاقم المعاناة الإنسانية

آلاف المرضى في تعز مهددون بتوقف الرعاية ونقص الأدوية جراء الحصار الحوثي (رويترز)
آلاف المرضى في تعز مهددون بتوقف الرعاية ونقص الأدوية جراء الحصار الحوثي (رويترز)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة تعز اليمنية، مع استمرار القيود المفروضة على وصول الإمدادات الأساسية، وتواصل القصف الذي يطول الأحياء السكنية، والمنشآت الحيوية، في وقت كثفت فيه الحكومة اليمنية تحركاتها لمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل، فيما دعا الاتحاد الأوروبي الحوثيين إلى رفع الحصار، والسماح بدخول الغذاء، والمياه والدواء، والوقود.

وفي تحرك يعكس تنامي المخاوف الرسمية من تداعيات الوضع الإنساني، أكد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني أن استهداف المدنيين وفرض الحصار على تعز يمثلان، وفق توصيفه، جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، متعهداً بألا يفلت المسؤولون عنها من المساءلة.

وجاء موقف الزنداني خلال اتصال هاتفي بمحافظ تعز نبيل شمسان، اطّلع خلاله على المستجدات الإنسانية والخدمية والحقوقية في المحافظة، وتداعيات القيود المفروضة على المدينة، والانتهاكات التي يتعرض لها السكان.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وقال رئيس الوزراء إن الحكومة ستعمل بالتنسيق مع السلطة المحلية على مواجهة تداعيات الحصار، والتصعيد، وتوجيه الإمكانات المتاحة للتخفيف من معاناة المواطنين، وتعزيز الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، والخدمية، مشدداً على أن مسؤولية الدولة تجاه أبناء المحافظة يجب أن تنعكس في إجراءات عملية.

وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع تحذيرات أطلقتها السلطة المحلية في تعز من تدهور الأوضاع المعيشية، والصحية، على خلفية ما وصفته بحرمان آلاف الأسر من مقومات الحياة الأساسية، واستمرار استهداف المناطق السكنية، وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء، وأطفال.

منع للغذاء والدواء والماء

في مؤتمر صحافي خُصص لمناقشة التداعيات الإنسانية والحقوقية للحصار، قال شمسان إن القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية تطول وصول الغذاء، والدواء، والمياه، والوقود، إلى جانب منع نقل النفايات إلى المقلب المخصص لها، الأمر الذي قال إنه يفاقم المخاطر البيئية والصحية على السكان.

وأشار المحافظ إلى أن استمرار القصف العشوائي للأحياء السكنية واستهداف المنشآت الحيوية والصحية يزيدان المخاطر التي تواجه المدنيين، في ظل صعوبات الوصول إلى الخدمات الأساسية. وحذّر من أن استمرار هذه الأوضاع ينذر بمزيد من التدهور الإنساني، داعياً إلى تحرك دولي عاجل يضمن رفع القيود، وإيصال الإمدادات دون عوائق.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في تعز وتوقف المساعدات بسبب الحصار الحوثي (رويترز)

ولم تقتصر التحذيرات على نقص الاحتياجات الأساسية؛ إذ استعرض قانونيون، خلال المؤتمر، انتهاكات تشمل قصف المنشآت الحيوية، والصحية، واستهداف القرى والمناطق السكنية، وتشريد أسر من مناطق في مديريتي المسراخ وجبل حبشي، وقصف أماكن نزوحها، فضلاً عن عرقلة وصول المدنيين إلى الخدمات الطبية.

وتعتزم لجنة متابعة شؤون الحصار إعداد تقارير يومية مدعمة بالإحصائيات والبيانات المتعلقة بأعداد القتلى، والجرحى، وتوثيق الانتهاكات من مصادر متعددة، تمهيداً لرفعها إلى الجهات الدولية المختصة، ومتابعة المساءلة القانونية، بحسب الشعبي.

من جهته، أكد مدير مكتب حقوق الإنسان في المحافظة، علي سرحان، استمرار عمليات الرصد، والتوثيق، وإعداد تقرير حقوقي متكامل بشأن تداعيات الحصار، وما رافقه من وقائع قتل، وقصف، وتضييق على السكان، وحرمانهم من مقومات الحياة، تمهيداً لرفعه إلى الجهات الدولية المختصة، والمطالبة بالتحقيق في الوقائع، ومساءلة المسؤولين عنها.

