ارتفاع الأسعار يدفع اللبنانيين للبحث عن بدائل غذائية

نسبة التضخم تفوق 20 %... والأجور تراجعت

مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
TT

ارتفاع الأسعار يدفع اللبنانيين للبحث عن بدائل غذائية

مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)

تتجوّل أمٌّ لبنانية في أحد متاجر بيروت؛ تمسح بعينيها رفوف المواد الغذائية كما لو كانت تُجري حساباً صامتاً بين الضرورة والقدرة. تمسك عبوة حليب اعتادت شراءها لأطفالها، وتقرأ سعرها الجديد، فتُعيدها إلى مكانها، وتختار علامة أرخص. تتابع جولتها بخطواتٍ مترددة، لتمارس ما باتت تُعرف في البيوت اللبنانية بـ«سياسة البدائل»، أو «فنّ البقاء على قيد الحياة بأقل الخسائر الممكنة».

هذا المشهد اليومي، الذي بات يتكرر في معظم المدن والبلدات اللبنانية، يُلخّص معاناة مجتمعٍ أنهكه الغلاء. ووفق أرقام «البنك الدولي» الأخيرة المتعلّقة بالأمن الغذائي، فقد ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان خلال الأشهر الـ11 الأخيرة بشكل كبير؛ إذ لم ينخفض معدّل التضخّم الشهري عن 20 في المائة، فيما بلغ معدّل ارتفاع الأسعار نحو 21.4 في المائة، وهذه من أعلى النسب المسجّلة بين الدول ذات «الدخل المتوسط الأعلى».

متسوقون داخل سوبر ماركت في بيروت (أرشيفية - رويترز)

لكن لبنان، وعلى خلاف تلك الدول، يعيش ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، رغم استقرار سعر صرف الدولار منذ أكثر من عامين عند حدود 89 ألفاً و500 ليرة لبنانية، أي إن الغلاء الحالي لا يرتبط بانهيار العملة المحلية، بل هو تضخّم يكشف عن خلل بنيوي في آليات التسعير والرقابة، وعن اقتصادٍ فقدَ توازنه بين التكلفة والدخل والاستهلاك.

ويقول رئيس «جمعية المستهلك»، زهير برو، إنّ «أسعار السلع والخدمات في لبنان قفزت إلى مستويات تفوق ما كانت عليه قبل عام 2019 بكثير؛ إذ ارتفعت تكلفة الفاتورة اليومية تقريباً في كل القطاعات». وأضاف في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّ «مؤشرات (البنك الدولي) الأخيرة تُظهر أنّ التضخم في لبنان بلغ نحو 21 في المائة خلال الأشهر الماضية؛ مما جعل البلاد ثالث أغلى دولة عربية من حيث أسعار الغذاء».

التسعير بالدولار أصبح القاعدة المعتمدة في المتاجر اللبنانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي مقارنة مباشرة بين الأسعار اليوم وتلك التي كانت عام 2019، يوضح برو أن «أسعار معظم السلع الغذائية تضاعفت. فكيلوغرام اللحم مثلاً ارتفع من نحو 10 دولارات إلى ما بين 18 و20 دولاراً، أما الدجاج فارتفع سعره بنحو 25 في المائة، وكذلك البيض والخضراوات وسائر المواد المستوردة». ويلفت إلى أن «بعض المواسم المحلية من الخضراوات والفاكهة بقيت في حدود مقبولة، لكنها لا تكفي لتوفير الأمن الغذائي في ظل غياب الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي».

ويتابع برو: «كل المواد المستوردة تقريباً عادت إلى أسعارها قبل الأزمة أو تجاوزتها أحياناً؛ مما جعل اللبنانيين يرزحون تحت ضغط كبير في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب سياسات الأجور العادلة».

من محل صرافة في بيروت يوم 20 أغسطس 2018 (أرشيفية - أ.ب)

منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019 وحتى خريف 2025، تغيّرت المائدة اللبنانية جذرياً، لا بالليرة فحسب، بل بالدولار أيضاً؛ إذ ارتفعت أسعار الأرز والسكر والزيت والحليب المجفف بأضعاف مضاعفة، حتى باتت السلة الغذائية بالدولار أغلى بنحو مرتين أو 3 مرات مما كانت عليه قبل الأزمة، في وقتٍ تراجعت فيه الأجور الفعلية إلى أقل من نصف قيمتها السابقة.

