إسرائيل تستهدف الرجل الثاني في «حزب الله» وسط ضاحية بيروت الجنوبية

طبطبائي إيراني الأصل ومصنف «إرهابياً» من قبل وزارة الخزانة الأميركية

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
TT

إسرائيل تستهدف الرجل الثاني في «حزب الله» وسط ضاحية بيروت الجنوبية

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)

عادت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى الواجهة مجدداً مع استهدافها مرة جديدة من قبل الجيش الإسرائيلي، في عملية طالت الرجل الثاني في «حزب الله»، الإيراني الأصل، هيثم علي طبطبائي، ظهر الأحد، ما أدى إلى سقوط 5 قتلى و28 جريحاً.

ونعى «حزب الله» في بيان، مساء الأحد، «القائد الجهادي الكبير»، مشيراً إلى أنه «أفنى حياته في المقاومة منذ انطلاقتها، وكان من القادة الذين ‏وضعوا ‏المدماك الأساسي» للآلة العسكرية للحزب. لكن الحزب لم يتوعد بالرد في بيانه.

صورة لطبطبائي وزعها «حزب الله» الأحد

وأتى هذا الاستهداف في سياق التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان، الذي كان يتركز في الفترة الأخيرة على الجنوب والبقاع (شرق)، مترافقاً مع تهديدات مستمرة من قبل المسؤولين الإسرائيليين بتوسيع دائرة الحرب، وكان آخرها صباح الأحد، على لسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي جدد التأكيد على مواصلة القيام بما يلزم لمنع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته، في وقت تستمر فيه الاغتيالات المتنقلة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

عون لوضع حد للتصعيد

وبينما أتت العملية بعد يومين من إطلاق الرئيس اللبناني جوزيف عون، مبادرة لوضع حل مستدام للأزمة مع إسرائيل، يقضي بتثبيت الاستقرار، ويربط الخطوات اللاحقة بالموقف العربي، اعتبر عون، في بيان الأحد، أن استهداف الضاحية الذي تزامن مع ذكرى الاستقلال، «دليل آخر على أنها (إسرائيل) لا تأبه للدعوات المتكررة لوقف اعتداءاتها على لبنان، وترفض تطبيق القرارات الدولية وكل المساعي والمبادرات المطروحة لوضع حد للتصعيد وإعادة الاستقرار؛ ليس فقط إلى لبنان بل إلى المنطقة كلها».

وأضاف أن «لبنان الذي التزم وقف الأعمال العدائية منذ ما يقارب سنة حتى اليوم، وقدم المبادرة تلو المبادرة، يجدد دعوته للمجتمع الدولي بأن يتحمل مسؤوليته ويتدخل بقوة وبجدية لوقف الاعتداءات على لبنان وشعبه منعاً لأي تدهور يعيد التوتر إلى المنطقة من جهة، وحقناً لمزيد من الدماء من جهة أخرى».

سلام لتوحيد الجهود

من جهته، قال رئيس الحكومة نواف سلام عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «الاعتداء على الضاحية الجنوبية لبيروت اليوم، يتطلب توحيد كل الجهود خلف الدولة ومؤسساتها»، مؤكداً أنّ «حماية اللبنانيين ومنع انزلاق البلاد إلى مسارات خطرة هما أولوية الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة؛ فهي ستواصل العمل بشتى الوسائل السياسية والدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة، من أجل حماية اللبنانيين، ومنع أيّ تصعيد مفتوح، وبما يضمن وقف اعتداءات إسرائيل وانسحابها من أرضنا، وعودة أسرانا».

وأضاف: «لقد أثبتت التجارب أنّ الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار يمرّ عبر التطبيق الكامل للقرار 1701، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وتمكين الجيش اللبناني من الاضطلاع بمهامه».

اغتيال دون إنذار

ونفذ الجيش الإسرائيلي العملية من دون إطلاق أي إنذار كما جرت العادة عند استهداف الضاحية الجنوبية، إن خلال الحرب العام الماضي، أو في الضربات التي استهدفت المنطقة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الجرحى في غارة الأحد، إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الغارة أوقعت 5 قتلى و28 جريحاً.

عناصر بـ«الدفاع المدني» في المبنى الذي استهدف بهجوم إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

وأفادت «الوكالة الوطنية للاعلام» بأن الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، استهدفت شقة سكنية بأحد المباني في حارة حريك، حيث خلفت أضراراً كبيرة في السيارات والمباني المحيطة، مشيرة إلى أنه «أطلقت 3 صواريخ باتجاه المبنى المستهدف، وقد حضرت إلى المكان سيارات الإسعاف وعملت على نقل مصابين، كما فرض الجيش اللبناني طوقاً أمنياً حول المكان».

