«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
TT

«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)

مع تقدّم القوات الإسرائيلية، يتعرض نظام الرعاية الصحية في مدينة غزة لإطلاق النار، ويتجه نحو الانهيار، في الوقت الذي وثقت فيه ممرضة أميركية لحظات انهيار النظام الصحي وسط الحرب.

وبعد مرور ما يقرب من أسبوعين على الهجوم البري الإسرائيلي الأخير على أكبر مدينة في غزة، دُمرت عيادتان جراء الغارات الجوية، وأُغلق مستشفيان بعد تضررهما، بينما تعمل مستشفيات أخرى بالكاد، في ظل نقص الأدوية والمعدات والغذاء والوقود.

واضطر كثير من المرضى والموظفين إلى الفرار من المستشفيات، تاركين وراءهم عدداً قليلاً من الأطباء والممرضات لرعاية الأطفال في الحاضنات، أو غيرهم من المرضى الذين لا يستطيعون الحركة. ويهز القصف الخارجي جدران المستشفيات، وتحوم الطائرات الإسرائيلية المسيرة في الجوار، وغالباً ما تطلق النار في مكان قريب، مما يجعل من الخطر الدخول والخروج، وفقاً للعاملين في مجال الصحة.

وأجلى مستشفى القدس، الواقع على الطرف الجنوبي لمدينة غزة، معظم مرضاه على عجل خلال الأسبوع الماضي، مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

وأنزل المسعفون أحد المرضى في حقل من الأنقاض، وغُطِّيَ جسده بالشاش لعلاج حروق بالغة في 40 في المائة من جسده، وطلبوا منه التوجه إلى عيادة لتلقي العلاج، وفقاً لأندي فوغان، الممرضة الأميركية التي كانت من بين المسعفين، وتقول لوكالة «أسوشييتد برس» يوم إجلائها: «إنه جنون. هذه حال نظام الرعاية الصحية»، الذي تقول إن إسرائيل تُفككه عمداً.

الممرضة الأميركية أندي فوغان تحمل طفلاً مصاباً بمرض تنفسي في مستشفى القدس بمدينة غزة - 27 يوليو (أ.ب)

وكان مستشفى القدس يتسع في السابق لـ120 مريضاً. أما الآن، فلا يزال هناك نحو 20 مريضاً، من بينهم رضيعان في العناية المركزة. ويؤوي المستشفى نحو 60 طبيباً وممرضاً وعائلات المرضى.

تطوع في غزة... ويوميات الحرب

وتطوعت فوغان من مدينة سياتل الأميركية من خلال الجمعية الطبية الفلسطينية - الأسترالية - النيوزيلندية منذ يوليو (تموز)، واحتفظت فوغان بمذكرات فيديو عن فترة عملها بمستشفى القدس، ونشرتها من حين لآخر على وسائل التواصل الاجتماعي. وشاركت عشرات الفيديوهات مع وكالة «أسوشييتد برس»، التي تحققت منها. وأصبح المتطوعون في غزة، مثلها، مصدراً حيوياً للمعلومات، حيث منعت إسرائيل وسائل الإعلام الأجنبية.

وصوّرت فوغان فيديو بهاتفها الجوال لطائرات حربية ومقذوفات تهبط على المدينة ومحيط المستشفى. وفي أحد المشاهد، تهتز غرفتها، وتحجب أعمدة الدخان الكثيفة الرؤية من نافذتها.

وفي مشهد آخر، من أحد الطوابق السفلية للمستشفى، يتوقف طفل يحمل وعاء ماء بحجمه بينما يهز انفجار الجدران. وليلة السبت، قالت فوغان إن قافلة كانت تسير بالقرب من المستشفى تعرضت لإطلاق نار. وأضافت أن مراهقاً أصيب بجرح سطحي في الرأس، وربما كان هذا آخر مريض يُدخَل إلى مستشفى القدس.

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس (أ.ب)

وكما هي الحال في المستشفيات الأخرى، يعاني مستشفى القدس من نقص حاد في المياه والكهرباء والأكسجين، وقد تعرضت محطة الأكسجين في المستشفى لإطلاق نار إسرائيلي.

«زملائي خائفون من الموت»

وتقول إسرائيل إن حملتها على مدينة غزة تهدف إلى تدمير البنية التحتية لـ«حماس»، وتحرير الرهائن الذين أُخذوا خلال هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد أمر الجيش جميع السكان بالمغادرة والتوجه جنوباً، قائلاً إن ذلك حفاظاً على سلامتهم. وقالت نبال فرسخ، المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يدير مستشفى القدس، إن المركبات الإسرائيلية حاصرت المستشفى، «مما أدى إلى تقييد حركة الموظفين والمرضى المتبقين بشكل كامل»، بينما أطلقت طائرات من دون طيار النار على المستشفى والمباني القريبة.

