البطريرك الراعي يدعو «حزب الله» إلى تسليم السلاح و«التحرر من إيران»

أكّد أن «حصرية السلاح» ليست استهدافاً للشيعة «أشقائنا في الوطن»

البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
TT

البطريرك الراعي يدعو «حزب الله» إلى تسليم السلاح و«التحرر من إيران»

البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)
البطريرك الماروني بشارة الراعي (الشرق الأوسط)

دعا بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، بشارة الراعي، الأميركيين للضغط على إسرائيل لـ«وقف استباحتها للبنان»، متوقعاً أن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان هي «رسالة سلام، وتشجيع على تجنب الحرب» بخطاب للبنانيين والإسرائيليين.

وفي المقابل، دعا البطريرك «حزب الله» إلى «التحرر من إيران»، كما طالبه بتسليم السلاح والاتجاه نحو العمل السياسي، رافضاً بشدة تصوير هذه المطالبات على أنها استهداف للشيعة الذين نعيش معهم في وطن واحد هو لنا جميعاً.

ورأى الراعي -في حوار مع «الشرق الأوسط»- أن زيارة البابا المزمعة يوم الأحد، تُعبّر عن محبته للبنان، وتحمل رسالة إلى الرأي العام العالمي بأن لبنان ولد من جديد، بالنظر إلى أن كل وسائل الإعلام العالمية ستكون موجودة في لبنان على مدى يومي الزيارة، وستبث للعالم الذي سيكون مشدوداً إلى هذه النقطة الجغرافية من العالم. مضيفاً أن ذلك «يعني أن البابا مدرك لهذه الحقيقة، واختار لبنان ليقوم فيه بزيارة رسمية. وهذا يشير إلى حجم إدراكه لقيمته، وأن لبنان يمثل ميزة خاصة وقيمة حضارية بالنسبة لبلدان الشرق الأوسط».

كما أشار إلى أن الزيارة تبعث برسالة إلى اللبنانيين مفادها: «أنا معكم، تشجعوا وحافظوا على أرضكم، فلبنان أرض السلام وليس أرض الحروب».

رسالة سلام

وأشار الراعي إلى أن زيارة البابا هي زيارة سلام، وأصرّ على الزيارة رغم التهديدات (الإسرائيلية)، موضحاً: «قداسة البابا هو رجل دين ورجل صلاة (...) يعرف قيمة لبنان، ويعرف أن هناك حرباً مهدِّدة، وحين سُئل عن زيارته في ظل التهديدات الأمنية، أكد إصراره على الزيارة».

ولفت الراعي إلى أن البابا عملياً «لا يأتي إلى لبنان فقط، بل إلى كل الدول العربية، حاملاً معه رسالة سلام مستمدة من إيمانه. موجهة أيضاً إلى السياسيين، ومفادها: «كفى حروباً وقتلاً ودماراً».

وقال الراعي: «منذ 50 سنة في لبنان نعيش الحروب. آن الأوان لأن تنتهي. لم تُقدم الحرب غير الدمار والقتل، كذلك الحرب الأخيرة بين (حزب الله) وإسرائيل. هناك أرواح بشرية تُقتل». ثم سأل الراعي: «من له الحق بأن يضع حدّاً لحياة أي إنسان؟».

وتابع: «هذه الأمور غير مقبولة من قبل الكنيسة. أعتقد أن البابا سيتكلم بهذا الضمير لوضع حدٍّ لمن يعبثون بحياة البشر. هذا الأمر غير مقبول أن يستمر».

إيقاف الحرب

ويتطرق الراعي إلى الأزمة القائمة، على ضوء التهديدات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه «لا مجال للحرب والقتل، ولا سبيل إلا بالدبلوماسية، وهو طريق طويل ويحتاج إلى الصبر»، داعماً خطوات الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يعمل على حل الأزمة دبلوماسياً وسياسياً.

وأضاف: «ما أراه، أن على الأميركيين أن يؤثروا على إسرائيل، كما أن على الإيرانيين أن يؤثروا على (حزب الله). الحزب عرف أن هناك قراراً نهائياً صدر بحصرية السلاح، ومن ثم عليه أن يسلم سلاحه للجيش اللبناني، ويعيش مثل كل الأحزاب اللبنانية بوصفه حزباً سياسياً. أما إسرائيل فلم تحترم القرار (1701)، ولم تحترم وقف إطلاق النار، وتضرب يومياً، وكأنها تأخذ لبنان بوصفه مقاطعة، تضرب وتقصف وتستهدف أماكن فيه، سيصبح لبنان كتلة أحجار متراكمة».