قلق أوروبي

على الصعيد الدولي، دعا الاتحاد الأوروبي الحوثيين إلى رفع الحصار المفروض على تعز، والسماح بدخول المواد الغذائية، والمياه، والدواء، والوقود، معرباً عن قلقه البالغ إزاء الوضع في المدينة.

وقال الاتحاد، في بيان نشره عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه يتابع الوضع في تعز بقلق بالغ، مطالباً بالسماح بدخول الإمدادات الأساسية، ومشدداً على ضرورة حماية المدنيين، والبنية التحتية المدنية، وتمكين الشركاء من تقديم المساعدات الضرورية.

ويعزز الموقف الأوروبي المطالب التي أطلقتها الحكومة، والسلطة المحلية، اللتان دعتا الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل لرفع الحصار، وحماية السكان، وضمان وصول المساعدات، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها.

محافظ تعز نبيل شمسان خلال مؤتمر صحافي (إعلام حكومي)

وفي هذا السياق شدد الزنداني على أهمية استمرار الجهود الإعلامية والحقوقية لنقل حقيقة الأوضاع في تعز إلى الرأي العام المحلي، والدولي، وتوثيق الانتهاكات بمهنية، وموضوعية، داعياً المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتهما القانونية، والإنسانية.

كما وجّه شمسان الجهات المعنية بتكثيف أعمال الرصد، والتوثيق، وإعداد الملفات اللازمة لرفعها إلى الجهات المختصة، مشيداً بدور الصحافيين والإعلاميين والناشطين في نقل معاناة السكان، وإيصال صوتهم إلى الخارج.

وتتمسك السلطة المحلية، وفق ما أعلنه المحافظ، بمواصلة جهودها لتوثيق الانتهاكات، ومتابعتها، في وقت تواجه فيه تعز تحديات إنسانية وخدمية متزايدة. وبينما تطالب الحكومة بتحويل المواقف الدولية إلى تحرك عملي، يبقى رفع القيود عن الإمدادات الأساسية وحماية المدنيين في صلب المطالب الموجهة إلى المجتمع الدولي.


مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)
TT

مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)

تلازم الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي برئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون مع وصول مساعده سعيد خطيب زادة إلى بيروت. وقالت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع إن الحراك الإيراني بعد طول غياب يأتي في سياق تأكيد طهران حضورها في المشهد السياسي اللبناني من موقع اختلافها مع عون ورئيس الحكومة نواف سلام في مقاربتها للملف اللبناني، وإن كانت تسعى لاستيعاب التوتر الذي خلّفه سحب أوراق اعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لإيران لدى لبنان.

وتمحور اتصال عراقجي بعون حول «التوافق على ضرورة دعم الحلول الدبلوماسية باعتبارها أفضل الحلول لوضع حد للنزاعات في المنطقة، بحسب ما أعلنته رئاسة الجمهورية اللبنانية. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عراقجي أبلغ عون تمسك بلاده بـ«مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية، وضرورة تطبيق جميع بنودها، بما فيها البند المتعلق بوقف الحروب المشتعلة على كافة الجبهات، ومنها لبنان، محمّلاً الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية حيال عدم تنفيذها بوضعها «شروطاً تعجيزية كلما اقتربنا من تطبيقها، وأن الوسطاء لم يكفوا عن التدخّل لإقناعها بضرورة العودة للمفاوضات، بدلاً من اللجوء إلى تهديدنا بمعاودة الحرب».

رسالة سياسية

وأكدت المصادر أن عراقجي أراد من خلال اتصاله بعون تمرير رسالة سياسية بأن طهران حاضرة في الملف اللبناني، و«أن التوتر الذي خلّفه سحب أوراق اعتماد السفير شيباني أصبح وراءنا»، ولم يعد يشكّل عائقاً أمام معاودة التواصل بعون الذي يتمسك بـ«اتفاق الإطار» ومعه أكثرية القوى السياسية، وبالتالي هو ليس في وارد استبدال «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية به، فيما يتعاطى خصوم «حزب الله» مع زيارة زادة لبيروت من زاوية أنها شيعية بامتياز، ويراد منها الوقوف على ما لدى «الثنائي الشيعي» من هواجس، وهذا ما يكمن وراء اجتماعه برئيس المجلس النيابي نبيه بري، وقيادة «حزب الله».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (إ.ب.أ)

وكشفت المصادر أن الدبلوماسية طغت على اتصال عراقجي بعون، بخلاف زادة الذي تحدث بلهجة حادة، ونُقل عنه في لقاءاته بعدد من الصحافيين «أنه لا جدوى من التفاوض، ونحن نستعد لأسوأ الاحتمالات، وأن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لن تصل إلى نتيجة، لأن الأخيرة كيان مغتصب، وتريد استخدام المفاوضات كخطوة تمهيدية لتوسيع هيمنتها على المنطقة، وصولاً إلى تحقيق ما يُعرف بـ(إسرائيل الكبرى)».

