جنرال «القطاع الأفريقي» الروسي يرتب أولويات بلاده مع دمشق

جولة محادثات أجراها وزير الدفاع السوري مع أرفع مسؤول عسكري يزور سوريا

استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
TT

جنرال «القطاع الأفريقي» الروسي يرتب أولويات بلاده مع دمشق

استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)

حمل مشهد الرتل العسكري المشترك لضباط من سوريا وروسيا وتركيا، وهم يتجولون في مناطق جنوب غربي سوريا، الاثنين، دلالات إلى حجم التغييرات التي شهدتها البلاد، بعد مرور أقل من عام على إطاحة نظام الحليف السابق لموسكو. تجول الوفد الذي وصل إلى محافظة القنيطرة مكوناً من نحو 15 سيارة دفع رباعي ترافقها 10 سيارات من الأمن العام والشرطة العسكرية السورية في مواقع كانت نقاط تمركز للقوات الروسية، قبل أن تتبدل الأحوال وتضطر موسكو إلى العمل بشكل نشط لإعادة ترتيب تموضعها على الجغرافيا السورية.

اتجه الوفد من مدينة سعسع بريف دمشق باتجاه منطقة بيت جن، أقصى ريف دمشق الجنوبي الغربي، المحاذية لمحافظة القنيطرة، ثم توجه إلى التلول الحمر التي تقع غرب بلدة بيت جن، ثم توجه إلى ريف القنيطرة الأوسط.

ووفقاً لمصادر فإن الوفد الذي لم يعلن عن مهمته، قام بتفقد بعض المواقع العسكرية التي كانت مقرات للقوات الروسية خلال حكم النظام السابق.

وشهدت المناطق التي سلك الوفد طريقه منها انتشاراً أمنياً كبيراً لقوات الأمن العام السوري. وحملت الجولة الفريدة من نوعها، على خلفية الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في المنطقة، رسائل عدة، خصوصاً أنها جاءت مباشرة بعد حدثين مهمين: الأول جولة المحادثات التي أجراها في دمشق وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة مع نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف، وهو أرفع مسؤول عسكري يزور سوريا منذ إطاحة نظام بشار الأسد. والثاني أن هذه الزيارة سبقها مباشرة اتصال هاتفي أجراه الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو (الكرملين - وكالة الأنباء الألمانية)

في الشق المتعلق بالاتصال، كان الكرملين قد أفاد بأن الطرفين بحثا إلى جانب الوضع في غزة والملف النووي الإيراني، موضوع الاستقرار في سوريا وسبل ضمانه.

لذلك فإن الاستنتاج الأول هنا، أن موسكو ودمشق بدأتا بالفعل ترتيب تحرك مشترك لكبح جماح التغول الإسرائيلي، ووضع الضمانات اللازمة لكل الأطراف لإعادة الهدوء إلى مناطق الجنوب السوري.

سحب الذرائع من إسرائيل

تعد هذه إحدى أبرز نتائج الزيارة الناجحة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو قبل شهر، والتي تسربت معطيات بعدها، أنه بحث ملف إعادة تسيير دوريات روسية بالتعاون مع دمشق في عدد من المناطق، فضلاً عن الطلب المتعلق بالتأثير على إسرائيل لوقف الانتهاكات المتواصلة.

جرافة تابعة للجيش الإسرائيلي تُدمّر كتلاً خرسانية بجوار برج مراقبة يحمل عَلمي سوريا وروسيا عند موقع «أبو دياب العسكري» على المشارف الجنوبية لمدينة القنيطرة الحدودية 19 مارس الماضي (أ.ف.ب)

في هذا الإطار، أشارت مصادر روسية إلى بحث ترتيبات إعادة انتشار وحدات من الشرطة العسكرية الروسية في جنوب سوريا لسحب الذرائع من قبل إسرائيل التي سيطرت على مناطق واسعة في محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا وتشكل تهديداً لحياة المدنيين الذين تم اعتقال العشرات منهم من قبل القوات الإسرائيلية.

ويدخل هنا، استعادة موسكو دورها السابق، في تقديم ضمانات للجانب الإسرائيلي بأن الأراضي السورية لن تكون منطلقاً لعمليات عسكرية تهدد أمن إسرائيل، كما لن يسمح التعاون الروسي السوري لمجموعات متشددة أو ميليشيات تابعة لإيران بتعزيز وجودها في هذه المنطقة.

اجتماع في دمشق ين وفدين عسكريين ترأس الجانب السوري وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وترأس الوفد الروسي رفيع المستوى نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف (سانا)

أما في الشق الثاني المتعلق بزيارة يونس بك يفكوروف إلى دمشق، يبدو الوضع، وفقاً لمصادر روسية، أوسع وأكثر شمولاً من الجزئية المتعلقة بجهود روسية لإعادة ترتيب التفاهمات والضمانات الأمنية في المنطقة الجنوبية، إذ يدور الحديث هنا عن إعادة رسم ملامح التموضع الروسي في سوريا بشكل كامل، بما يرسم ملامح العلاقة الجديدة وترتيبات الحضور العسكري الروسي على أسس براغماتية تحفظ مصالح الطرفين. فيما أعلنت موسكو ودمشق بعد اللقاء أن الطرفين بحثا تعزيز آليات التنسيق والتعاون العسكري بين البلدين.

