كيف بنت «حماس» ترسانة أنفاقها في غزة؟

صمدت خلال حرب إسرائيل طوال سنتين

TT

كيف بنت «حماس» ترسانة أنفاقها في غزة؟

جنود إسرائيليون يسيرون عبر نفق حديدي صممته «حماس» في شمال قطاع غزة 15 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود إسرائيليون يسيرون عبر نفق حديدي صممته «حماس» في شمال قطاع غزة 15 ديسمبر 2023 (رويترز)

باتت أنفاق «حماس» في قطاع غزة تتصدر مشهد صورة اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل العديد من العقبات التي تواجهه، سواء فيما يتعلق بقضية عناصر «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة المتواجدين في أنفاق رفح، أو في إصرار إسرائيل على تدميرها بالكامل.

وما فاجأ الكثيرين من المتابعين والمراقبين هي التصريحات التي أطلقها منذ نحو أسبوعين وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي قال خلال حديث مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن 60 في المائة من أنفاق «حماس» لم تُدمَّر بعد، وإن هدمها أهم نقطة مشتركة من أجل تنفيذها. وهو أمر قد يكون صحيحاً نظراً لانتشال جثامين مختطفين إسرائيليين من بعض الأنفاق المتبقية رغم تدميرها الذي يبدو جزئياً وليس كاملاً.

وعاد كاتس للتغريد، الجمعة، عبر منصة «إكس»، بالقول: «أصدرت تعليماتي لجيش الدفاع الإسرائيلي بتدمير جميع الأنفاق. إذا لم تكن هناك أنفاق، فلن يكون هناك (حماس)».

جنديان إسرائيليان في المستشفى الأوروبي بخان يونس حيث قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقاً يُعتقد أن قائد «حماس» محمد السنوار قُتل فيه... 8 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وخاضت إسرائيل حرباً شرسة استمرت عامين، الأمر الذي بات يفرض سؤالاً عن الدور الذي كان يقوم به الجيش الإسرائيلي طوال تلك الفترة، ما دام هناك مثل هذه القدرات من الأنفاق، وكيف نجحت «حماس» في بناء هذه الترسانة التي باتت تقلق إسرائيل أكثر.

 

بدايات الأنفاق

كثيرون يعتقدون أن فكرة الأنفاق ولدت عام 2006 من خلال عملية «الوهم المتبدد» كما أطلقت عليها «كتائب القسام» وأجنحة عسكرية أخرى شاركت في تلك العملية، التي أدت لمقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، وخطف الجندي جلعاد شاليط، لكن فكرتها ولدت قبل ذلك بسنوات، وتحديداً بعد عام واحد من اندلاع «انتفاضة الأقصى» الثانية، التي بدأت في الثامن والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام 2000، فيما نفذت العملية الأولى حينها في السادس والعشرين من الشهر نفسه في عام 2001، بتفجير نفق بعبوات ناسفة كبيرة الحجم، في موقع «ترميد» العسكري في رفح، من خلال نفق زاد طوله على 150 متراً، ما أدى لمقتل وإصابة العديد من الجنود الإسرائيليين.

شكلت تلك العملية بدايةً لمعركة مختلفة ما بين «حماس» وإسرائيل، وتوسعت الحركة في فكرتها وتطويرها على مدار سنوات، خاصةً بعد حكمها لقطاع غزة وسيطرتها عليه في عام 2007، حتى باتت تشكّل مصدر قلق لإسرائيل من جانب، ومن جانب آخر تعتبرها الحركة الفلسطينية إنجازاً كبيراً لها يعتد به في معاركها التي تخوضها ضد الإسرائيليين، ونجحت فعلياً باستخدامها في العديد من العمليات المؤثرة التي تسببت في مقتل وإصابة العديد منهم.

وشكّل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مفاجأةً بالنسبة لإسرائيل التي كانت تعتقد أنها أصبحت أكثر أماناً بعدما قضت على إمكانية أن تسمح لعناصر «حماس» باختراق الحدود من تحتها في أعقاب بناء عائق أمني متطور يكشف عن أي أنفاق هجومية، كلفها أكثر من 50 مليون دولار، واستمر بناؤه سنوات وانتهى العمل منه نهاية عام 2021، لكن الحركة الفلسطينية كانت أذكى، وفعلياً لم تستعمل الأنفاق في هجومها، واكتفت بتنفيذه من فوق الأرض بتفجير العائق الجديد بكميات من المتفجرات، إلى جانب استخدام المظلات في عملية التسلل.

 

بناء الأنفاق

ترى مصادر متطابقة من «حماس» أن فكرة بناء الأنفاق وتطويرها يعود فيها الفضل للقيادي في «كتائب القسام» محمد السنوار، الذي كان يتابع هذا الملف باهتمام في بداياته حتى أصبح متطوراً، وباتت الأنفاق موجودة في كل أنحاء قطاع غزة وليس في رفح أو خان يونس التي كان السنوار مسؤولاً عنها لسنوات عدة.