ومع العلم أن هذه العملية هي الضربة الثالثة التي تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله»، منذ 5 يونيو (حزيران) الماضي، والخامسة منذ إعلان وقف إطلاق النار.

وجاءت عملية الضاحية بعد ساعات من مقتل الأسير المحرر محمد صالح، إثر استهداف مسيرة إسرائيلية السيارة التي كان يستقلها في حي الرجم، لإحضار معدات يستخدمها في ترميم منزله ببلدته عيتا الشعب، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

بأمر من نتنياهو

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الأخير أمر بشن ضربة على بيروت الأحد، استهدفت «رئيس الأركان» في «حزب الله».

وجاء في بيان مقتضب: «قبل قليل، وفي قلب بيروت، هاجمت قوات الجيش الإسرائيلي رئيس أركان (حزب الله)، الذي كان يقود عمليات إعادة بناء وتسليح التنظيم الإرهابي»، مضيفاً أن نتنياهو «أصدر الأمر بشن الهجوم».

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بدروسيان، إن «رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمر بتنفيذ الغارة في الضاحية الجنوبية لبيروت»، والتي أُطلقت عليها قناة «14» اسم «الجمعة السوداء».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في إطار جهود إسرائيل لمنع (حزب الله) من إعادة بناء قوته وتهديد الأمن الإسرائيلي، مشددة على أن التنظيم يعمل بشكل فاعل على انتهاك التفاهمات بين لبنان وإسرائيل»، مؤكدة أن «الحكومة ستواصل اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لضمان عدم تعافي (حزب الله)، أو تعزيز قدراته العسكرية داخل لبنان».

عاملون يزيلون الردم من موقع الاستهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

في المقابل، ذكر مراسل لموقع «أكسيوس» في منشور على منصة «إكس»، نقلاً عن مسؤول أميركي كبير، أن «إسرائيل لم تخطر الولايات المتحدة مسبقاً بالغارة التي استهدفت مقاتلاً من جماعة (حزب الله) في إحدى ضواحي بيروت»، بحسب ما أفادت وكالة «رويترز». ولفت المنشور نقلاً عن المسؤول، إلى «أنه تم إبلاغ الإدارة الأميركية مباشرة بعد الضربة، بينما قال مسؤول كبير ثانٍ إن الولايات المتحدة كانت تعلم منذ أيام أن إسرائيل تخطط لتصعيد».

«حزب الله»: القيادة ستتخذ القرار المناسب

وفي حين يسود الترقب في لبنان لما ستكون عليه الخطوات المقبلة، لا سيما من قبل «حزب الله» بعد هذه العملية، قال رئيس المجلس السياسي في «الحزب» محمود قماطي، إن «كل الاحتمالات واردة، والقيادة ستتخذ القرار المناسب حول الرد»، في وقت أكدت فيه وسائل إعلام إسرائيلية مقتل طبطبائي، وأن «الجيش يستعد لرد محتمل من (حزب الله)».

الجيش اللبناني نفذ طوقاً أمنياً في محيط المبنى المستهدف بالضاحية الجنوبية (أ.ب)

وأقر قماطي، من موقع الاستهداف حيث استمر تحليق المسيرات الإسرائيلية، بأن «قيادياً عسكرياً كبيراً استهدف في الضربة على الضاحية الجنوبية، والنتائج غير معلومة بعد». وقال إن «عدوان اليوم خرق خطاً أحمر جديداً، ونحن ملتزمون بالتنسيق الكامل مع الدولة والجيش اللبناني، ولا خيار إلا بالتمسك بالمقاومة، ولا يمكن قبول الاستمرار بهذه الاستباحة».

ورأى أن «العدوان الإسرائيلي دليل جديد على أن العدو لا تنفع معه الاتفاقات، وهو لا يريد أن ينفذ أي اتفاق، وأي تفاوض جديد معه هو مضيعة للوقت، ونحن معنيون جيشاً وشعباً ومقاومة بوقف هذه الاستباحة».

إيراني الأصل... على لائحة «العدالة» الأميركية

وطبطبائي هو إيراني الأصل من أم لبنانية، وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن «إسرائيل حاولت تصفيته مرتين خلال الحرب، وهذه هي المرة الثالثة».

