إسرائيل تستهدف الرجل الثاني في «حزب الله» وسط ضاحية بيروت الجنوبية

طبطبائي إيراني الأصل ومصنف «إرهابياً» من قبل وزارة الخزانة الأميركية

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
TT

إسرائيل تستهدف الرجل الثاني في «حزب الله» وسط ضاحية بيروت الجنوبية

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)
عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف طبطبائي الأحد بضاحية بيروت الجنوبية (الشرق الأوسط)

عادت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى الواجهة مجدداً مع استهدافها مرة جديدة من قبل الجيش الإسرائيلي، في عملية طالت الرجل الثاني في «حزب الله»، الإيراني الأصل، هيثم علي طبطبائي، ظهر الأحد، ما أدى إلى سقوط 5 قتلى و28 جريحاً.

ونعى «حزب الله» في بيان، مساء الأحد، «القائد الجهادي الكبير»، مشيراً إلى أنه «أفنى حياته في المقاومة منذ انطلاقتها، وكان من القادة الذين ‏وضعوا ‏المدماك الأساسي» للآلة العسكرية للحزب. لكن الحزب لم يتوعد بالرد في بيانه.

صورة لطبطبائي وزعها «حزب الله» الأحد

وأتى هذا الاستهداف في سياق التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان، الذي كان يتركز في الفترة الأخيرة على الجنوب والبقاع (شرق)، مترافقاً مع تهديدات مستمرة من قبل المسؤولين الإسرائيليين بتوسيع دائرة الحرب، وكان آخرها صباح الأحد، على لسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي جدد التأكيد على مواصلة القيام بما يلزم لمنع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته، في وقت تستمر فيه الاغتيالات المتنقلة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

عون لوضع حد للتصعيد

وبينما أتت العملية بعد يومين من إطلاق الرئيس اللبناني جوزيف عون، مبادرة لوضع حل مستدام للأزمة مع إسرائيل، يقضي بتثبيت الاستقرار، ويربط الخطوات اللاحقة بالموقف العربي، اعتبر عون، في بيان الأحد، أن استهداف الضاحية الذي تزامن مع ذكرى الاستقلال، «دليل آخر على أنها (إسرائيل) لا تأبه للدعوات المتكررة لوقف اعتداءاتها على لبنان، وترفض تطبيق القرارات الدولية وكل المساعي والمبادرات المطروحة لوضع حد للتصعيد وإعادة الاستقرار؛ ليس فقط إلى لبنان بل إلى المنطقة كلها».

وأضاف أن «لبنان الذي التزم وقف الأعمال العدائية منذ ما يقارب سنة حتى اليوم، وقدم المبادرة تلو المبادرة، يجدد دعوته للمجتمع الدولي بأن يتحمل مسؤوليته ويتدخل بقوة وبجدية لوقف الاعتداءات على لبنان وشعبه منعاً لأي تدهور يعيد التوتر إلى المنطقة من جهة، وحقناً لمزيد من الدماء من جهة أخرى».

سلام لتوحيد الجهود

من جهته، قال رئيس الحكومة نواف سلام عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «الاعتداء على الضاحية الجنوبية لبيروت اليوم، يتطلب توحيد كل الجهود خلف الدولة ومؤسساتها»، مؤكداً أنّ «حماية اللبنانيين ومنع انزلاق البلاد إلى مسارات خطرة هما أولوية الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة؛ فهي ستواصل العمل بشتى الوسائل السياسية والدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة، من أجل حماية اللبنانيين، ومنع أيّ تصعيد مفتوح، وبما يضمن وقف اعتداءات إسرائيل وانسحابها من أرضنا، وعودة أسرانا».

وأضاف: «لقد أثبتت التجارب أنّ الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار يمرّ عبر التطبيق الكامل للقرار 1701، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وتمكين الجيش اللبناني من الاضطلاع بمهامه».

اغتيال دون إنذار

ونفذ الجيش الإسرائيلي العملية من دون إطلاق أي إنذار كما جرت العادة عند استهداف الضاحية الجنوبية، إن خلال الحرب العام الماضي، أو في الضربات التي استهدفت المنطقة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الجرحى في غارة الأحد، إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الغارة أوقعت 5 قتلى و28 جريحاً.