فلسطينيون عند مدخل نفق في منطقة شمال خان يونس 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وتطورت الأنفاق من محدودة وصغيرة إلى كبيرة ومتفرعة في أكثر من منطقة، ومنها ما بات يطلق عليها «الهجومية»، وأخرى «الدفاعية»، وثالثة «اللوجيستية» أو التحكم والسيطرة والقيادة.

تقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن مَن أشرف على عملية البناء والتطوير بهذا الشكل «المدهش»، وفق وصفها، ليسوا مهندسين محترفين، إنما هم في غالبيتهم عمال وفنيون يمتلكون المهارات أكثر من المهندسين، واستطاعوا بناء أنفاق مختلفة وبأحجام ونوعيات وخرسانة مختلفة، وبتفرعات وعمق وطول البعض لا يتخيلها، كما تم صناعة أنفاق لعمق كبير تم أسفلها وضع مصنعيات لصناعة الصواريخ والمتفجرات وغيرها.

وتوضح المصادر أن أولئك الفنيين الذين يُطلَق عليهم لقب «المهندسين» بين عناصر «القسام»، كانوا يشرفون على تحديد أماكن التربة ونقاط الضعف والقوة في أرضية الأماكن التي يجب حفر الأنفاق فيها، ويحددون مساراتها، وهم يتولون أولى خطوات الحفر، ثم يتابعون العمل عن بعد.

وبيّنت أنه كان يتم تخصيص أماكن لصناعة الخرسانة الخاصة ببناء الأنفاق، ويتم تجهيزها أيضاً من فنيين، يضعون كميات وافية وكافية من الأسمنت لصنع تلك الخرسانات لتكون قوية وتستطيع تجاوز أي مشاكل هندسية أو فنية، وبما يسمح باستخدام تلك الأنفاق بسهولة بما لا يشكل خطراً على المقاومين.

 

عمليات الحفر

وبينت أن كل مجموعة كانت تتولى الحفر تتكون من 8 إلى 10 مسلحين من عناصر «القسام»، ويتمثّل عملهم في حفر ونقل وإخراج «الرمل» من عمق النفق، ومن ثم إجراء عملية «التبليط» باستخدام الخرسانة أو غيرها من المواد المتوفرة، وتعمل يومياً 3 مجموعات تتناوب على العمل في النفق المخصص لها.

عناصر «حماس» يحملون كيساً يحتوي على جثة تم انتشالها من نفق في خان يونس 28 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

وأوضحت أن هناك أنفاقاً مركزية لصالح الألوية (مثل لواء غزة، خان يونس، الشمال) وغيرها، وهناك أنفاق تتبع لكل كتيبة داخل اللواء، وهناك أنفاق مخصصة لتخصصات عسكرية مختلفة، حيث يعمل نحو 100 عنصر في حفر الأنفاق المركزية التابعة لكل لواء.

وتختلف أنفاق الألوية عن أنفاق كل كتيبة أو سرية، حيث إن أنفاق الألوية مخصصة للقيادة والسيطرة والحماية أو لتخصصات معينة، ويتم وصلها في أنفاق بعض الكتائب لتكون ضمن عمل محدد لها.

 

ألوية وكتائب وسرايا

وتمتلك «كتائب القسام» منظومة عسكرية متكاملة إدارياً وتنظيمياً، تتشكل من 5 ألوية هي: لواء الشمال، ولواء غزة، والوسطى، وخان يونس، ورفح، وفي كل لواء كتائب عدة تتشكل من سرايا وفصائل وتشكيلات عسكرية، وتضم آلاف المقاتلين الذين يتدربون على أيدي مدربين بعضهم تلقى تدريبات عسكرية خارج القطاع، مثل لبنان وإيران ومن قبل في سوريا قبيل تدهور العلاقات بين الجانبين في أعقاب الأحداث الداخلية التي شهدتها البلاد بدءاً من عام 2011.

ويضم كل لواء هيئة لـ«القضاء العسكري»، وركن تصنيع، وهيئة رقابة، وركن أسلحة الدعم والقتال، وركن عمليات، وركن استخبارات، وركن الجبهة الداخلية، وركن القوى البشرية، وهيئة المعاهد والكليات.

ويقدر أن كل كتيبة كانت تعمد لتكليف 50 إلى 70 عنصراً منها للعمل في حفر الأنفاق الدفاعية، حيث كل كتيبة تمتلك عدة سرايا، وكل سرية لها خططها الدفاعية الخاصة.

ويشرف مسؤول العمليات في كل كتيبة على متابعة عمليات الحفر وتجهيز الأنفاق.