يعكس هذا الغلاء، تحوّلاً عميقاً في بنية السوق؛ إذ لم تعد الدولرة كفيلة بضبط الأسعار كما رُوِّج في بداية الأزمة. بل على العكس، كشفت عن أن تكلفة المعيشة الحقيقية باتت أعلى من قدرات اللبنانيين، لتتحوّل المائدة اليومية إلى مساحة للتقشّف لا للتنوّع، وللاختيار القسري لا للرفاه.

ويحذّر عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» صادق علوية بأن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة من التكيّف القسري مع التضخم عبر ما يمكن وصفها بـ(سياسة البدائل)»، موضحاً أن «ارتفاع الأسعار المستمر يدفع المواطنين إلى استبدال منتجات أرخص ثمناً بالسلع الأساسية، في ما يشبه تطبيقاً عملياً لما يُعرف في الاقتصاد بـ(مبدأ الكفاية الحدّية)».

كسرة خبز مرفوعة خلال مظاهرة في بيروت طالبت بإغاثة غزة (أ.ب)

ويقول علوية لـ«الشرق الأوسط» إن «السنوات المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة التغذية؛ إذ سيصاب اللبنانيون بضعف في المناعة وسوء في التغذية، خصوصاً بين الأسر الأشد فقراً»، مشيراً إلى أن «التضخم القائم لا توازيه أي تعديلات فعلية في الأجور، ولا يعكس بالضرورة مستويات التضخم العالمية؛ لأن نِسبَه في لبنان تفوق المعدلات المقبولة علمياً واقتصادياً؛ نتيجة تفلت الأسعار وغياب أدوات الدولة الرقابية».

ويوضح علوية أن «التضخم يتركّز بصورة أساسية في المواد الغذائية؛ لأسباب غير مفهومة اقتصادياً، فحتى بعد دولرة الأسعار وربط الأدوية والسلع بالدولار الأميركي، لم ينعكس استقرار سعر الصرف على ثبات الأسعار»، لافتاً إلى أن «بعض السلع التي أُعفيت من الضريبة على القيمة المضافة أو من الرسوم الجمركية بموجب قرارات رسمية، لم تنخفض أسعارها كما كان متوقعاً، بل واصلت ارتفاعها».

الفقر يتّسع

ويضيف: «نحن نعيش في دوّامة مستمرة؛ إذ يُفترض لحل الأزمة المطالبة بتعديل الأجور، لكن هذه الخطوة تواجه رفضاً من أصحاب العمل الذين يبررون موقفهم بتراجع قدرتهم على تحمّل التكلفة. وفي المقابل، فإن تكلفة الأجور الفعلية عليهم انخفضت قياساً بما قبل الأزمة، فمتوسط الأجور الذي كان يبلغ نحو 800 دولار قبل عام 2019، بات اليوم يتراوح بين 300 و500 دولار، ومع ذلك لم ينعكس هذا الانخفاض على أسعار السلع، بل ارتفعت الأرباح».

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

ويرى علوية أن «لبنان يعيش حالة مفارقة واضحة، فهناك فئة تزداد ثراءً بسرعة، في حين تزداد فئة أخرى فقراً بسرعة أكبر»، مشدداً على أن «البلاد مقبلة على مزيد من الأزمات الاجتماعية التي ستؤدي بالضرورة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، لا سيما جرائم السرقة والنشل». ويرى أن لبنان لن ينجو من الانهيار، «فالفقر يتوسع، والوضع الاجتماعي المتدهور ينعكس مباشرة على الأمن والاستقرار، وإذا استمر هذا النهج من التفلت الاقتصادي، فإن لبنان سيواجه مرحلة شديدة الخطورة على المستويين المعيشي والاجتماعي».