وطبطبائي هو القائد السابق لـ«قوة الرضوان»، وبات من أهم القادة في «حزب الله» بعد اغتيال أمينيه العامين؛ حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وقياديين في الصفين الأول والثاني.

وتشير المعلومات إلى أنه تولى مهام القيادي العسكري إبراهيم عقيل بعد اغتياله في شهر سبتمبر (أيلول) 2024، وهو الذي «كان يعدّ الرجل الثاني في الهيكلية العسكرية لـ(حزب الله)».

وكان برنامج «مكافآت من أجل العدالة» الأميركي، أعلن عن مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل معلومات عن طبطبائي المعروف أيضاً باسم «أبو علي طبطبائي». وقالت إنه «قيادي عسكري بارز في (حزب الله)، وقاد القوات الخاصة للجماعة في كل من سوريا واليمن»، مشيرة إلى أن «الأعمال التي قام بها طبطبائي في سوريا واليمن ما هي إلا جزء من جهد أكبر يبذله (حزب الله) لتوفير التدريب والعتاد والجنود لدعم أنشطته الإقليمية لزعزعة الاستقرار».

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، كانت قد صنفت وزارة الخارجية الأميركية طبطبائي بشكل خاص كـ«إرهابي عالمي» بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة. ونتيجة لهذا التصنيف، ومن بين العواقب الأخرى، تم حظر جميع ممتلكات طبطبائي، والفوائد العائدة عليها التي تخضع للولاية القضائية الأميركية، وتم منع الأميركيين بوجه عام من إجراء أي معاملات مع طبطبائي. كما يدخل في إطار الجريمة كل من الدعم المتعمد عن علم، أو محاولة توفير الدعم المادي، أو الإمكانات المادية، أو التآمر لتوفيرهما لـ(حزب الله) الذي صنفته الولايات المتحدة بوصفه منظمة إرهابية أجنبية».

جعجع لجلسة طارئة لمجلس الوزراء

وتوجه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إلى كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، عبر حسابه على منصة «إكس»، قائلاً: «لمواجهة الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف اليوم الضاحية الجنوبية، لا نستطيع التصرف كالعادة... إذا كان لدينا أي طريقة، وأؤكد أي طريقة، لإقامة توازن عسكري شرعي يمكِّننا من إيقاف الهجمات الإسرائيلية.. فلنعتمدها فوراً».

وأضاف جعجع: «أما إذا لم يكن لدينا هذا الخيار، وكما هو واضح وجلي، فلا يبقى أمامنا إلا طريق واحد لا غير: الاستعانة بأصدقاء لبنان، غرباً وشرقاً، وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وانسحابها من لبنان».

وأشار إلى أن «ما تطلبه الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية لمساعدة لبنان هو قيام دولة فعلية في لبنان فحسب، تحتكر السلاح كله والقرارين العسكري والأمني كلياً. وهذا كان مطلبنا جميعاً نحن اللبنانيين، بدءاً باتفاق الطائف، مروراً بقرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701، وليس انتهاء باتفاقية 27 نوفمبر 2024، وقراري مجلس الوزراء في 5 و7 أغسطس (آب) 2025».

وتمنى جعجع «دعوة مجلس الوزراء إلى جلسة طارئة لوضع قراري مجلس الوزراء في 5 و7 أغسطس موضع التنفيذ، وإجراء مشاورات سريعة وفي العمق وبالتفاصيل كلها مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وبقية أصدقاء لبنان، للاستعانة بقدراتهم على وقف الاعتداءات الإسرائيلية نهائياً، وسحب إسرائيل من لبنان، والعودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949».


مقالات ذات صلة

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، القطاع التعليمي في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لنفق اكتشفته السلطات السورية يُستخدم للتهريب مع لبنان (سانا)

سوريا تغلق نفقَي تهريب سلاح و«كبتاغون» عبر الحدود

أعلنت وزارة الدفاع السورية، خلال 48 ساعة، عن اكتشاف نفقين يُستخدمان للتهريب بين سوريا ولبنان.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

يفرض التوغّل الإسرائيلي عبر محور جبل الشيخ إيقاعاً ميدانياً مختلفاً، مع انتقال العمليات من الضغط الناري التقليدي إلى اختبار محاور التفاف مرتفعة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)

لبنان: الأسعار تقفز على إيقاع الحرب

تتصاعد أسعار السلع الغذائية في لبنان منذ اندلاع الحرب الإقليمية، لتتحول من انعكاس اقتصادي إلى أزمة معيشية مباشرة تضغط على الأسر

صبحي أمهز (بيروت)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حمّل «حزب الله» مسؤولية انجرار لبنان إلى الحرب، مؤكداً أن «لبنان لا يمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى».