وقبيل الحرب، كان لدى «كتائب القسام» 24 كتيبة، منها 6 كتائب في الشمال، ومثلها في غزة، و4 في الوسطى، و4 في خان يونس، ومثلها في رفح، وتضم كل كتيبة، وفق المساحة الجغرافية للمناطق، ما بين 600 مقاتل حداً أدنى، و1200 حداً أقصى، وتضم كل كتيبة من 4 إلى 6 سرايا، وكل سرية تضم 3 أو 4 فصائل، وفق التوزيع الجغرافي، ويتكون الفصيل من 3 أو 5 تشكيلات، وكل تشكيل يضم ما بين 2 و3 عقد أو ما يسمى بـ«زمر»، ويضم كل فصيل نحو 50 فرداً، يضاف إليهم عدد آخر يعملون في مجال التخصصات المختلفة.

في حين كان يخصص جهد آخر للأنفاق الهجومية، ويشارك 40 عنصراً على مستوى اللواء، في عملية حفرها من دون أعداد الفنيين والمتخصصين الذين يتابعون العمل ويشرفون عليه باستمرار، حيث كان لها الدور الأبرز في تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، خاصةً أن بعضها اجتاز الحدود كما جرى في عام 2014، عندما استخدمتها «كتائب القسام» في مهاجمة المستوطنات والبلدات الإسرائيلية آنذاك.

تقول المصادر إن عملية بناء الأنفاق وتجهيزها بكل هذه القدرات سواء المخصصة للدفاع أو الهجوم أو السيطرة والتحكم، كان يتم تجهيزها وفق عمل هندسي يمكن وصفه بـ«المحترف»، وباستخدام آلات هندسية ومولدات كهربائية وتوصيل المياه والكهرباء، والقيام بأعمال الحدادة، والبناء، وكلها كانت على أيدي فنيين كان لهم دور بارز في صناعة هذه الأنفاق التي تؤرق إسرائيل حتى الآن، ولم تستطيع تدميرها بالكامل.

تضيف المصادر أن كثيراً ما كانت تواجه المقاومين في الميدان عقبات خلال عمليات بنائها وتجهيزها، وهناك كثير من الأرواح فُقدت خلال عمليات التجهيز والإعداد، وهناك من أصيبوا بشلل أو بغيرها من الظروف الصحية نتيجة انهيارات في التربة أو أحداث غير متوقعة، كما كانت هناك تحديات أمنية ومحاولات إسرائيلية لتجنيد بعض العملاء سواء من المقاومين أو غيرهم لرصد أماكن الحفر وتخريبها بعد الانتهاء منها، ولكن لم تكن لدى مخابرات الاحتلال معلومات كافية عن ذلك.


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الانتقادات في المؤسسة الأمنية عموماً وفي الجيش الإسرائيلي بشكل خاص تزداد ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 12 يوليو 2025 بالقدس تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي عقب محادثات بمقر الحكومة (د.ب.أ)

نتنياهو: سنردّ بقوّة إذا هاجمت إيران إسرائيل

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الاثنين)، إنه إذا تعرّضت إسرائيل لهجوم إيراني، فإنها سترد «بقوة لم تختبرها إيران من قبل».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا صورة مدمجة تظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

فرنسا «لا تعتزم تلبية» دعوة ترمب لمجلس السلام

أفادت أوساط الرئيس الفرنسي ماكرون بأن باريس في هذه المرحلة «لا تعتزم تلبية» دعوة الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي اقترحه الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.


وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

توفيت رضيعة فلسطينية، صباح اليوم (الثلاثاء)، نتيجة البرد القارس في مدينة غزة.

ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن مصادر طبية قولها إن «الرضيعة شذا أبو جراد البالغة من العمر 7 أشهر توفيت في مدينة غزة؛ بسبب البرد القارس».

ووفق الوكالة، «ترتفع بذلك حصيلة الوفيات في صفوف الأطفال بقطاع غزة بسبب البرد الشديد منذ بداية فصل الشتاء إلى 9 أطفال، وسط شح المساعدات، وغياب التدفئة».

وحذر «الدفاع المدني» في قطاع غزة، أمس، من احتمالات زيادة الوفيات بين الأطفال بالقطاع جراء انخفاض غير مسبوق في درجات الحرارة، مع استمرار المنخفض الجوي القاسي الذي تتعرض له المنطقة.

وقال محمود بصل المتحدث باسم «الدفاع المدني» بغزة في بيان: «الانخفاض الحاد في درجات الحرارة الذي نشهده هذه الليلة غير مسبوق منذ بداية فصل الشتاء. البرد قاسٍ إلى حد لم نعُد نشعر فيه بأقدامنا، فكيف بالأطفال الرُّضَّع، وبالمرضى، وبالعائلات التي تعيش داخل خيام مهترئة».

ويواجه النازحون في غزة وضعاً بالغ الصعوبة، بسبب منخفض جوي عاصف تصاحبه رياح شديدة وأمطار غزيرة، بالتزامن مع انخفاض درجات الحرارة إلى حد الصقيع.

وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الأسبوع الماضي، من أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال وخيماً، حيث تُهدد الظروف الجوية القاسية التقدم المحرز في مجال الاستجابة الإنسانية، مشيراً إلى أن أكثر من مليون شخص بحاجة ماسة إلى المأوى مع استمرار العواصف المطرية.