مقالات ذات صلة

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

تبقى الأنظار المحلية والدولية مشدودة للقاء الأربعاء في بعبدا بين رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من فعاليات حاصبيا والعرقوب (رئاسة الجمهورية)

عون يواجه «حزب الله»: الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية

رسم الرئيس اللبناني جوزيف عون معالم المرحلة السياسية الراهنة، محدداً بوضوح موقع الدولة وخياراتها وموجّهاً رسالة مباشرة إلى «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب) p-circle

عون: لن أقبل باتفاقية ذلّ مع إسرائيل... والخيانة يرتكبها من جرّ البلاد للحرب

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، الاثنين، أن الهدف من التفاوض المباشر مع إسرائيل هو إنهاء الحرب، عادَّاً أن من جرّ البلاد إليها هو من يرتكب «الخيانة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية «المقاصة» التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر، على الرغم من وصول السلطة إلى مرحلة أصبحت فيها شبه عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين مصاريفها التشغيلية، وهو ما يعمق أزمتها إلى حد غير مسبوق.

وقالت «القناة 7» الإسرائيلية، الاثنين، إن سموتريتش قرر عدم تحويل أي مبالغ هذا الشهر للسلطة، مواصلاً نهجه السياسي والاقتصادي المتشدد ضدها.

وحسب قرار سموتريتش، فإنه «من إجمالي مبلغ يزيد عن 740 مليون شيقل (الدولار يساوي 3 شيقلات) تم جمعها هذا الشهر، جرى تخصيص نحو 590 مليون شيقل منه لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

إضافةً إلى ذلك، قال الوزير الإسرائيلي إنه جرى تعويض الأموال التي خصصتها السلطة لتحويلها إلى الجماعات (الإرهابية) وعائلات (الإرهابيين) في إشارة إلى ما تدفعه السلطة رواتب لأسر «الشهداء والأسرى».

ونص القرار الإسرائيلي كذلك على «تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله» كجزء من سياسة مستمرة منذ عام تقريباً، احتجاجاً على ما يقول سموتريتش إنه «نشاط السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل محكمة لاهاي) وتشجيعها للإرهاب»، وفق زعمه.

ودفعت السلطة هذا الشهر مبلغاً مقطوعاً لجميع الموظفين (2000 شيقل)، وكانت دفعت الشهر الذي سبقه (50 في المائة من الراتب) فيما كانت تدفع عادة 70 في المائة من الراتب، ما يؤكد تراجع قدرتها على تأمين الرواتب شهراً بعد شهر.

وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على عائدات الضرائب في تغطية رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية بالإضافة إلى الدعم الدولي.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وبموجب «اتفاق أوسلو» الموقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابةً عن الفلسطينيين عند استيراد السلع من الخارج إلى السلطة الفلسطينية، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3 في المائة، وتشكل هذه الأموال عادة ما نسبته 75 في المائة من إيرادات السلطة.

ما قيمة المحتجز؟

تقدر السلطة الفلسطينية أموالها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

ومع استمرار الأزمة لوقت طويل أصبحت السلطة مديونة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى جهات خارجية محتملة، وقد قفزت الميدونية العامة العام الماضي إلى 15.4 مليار دولار.

وتمثل فاتورة الراتب العبء الأكبر على الخزينة، إذ تصل إلى مليار و50 مليون شيقل سنوياً (340 مليون دولار).

وفي مواجهة هذا الوضع، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد سياسة صفر توظيف ضمن مشروع موازنة طواريء لعام 2026، وتبني نهج تقشفي صارم لإدارة الموارد وضبط الإنفاق، ثم وجه رئيس الوزراء محمد مصطفى هذا الشهر بخصم رسوم ترخيص المركبات والرخص الشخصية للموظفين العموميين لعام 2026 من رصيد مستحقاتهم.

وتدرس الحكومة إمكانية إطلاق محفظة مالية إلكترونية، للموظفين، تمكنهم من تسديد التزاماتهم لمزودي الخدمات الأساسية إذا ما انخفضت أكثر نسبة الراتب.

والأسبوع الماضي التقى مصطفى، على هامش اجتماعات المانحين والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في بروكسل، عدداً من المسؤولين الأوروبيين والدوليين، بحضور وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة، وشرح خطورة الوضع الذي تمر به السلطة، وطلب مساعدات طارئة وشبكة أمان مالية.

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل (إ.ب.أ)

وقال مصطفى، الأحد، إن «حصار الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر أدوات سياسية وأمنية واستعمارية، إضافة إلى استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية».