وأشار بارو إلى أن «لبنان لم يكن من المفترض أن ينجر إلى هذه الحرب»، معتبراً أن قرار الانخراط فيها «اتُّخذ من قبل الحزب»، وثمَّن في المقابل «قرارات الحكومة اللبنانية بشأنه».

ودعا بارو إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت»، في محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري.

وتندرج مواقف بارو ضمن سياق أوسع من التحرّك الدبلوماسي الفرنسي الهادف إلى منع توسّع الحرب، في ظل مخاوف من انهيار الاستقرار الهش في لبنان، وما قد يرافقه من تداعيات أمنية وإنسانية على الداخل اللبناني وعلى المنطقة كلها، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

أطفال لبنان يحتفلون بأحد الشعانين (إ.ب.أ)

الراعي: نداء للسلام

داخلياً، ارتفعت نبرة التحذير من التكلفة الإنسانية للحرب؛ إذ أطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي نداءً صريحاً لوقف العنف، قائلاً: «كفى حرباً وقتلاً وتدميراً»، مشدداً على أن «قوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام».

وفي عظة أحد الشعانين من الصرح البطريركي في بكركي، رسم الراعي صورة قاتمة للواقع الميداني، متحدثاً عن «أطفال قصفت أعمارهم صواريخ الحرب»، وعن عائلات مشرّدة تعاني البرد والمطر من دون مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأشاد بالدور الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، مع إشارة خاصة إلى المساعدات التي وصلت من مصر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية.

كما توقف عند سلسلة الخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط مدنيين وصحافيين وعناصر من الطواقم الطبية والجيش اللبناني، مستحضراً حادثة مقتل مواطن ونجله في جنوب البلاد، في دلالة على اتساع دائرة الاستهدافات، وتداخل المدني بالعسكري في مسرح العمليات.

قداس الشعانين في مقر البطريركية المارونية في بكركي برئاسة البطريرك الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

الشعانين في مواجهة الحرب

وربط الراعي بين رمزية أحد الشعانين والواقع اللبناني، معتبراً أن أغصان الزيتون التي يحملها المؤمنون «ليست مجرد رمز، بل موقف وخيار واضح للسلام»، في مواجهة تصاعد خطاب العنف والانقسام، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالأمل رغم قسوة المرحلة، وإلى اختيار السلام نهجاً ثابتاً، في مقابل «الانزلاق نحو مزيد من التوتر».

وأكد أن «قوة الإنسان لا تكمن في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام والثبات في الحق»، معتبراً أن «هذه المرحلة تتطلب شهادة حقيقية للسلام على مستوى الأفراد والمجتمع».

ودعا إلى الصلاة من أجل حماية لبنان وأبنائه، ومن أجل تحقيق «سلام عادل وشامل ودائم»، يحفظ البلاد من مزيد من الانهيار.

الجميّل: رجاء بقيامة لبنان

سياسياً، انضم رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميّل إلى موجة الدعوات للتهدئة، مؤكداً أن لبنان «سيقوم من جديد رغم كل الألم». وفي رسالة لمناسبة أحد الشعانين، توجّه الجميّل إلى أهالي الجنوب، كاتباً على منصّة «إكس»: «في أحد الشعانين، عيد الرجاء والسلام، نتشبّث أكثر بإيماننا بأنّ النور أقوى من الظلام، وأنّ لبنان سيقوم من جديد رغم كل الألم».

وقال: «في هذه المناسبة، نتوجّه بقلوبنا إلى أهلنا في الجنوب، إلى العائلات التي حُرمت، هذا العام، من الاجتماع حول مائدة واحدة، ومن عيش فرحة العيد كما اعتادت كل سنة. نصلّي أن تعود هذه الأيام محمّلة بالسلام، وأن يجتمع كل بيت من جديد، وأن تبقى العائلة مصدر قوّتنا وصمودنا».

وتعكس هذه المواقف تقاطعاً واضحاً بين الضغوط الدولية والتحذيرات الداخلية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب مفتوحة. وفيما تتواصل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، تتقدم في المقابل الدعوات إلى حماية المدنيين، ووقف استهداف البنى التحتية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، في ظل إدراك متزايد بأن تكلفة الانزلاق الكامل إلى الحرب ستكون باهظة على المستويات كافة.


