المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

إنهاك عصبي وطنين يذكر بـ«خطر مؤجل»

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

يعيش لبنان منذ الاثنين على وقع تحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية، تمدّد إلى سماء بعبدا (شرق العاصمة) حيث مقر القصر الرئاسي، وشمل وسط بيروت، ومحيط السراي الحكومي، وبلغ أطراف الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، ناشراً موجاتٍ من القلق والتشنّج في الأجواء.

وأثار تحليق المسيرات على علو منخفض، موجة استياء من الإزعاج المتواصل، إذ ينتج تحليقها، طنيناً عالياً، وصار جزءاً من الصوت الضجيج اليومي في شوارع بيروت. ويرى كثيرون أن هذا الخرق المتمادي، هو جزء من حرب بلا نار، تُبقي السكان في حالة تأهب عصبي دائم، وتحوّل النوم إلى رفاهية مؤجلة.

طائرة مسيرة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان الأسبوع الماضي (متداول)

سماء مستباحة

يقول أحد سكان بيروت لـ«الشرق الأوسط»: «الطائرة صارت مثل المولّد الكهربائي، صوتها يرافقنا في النهار والليل، لكنّ الفرق أنّ المولّد يجلب لك الراحة، بينما الطائرة تذكّرك بالخطر والمراقبة والقلق الدائم».

حتى في المقاهي والأحياء الداخلية، صار اللبنانيون يتبادلون الخبر: «هل لا تزال فوقنا؟»، قبل أن يواصلوا يومهم وكأن شيئاً لم يكن. هذا التطبيع مع الضجيج، هو بالضبط ما يسميه الخبراء «مرحلة الإنهاك النفسي»، حين يصبح القلق جزءاً من الإيقاع العام.

في الجنوب، لا يختلف المشهد كثيراً. الأصوات نفسها تتكرّر، لكنّ القلق في المنطقة أكثر حدّة. يقول أحد أبناء إقليم التفاح لـ«الشرق الأوسط»: «السماء لا تهدأ أبداً. حتى في الليالي التي لا تشهد قصفاً، يبقى التحليق المستمر كأنه إنذار دائم. نميّز اليوم أنواع الطائرات من صوتها، فالصغيرة سريعة، أما الكبيرة فبطيئة وتظلّ في الجوّ لساعات».

يتحدث الرجل بنبرة تعبٍ داخليّ: «نعيش مع هذا الصوت كما نعيش مع التنفّس، لا يغيب إلا ليعود، كأنه يختبر قدرتنا على الاحتمال».

ولا تقتصر الحرب النفسية على الجنوب والعاصمة. في البقاع (شرق لبنان)، يروي أحد سكان بلدة قريبة من بعلبك لـ«الشرق الأوسط» أنّ طائرة مسيّرة حلّقت فوق منزله منتصف الليل قبل أيام، وقال: «كانت شبه صامتة، لكنّها أضاءت بنور أحمر خافت فوق سطح المنزل. بقيت تتحرّك ببطء كما لو أنّها تبحث عن شيء. أطفأنا الأنوار فوراً، وراقبتها من الشرفة أكثر من ساعة. كان ضوء الطائرة ثابتاً وبارداً، لكنه يثير في داخلك خوفاً لا يُفسَّر. حتى بعد ابتعادها، بقي القلق مستيقظاً في داخلي». ويضيف: «الغرابة أن مصدر الخوف لم يكن في صوتها، بل في صمتها. كأنّ الصمت نفسه أصبح نوعاً من الإنذار».

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)

التحليق باعتباره سلاحاً نفسياً وتقنياً

وفي وقت توجد مسيرات صامتة تُرصد في الأجواء اللبنانية خلال تحليقها، يُنظر إلى طنين المسيرات على أنه وسيلة ضغط نفسي على السكان. يرى العميد المتقاعد خليل الحلو أنّ التحليق المنخفض والمستمر للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت ومدن لبنانية أخرى، «يشكّل أحد أوجه الحرب النفسية الأكثر تطوّراً في الصراع القائم»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنّ هذا التحليق، «يشكّل رسالة متكرّرة تهدف إلى ترسيخ الشعور بأنّ اللبنانيين تحت المراقبة الدائمة، وأنّ إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي مكان وزمان».

ويقول الحلو إنّ «هذه المسيّرات، بصوتها المزعج أحياناً وبحضورها الدائم في السماء، تؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة تبثّ القلق والخوف في نفوس الناس، ومن جهة أخرى تخلق انطباعاً بالهيمنة والسيطرة، وأنّ الأجواء اللبنانية مكشوفة بالكامل». ويضيف أنّ «إسرائيل تعي تماماً الأثر النفسي لهذه المشهدية المستمرة، فالسكان يعيشون تحت طنين الطائرات بلا انقطاع، مما يولّد توتّراً خفياً وشعوراً بالعجز أمام آلة مراقبة لا تنام».