وأضاف: «هذه الاقتطاعات تصاعدت خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث لم تحول إسرائيل أياً من عائدات الضرائب والجمارك إلى خزينة دولة فلسطين»، وأضاف: «لم نتسلم قرشاً واحداً».

واعتبر مصطفى أن هذه الإجراءات تمثل «احتلالاً آخر»، مؤكداً أن الحكومة لم تكن في فترات قادرة على تأمين حتى ألف شيقل للموظفين. وحذر من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».


اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
TT

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

تبقى الأنظار اللبنانية مشدودة للقاء يُعقد الأربعاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام؛ كونه يشكل أول محطة سياسية تجمعهم منذ بدء اللقاء التحضيري الأول بين سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية لانطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لعل عامل الوقت يؤدي لانفراج في العلاقات الرئاسية، ويفتح الباب أمام توصلهم لمقاربة موحدة حيال المفاوضات المباشرة التي لا يحبذها برّي، ويقاومها «حزب الله» بشدة ويتعامل معها، كما قال أمينه العام نعيم قاسم، على أنه غير معني بها، وذلك في بيانه الذي أذاعه استباقاً لانعقاد اللقاء لتسخين الأجواء وتعميق الانقسام بينه وبين الأكثرية الساحقة المؤيدة للمفاوضات، في حين تشتعل حربه مع إسرائيل في جنوب لبنان، ما يزيد من حجم التدمير الممنهج للقرى والتهجير لسكانها.

فلقاء الرؤساء يأتي بعد طول انتظار، وهو ثمرة الجهود التي قام بها مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان في زيارته الأخيرة لبيروت، واضعاً حداً لكل ما يتردد عن انقطاع التواصل بينهم لعله يؤدي لإحداث انفراج في العلاقات الرئاسية، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد مع تصاعد وتيرة المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، ما يستدعي توحيد الموقف اللبناني مع ارتفاع منسوب المخاوف من استخدام الجنوب ساحة مفتوحة بالنار لتبادل الرسائل بين الحزب وإسرائيل.

مزارعان يقطفان الفول الأخضر خلال الهدنة المفترضة في بلدة راس العين بجنوب لبنان (رويترز)

لذلك يبدو، بحسب المصدر، أن تبادل الرسائل بلجوء كل طرف منهما إلى تحميل الآخر مسؤولية خرق الهدنة لن يحجب الأنظار عن دخول إيران على خط التصعيد، من خلال الحزب الذي ينوب عنها، كما يتهمه خصومه، للضغط على الولايات المتحدة لتعاود التفاوض معها، من دون أن يكف عن توجيه الشكر لها بذريعة أنها كانت وراء التوصل مع واشنطن لوقف النار الذي لا يشمل الجبهة الإيرانية فحسب، وإنما ينسحب على لبنان، وهذا ما يكمن وراء إصرار الحزب على ربط مصيره بحليفه الإيراني، من دون أن يدرك مخاطر الانزلاق لأقصى المواجهات العسكرية مع إسرائيل في ظل اختلال توازن الردع، وإن كان يدرجها بخانة الدفاع عن النفس.

وفي هذا السياق، سأل المصدر «حزب الله» عن الأسباب الكامنة وراء عدم صمود الهدنة على جبهة الجنوب، ولماذا لم تتدخل إيران لتثبيتها لئلا تتحول، كما هو حاصل الآن، إلى هدنة هشة بخلاف ثباتها على الجبهة الإيرانية رغم أنه لم يتقرر تمديدها بصورة رسمية بخلاف تجديد مفعولها لثلاثة أسابيع على الجبهة الجنوبية؟

ولفت إلى تبادل الاتهامات بين الحزب وإسرائيل حول خرق الهدنة من دون أن يمتد إلى العمق اللبناني بشموله بيروت وضاحيتها الجنوبية وربما البقاع، وذلك بضغط أميركي على إسرائيل التي تمضي في حربها على الحزب لإطباق سيطرتها بالكامل على المنطقة الصفراء وصولاً إلى البلدات الواقعة في شمال نهر الليطاني والمطلة على جنوبه.