عناصر بـ«الدفاع المدني» في المبنى الذي استهدف بهجوم إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

وأفادت «الوكالة الوطنية للاعلام» بأن الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، استهدفت شقة سكنية بأحد المباني في حارة حريك، حيث خلفت أضراراً كبيرة في السيارات والمباني المحيطة، مشيرة إلى أنه «أطلقت 3 صواريخ باتجاه المبنى المستهدف، وقد حضرت إلى المكان سيارات الإسعاف وعملت على نقل مصابين، كما فرض الجيش اللبناني طوقاً أمنياً حول المكان».

ومع العلم أن هذه العملية هي الضربة الثالثة التي تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله»، منذ 5 يونيو (حزيران) الماضي، والخامسة منذ إعلان وقف إطلاق النار.

وجاءت عملية الضاحية بعد ساعات من مقتل الأسير المحرر محمد صالح، إثر استهداف مسيرة إسرائيلية السيارة التي كان يستقلها في حي الرجم، لإحضار معدات يستخدمها في ترميم منزله ببلدته عيتا الشعب، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

بأمر من نتنياهو

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الأخير أمر بشن ضربة على بيروت الأحد، استهدفت «رئيس الأركان» في «حزب الله».

وجاء في بيان مقتضب: «قبل قليل، وفي قلب بيروت، هاجمت قوات الجيش الإسرائيلي رئيس أركان (حزب الله)، الذي كان يقود عمليات إعادة بناء وتسليح التنظيم الإرهابي»، مضيفاً أن نتنياهو «أصدر الأمر بشن الهجوم».

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بدروسيان، إن «رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمر بتنفيذ الغارة في الضاحية الجنوبية لبيروت»، والتي أُطلقت عليها قناة «14» اسم «الجمعة السوداء».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في إطار جهود إسرائيل لمنع (حزب الله) من إعادة بناء قوته وتهديد الأمن الإسرائيلي، مشددة على أن التنظيم يعمل بشكل فاعل على انتهاك التفاهمات بين لبنان وإسرائيل»، مؤكدة أن «الحكومة ستواصل اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لضمان عدم تعافي (حزب الله)، أو تعزيز قدراته العسكرية داخل لبنان».

عاملون يزيلون الردم من موقع الاستهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

في المقابل، ذكر مراسل لموقع «أكسيوس» في منشور على منصة «إكس»، نقلاً عن مسؤول أميركي كبير، أن «إسرائيل لم تخطر الولايات المتحدة مسبقاً بالغارة التي استهدفت مقاتلاً من جماعة (حزب الله) في إحدى ضواحي بيروت»، بحسب ما أفادت وكالة «رويترز». ولفت المنشور نقلاً عن المسؤول، إلى «أنه تم إبلاغ الإدارة الأميركية مباشرة بعد الضربة، بينما قال مسؤول كبير ثانٍ إن الولايات المتحدة كانت تعلم منذ أيام أن إسرائيل تخطط لتصعيد».

«حزب الله»: القيادة ستتخذ القرار المناسب

وفي حين يسود الترقب في لبنان لما ستكون عليه الخطوات المقبلة، لا سيما من قبل «حزب الله» بعد هذه العملية، قال رئيس المجلس السياسي في «الحزب» محمود قماطي، إن «كل الاحتمالات واردة، والقيادة ستتخذ القرار المناسب حول الرد»، في وقت أكدت فيه وسائل إعلام إسرائيلية مقتل طبطبائي، وأن «الجيش يستعد لرد محتمل من (حزب الله)».

الجيش اللبناني نفذ طوقاً أمنياً في محيط المبنى المستهدف بالضاحية الجنوبية (أ.ب)

وأقر قماطي، من موقع الاستهداف حيث استمر تحليق المسيرات الإسرائيلية، بأن «قيادياً عسكرياً كبيراً استهدف في الضربة على الضاحية الجنوبية، والنتائج غير معلومة بعد». وقال إن «عدوان اليوم خرق خطاً أحمر جديداً، ونحن ملتزمون بالتنسيق الكامل مع الدولة والجيش اللبناني، ولا خيار إلا بالتمسك بالمقاومة، ولا يمكن قبول الاستمرار بهذه الاستباحة».

