«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
TT

«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)

مع تقدّم القوات الإسرائيلية، يتعرض نظام الرعاية الصحية في مدينة غزة لإطلاق النار، ويتجه نحو الانهيار، في الوقت الذي وثقت فيه ممرضة أميركية لحظات انهيار النظام الصحي وسط الحرب.

وبعد مرور ما يقرب من أسبوعين على الهجوم البري الإسرائيلي الأخير على أكبر مدينة في غزة، دُمرت عيادتان جراء الغارات الجوية، وأُغلق مستشفيان بعد تضررهما، بينما تعمل مستشفيات أخرى بالكاد، في ظل نقص الأدوية والمعدات والغذاء والوقود.

واضطر كثير من المرضى والموظفين إلى الفرار من المستشفيات، تاركين وراءهم عدداً قليلاً من الأطباء والممرضات لرعاية الأطفال في الحاضنات، أو غيرهم من المرضى الذين لا يستطيعون الحركة. ويهز القصف الخارجي جدران المستشفيات، وتحوم الطائرات الإسرائيلية المسيرة في الجوار، وغالباً ما تطلق النار في مكان قريب، مما يجعل من الخطر الدخول والخروج، وفقاً للعاملين في مجال الصحة.

وأجلى مستشفى القدس، الواقع على الطرف الجنوبي لمدينة غزة، معظم مرضاه على عجل خلال الأسبوع الماضي، مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

وأنزل المسعفون أحد المرضى في حقل من الأنقاض، وغُطِّيَ جسده بالشاش لعلاج حروق بالغة في 40 في المائة من جسده، وطلبوا منه التوجه إلى عيادة لتلقي العلاج، وفقاً لأندي فوغان، الممرضة الأميركية التي كانت من بين المسعفين، وتقول لوكالة «أسوشييتد برس» يوم إجلائها: «إنه جنون. هذه حال نظام الرعاية الصحية»، الذي تقول إن إسرائيل تُفككه عمداً.

الممرضة الأميركية أندي فوغان تحمل طفلاً مصاباً بمرض تنفسي في مستشفى القدس بمدينة غزة - 27 يوليو (أ.ب)

وكان مستشفى القدس يتسع في السابق لـ120 مريضاً. أما الآن، فلا يزال هناك نحو 20 مريضاً، من بينهم رضيعان في العناية المركزة. ويؤوي المستشفى نحو 60 طبيباً وممرضاً وعائلات المرضى.

تطوع في غزة... ويوميات الحرب

وتطوعت فوغان من مدينة سياتل الأميركية من خلال الجمعية الطبية الفلسطينية - الأسترالية - النيوزيلندية منذ يوليو (تموز)، واحتفظت فوغان بمذكرات فيديو عن فترة عملها بمستشفى القدس، ونشرتها من حين لآخر على وسائل التواصل الاجتماعي. وشاركت عشرات الفيديوهات مع وكالة «أسوشييتد برس»، التي تحققت منها. وأصبح المتطوعون في غزة، مثلها، مصدراً حيوياً للمعلومات، حيث منعت إسرائيل وسائل الإعلام الأجنبية.

وصوّرت فوغان فيديو بهاتفها الجوال لطائرات حربية ومقذوفات تهبط على المدينة ومحيط المستشفى. وفي أحد المشاهد، تهتز غرفتها، وتحجب أعمدة الدخان الكثيفة الرؤية من نافذتها.

وفي مشهد آخر، من أحد الطوابق السفلية للمستشفى، يتوقف طفل يحمل وعاء ماء بحجمه بينما يهز انفجار الجدران. وليلة السبت، قالت فوغان إن قافلة كانت تسير بالقرب من المستشفى تعرضت لإطلاق نار. وأضافت أن مراهقاً أصيب بجرح سطحي في الرأس، وربما كان هذا آخر مريض يُدخَل إلى مستشفى القدس.

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس (أ.ب)

وكما هي الحال في المستشفيات الأخرى، يعاني مستشفى القدس من نقص حاد في المياه والكهرباء والأكسجين، وقد تعرضت محطة الأكسجين في المستشفى لإطلاق نار إسرائيلي.