وأكد المصدر أن إسرائيل تضغط في المقابل على لبنان للتسليم بشروطها لبدء المفاوضات لتأتي نتائجها على قياس طموحاتها الأمنية والسياسية، ولانتزاع موافقة عون، مع التحضير لبدئها، بلقاء رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو برعاية ترمب الذي يتفهم، كما يقال لبنانياً، الدوافع التي يتمسك بها عون للحؤول دون عقده، ويمتنع في نفس الوقت عن الاستعاضة عنه بإجراء اتصال هاتفي مثلث الأطراف يجمعهما بالرئيس الأميركي.

وقال إنه لا جدوى من الضغوط الإسرائيلية على لبنان لإلزام عون مكرهاً بلقاء نتنياهو؛ لأنه لا عودة عن قراره بحرق المراحل والاستجابة للقائه الذي يبقى معلقاً على ما ستتوصل إليه المفاوضات، آخذة بعين الاعتبار الثوابت الوطنية التي لا يحيد عنها، وكان رسمها كأساس لبلوغ النتائج المرجوة منها، وهي تشكل نقطة التقاء بين الرؤساء الثلاثة من موقع التباين بين عون وسلام من جهة، وبرّي برفضه المفاوضات المباشرة من جهة ثانية، مع أن الأخير كان قال كلمته في هذا الخصوص، ولم يُشهر سلاحه في وجه عون، ولن يكون منزعجاً إذا توصلت إلى ما يصبو إليه لبنان ويُجمع عليه الرؤساء، بخلاف حملات التهديد والتخوين التي يتزعمها حليفه «حزب الله»، من دون أن يقترح البديل بدعوته عون للتخلي عن الخيار الدبلوماسي لتحرير الجنوب من الاحتلال.

ورأى المصدر أن الانتكاسة الأمنية غير المسبوقة التي شهدتها بيروت على خلفية الخلاف الذي حصل بين أحد أصحاب المولّدات الكهربائية وجهاز أمن الدولة، سيحضر بامتياز على طاولة لقاء الرؤساء لمنع تكراره، وخصوصاً أنه أدى إلى إحداث فوضى عارمة من جراء لجوء أنصار صاحب المولّد إلى قطع الطرق في معظم شوارع الشطر الغربي من العاصمة، وكادت الاحتجاجات تتوسع لولا تدخل وحدات الجيش في الوقت المناسب للسيطرة على الوضع وإخلاء الشوارع من المحتجين وفتح الطرق، ولا سيما أن الإشكال استدعى تدخلات على أعلى المستويات الدينية والرسمية والسياسية لإعادة الهدوء للعاصمة، وهذا ما طرح مجموعة من الأسئلة المحفوفة بالقلق حول مصير الخطة التي أقرها مجلس الوزراء بتحويل بيروت لمنطقة آمنة خالية من السلاح، والتي قوبلت بتأييد من نوابها وفعالياتها، ولا سيما أن الخلاف الذي تخلله مواجهة بين الطرفين اتسم بطابع طائفي، وبات المطلوب توفير الحماية الأمنية للعاصمة للحفاظ على السلم الأهلي الذي اجتاز اختباراً فوضوياً لم يكن بحسبان أحد.

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (د.ب.أ)

ويبقى السؤال: هل سيتوصل الرؤساء إلى توحيد الرؤية برسم خريطة الطريق مدعومة بالثوابت الوطنية اللبنانية كأساس لبدء المفاوضات، وهم يقفون الآن أمام مهمة صعبة لاختبار مدى استعدادهم لتوفير الغطاء السياسي للوفد المفاوض في وجه التهديدات التي يطلقها «حزب الله»، وفي المقابل لا بد من التوجه إلى الراعي الأميركي بموقف قاعدته انسحاب إسرائيل، وركيزته إنهاء حال الحرب بين البلدين للتأكد من أن التطمينات التي سمعها عون من ترمب هي في محلها، ولن تخضع لتبدل في موقفه بضغط إسرائيلي، في حين أن التعويل الدولي واللبناني، بما يشبه الإجماع، على دور برّي لاستيعاب «حزب الله» ومنعه من الانزلاق نحو المزيد من الحسابات الخاطئة غير المدروسة كإسناده لغزة وإيران بذريعة الدفاع عن النفس؟


إخفاق «الإطار التنسيقي» يدخل العراق في حالة «الخرق الدستوري»