ورأى أن «العدوان الإسرائيلي دليل جديد على أن العدو لا تنفع معه الاتفاقات، وهو لا يريد أن ينفذ أي اتفاق، وأي تفاوض جديد معه هو مضيعة للوقت، ونحن معنيون جيشاً وشعباً ومقاومة بوقف هذه الاستباحة».

إيراني الأصل... على لائحة «العدالة» الأميركية

وطبطبائي هو إيراني الأصل من أم لبنانية، وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن «إسرائيل حاولت تصفيته مرتين خلال الحرب، وهذه هي المرة الثالثة».

وطبطبائي هو القائد السابق لـ«قوة الرضوان»، وبات من أهم القادة في «حزب الله» بعد اغتيال أمينيه العامين؛ حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وقياديين في الصفين الأول والثاني.

وتشير المعلومات إلى أنه تولى مهام القيادي العسكري إبراهيم عقيل بعد اغتياله في شهر سبتمبر (أيلول) 2024، وهو الذي «كان يعدّ الرجل الثاني في الهيكلية العسكرية لـ(حزب الله)».

وكان برنامج «مكافآت من أجل العدالة» الأميركي، أعلن عن مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل معلومات عن طبطبائي المعروف أيضاً باسم «أبو علي طبطبائي». وقالت إنه «قيادي عسكري بارز في (حزب الله)، وقاد القوات الخاصة للجماعة في كل من سوريا واليمن»، مشيرة إلى أن «الأعمال التي قام بها طبطبائي في سوريا واليمن ما هي إلا جزء من جهد أكبر يبذله (حزب الله) لتوفير التدريب والعتاد والجنود لدعم أنشطته الإقليمية لزعزعة الاستقرار».

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، كانت قد صنفت وزارة الخارجية الأميركية طبطبائي بشكل خاص كـ«إرهابي عالمي» بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة. ونتيجة لهذا التصنيف، ومن بين العواقب الأخرى، تم حظر جميع ممتلكات طبطبائي، والفوائد العائدة عليها التي تخضع للولاية القضائية الأميركية، وتم منع الأميركيين بوجه عام من إجراء أي معاملات مع طبطبائي. كما يدخل في إطار الجريمة كل من الدعم المتعمد عن علم، أو محاولة توفير الدعم المادي، أو الإمكانات المادية، أو التآمر لتوفيرهما لـ(حزب الله) الذي صنفته الولايات المتحدة بوصفه منظمة إرهابية أجنبية».

جعجع لجلسة طارئة لمجلس الوزراء

وتوجه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إلى كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، عبر حسابه على منصة «إكس»، قائلاً: «لمواجهة الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف اليوم الضاحية الجنوبية، لا نستطيع التصرف كالعادة... إذا كان لدينا أي طريقة، وأؤكد أي طريقة، لإقامة توازن عسكري شرعي يمكِّننا من إيقاف الهجمات الإسرائيلية.. فلنعتمدها فوراً».

وأضاف جعجع: «أما إذا لم يكن لدينا هذا الخيار، وكما هو واضح وجلي، فلا يبقى أمامنا إلا طريق واحد لا غير: الاستعانة بأصدقاء لبنان، غرباً وشرقاً، وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وانسحابها من لبنان».

وأشار إلى أن «ما تطلبه الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية لمساعدة لبنان هو قيام دولة فعلية في لبنان فحسب، تحتكر السلاح كله والقرارين العسكري والأمني كلياً. وهذا كان مطلبنا جميعاً نحن اللبنانيين، بدءاً باتفاق الطائف، مروراً بقرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701، وليس انتهاء باتفاقية 27 نوفمبر 2024، وقراري مجلس الوزراء في 5 و7 أغسطس (آب) 2025».