«زملائي خائفون من الموت»

وتقول إسرائيل إن حملتها على مدينة غزة تهدف إلى تدمير البنية التحتية لـ«حماس»، وتحرير الرهائن الذين أُخذوا خلال هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد أمر الجيش جميع السكان بالمغادرة والتوجه جنوباً، قائلاً إن ذلك حفاظاً على سلامتهم. وقالت نبال فرسخ، المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يدير مستشفى القدس، إن المركبات الإسرائيلية حاصرت المستشفى، «مما أدى إلى تقييد حركة الموظفين والمرضى المتبقين بشكل كامل»، بينما أطلقت طائرات من دون طيار النار على المستشفى والمباني القريبة.

وتم إجلاء فوغان يوم الثلاثاء مع طبيب آخر وتوجها جنوباً. وقالت فوغان، متحدثة من دار ضيافة في دير البلح بعد إجلائها: «أتلقى رسائل من زملائي في العمل هناك يسألونني عن سبب مغادرتي. يقولون لي إنهم سيموتون».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس بمدينة غزة - 24 يوليو2025 (أ.ب)

وتتعرض المستشفيات لإطلاق النار على الرغم من الأوامر الإسرائيلية بالمغادرة، ولا تزال مئات الآلاف من الفلسطينيين في مدينة غزة، التي كان عدد سكانها يقارب مليون نسمة قبل الهجوم المستمر. ويقول خبراء دوليون إن المدينة تعاني من مجاعة.

وأغلقت إسرائيل المعبر الحدودي إلى شمال غزة منذ 12 سبتمبر (أيلول)، مما منع وصول شحنات المساعدات المباشرة إلى المدينة. وسارعت منظمات الإغاثة إلى إيصال الإمدادات من الجنوب، عابرةً طرقاً محفوفة بالمخاطر في ظل القيود الإسرائيلية المزدادة على حركتها، وفقاً للأمم المتحدة. وخلال الأسبوع الماضي، دمرت الغارات الإسرائيلية عيادتين على الأقل في طرفي مدينة غزة، وأجبرت عيادتين أخريين على الإغلاق، بما في ذلك مستشفى للأطفال ومركز متخصص في طب العيون، وفقاً للأمم المتحدة. وأعلنت الحكومة الأردنية إخلاء مستشفى ميداني كانت تديره مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

«الخوف حقيقي»

وتقول الأمم المتحدة إن 27 مركزاً طبياً ومركزاً للرعاية الصحية الأولية في مدينة غزة، وكثير منها بالغ الأهمية في علاج سوء التغذية، أُجبرت على تعليق خدماتها أو إغلاقها في سبتمبر. وفرّ ما يقرب من 100 مريض يومي الأربعاء والخميس من مستشفى الشفاء، المستشفى الرئيسي في مدينة غزة، مع اقتراب الدبابات الإسرائيلية. وخوفاً من الوقوع في غارة، توقف كثير من الموظفين عن الحضور إلى العمل.

وقال حسن الشاعر، المدير الطبي في مستشفى الشفاء: «الخوف حقيقي».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني برجل مصاب بمتفجرات في مستشفى القدس بمدينة غزة - 21 يوليو (أ.ب)

ووفقاً لمنظمات حقوقية، قُدّر عدد العاملين الطبيين من غزة رهن الاحتجاز الإسرائيلي حتى فبراير (شباط)، بأكثر من 160 عاملاً. وقالت إسرائيل إن الاعتقالات تتم وفقاً للقانون، قائلة إن بعضهم متورط في «أنشطة إرهابية».

ويوم الأربعاء، ادعى الجيش الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي، أن مسلحين كانوا يعملون داخل مستشفى الشفاء. وأرفق الجيش مقطع فيديو غير واضح قال إنه يُظهر مسلحين يطلقون النار. ونفى أطباء مستشفى الشفاء هذا الادعاء، واصفين إياه بأنه ذريعة لمداهمة المستشفى. وتُفرَغ المستشفيات مع تقدم القوات الإسرائيلية، فيما داهمت القوات الإسرائيلية مستشفى القدس لمدة أسبوع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ما أدى إلى إغلاقه مؤقتاً. وصرح الهلال الأحمر آنذاك بأن أجزاءً منه دُمرت، وقُتل مدني واحد على الأقل.

الأمم المتحدة: الاستهداف الإسرائيلي ممنهج

وتُشير الأمم المتحدة وبعض منظمات حقوق الإنسان إلى أن إسرائيل استهدفت المستشفيات بشكل ممنهج، باستخدام الضربات المباشرة وأساليب الحصار والغارات.