اجتماع قوى الإطار التنسيقي بحضور السوداني وأبو آلاء الولائي (وكالة الأنباء العراقية)
اجتماع قوى الإطار التنسيقي بحضور السوداني وأبو آلاء الولائي (وكالة الأنباء العراقية)
TT

إخفاق «الإطار التنسيقي» يدخل العراق في حالة «الخرق الدستوري»

اجتماع قوى الإطار التنسيقي بحضور السوداني وأبو آلاء الولائي (وكالة الأنباء العراقية)
اجتماع قوى الإطار التنسيقي بحضور السوداني وأبو آلاء الولائي (وكالة الأنباء العراقية)

مع دخول حالة الخرق الدستوري العراقي يومه الأول، تواصل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية إخفاقها في مسألة الاتفاق على اختيار شخصية مناسبة لشغل منصب رئاسة الوزراء، وسط تأكيدات لانقسامات عميقة بين أقطاب هذه القوى قد تحول دون اتفاقها نهائياً، ما يعرض البلاد إلى مزيد من المخاطر، خصوصاً في ظل حالة اللاسلم الإقليمية، وانعكاساتها الكارثية على اقتصاد العراق، جراء توقف مورده المالي شبه الوحيد من النفط بعد غلق مضيق هرمز.

في غضون ذلك، خصصت الولايات المتحدة الأميركية، الاثنين، جائزة تقدر بـ10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات حول حيدر مزهر الغرواي، قائد كتائب «أنصار الله الأوفياء» والشخصية البارزة في تحالف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً على مسار تشكيل الحكومة.

وانتهت، الاثنين، المدة الدستورية المحدد أمام رئيس الجمهورية نزار ٱميدي، لتكليف مرشح الكتلة الأكبر في البرلمان (الإطار التنسيقي) لرئاسة الوزراء.

ومع حالة «عدم الاتفاق» المزمنة بين أقطاب «الإطار التنسيقي»، بات الحديث عن إجراء انتخابات مبكرة وارداً، لكن هذا الخيار يواجه بالتحفظات ذاتها التي واجهت انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأدت إلى حالة الانسداد الراهنة؛ إذ إنه سيعيد ذات القوى المسؤولة عن حالة التعطيل، فضلاً عن تكلفتها الاقتصادية مع حالة التراجع التي تشهدها البلاد في مداخيلها المالية.

اتهامات متبادلة

وتفيد معظم الأنباء الصادرة عن اجتماعات الإطار الأخيرة، بحدوث مناوشات وصدامات كلامية مباشرة بين أطرافه، وبات كل طرف يحمل الآخر مسؤولية حالة الانسداد القائمة. كما يشير بعض المصادر إلى تأجيل الاجتماعات الدورية «الإطارية»، والاكتفاء بلقاءات شخصية بين قياداته الـ12.

وتتحدث مصادر كثيرة عن حالة التوتر الشديدة بين ائتلافي «دولة القانون» و«الإعمار والتنمية»، بوصفهما الائتلافين الأكثر وزناً داخل القوى الإطارية.

ووجه قيادي في ائتلاف «الإعمار والتنمية»، الذي يقوده السوداني، يوم الاثنين، رسائل سياسية حادة بدت موجهة إلى قوى في «الإطار التنسيقي»، مؤكداً أن مشروع الائتلاف «واضح وناجح»، فيما وصف مشاريع الخصوم بأنها «مجهولة».

وهاجم القيادي في ائتلاف «التنمية» قصي محبوبة، الاثنين، ضمناً ائتلاف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في تغريدة على منصة «إكس»، قال فيها: «نحن الفائز انتخابياً على المستوى الوطني، قبلنا العمل ضمن الإطار انطلاقاً من المسؤولية الوطنية، وحرصاً على استقرار الدولة».

وأضاف أن ائتلافه أسهم في إنجاز الاستحقاقات الدستورية من خلال مشاركته في انتخاب رئيسي مجلس النواب والجمهورية.

وتابع: «إننا قدمنا الحلول والمبادرات، فقابلتموها بالتحجر والحسابات الضيقة، مشروعنا واضح ومرشحنا ناجح وهدفنا العراق أولاً، أما مشروعكم فمبهم، ومرشحكم فمجهول، وغايتكم مصالح ضيقة لا تشبه طموح الشعب».