وتمنى جعجع «دعوة مجلس الوزراء إلى جلسة طارئة لوضع قراري مجلس الوزراء في 5 و7 أغسطس موضع التنفيذ، وإجراء مشاورات سريعة وفي العمق وبالتفاصيل كلها مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وبقية أصدقاء لبنان، للاستعانة بقدراتهم على وقف الاعتداءات الإسرائيلية نهائياً، وسحب إسرائيل من لبنان، والعودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949».


مقالات ذات صلة

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

خاص دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

ينفذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النار الإسرائيلية لمنع وجود العناصر الرسمية على تماس مع القوات المتوغلة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

يستعد «حزب الله» لقتال طويل في جنوب لبنان، مشترطاً الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، قبل التوصل إلى أي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي لبناني يشاهد دماراً لحق بأحد المنازل في السكسكية بجنوب لبنان (أ.ب) p-circle

«حزب الله» يعلن اشتباكه مع قوات إسرائيلية داخل قريتين في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله» اللبناني خوضه اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية في قريتين بجنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 في غارات إسرائيلية

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، اليوم الجمعة، عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 آخرين في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.

«الشرق الأوسط» ( بيروت )
المشرق العربي أرشيفية لتصاعد دخان جراء غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

«اليونيسف»: نزوح أكثر من 370 ألف طفل في لبنان ومقتل 121

قال ​ماركولويجي كورسي، ممثل «اليونيسف» في لبنان، ‌اليوم ‌الجمعة، ​إن ‌أكثر ⁠من ​370 ألف طفل ⁠أجبروا على النزوح في ⁠لبنان ‌بسبب الحملة ‌العسكرية ​الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
TT

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ينفّذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النيران الإسرائيلية، في خطوة يُنظر إليها بوصفها استراتيجية لتجنّب وجود العناصر الرسمية على تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية أو حدوث احتكاك بينها.

ويأتي ذلك في ظل غياب قرار سياسي بمواجهة التوغلات الإسرائيلية عسكرياً، كما يُفسَّر الإجراء على أنه تطبيق لـ«تكتيكات الحماية» لعناصرهما في منطقة تشهد اشتباكات.

عناصر من الجيش اللبناني قرب الأنقاض جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

وقال مصدر أمني لبناني مطّلع لـ«الشرق الأوسط»، إن القوى الأمنية تعتمد مبدأ ميدانياً ثابتاً يقوم على البقاء إلى جانب الأهالي حتى اللحظة الأخيرة، موضحاً أن «العناصر تبقى حيث يوجد المدنيون، وتنسحب فقط بعد اكتمال النزوح، وقبل أي توغل إسرائيلي محتمل، بما يضمن عدم تعريضهم أو تعريض السكان للخطر».

وحسب المصدر، يرتبط انتشار القوى الأمنية مباشرة بحركة النزوح وواقع كل بلدة، إذ «يُشكّل وجود الأهالي عاملاً حاسماً في بقاء مخافر قوى الأمن».

ويكشف المصدر أنه «لا يجري إخلاء المخافر وفق خطة مركزية معلنة، بل استناداً إلى معطيات ميدانية متغيرة»، إذ «كلّ بلدة تُخلى من سكانها يُصار حكماً إلى إخلاء مخفرها، وتلتحق العناصر بأقرب نقطة عسكرية». وفي هذا السياق، برزت بلدة الخيام بوصفها «من آخر النقاط التي حافظت على وجود أمني إلى جانب السكان حتى المراحل الأخيرة من النزوح، قبل أن يتم إخلاؤها».

انكفاء عسكري ورفض أهلي للإخلاء

تعكس بلدة دبل تعقيد التداخل بين القرار الأمني ورد الفعل المحلي. إذ كشف مصدر من أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش اللبناني كان يمتلك نقطة متقدمة عند أطرافها، إلا أنه ومع بدء توغلات إسرائيلية محدودة في محيطها، جرى سحب هذه النقطة ليلاً إلى داخل البلدة، وتحديداً إلى المدرسة الرسمية.