ويشير إلى أنّ «هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي امتداد لأسلوب الحرب الذي تستخدمه إسرائيل منذ عقود، لكنّها اليوم أكثر تقدّماً بفضل التطور التكنولوجي».

جندي لبناني يقوم بحراسة مزارعين يجمعون الزيتون في بلدة العديسة الجنوبية في عمليات مشتركة مع «اليونيفيل» (إ.ب.أ)

البعد الاستخباراتي

ويرى الحلو أنّ للمسيّرات «وظيفة استخبارية دقيقة»، لافتاً إلى أنّ «المسيّرات الإسرائيلية التي تُحلّق فوق بيروت ومعظم الأراضي اللبنانية هي بمعظمها غير مسلّحة، وتُستخدم للرصد وجمع المعلومات أكثر من استخدامها للضربات المباشرة».

ويوضح أنّ «إسرائيل تمتلك منظومة متنوّعة من المسيّرات، منها قصيرة المدى تُستخدم فوق مناطق محددة، ومنها بعيدة المدى قد تصل إلى أكثر من ألف كيلومتر»، مشيراً إلى أنّ «التحليق الكثيف فوق العاصمة بيروت يتمّ عادة لأهداف رصد متقدّمة، تشمل متابعة النشاطات في الأبنية، ورصد الحركة اليومية للسيارات، وعدد الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من مواقع محددة».

ويشير إلى أنّ «هذه المسيّرات مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وأجهزة تنصّت تتيح التقاط المكالمات الهاتفية وتحليلها، فيما يتولّى الذكاء الاصطناعي تصنيف البيانات ومقارنتها بالأنماط السابقة». ويضرب مثلاً قائلاً: «إذا لاحظت المنظومة أن بناية معينة تشهد حركة منتظمة لأشخاص محددين أو زيارات دورية كل مساء، تُدرج تلقائياً بأنها موقع مراقبة أمني متقدّم، ومع الوقت تتحول إلى هدف محتمَل».

ويؤكد أنّ «المنظومة الإسرائيلية باتت تعتمد على تكامل أدوات الرصد من مسيّرات وأقمار صناعية وأجهزة تنصّت أرضية وتحليل ذكي، لتشكّل شبكة مراقبة متواصلة تعمل على مدار الساعة»، معتبراً أنّ «هذا الدمج بين التكنولوجيا والحرب النفسية هو ما يجعل المواجهة اليوم أخطر وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى».

إجهاد الجهاز العصبي

تصف المعالجة النفسية، د. ريما حداد، هذه الظاهرة بأنها «أخطر من القصف المباشر»، وتوضح أنّ «الصوت المتكرر والمفاجئ يفعّل جهاز الإنذار العصبي في الدماغ بشكل دائم، ما يؤدي إلى إفراز مستمر لهرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين، ويخلق شعوراً بالقلق المزمن».

وتضيف: «الناس لم تعد تخاف من الطائرة بذاتها، بل من فكرة أنها موجودة دائماً، وهذا ما يسمّيه علماء النفس الخوف المؤجَّل، أي الترقّب المستمر لشيء قد لا يحدث، لكنه ينهك الدماغ كما لو أنه يحدث فعلاً».


مقالات ذات صلة

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي أشخاص يصلون برفقة جثامين ضحايا الغارة الإسرائيلية على قرية دير قانون النهر الجنوبية لبدء مراسم الدفن في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: مقتل 6 مسعفين في هجومين إسرائيليين خلال 24 ساعة

‌كشفت وزارة الصحة اللبنانية أمس (الجمعة) أن 6 لبنانيين من العاملين بالمجال الطبي لقوا حتفهم في غارتين إسرائيليتين على جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان

أصدر الجيش الإسرائيلي، ليل الجمعة، انذارا بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان تمهيدا لقصفهما قائلاً إن «حزب الله» يستخدمهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لبنان غير ملزم بالتقيد بالعقوبات الأميركية ولا إجراءات بحق الضابطين حتى الساعة

تتجه الأنظار في لبنان إلى كيفية تعاطي الدولة مع العقوبات الأميركية غير المسبوقة التي طالت ضابطين في الجيش والأمن العام إلى جانب شخصيات من «حزب الله» وحركة «أمل…

بولا أسطيح (بيروت)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري العقوبات الأميركية: رسالة إلى «الدولة العميقة» في لبنان قبل اجتماع واشنطن الأمني

لم تكن العقوبات الأخيرة التي فرضتها الخزانة الأميركية على شخصيات لبنانية وإيرانية مرتبطة بـ«حزب الله»، مجرد خطوة سياسية على غرار القرارات السابقة.

كارولين عاكوم (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.