سيناريوهات مختلفة

ومع مرور الوقت واستمرار حالة الانسداد السياسي، تتداول الأوسط السياسية والصحافية بشكل شبه يومي، سيناريوهات عديدة، للخروج من المأزق الحالي الذي تعاني منه القوى الشيعية، ومن بين ذلك، طرح خيار انشقاق ائتلاف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده السوداني عن قوى الإطار التنسيقي، لتشكيل «كتلة أكبر» جديدة تكون قادرة على حسم ملف رئاسة الوزراء.

وذلك يعني أنه سيلجأ إلى تحالفات من خارج الدائرة الشيعية، وتالياً انفراط عقد الإطار التنسيقي، وهو أمر يستبعده معظم المراقبين، ذلك أن السوداني سيواجه المصير ذاته الذي واجهه مقتدى الصدر، حين فاز بأغلبية المقاعد الشيعية في انتخابات 2022، حين طرح مفهوم «الحكومة الوطنية»، وتحالف مع بعض القوى الكردية والسنية لتشكيل الحكومة، قبل أن تضطره بقية القوى الشيعية وحليفتها طهران إلى الانسحاب من البرلمان.

ومن بين السيناريوهات التي صارت متداولة مؤخراً، لجوء القوى الإطارية إلى مرشح تسوية بعيداً عن كل الأسماء التي طرحت مؤخراً، وضمنها استبعاد ترشيح نوري المالكي ومحمد السوداني، ويشير بعض المصادر إلى أنه سيكون قادراً على كسب رضا الجانب الأميركي، وغير مرفوض من إيران.

رسالة أميركية غاضبة

وإلى جانب الضغوط الأميركية المتواصلة على قوى «الإطار التنسيقي» لإنتاج حكومة بعيدة عن الأجندة الإيرانية وحلفائها من الفصائل المسلحة، يشير كثير من التقارير إلى تلقي قادة الإطار الى «رسالة أميركية غاضبة» جديدة، على خلفية ظهور قائد «كتائب سيد الشهداء» أبو آلاء الولائي، على طاولة اجتماع «الإطار التنسيقي» الأخير.

أبو آلاء الولائي في اجتماع الإطار التنسيقي (إكس)

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة الماضي، عبر برنامج مكافآت من أجل العدالة التابع لجهاز الأمن الدبلوماسي، رصد مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن هاشم فينيان رحيم السراجي المعروف باسم أبو آلاء الولائي.

وأبدت واشنطن، بحسب التقارير، «استغرابها من مشاركة الولائي في اجتماع سياسي مخصص لاختيار رئيس الوزراء»، خصوصاً أن حضوره جاء بعد ساعات قليلة من رصد واشنطن المكافئة المالية لمن يقدم معلومات تقود إليه.

وأضافت التقارير أن «الرسالة الأميركية جاءت شديدة اللهجة، وتضمنت تأكيداً على أن استمرار الإطار التنسيقي في تجاهل طبيعة العلاقة والشراكة القائمة مع واشنطن، قد يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم شاملة للعلاقة الثنائية على مختلف المستويات، لا سيما في الجانبين الأمني والاقتصادي».

منطقة النجاة

بدوره، يقول مصدر مقرب من القوى الإطارية لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم الحديث الشائع عن الخلافات حول شخصية رئيس الوزراء المقبلة، فإن المشكلة الأكثر تعقيداً تتعلق بقدرة الإطار على التعاطي مع الاشتراطات الأميركية والإيرانية في المرحلة المقبلة».

ويؤكد المصدر أن «الإطاريين عالقون فيما يمكن تسميته (منطقة النجاة)، وسط مخاوف عميقة من أنهم قد يخسرون السلطة لصالح خصومهم من بقية القوى الشيعية خارج البرلمان، في حال لم ينجحوا في اختيار آمن لرئيس وزراء جديد قادر على التحرك بفاعلية حيال واشنطن وطهران».

ويرجح أن «الانسداد الحالي مقصود في جزء منه، لتلافي تداعيات ما قد يؤدي إليه اختيار شخصية غير قادرة على تلبية المطالب الأميركية بالدرجة الأساس، والإيرانية ثانياً».