دورية مؤلّلة للجيش اللبناني برفقة قوّات الأمم المتّحدة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ويضيف المصدر أن «الانسحاب لم يتوقف عند هذا الحد، إذ جرى في اليوم التالي، سحب العناصر بالكامل من دبل باتجاه رميش، ما أدّى إلى غياب أي وجود عسكري فعلي داخل البلدة، مع بقاء العناصر من أبناء دبل في منازلهم بلباس مدني».

الأكثر حساسية كان طرح قرار بنقل العسكريين من أبناء البلدة مع عائلاتهم إلى خارج البلدة، وهو ما فُهم محلياً بوصفه تمهيداً لإفراغ البلدة. إلا أن هذا التوجه قوبل برفض واسع من الأهالي.

ويكتسب هذا الرفض ثقله من المعطى العددي، إذ يناهز عدد العناصر الأمنية من أبناء دبل نحو 200 بين الجيش والقوى الأمنية، ما يعني أن خروجهم مع عائلاتهم كان سيؤدي عملياً إلى تفريغ البلدة بشكل شبه كامل. وقد أدى تحرك سياسي أهلي، شمل وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» ومرجعيات دينية، إلى تجميد هذا التوجه.

ورغم التوتر، يؤكد المصدر أن البلدة ليست محاصرة، مشيراً إلى أن طريق «دبل - رميش» لا يزال مفتوحاً، ما سمح بتراجع فكرة الإجلاء. وفي ظل هذا الواقع، يلتزم الأهالي والعناصر منازلهم، فيما تبقى المراكز العسكرية والمخافر قائمة في بلدات مجاورة مثل عين إبل ورميش.

وكانت وسائل إعلام محلية قد أفادت بأن الجيش اللبناني أعاد التموضع عند حاجز الخردلي، المدخل الأساسي إلى منطقة جنوب الليطاني من القطاع الشرقي، كما يستعد لإعادة الانتشار عند حاجز كفرا، في ضوء تقدم القوات الإسرائيلية نحو بيت ليف ووادي العيون المقابلين له من الجهة الجنوبية.

قيادة الجيش: رفع الجهوزية ومواجهة الشائعات

في موازاة هذه التحركات، تَفقَّد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل عدداً من الوحدات في بيروت وصيدا، واطّلع على التدابير الأمنية المتخذة في قطاعات مسؤوليتها.

وتوجّه إلى العسكريين مشدداً على ضرورة الحفاظ على الجهوزية «لمنع الإخلال بالأمن، والحزم في وجه أي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي».

وقال: «رغم الشائعات وحملات التحريض التي تسعى إلى التقليل من شأن تضحيات العسكريين وجهودهم، لن يتوانى الجيش عن تحمّل مسؤولياته الوطنية»، داعياً العسكريين إلى «عدم التأثر بهذه الشائعات، والتمسك بعقيدتهم والالتزام بأداء واجبهم الوطني».

خيار وقائي

في قراءة عسكرية، قال النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري «لا يمكن توصيفه بكونه حالةَ انسحاب عسكري تقليدي، بل يندرج ضمن إعادة تموضع ميدانية مدروسة تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة، في ظل التفوق الجوي والناري الإسرائيلي، وما يرافقه من فرضية استهداف مباشر للنقاط المكشوفة».

وأوضح أن «الجيش اللبناني يتحرك ضمن هامش تحدده السلطة السياسية، إذ لا يوجد حتى الآن قرار صادر عن مجلس الوزراء يقضي بالتصدي أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي».

وأضاف أن المؤسسة العسكرية «تدير انتشارها على هذا الأساس، بما يوازن بين الحضور الميداني ومتطلبات السلامة».

وفيما يتعلق بإخلاء بعض النقاط، ومنها ما يُتداول بشأن دبل، شدد روكز على أن «المسألة لا ترتبط بتخلٍّ عن الأرض أو انهيار في الجبهة، بل بإجراءات وقائية تفرضها الوقائع الميدانية؛ حيث تصبح بعض المواقع أهدافاً سهلة تحت القصف».