من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)

يقفز كمال وخليل وريم على دراجتين ناريتين، يرتدون قفازات سميكة، ويحملون صناديق بلاستيكية صغيرة، ويتّجهون نحو ضاحية بيروت الجنوبية في محاولة لإنقاذ الحيوانات الأليفة من بين الركام التي تركها أصحابها خلفهم حين فرّوا على عجل من الغارات الإسرائيلية.

ومنذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، والتي أرغمت أكثر من مليون شخص على النزوح، يجوب فريق الإنقاذ التابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» غير الحكومية على الدراجات النارية شوارع ضاحية بيروت الجنوبية التي ضاقت بركام المباني المهدمة بفعل الغارات، محاولين البحث عن الحيوانات العالقة.

تحت المطر، يتوجه الفريق من أحياء بيروت التي اكتظت بالنازحين نحو ضاحيتها الجنوبية المهجورة، للاستجابة إلى نداءين، الأول بحثاً عن قطة منزل قفزت من نافذة محطمة في الطابق الأرضي خوفاً من القصف، وأخرى تبدو عليها أعراض الشلل ربما نتيجة القصف.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

يقول المتطوع خليل حمية (45 عاماً) حين كان يستعدّ للتوجه إلى عمله: «لا نفقد الأمل حين لا نجد القط، لأنه سيعود، فهذا ملجؤه».

على أطراف حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل «حزب الله»، يركن عصام عطار سيارة دفع رباعي بانتظار خروج الدراجات النارية التي استقلها زملاؤه لإنقاذ الحيوانات الأليفة، استعداداً لنقلها إلى المستشفى.

وفي ظلّ القصف الإسرائيلي وتقييد «حزب الله» التصوير في الضاحية الجنوبية، لم يكن من الممكن لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» الدخول برفقة الفريق إلى الداخل. ويقول عطار عن الحيوانات: «إنها أرواح... لا ذنب لها في الحرب».

«هلع»

منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» مطلع مارس (آذار)، أنقذت فرق «أنيمالز ليبانون» أكثر من 241 حيواناً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.

وأدّت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من 1100 شخص، حسب إحصاءات السلطات اللبنانية.

وفي هذه المدينة التي لا صافرات إنذار فيها، يعلم الناس بوجود تحذيرات إسرائيلية تمهيداً لغارات عندما يبدأ إطلاق النار في الهواء بوصفها وسيلة تحذير شعبية.

وتقول مديرة العمليات في «أنيمالز ليبانون» ريم صادق إن إطلاق النار والانفجار الذي يليه يرعبان القطط التي تختبئ من الخوف، ولا تتمكن عائلاتها من العثور عليها بعد ذلك، فيما تهرع لإخلاء منزلها.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

وتشرح ريم صادق: «القطط تصاب بالهلع من أصوات القصف، وقد تصبح عدائية» ومن ثم يصعب التقاطها.

وتضيف: «قد نكون الوحيدين الذين نملك الخبرة لنتمكن من العثور عليها».

ويستحيل إعادة بعض هذه القطط إلى أصحابها الذين باتوا مشردين وينامون تحت خيم في الشوارع أو داخل مراكز إيواء، ولذلك تبقى في عهدة المنظمة.

وزادت الحرب كذلك مهمات المنظمة تعقيداً، فهي تحاول إخراج شبلين من البلاد إلى قبرص، بعدما توقفت رحلات الطيران إلى جنوب أفريقيا.

ويواصل فريق «أنيمالز ليبانون» مهمات الإنقاذ، إلى جانب مهمات إطعام الحيوانات الشاردة وتوزيع الطعام والدواء البيطري في الأماكن التي يقيم فيها النازحون.

ولا تقتصر مخاطر هذا العمل على القصف، بل أحياناً على السلوك العدواني لبعض الحيوانات التي لا «تفهم أحياناً ما الذي نفعله» أثناء محاولة إنقاذها، كما يقول حمية.


التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
TT

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، الأحد، القطاع التعليمي في لبنان، وهو ما دفع الجامعة الأميركية في بيروت، إلى إبلاغ طلابها بأنه «لا دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا»، لكنها اتخذت تدبيراً احترازياً يتمثل في تفعيل نظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني، فجر اليوم (الأحد)، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.