وكانت بعض التسريبات تحدثت عن رغبة مشتركة بتقديم مساعدة روسية لإعادة تأهيل الجيش السوري، وربما تقديم تقنيات دفاعية حديثة لسوريا، لكن هذا الملف يبدو مرتبطاً بقوة بتفاهمات روسية إسرائيلية بعدم شن هجمات جديدة على المواقع العسكرية السورية.

وفي الإطار الأوسع، يبدو أن النقاش السوري الروسي خلال سلسلة لقاءات على المستويين العسكري والسياسي تركز على أولويات الجانبين، في مسار إعادة رسم ملامح العلاقة.

في هذا الإطار، كتبت منصة «تسار غراد» القريبة من المؤسسة العسكرية الروسية، أن زيارة يفكوروف تحمل أهمية خاصة في مسار ترتيب العلاقة الجديدة على المستويات العسكرية.

فهذا الجنرال القوي في وزارة الدفاع هو المسؤول عن ملف «القطاع الأفريقي»، أي النشاط العسكري الروسي المتزايد في القارة الأفريقية، وهو بالمناسبة، يخضع لعقوبات من بريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 2022.

وتحمل الإشارة إلى مهمته الأفريقية أهمية خاصة خلال هذه الزيارة؛ كون الحضور العسكري الروسي في سوريا يشكل مصدراً أساسياً للإمدادات المرسلة إلى بلدان القارة السمراء.

القواعد والأنشطة في أفريقيا

وكانت موسكو في وقت سابق اقترحت تغييراً على أولويات قواعدها العسكرية في سوريا لتغدو «محطة إمدادات إنسانية إلى أفريقيا وبلدان أخرى».

تشير معطيات روسية إلى أن هذا تحديداً هو سبب زيارة يفكوروف لدمشق. الهدف من زيارته هو ضمان الدعم اللوجيستي للأنشطة العسكرية والاقتصادية الروسية في أفريقيا، المرتبطة بقاعدتين في سوريا، حميميم (القوات الجوية الفضائية) وطرطوس (البحرية). وبصفته القائد الحالي لـ«فيلق أفريقيا»، لا أحد يعرف هذه القضايا أكثر من يفكوروف.

هكذا تتحدد بعض أولويات روسيا الجديدة في سوريا، ووفقاً للمنصة ذاتها، وإلى جانب ضمان عبور الإمدادات إلى أفريقيا، تحتاج روسيا إلى سوريا للمحافظة على نفوذها في الشرق الأوسط. ناهيك عن كون سوريا سوقاً تقليدية لمنتجات المجمعات الصناعية العسكرية الروسية، التي اعتاد عليها السوريون وأتقنوها. كما أن هناك روابط تجارية وإنسانية وثقافية أخرى يجب الحفاظ عليها. وهذا «الرأسمال» كما تشير المنصة الروسية «ليس بالأمر الهيّن وليس من السهل تدميره، أو التخلي عنه».

ما تحتاجه دمشق

في الوقت نفسه، تحتاج دمشق إلى موسكو وفق التقييم الروسي، للمحافظة على توازن مع اتساع التأثير التركي على الأراضي السورية، وثانياً، لخلق نوع من التوازن، الذي يمنح دمشق قدرة على المناورة وهي تعمل لإقامة نوع من التحالف مع الولايات المتحدة، وثالثاً، لكسب الدعم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فضلا عن المساهمة الروسية المنتظرة في ترتيب الضمانات المتبادلة مع إسرائيل. ولا شك أن دمشق مهتمة أيضاً بأن تمارس روسيا تأثيراً مُهدئاً (لأن الروس يتمتعون بسمعة طيبة كونهم مفاوضين ووسطاء) مع الأقليات السورية الأكراد والدروز والعلويين.

هذا الفهم الروسي لأولويات العلاقة الجديدة، أوضحه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قبل أسابيع بالإشارة إلى أن روسيا «قدمت مساهمة كبيرة في إرساء دعائم الاقتصاد والمجال الاجتماعي وتدريب الكوادر الوطنية وتعزيز القدرة الدفاعية». مضيفاً أن كل هذا بطبيعة الحال «يجب ملاءمته مع الظروف الجديدة. وهذا ينطبق أيضاً على قواعدنا العسكرية».

وأضاف الوزير أن «القيادة السورية، على ما يبدو، وعدداً من دول المنطقة مهتمة بالحفاظ على وجودنا هناك على أسس جديدة تلبي مصالح الطرفين».


مقالات ذات صلة

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

أفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب) p-circle

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا، إن «أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا».

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
المشرق العربي سورية تقبل الأرض خلال الاحتفال بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)

سوريا: «عيد شعبي» بعد القبض على المتهم الأول بـ«مجزرة التضامن»

احتفل سوريون لدى إعلان السلطات توقيف «المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن».

موفق محمد (دمشق)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».