وأشار إلى أن إعادة التموضع «تحمل بُعداً عملياتياً ومعنوياً، إذ تهدف إلى تجنب الاحتكاك المباشر في ظل غياب قرار سياسي، والحفاظ على معنويات العسكريين وعدم زجّهم في مواجهات غير متكافئة»، معتبراً أنّ «القيادة العسكرية تعتمد مرونة عالية في إدارة الانتشار، عبر الانتقال من مواقع مكشوفة إلى أخرى أكثر أماناً».

ولفت إلى أن ما يجري «يندرج ضمن تكتيكات الحماية وإعادة الانتشار المعتمدة في بيئات عالية الخطورة»، مؤكداً أن «المشهد يعكس إدارة دقيقة للتوازن بين القرار السياسي والواقع الميداني؛ حيث لا يمكن فصل أداء الجيش عن توجيهات الدولة، ولا عن طبيعة التهديد القائم».


إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

يستعد «حزب الله» لقتال طويل في جنوب لبنان، مشترطاً الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، قبل التوصل إلى أي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وذلك «تجنباً لنتائج الحرب الماضية»، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لمحادثات «حزب الله» مع المسؤولين السياسيين، فيما تشير التحشيدات الإسرائيلية المتواصلة إلى أن الجيش يستعد أيضاً لقتال طويل في جنوب لبنان.

وتفسر المعلومات في لبنان عن عدد المقاتلين الذين يتم استهدافهم في غارات، التي تتعزز بالصور الإسرائيلية للملاحقات في مناطق القتال، استراتيجية «حزب الله» العسكرية التي تظهر تبدلاً عما كان يتبعه في الحرب الماضية، عبر تصغير المجموعات القتالية إلى مقاتلين اثنين أو ثلاثة بالحد الأقصى، منعاً للاستنزاف، كما أعطى المجموعات على الأرض صلاحيات من دون الرجوع إلى القيادات الأعلى منها، «بما تراه مناسباً في الميدان».

دمار ناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة السكسكية جنوب لبنان أسفرت عن وقوع قتلى (أ.ب)

وقالت المصادر المواكبة لمحادثات الحزب مع المسؤولين السياسيين اللبنانيين إنه «يستعد لمعركة طويلة»، وإنه «لن يقبل بأي اتفاق سياسي لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تجنباً لأن تستفيد إسرائيل من أي تعليق للقتال، لنسف مزيد من البيوت أو فرض أمر واقع بتثبيت نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية». وقالت المصادر إن الحزب «يقول إن مجموعاته ستواصل مقاومة التوغلات الإسرائيلية، حتى انسحابها بالكامل، مهما طال الوقت»، فيما «يكفل أي اتفاق سياسي عودة الأسرى» الذين ازداد عددهم منذ بدء الحرب القائمة، وعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم».

المفاوضات معلقة

وتُظهر تلك التسريبات أن الحزب رفع سقف شروطه تمهيداً لأي اتفاق مسبق، علماً أنه «لا مفاوضات قائمة، ولا رسائل متبادلة» مع الجانب الإسرائيلي عبر أي وسيط دولي حتى الآن، في وقت رفعت فيه إسرائيل سقف شروطها إلى الحد الأقصى أيضاً، عبر المطالبة بمفاوضات سياسية مع الدولة اللبنانية تحت النار وفي ظل الاحتلال لأراضٍ لبنانية، وتترافق مع إجراءات لبنانية تتخذها الحكومة لجهة نزع سلاح «حزب الله» وتأمين شمال إسرائيل بالكامل، وإنهاء أي تهديد لها، حسبما قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط».

آليات لقوات «اليونيفيل» قرب مبانٍ مدمرة نتيجة غارات إسرائيلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويلتقي ذلك مع التصريحات الإسرائيلية، إذ قال الجيش الإسرائيلي، في بيان: «إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح (حزب الله) فسنفعل ذلك»، في وقت حذّر فيه مسؤول في الأمم المتحدة من «أننا نشهد خطاباً مقلقاً بشكل متزايد بشأن أنشطة في جنوب لبنان من الجيش والسلطات الإسرائيلية»، مضيفاً: «ما نحتاجه هو احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته بشكل كامل».