ونُقل عنه قوله: «ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً في جنوب لبنان، فإن المقاومة تبقى موجودة، وسيظل السلاح ضرورياً، وينبغي لكل غيور على مصلحة لبنان أن يدعم هذا التوجّه». ولدى سؤاله عن العلاقة بين إيران و«حزب الله» قال «إنها ليست علاقة تراتبية من الأعلى إلى الأدنى، وأن إيران لا تتدخل في الشؤون اللبنانية، وهي متروكة لأصحابها».

وادعى زادة بأن «حزب الله» لا يسألنا عما ينبغي أن يفعله، لكنه يسألنا أحياناً كيف يمكنه أن يكون أكثر صلابة وتشدُّداً في مواجهة العدو، فيما يتجنّب سؤالنا عن الأمور الداخلية في لبنان».

المفاوضات الإيرانية - الأميركية

وتطرق إلى المفاوضات الإيرانية - الأميركية، ونُقل عنه قوله أمام الصحافيين الذين التقاهم: «إن التوصل إلى اتفاق لا يحظى حتى الآن بأي حظوظ، بدليل التجارب السابقة عندما شنت واشنطن حرباً علينا أثناء استمرار المفاوضات». وهنا غمز من قناة اختلاف الرؤى في الولايات المتحدة، على خلفية أنه يوجد فريق لا يريد تنفيذ البنود الواردة في «مذكرة التفاهم»، بخلاف فريق آخر كان يريد التوصل إلى اتفاق.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)

واعتبر زادة، بحسب قوله، أن «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعاني تشتُّتاً داخلياً، وإلا لو كانت تلتزم بتعهداتها لكنا توصلنا إلى اتفاق». وأكد أن شوكة الولايات المتحدة انكسرت، وستنكسر لاحقاً أيضاً.

ولدى سؤاله حول مسار الأوضاع في المنطقة أجاب بأن «الواقعية السياسية تقتضي القول إن من حقنا حتى إشعار آخر الاستعداد لأسوأ الاحتمالات في مواجهة التهديدات الأميركية».

علاقة إيران بسوريا

وبالنسبة إلى علاقة إيران بسوريا، لفت زادة إلى أن إيران «ليست في عجلة من أمرها، ونحن على استعداد للتواصل مع سوريا عندما تقرر ذلك، وهي تمر حالياً بمرحلة دقيقة، وخطيرة، وأن تركيا ارتكبت خطأً استراتيجياً، وتسببت في الـ(بازل) الإسرائيلي - الأميركي، ومن نتائجه أن سوريا قدمت هدية لإسرائيل».

لذلك لم تحمل لقاءات زادة في بيروت، بحسب المصادر، أي تبدُّل في الموقف الإيراني، وهو توخّى، مما نُقل عن لسانه، التأكيد على ثبات بلاده على موقفها، وهي تلتقي إلى حد كبير مع طروحات أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم الرافضة لـ«اتفاق الإطار». وسألت: هل حمل معه أمراً غلب عليه الطابع التحريضي ضد «اتفاق الإطار» من دون أن يسميه، بخلاف ما تبلّغه عون من عراقجي باعتماد الحلول الدبلوماسية؟

وعليه فإن دبلوماسية عراقجي قوبلت بتشدُّد من مساعده زادة، ما يدعو للتساؤل: هل أراد تمرير رسالة هي أقرب بمضامينها إلى «الحرس الثوري» الإيراني منها إلى الفريق السياسي الذي يمثله عراقجي داخل السلطة؟ وإلا لم يكن مضطراً لتمرير مواقف تشكل تدخُّلاً في الشأن اللبناني، وكانت وما زالت وراء التوتر الذي لا يزال يسود العلاقات اللبنانية - الإيرانية، وقوبلت برفض قاطع من أكثرية اللبنانيين المؤيدين لـ«اتفاق الإطار»، والداعمين لعون باعتماد الخيار الدبلوماسي بعد أن جرب «حزب الله» الحل العسكري الذي رتّب على البلد أكلافاً بشرية ومادية لا تُحصى.