وتابع الراعي: «لذلك، أعتقد أن قداسة البابا سيوجه نداء سلام، فالسلام يمكن تحقيقه، ومن يحملون الأسلحة هم المسؤولون عن تحقيقه»، منتقداً حملة السلاح بالقول: «ليست المرجلة أن تطلق النار، بل المرجلة أن تكون رجل سلام وليس رجل حرب... وأعتقد أنه حان الوقت لأن يصل كل من إسرائيل و(حزب الله) إلى هذه القناعة. الحزب يجب أن يُسلّم سلاحه، وإسرائيل يجب أن تنسحب من الجنوب والنقاط المحتلة فيه كي يتمكن الجيش اللبناني من أن يبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ويواصل تسلُّم السلاح من (حزب الله). الخطة وضعها الجيش، ويجب إعطاؤه المجال لكي ينفذها».

ولا يجزم الراعي بأن البابا سيتحدث عن الأمر بالتفصيل، لكن يشير إلى أن «أمانة سر الفاتيكان توافق على هذا الحديث»، علماً بأن أمانة سر الدولة هي الآلية السياسية للكرسي الرسولي. وأضاف: «لأن لبنان في هذا الظرف مهدد بالحرب، قرر البابا أن يزوره».

مسؤولية القوى السياسية

ولا يحصر الراعي مسؤولية إيجاد حل للأزمات اللبنانية، بالرئاسة اللبنانية ورئاسة الحكومة، إذ يُشدد على وجوب «وقف النار، والتوقف عن رمي البنزين على النار»، موضحاً: «يجب أن نكون جميعاً مسؤولين عن السلام وتحقيقه. على السياسيين والأحزاب بأكملها أن تعمل على تحقيق السلام في لبنان، ويجب أن نخرج من العداوات»، مؤكداً: «إننا بلد ديمقراطي، والديمقراطية لا تعني العداوة». ويضيف: «من حق الأجيال أن تعيش بسلام؛ لذلك على الأحزاب أن تتغير، وتُغير المفهوم والممارسة القائمة ونمط التفكير».

استهداف الشيعة

ويعرب الراعي عن استغرابه من تصوير حصرية السلاح استهدافاً للشيعة، وقال: «أنا شخصياً متعجب! لماذا يعدّ الشيعة أنفسهم مستهدفين»، ويسأل: «مَن يستهدفهم؟»، مشيراً إلى أن المواطنين الشيعة «موجودون في الوزارات والإدارات»، ويضيف: «هل يعدّون أنفسهم مستهدفين لأنه يُطلب منهم تسليم السلاح؟ كل الطوائف في لبنان لا تحمل السلاح. هذا الأمر مثير للعجب، ولا أرى أنهم مستهدفون».

ويُشير الراعي إلى أن «الطوائف في لبنان هي فسيفساء البلد، وتثبت التعددية في لبنان. قيمة لبنان في التوازن والفسيفساء. وأؤكد أن الشيعة إخوتنا، ونحن إخوتهم، لبنان لنا ولهم، ولا أحد يستهدف الآخر. هذا بيتنا المشترك، وكلنا نقيم فيه».

وفي ردٍّ على تصريح مسؤول إيراني قال إن «حزب الله» وسلاحه هو حاجة للبنان، قال الراعي: «ليس السلاح مَن يوفر الأمن، بل الجيش اللبناني هو مَن يوفر الأمن لكل اللبنانيين». وحذّر الراعي من أن «الأمن الذاتي يخلق دويلات، والدويلات داخل الدولة لا تصح».

وأكّد «أننا نريد أن نعيش في دولة فيها جيش واحد، ودولة واحدة تحمي الجميع»، لافتاً إلى أن «الجيش والقوى الأمنية الرسمية لم تخل بالواجب وتعمل لجميع اللبنانيين، رافضاً ما يُقال بأن تسليم السلاح يعني العزلة».