توغل 10 كيلومترات

واستطاعت القوات الإسرائيلية تحقيق توغل استراتيجي على الساحل اللبناني، إذ أحرزت تقدماً يناهز 10 كيلومترات من النقطة الحدودية، جنوب غربي الناقورة، باتجاه نقطة البياضة، الواقعة على بعد نحو 12 كيلومتراً عن مدينة صور الساحلية. وقالت مصادر محلية في الجنوب إن التقدم على هذا المحور يُنظر إليه على أنه سلس، بالنظر إلى أن دفاعات «حزب الله» موجودة إلى الشرق، وهي الجهة التي سيسلكها الجيش الإسرائيلي للوصول إلى شمع وطير حرفا، والسيطرة على المرتفعات المحيطة، بما يمكنه من الإشراف على وديان زبقين ومجدل زون، وهي المنطقة التي لم يستطع التقدم إليها في الحرب الماضية، رغم سيطرته على بلدة شمع.

ومن جهة أخرى، أحرز الجيش الإسرائيلي تقدماً إضافياً في بلدة القنطرة، حتى بات يلامس أطراف وادي الحجير، وهو وادٍ استراتيجي، كان قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 آخر نقاط السيطرة الإسرائيلية، ومن شأن الوصول إليه أن يقطع خطوط إمداد مقاتلي «حزب الله» من الوادي، ومجرى نهر الليطاني، باتجاه العمق.

دبابة إسرائيلية تتوغل باتجاه الأراضي اللبنانية من سياج شائك (إ.ب.أ)

وفي مقابل التوغل الإسرائيلي، أعلن «حزب الله» عن سلسلة عمليات عسكرية استهدفت دبابات إسرائيلية ونقاط تجمع، ونشر صوراً لاستهداف مدرعات في ديرسريان والطيبة بصواريخ موجهة ومسيّرات. ويقول إن مقاتليه يشتبكون مع القوات الإسرائيلي من مسافة صفر في بعض نقاط التوغل وداخل أحياء القرى. ولامس عدد العمليات العسكرية، يوم الخميس، 90 عملية، أعلن عنها في بيانات منفصلة، وهو الرقم الأكبر منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما يشير إلى تصعيد كبير.

وبلغ عدد القرى التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل 11 بلدة، تتنوع بين الخط الأول والثاني والثالث للحدود.

وبالتزامن، استهدفت الغارات الإسرائيلية منطقة الزهراني، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في بلدتي الصرفند والسكسكية، كما استهدفت منطقة البزالية في البقاع، شرق لبنان، وعشرات القرى في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون وجزين، فضلاً عن استهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تحذيرات من الوضع الإنساني

إنسانياً، قالت المسؤولة في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المعنية بلبنان، كارولينا ليندهولم بيلينغ، إن التقديرات تشير إلى أن نحو 150 ألف شخص معزولون بعد تدمير الجسور على نهر الليطاني. وأضافت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».

نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت ينتظرون مساعدة غذائية في مركز للإيواء في بيروت (أ.ب)

بالموازاة، قال ماركولويجي كورسي، ​ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في لبنان، خلال مؤتمر ‌صحافي، الجمعة، ​إن ‌النازحين ⁠في ​لبنان لا ⁠يجدون ملاذاً آمناً حتى في العاصمة بيروت، وذلك ⁠في خضم ‌الهجوم ‌الإسرائيلي ​على ‌«حزب الله».


محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
TT

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع دبلوماسية وأمنية في البلاد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والقانونية لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

وقال مصدر أمني مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «معلومات بشأن مطلقي الصواريخ والمسيّرات بدأت تتوافر لدى الجهات الرسمية»، موضحاً أن هذه المعطيات «تم الحصول عليها بعد اعتقال ثلاثة عناصر ينتمون إلى أحد الفصائل المسلحة، صدرت بحقهم مذكرات توقيف».

وأضاف أن «قوة أمنية اعتقلت أيضاً مجموعة أخرى يُشتبه في ضلوعها بالهجمات التي استهدفت السفارة الأميركية في بغداد».