وصرحت عزرا زيادة، وهي محللة أنظمة صحية مقيمة في المملكة المتحدة وتعمل من كثب مع الفرق الطبية في غزة، بأنه بمجرد خروج مستشفى عن الخدمة، عادةً ما ينتقل السكان المجاورون إليه.

وقبل الهجوم الأخير على مدينة غزة، بدأ طاقم مستشفى القدس بتسريح المرضى غير المصابين بأمراض خطيرة، خوفاً على سلامتهم، على حد قول فوغان. وأضافت أنهم حوّلوا حركة المرور بعيداً عن المستشفى، بينما أطلقت طائرات إسرائيلية من دون طيار النار على المباني المحيطة.

وفي الأسبوع الماضي، فرت مئات العائلات الفلسطينية التي لجأت إلى المستشفى ومحيطه، بعد أن فرّ كثير منها سابقاً من القوات الإسرائيلية المتقدمة من الشمال.

رضيعة تحت القصف

بعد يوم، رافقت فوغان ممرضات وحدة حديثي الولادة. ضمت إحدى الرضيعتين المتبقيتين - وعمرها 13 يوماً فقط - إلى جسدها محاولةً تهدئتها. وقالت فوغان إن معدل ضربات قلب الرضيعة انخفض بشكل خطير مع وقوع انفجارات قريبة. ومن نافذة غرفتها في الطابق الخامس، سجّلت فوغان ضربات قريبة.

وقالت فوغان في مقطع فيديو: «لقد قصفوا المستشفى مرة أخرى». وسجّلت فوغان غارة جوية لطائرة «أباتشي» من بعيد. وفي الطابق الرابع، كانت هناك شظايا زجاج على بعض الأسرّة من النوافذ المحطمة. ولطخت دماء جديدة فراشاً مهجوراً. وصوّرت فوغان أرضية مستشفى فارغة تم تنظيفها.

وقالت في مقطع الفيديو الذي صُوّر يوم الاثنين: «كانت الأرضية تعجّ بالمرضى في الممرات، والآن أصبحت مهجورة لأن الجميع اضطر إلى الفرار»، وحرصاً على سلامتها، انتقلت فوغان في ذلك اليوم إلى القبو.

وفي اليوم التالي، بعد مغادرة فوغان بوقت قصير، أبلغها زملاؤها بأن مركبات عسكرية إسرائيلية اقتربت من البوابة الجنوبية للمستشفى.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».


ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع هذا الممر الملاحي الدولي.

وفي موقف لافت في «يوم عظيم ومشرق للعالم»، أكد الرئيس ترمب أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة» و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً» لأن «الكيل قد طفح». ووعد «بجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

وشهدت أزمة المضيق انفراجة لافتة بعدما نشر عراقجي في حسابه على منصة «إكس» أنه «تمشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، أُعلن فتح ممر جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالكامل خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، عبر الطريق المنسق كما أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والشؤون البحرية» الإيرانية.

وعلى الفور، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من المنشورات عبر منصته «تروث سوشيال». وقال في أحد هذه المنشورات: «أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل». وأتبعه بآخر قال فيه إن «مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكن الحصار البحري سيظل سارياً ونافذاً فيما يتعلق بإيران فقط، إلى حين إتمام معاملاتنا معها بنسبة 100 في المائة».

وتوقع أن «تتم هذه العملية بسرعة كبيرة نظراً لأن معظم النقاط جرى التفاوض عليها بالفعل». وقال أيضاً إن «إيران، بمساعدة الولايات المتحدة، أزالت، أو هي بصدد إزالة، جميع الألغام البحرية!».

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (رويترز)

لبنان وهرمز

وكذلك أفاد في منشور منفصل: «ستحصل الولايات المتحدة على كل (الغبار) النووي الناتج عن قاذفاتنا (بي 2) العظيمة، ولن يجري تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال». وأضاف أن «هذه الصفقة غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الأحوال، لكن الولايات المتحدة ستعمل بشكل منفصل مع لبنان، وستتعامل مع وضع (حزب الله) بالطريقة المناسبة». وأكد أن «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!».

وكرر في منشور منفصل أنه «مرة أخرى! هذا الاتفاق (على فتح هرمز) لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بلبنان، لكننا سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى!».