ويُضيف: «شعورنا مختلف: أنت أخي وأنا أخوك، وكلانا لبنانيان متساويان في العزة والكرامة والحقوق والواجبات. لكن المطلوب منك اليوم هو أن تتحرر من إيران. فلا يمكن لإيران أن تُصدر الأحكام، ولا يجوز لأي طرف أن يتلقى الأوامر منها، بعد الحرب التي دمّرت كل شيء، يجب أن نعود إلى ذواتنا، ونفكر كيف يمكن للبنان أن يعيش بسلام. وهذا لن يتحقق بالحرب، ولا بالسلاح الذي يجب أن يُجمَع ويوضَع حصرياً بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية».

وتابع: «في حال كانت الدولة بحاجة لمؤازرة، أو شعرت بأي تهديد، فيمكنها حينئذٍ أن تُصدر تعبئة عامة وتطلب من كل الشعب مؤازرتها».

العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية

ولا ينفي الراعي أن لبنان يعيش أزمة سياسية تسببت في أزمات اقتصادية ومعيشية واجتماعية. ويقول: «نحتاج إلى الاستقرار السياسي حتى يستطيع البلد النهوض. يجب تثبيت الاستقرار السياسي، ويكون ولاء الجميع للبنان»، مشيراً إلى أن «المشكلة في لبنان منذ مائة عام. وأن الولاء للوطن والانتماء إليه لم يكبرا مع بعضهما بالمستوى نفسه. يجب أن يتساوى الولاء مع الانتماء. وهذا الأمر يثبت الاستقرار، ويمنع شعور أن طرف من أن يكون معزولاً أو مضطهداً».

ويرى الراعي أن علاج هذه الأزمة يكمن في التربية، ويقول في هذا السياق: «نطالب بالعودة إلى خدمة العلم حتى يتعلّق الشعب بلبنان». وشدّد على أن «إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت موجودة في لبنان كان خطأ ارتُكب»، مُضيفاً: «خدمة العلم تظهر للمواطن بأن ما يخدمه هو وطن يعيش في سبيله، وهو شرفه... لكن إذا كانت الخدمة غير موجودة، فكيف سيكون هناك ولاء؟».

ويشير الراعي إلى أن التربية الحقيقية تبدأ من المدارس، مروراً بالعائلة اللبنانية، والجامعات، والمجتمع، ولكنه يختتم بتأكيد أن «الأهم هو التربية في خدمة العلم؛ حيث يشعر الفرد اللبناني بالانتماء لهذا الوطن».


مقالات ذات صلة

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

تحليل إخباري المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

يزداد التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمعدّل عام 2024، وما تطلبه القوى الدولية لناحية حصرية السلاح.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)

اتصال جعجع بعون يبدّد التقديرات عن خلافات بينهما

بدّد اتصال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، المعلومات عن خلافات جوهرية بين الطرفين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» يعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

إسرائيل تستهدف «اليونيفيل» بجنوب لبنان رغم التنسيق الأممي معها

أعادت قنبلة بلدة العديسة بجنوب لبنان فتح ملف الاستهدافات المتواصلة لقوات حفظ السلام، في حين رأت مصادر لبنانية مواكبة أن «إسرائيل تتعمد الاستهداف رغم التنسيق».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
TT

أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

تلعب أربيل، عاصمة إقليم كردستان بشمال العراق، دوراً لافتاً هذه الأيام في رعاية الجهود الرامية إلى حل المشكلة الكردية في سوريا، ويتجلّى ذلك في استضافتها مفاوضات تجمع المبعوث الأميركي لسوريا توماس برّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي.

واجتمع المبعوث الأميركي مع مظلوم عبدي في أربيل، السبت، بحضور زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، ما يؤكد انخراط أربيل في جهود تسوية الملف الكردي في سوريا، طبقاً لبعض المراقبين.

ووزع الحزب «الديمقراطي الكردستاني» صورة لاجتماع بارزاني مع برّاك لوحدهما، مشيراً إلى أن المسؤول الأميركي أشاد بدور الزعيم الكردي العراقي في عملية السلام وتهدئة الأحداث الأخيرة في سوريا. كما ناقش الاجتماع الوضع في سوريا، وآخر التطورات على أرض الواقع، وأكد أن التوصل إلى حل للمشكلات يجب أن يعتمد على الحوار والتفاهم والأساليب السلمية، وفق ما جاء في البيان الذي أشار إلى أن الاجتماع حضره أيضاً رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني.