ورجح المصدر العراقي «صدور المزيد من مذكرات القبض بحق آخرين توافرت معلومات بشأن خرقهم للقوانين، على خلفية شن هجمات باستخدام الصواريخ والمسيرات».

تحذيرات القضاء

وبينما لم تعلن الحكومة رسمياً أسماء الجهات المسؤولة عن تلك الهجمات، فإن فصائل مسلحة دأبت على تبني عمليات مماثلة عبر بيانات أو منصات رقمية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضعف قدرة الدولة على ضبط السلاح خارج إطارها الرسمي.

وجاءت هذه المعلومات في أعقاب تحذير أطلق رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان من «تداعيات خطيرة» بسبب انفراد بعض الفصائل وجهات غير رسمية بقرارات ذات طابع عسكري، معتبراً أن ذلك يمثل خرقاً صريحاً للدستور ويعرّض البلاد لمخاطر العزلة الدولية والعقوبات.

وأوضح زيدان أن إعلان حالة الحرب يخضع لآلية دستورية محددة تتطلب موافقة ثلثي البرلمان بناءً على طلب مشترك من رئيسي الجمهورية والوزراء.

وتعكس هذه التطورات احتدام التوتر بين الدولة والفصائل المسلحة، في ظل مساعٍ لإعادة فرض سلطة المؤسسات الرسمية، خصوصاً مع تزايد الانتقادات الداخلية والخارجية بشأن تعدد مراكز القرار الأمني، واستمرار الهجمات التي تهدد البعثات الدبلوماسية وتفاقم الضغوط على العراق في محيطه العربي والدولي.

وفي سياق أوسع من التحديات التي يواجهها العراق، وصف مسؤولون ما يجري بانخراط غير مباشر في «جغرافية الحرب» الإقليمية، مع تكرار الهجمات على مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، سواء في بغداد أو أربيل، بالتوازي مع ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية داخل البلاد.

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق، فيما تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قرار الحرب

سياسياً، تتصاعد الدعوات داخل العراق لتأكيد حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية. وأكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن الحكومة «هي الجهة الوحيدة المخولة بهذا القرار»، رغم أنها تعمل حالياً بصفة تصريف أعمال بعد التغيرات البرلمانية الأخيرة.

وأكدت وزارة الخارجية العراقية رفض الحكومة القاطع لأي اعتداء أو استهداف يطول دول الخليج، مشددة على تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة، وحرصها على أمنها واستقرارها، انطلاقاً من أن أمن الخليج «لا يتجزأ من الأمن القومي العراقي»، وأن استقرار المنطقة يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوبها.

وكانت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن قد أدانت الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، مما يشكل خرقاً للقوانين والمواثيق الدولية.

جانب من الدمار جرّاء غارة على مستوصف عسكري في غرب العراق (أ.ف.ب)

سلاسل الطاقة

إلى ذلك، جدد رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، الجمعة، موقف البلاد الرسمي الرافض للحرب، معرباً عن بالغ القلق من اتساع دائرة الصراع في المنطقة، وحثّ على الوقف «الفوري» للأعمال العسكرية، واعتماد الحوار سبيلاً لحل الأزمات بين الأطراف المتنازعة.

وشدّد الرئيس العراقي، في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح أي من دول المنطقة، بل يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن العراق، شعباً وحكومةً، يدعو إلى السلام، ويعبّر عن تضامنه مع الشعب الإيراني الصديق، مثمّناً صموده في مواجهة «الاعتداءات».

وفي جنيف، جددت ممثلية جمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة، الجمعة، التأكيد بأن توسيع رقعة النزاع الدائر في المنطقة سيؤدي إلى تعميق الأزمات، وتقويض الاستقرار فيها.

وحذر جعفر محمد، السكرتير الثاني للممثل الدائم لجمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، من التداعيات الاقتصادية جراء عرقلة سلاسل إمداد الطاقة عبر مضيق هرمز، وتأثيرها على بلدان العالم بأسره.