وأطلق الرئيس ترمب العنان لتغريدات أخرى حمل فيها على شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لأنهم «كانوا عديمي الفائدة عند الحاجة، مجرد نمر من ورق!». وفي المقابل، شكر للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر «شجاعتكم ومساعدتكم العظيمة!». وكذلك شكر لـ«باكستان ورئيس وزرائها العظيم (شهباز شريف) وقائدها العسكري (عاصم منير)، إنهما شخصان رائعان!».

دور فانس لبنانياً

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بعد مكالمتين هاتفيتين منفصلتين مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً إياهما إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات سلام مباشرة. ووجه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين للعمل على التوصل إلى تسوية دائمة.

واضطلع فانس بدور بعيد عن الأضواء، إذ إنه «ضغط على الإسرائيليين لأيام، لتوخي المزيد من الحذر في لبنان»، مضيفاً أن «إنهاء القتال هناك من شأنه أن يهدئ التوترات الإقليمية الأوسع»، طبقاً لما أوردته شبكة «سي إن إن».

تزايد هذا الزخم بعدما عقد روبيو اجتماعاً ثلاثياً مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول تواصل مباشر من نوعه بين البلدين منذ عقود. وقال مسؤول في البيت الأبيض: «أقرّ لبنان بأن (حزب الله) يمثل مشكلة مشتركة» خلال ذلك الاجتماع.

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (إ.ب.أ)

مشرعون

وبدا رد فعل الكونغرس على وقف إطلاق النار في لبنان خافتاً أمام تركيز النقاش حول مسار الولايات المتحدة وإيران.

وعبَّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تحفظه على وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه قد يكون «اتفاق سلام زائف» أو قد «يمنح (حزب الله) شريان حياة»، مشدداً على أنه لن يدعم أي اتفاق بشأن لبنان لا يؤدي إلى نزع سلاح «حزب الله» وحلّه بوصفه منظمة مصنفة إرهابية داخل الولايات المتحدة، ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

وفي المقابل، انتقد عدد من النواب الديمقراطيين، وبينهم النائب جيم ماكغفرن، الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، محذرين من أنها قد تُقوض وقف إطلاق النار مع إيران وتشعل حرباً أوسع، وطالبوا ترمب بالضغط على نتنياهو لوقف القصف. ودعا النائب دون باير إلى وقف فعال لإطلاق النار في لبنان لتجنب الفوضى، مؤكداً أن «القصف ليس سبيلاً للسلام».


حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
TT

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص. والأكثر نشاطاً بينهم، هم أولئك الذين يقفون في المعسكر المعارض لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ فهؤلاء يلعبون على وتر مشاعر الناس، الذين ظلوا يتعرضون للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، حتى آخر لحظة؛ فالجمهور الإسرائيلي بغالبية مقتنع بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك على «حزب الله» قد فشلت. ويريدون أن يدفع نتنياهو الثمن، فوراً.

عائدون إلى كريات شمونة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع لبنان (أ.ف.ب)

لهذا، فإن معظم ما يقال في تلخيص الحرب يتحدث عن فشل أميركي إسرائيلي. وفي صحيفة «معاريف»، كتب المحرر العسكري، آفي أشكنازي، الجمعة، أن الحرب التي سميت «زئير الأسد»، تنتهي بقدر أكبر كـ «مواء القط». وراح بعيداً أكثر، وكتب: «يمكن القول إن المنتصرة الكبرى هنا هي واحدة: إيران». ويقول أشكنازي: «إن إحباط قادة وجنود الجيش من المستوى السياسي عظيم. سيكون من الخطأ التوقف هنا. توجد فرصة لتنفيذ المهمة، ولإزالة التهديد عن بلدات الشمال».

إسرائيليون يتلون صلوات يهودية وسط الشارع في مدينة كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقتبس الكاتب رأي ضابط شاب، يقول: «إذا ما خرجنا من هنا الآن فستكون مسألة أشهر، ربما سنة، إلى أن يتطلب منا الأمر مرة أخرى القيام بمعركة لنعود إلى القتال».

إسرائيلية تضع علم بلادها على سيارة في أثناء العودة إلى كريات شمونة في الشمال قرب الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويتحدث عاموس هرئيل، محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عن الموضوع بنفس الروح، لكن من الزاوية اللبنانية فيقول: «انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال ومن دون خطابات انتصار، ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائماً في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب المقبلة». واقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» الاحتفال بانتصار إسرائيل على «حزب الله» (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، التي ستشير إلى بداية عهد جديد.