وتابع البيان أن الرئيس مسعود بارزاني «شكر الولايات المتحدة على دورها في مساعدة الأطراف السورية على التوصل إلى حل للمشكلات، وشدد على ضرورة ضمان حقوق الشعب الكردي في مستقبل سوريا».

وليس من الواضح بعد قدرة اجتماع أربيل على حسم ملف أكراد سوريا، خصوصاً في ظل التطورات الأمنية المتسارعة بين «قسد» والقوات الحكومية في محافظتي حلب والرقة. كما تزامن اجتماع أربيل مع اتهامات وجهتها «قسد» لحكومة دمشق بأنها «ترتكب خروقات لبنود الاتفاق» الذي تم بين الطرفين بخصوص انسحاب «قسد» إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات.

وقرر القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، في وقت سابق، سحب قواته من مناطق التماس بريف حلب الشرقي، على أن يبدأ الانسحاب صباح السبت.

ويُمثل الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» أهمية كبيرة بالنسبة لإقليم كردستان بشكل خاص وللعراق بشكل عام، بالنظر للتداخل الجغرافي والأمني والقومي، لا سيما مع مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال شرقي سوريا. ويقول مصدر مقرب من الحكومة الاتحادية في بغداد إنها «تراقب باهتمام ما يجري من مفاوضات بين دمشق و(قسد)، لكنها لم تتدخل بصورة مباشرة فيها».

ويؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «بغداد تريد إنهاء ملف الصراع في المناطق السورية بشكل عام والمتاخمة لحدوده بشكل خاص، وذلك لتجنب تداعيات أي أعمال عنف جديدة قد تنعكس سلباً على حالة الاستقرار النسبي القائمة حالياً، لا سيما أن عصابات (داعش) ما زالت تسعى لإعادة نشاطاتها الإرهابية».

بدوره، أكد كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب «الديمقراطي» مسعود بارزاني، أن إقليم كردستان بات يمثل «محوراً» أساسياً لصنع السلام في سوريا وبقية الإقليم، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الكردية.

وقال محمود لـ«الشرق الأوسط» إن «أربيل أصبحت محور المفاوضات لحل المشكلات الكردية، بالنظر للموقع المتميز الذي يحظى به الرئيس بارزاني، سواء في تركيا أو في إيران أو سوريا، وقد رأينا سابقاً كيف أنه أسهم في اتفاق حزب (العمال الكردستاني) التركي مع أنقرة، على الرغم من عدم تطبيق الاتفاق بشكل كامل حتى الآن، وكذلك الأمر بالنسبة للقضية الكردية في سوريا».

وأشار محمود إلى أهمية اجتماع السبت في أربيل بين المبعوث الأميركي وقائد «قسد» وبحضور الرئيس مسعود بارزاني، لافتاً إلى أن توماس برّاك «قدم من دمشق إلى أربيل وهو يحمل رؤى القيادة السورية الجديدة، ولديه أيضاً رؤى واضحة عن القيادة الكردية هناك، خصوصاً مع مظلوم عبدي».

وأعرب محمود عن اعتقاده بأن الاجتماع قد «يؤكد بنود الاتفاق السابق بين دمشق و(قسد) الموقع في 10 مارس (آذار) الماضي، وقد يُسهم في تفسير بنوده بطريقة جديدة، لأن كل طرف من أطراف الاتفاق يفسّره طبقاً لمفهومه ومصالحه». واتفاق «10 مارس» يتعلق بدمج «قسد» ضمن مؤسسات الحكومة السورية.

ورأى محمود أن «الصراع الحالي على الأرض هدفه رسم حدود المنطقة التي سيتفاوض عليها كل من الحكومة السورية والإدارة الكردية».

وتابع أن اجتماع أربيل ربما ستنتج عنه خريطة طريق تتضمن «مجموعة مقترحات للقيادة السورية تصب في تطوير الاتفاق السابق، وقد تساعد على إيقاف التفسير والتأويل المختلف ما بين الطرفين حول الاتفاق نفسه».

وأشار إلى أن «هناك فرصة كبيرة لنجاح الاتفاق، خصوصاً أن واشنطن اليوم ترتبط بعلاقات جيدة مع الحكومة في دمشق بعد أن كانت العلاقات متدهورة في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، كما أن واشنطن ترتبط أيضاً بعلاقات جيدة سابقة وحالية مع الإدارة الكردية».


عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
TT

عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو حليف للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه «إذا استخدمت الحكومة السورية الجديدة القوة العسكرية ضد الأكراد السوريين و(قوات سوريا الديمقراطية)، فسيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار هائلة في سوريا والمنطقة، وسيكشف لي كل ما أحتاج إلى معرفته عن هذا النظام الجديد».

وأضاف عبر منصة «إكس» أنه «إذا أقدمت الحكومة السورية على عمل عسكري، فسأبذل قصارى جهدي لإعادة تفعيل عقوبات قانون قيصر، وجعلها أشد وطأة».

وأفاد ​مصدر أمني سوري، وكالة «رويترز» للأنباء، بأن طائرات ‌التحالف الدولي الذي ‌تقوده ‌الولايات المتحدة ⁠حلقت ​فوق ‌بلدات تشهد توتراً في شمال سوريا، حيث دارت اشتباكات ⁠بين قوات ‌الجيش السوري والفصائل الكردية، اليوم السبت.

وتتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس (آذار) الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

ودعمت الولايات المتحدة «قوات سوريا الديمقراطية» لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتوصل الكونغرس الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق من شأنه أن يلغي عقوبات قيصر على سوريا نهائياً، فاتحاً صفحة جديدة من الأمل للبلاد التي رسخت لأكثر من خمس سنوات تحت وطأة عقوبات قاسية فرضتها الولايات المتحدة على نظام الأسد.

كان «قانون قيصر» من أكثر قوانين العقوبات صرامة؛ إذ يمنع التعامل مالياً مع مؤسسات الدولة السورية، ويعاقب أي جهة أجنبية تتعاون مع دمشق.


العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

في وقت يُفترض أن يحسم فيه «الإطار التنسيقي الشيعي» في العراق مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لا تزال المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» برئاسة بافل طالباني، تراوح مكانها من دون التوصل إلى اتفاق بشأن منصب رئيس الجمهورية، وهو ما يعقّد مسار استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل السلطات.

وكانت قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» قد أعلنت، في الأسبوع الماضي، أنها حسمت اسم المرشح لمنصب رئاسة الحكومة، غير أن رسالة صدرت عن المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف أدّت إلى تعطيل إعلان هذا المرشح رسمياً، الذي تبيّن لاحقاً أنه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي تنازل له رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عن حقه في تشكيل الحكومة.

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني لا يزال الرقم الأصعب في المعادلة السياسية (د.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال السوداني، بصفته زعيم «ائتلاف الإعمار والتنمية» ورئيس الحكومة الحالي، يمثّل الرقم الأصعب في المعادلة السياسية، خصوصاً بعد تراجع «قوى الإطار» عن طرح اسم المالكي بشكل علني، في ظل بروز خلافات داخلية بين مكونات «الإطار» نفسها.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة المناورات السياسية داخل العراق، مع اتساع نطاق النقاشات والمفاوضات الهادفة إلى تضييق الخيارات وحسم أسماء المرشحين لمنصبَي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ضمن المدد الدستورية التي حددها مجلس القضاء الأعلى. ووفقاً للوثيقة التي نشرها المجلس، فإن المدد الدستورية تشمل انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على نتائج الانتخابات، وانتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً، على أن يكلّف رئيس الجمهورية المنتخب مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، فيما يمنح رئيس الوزراء المكلف 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية.

لا وفاق ولا اتفاق

وفي ظل هذه المدد، أعلن مجلس النواب العراقي قبول 15 طلب ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ممن استوفوا الشروط القانونية، من بين نحو 81 مرشحاً تقدموا بطلباتهم، مما أدى إلى تصاعد التكتيكات السياسية داخل الكتل البرلمانية، بهدف تقليص عدد المرشحين والتوصل إلى اسم واحد يمكن التوافق عليه داخل البرلمان. وفي هذا الإطار، أكد مصدر كردي مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين أحرزت تقدماً فيما يتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان، التي تعذّر تشكيلها لأكثر من عام ونصف العام بسبب الخلافات السياسية، غير أن المفاوضات بشأن منصب رئيس الجمهورية لا تزال تشهد تعثراً واضحاً، من دون تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (أرشيفية - واع)