وقال «الحرس الثوري» في بيان نشرته وسائل إعلام إيرانية: «إذا أرادت الحكومة الأميركية ألا تتعرض هذه الجامعات في المنطقة لردود انتقامية، عليها إدانة قصف الجامعات في بيان رسمي قبل الاثنين 30 مارس (آذار) ظهراً».

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

إجراء احترازي

بعد مزاعم عن اجراءات استثنائية، أبلغت «‏الجامعة الأميركية في بيروت» طلابها وموظفيها برسالة، قالت فيها: «لا يوجد لدينا أي دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا أو حرمها الجامعي أو مراكزها الطبية»، حسبما أفادت وكالة الأنباء «المركزية».

لكن الجامعة قالت في الرسالة نفسها: «حرصاً منا على سلامتكم، سنعمل بنظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء باستثناء الموظفين الأساسيين»، وهو ما ظهر على أنه إجراء احترازي. وأضافت الرسالة الممهورة بتوقيع رئيس الجماعة فضلو خوري: «بناءً عليه، لن تُعقد أي أنشطة تعليمية أو امتحانات داخل الحرم الجامعي خلال هذين اليومين. لقد كانت وستبقى أولويتنا القصوى هي سلامة مجتمعنا والأشخاص الذين نخدمهم». وحثّ «جميع الأطراف، دون استثناء، على تحييد المؤسسات التعليمية وعدم استهدافها في صراعاتهم».

المركز الطبي التابع للجامعة اللبنانية - الأميركية يقدم خدمات عاجلة للنازحين من الحرب (رويترز)

مؤسستان في بيروت

هناك مؤسستان تعليميتان معنيّتان بشكل أساسي في بيروت؛ هما «الجامعة الأميركية في بيروت»، و«الجامعة اللبنانية - الأميركية». ونفت الأخيرة في رسالة للطلاب، أن تكون تلقت أي إشعار من السلطات اللبنانية حول تحذيرات أمنية، وتعهدت بمواصلة التركيز على مهمتها الأكاديمية والصحية، ضمن الخطط المعلن عنها.

وليل الجمعة - السبت، سُمع دوي انفجارات في طهران طالت جامعة العلوم والتكنولوجيا في شمال شرقي المدينة، وأدت إلى إلحاق أضرار بالمباني من دون وقوع إصابات، حسبما أفادت تقارير إعلامية.

مطار بيروت وأخبار مضللة

في غضون ذلك، ردّت وزارة الأشغال العامة والنقل على «الأخبار المضللة المتزايدة أخيراً عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تتضمّن مزاعم بإقفال المطار أو توقّف الرحلات أو تعرّض الأجواء اللبنانية لمخاطر مباشرة»، مؤكدةً أنّ «مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت يعمل بشكل طبيعي، ولا يوجد أي قرار بإقفاله أو تعليق حركة الملاحة الجوية فيه، كما لم تُلغَ الرحلات الجوية على النحو الذي يتم الترويج له».

ووفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، لا يوجد أي إلغاء جديد لرحلات، وقد تم تسجيل 12 رحلة جوية حتى الساعة الثامنة من صباح الأحد، ما «يؤكد استمرار الحركة التشغيلية ضمن الأطر المعتادة، كما أنّ الأجواء اللبنانية غير مغلقة، وما يُشاع حول استخدام أجواء مطار بيروت لأغراض غير مدنية هو محض ادعاءات عارية تماماً عن الصحة»، بحسب وزارة الأشغال.

أما فيما يتعلق بتراجع عدد الرحلات، فأكدت الوزارة أنّ «ذلك يندرج ضمن السياق العالمي العام المرتبط بالظروف الراهنة التي تشهدها مختلف مطارات المنطقة، ولا يُشكّل مؤشراً استثنائياً خاصاً بلبنان».

وأضافت الوزارة: «تتابع وزارة الأشغال العامة والنقل من كثب، مع الهيئة العامة للطيران المدني، والأجهزة الأمنية المختصة في مطار رفيق الحريري الدولي، حسن سير عمله للحفاظ عليه بوصفه شرياناً أساسياً يربط لبنان بالعالم، ولتأمين التواصل بين اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وتحذّر من خطورة تداول الأخبار غير الدقيقة أو المضلّلة، لما لذلك من تداعيات سلبية، وتدعو وسائل الإعلام والمواطنين إلى التحلّي بأعلى درجات المسؤولية، وتوخّي الدقة والحصول على المعلومات حصراً من المصادر الرسمية المعتمدة».