وفي الوقت الذي لم يتوصل فيه البيت الكردي إلى توافق حول مرشح موحد لرئاسة الجمهورية، سواء من أحد الحزبَين أو عبر طرح مرشح تسوية، لم يشهد البيت الشيعي بدوره اتفاقاً نهائياً بشأن منصب رئيس مجلس الوزراء. فعلى الرغم من تداول اسم نوري المالكي مرشحاً محتملاً، فإن غياب الإعلان الرسمي يعكس حجم التردد والانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، في وقت تشير فيه التقديرات السياسية إلى أن الأنظار قد تتجه مجدداً نحو محمد شياع السوداني، الذي تصدّر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر العام الماضي.

ومع اقتراب انتهاء المدد الدستورية الخاصة باستكمال انتخاب «الرئاسات»، تتزايد المخاوف من حدوث فراغ دستوري في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل نهاية الشهر الحالي. ولا تزال الخلافات بين الأطراف الكردية قائمة، من دون أفق واضح لحسمها، باستثناء خيار طرح أكثر من مرشح وترك القرار للتصويت العلني داخل مجلس النواب.

فؤاد حسين مرشح «الحزب الديمقراطي الكردستاني» لمنصب رئاسة الجمهورية (الخارجية العراقية)

وكان «الحزب الديمقراطي الكردستاني» قد قرّر ترشيح وزير الخارجية فؤاد حسين لمنصب رئاسة الجمهورية، إلى جانب ترشيح محافظ أربيل السابق نوزاد هادي مرشحاً بديلاً، في خطوة عكست سعي الحزب إلى تحصين موقعه التفاوضي من خلال وضع خيارَين على طاولة التوافق. في المقابل، أعلن «الاتحاد الوطني الكردستاني» ترشيح نزار آميدي مرشحاً وحيداً له، مما يعكس عمق الانقسام داخل البيت الكردي حول هذا الاستحقاق.

أما على الصعيد الشيعي فقد أثارت التسريبات المتعلقة بترشيح نوري المالكي تساؤلات بشأن طبيعة رهانات «الإطار التنسيقي» ومدى انسجام أجنحته، بالإضافة إلى قدرته، في حال تم تثبيت هذا الخيار، على إنهاء الخلافات المرتبطة بتشكيل الحكومة وإقناع الشركاء السياسيين الآخرين، مع الالتزام بالمدد الدستورية وعدم تجاوزها.

وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المدد الدستورية تُعدّ تنظيمية وليست حتمية، ولا يترتب على تجاوزها جزاء إجرائي مباشر. وأوضح أن المادة «54» من الدستور، وكذلك المادة «72»، قد جرى تجاوز المدد المنصوص عليها فيهما خلال الدورات البرلمانية السابقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى آثار قانونية مباشرة. غير أن السعدي أشار إلى أن المتغير الأبرز هذه المرة يتمثّل في تأكيد رئيس مجلس القضاء الأعلى ضرورة الالتزام بالمدد الدستورية، بوصفها جزءاً من النظام العام، فضلاً عن أن المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالعراق تفرض على القوى السياسية الإسراع في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات. ولفت إلى أن تجاوز هذه المدد، وإن لم يترتب عليه جزاء قانوني، فإنه يعطي انطباعاً سلبياً عن مدى احترام القوى السياسية دستور البلاد. وختم بالقول إن «مجلس النواب لا يستطيع أداء دورَيه التشريعي والرقابي بشكل منتظم من دون وجود حكومة مكتملة الصلاحيات».

وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن العراق يقف عند مفترق حساس بين منطق التسويات السياسية المتعثرة وضغط التوقيتات الدستورية المتسارعة. فغياب التوافق داخل البيتَين الكردي والشيعي لا يهدد فقط استكمال الاستحقاقات الدستورية، بل يضع العملية السياسية برمتها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز حساباتها الضيقة، والاستجابة لمتطلبات الاستقرار السياسي والمؤسسي. وبينما يظل تجاوز المدد الدستورية ممكناً من الناحية القانونية، فإن كلفته السياسية هذه المرة قد تكون أعلى، في ظل الضغوط الداخلية والدولية، مما يجعل خيار التفاهم والتسوية أقل كلفة من استمرار المراوحة والدخول في فراغ دستوري مفتوح.

Your Premium trial has ended