وتم إجلاء فوغان يوم الثلاثاء مع طبيب آخر وتوجها جنوباً. وقالت فوغان، متحدثة من دار ضيافة في دير البلح بعد إجلائها: «أتلقى رسائل من زملائي في العمل هناك يسألونني عن سبب مغادرتي. يقولون لي إنهم سيموتون».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس بمدينة غزة - 24 يوليو2025 (أ.ب)

وتتعرض المستشفيات لإطلاق النار على الرغم من الأوامر الإسرائيلية بالمغادرة، ولا تزال مئات الآلاف من الفلسطينيين في مدينة غزة، التي كان عدد سكانها يقارب مليون نسمة قبل الهجوم المستمر. ويقول خبراء دوليون إن المدينة تعاني من مجاعة.

وأغلقت إسرائيل المعبر الحدودي إلى شمال غزة منذ 12 سبتمبر (أيلول)، مما منع وصول شحنات المساعدات المباشرة إلى المدينة. وسارعت منظمات الإغاثة إلى إيصال الإمدادات من الجنوب، عابرةً طرقاً محفوفة بالمخاطر في ظل القيود الإسرائيلية المزدادة على حركتها، وفقاً للأمم المتحدة. وخلال الأسبوع الماضي، دمرت الغارات الإسرائيلية عيادتين على الأقل في طرفي مدينة غزة، وأجبرت عيادتين أخريين على الإغلاق، بما في ذلك مستشفى للأطفال ومركز متخصص في طب العيون، وفقاً للأمم المتحدة. وأعلنت الحكومة الأردنية إخلاء مستشفى ميداني كانت تديره مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

«الخوف حقيقي»

وتقول الأمم المتحدة إن 27 مركزاً طبياً ومركزاً للرعاية الصحية الأولية في مدينة غزة، وكثير منها بالغ الأهمية في علاج سوء التغذية، أُجبرت على تعليق خدماتها أو إغلاقها في سبتمبر. وفرّ ما يقرب من 100 مريض يومي الأربعاء والخميس من مستشفى الشفاء، المستشفى الرئيسي في مدينة غزة، مع اقتراب الدبابات الإسرائيلية. وخوفاً من الوقوع في غارة، توقف كثير من الموظفين عن الحضور إلى العمل.

وقال حسن الشاعر، المدير الطبي في مستشفى الشفاء: «الخوف حقيقي».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني برجل مصاب بمتفجرات في مستشفى القدس بمدينة غزة - 21 يوليو (أ.ب)

ووفقاً لمنظمات حقوقية، قُدّر عدد العاملين الطبيين من غزة رهن الاحتجاز الإسرائيلي حتى فبراير (شباط)، بأكثر من 160 عاملاً. وقالت إسرائيل إن الاعتقالات تتم وفقاً للقانون، قائلة إن بعضهم متورط في «أنشطة إرهابية».

ويوم الأربعاء، ادعى الجيش الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي، أن مسلحين كانوا يعملون داخل مستشفى الشفاء. وأرفق الجيش مقطع فيديو غير واضح قال إنه يُظهر مسلحين يطلقون النار. ونفى أطباء مستشفى الشفاء هذا الادعاء، واصفين إياه بأنه ذريعة لمداهمة المستشفى. وتُفرَغ المستشفيات مع تقدم القوات الإسرائيلية، فيما داهمت القوات الإسرائيلية مستشفى القدس لمدة أسبوع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ما أدى إلى إغلاقه مؤقتاً. وصرح الهلال الأحمر آنذاك بأن أجزاءً منه دُمرت، وقُتل مدني واحد على الأقل.

الأمم المتحدة: الاستهداف الإسرائيلي ممنهج

وتُشير الأمم المتحدة وبعض منظمات حقوق الإنسان إلى أن إسرائيل استهدفت المستشفيات بشكل ممنهج، باستخدام الضربات المباشرة وأساليب الحصار والغارات.

وصرحت عزرا زيادة، وهي محللة أنظمة صحية مقيمة في المملكة المتحدة وتعمل من كثب مع الفرق الطبية في غزة، بأنه بمجرد خروج مستشفى عن الخدمة، عادةً ما ينتقل السكان المجاورون إليه.

وقبل الهجوم الأخير على مدينة غزة، بدأ طاقم مستشفى القدس بتسريح المرضى غير المصابين بأمراض خطيرة، خوفاً على سلامتهم، على حد قول فوغان. وأضافت أنهم حوّلوا حركة المرور بعيداً عن المستشفى، بينما أطلقت طائرات إسرائيلية من دون طيار النار على المباني المحيطة.

وفي الأسبوع الماضي، فرت مئات العائلات الفلسطينية التي لجأت إلى المستشفى ومحيطه، بعد أن فرّ كثير منها سابقاً من القوات الإسرائيلية المتقدمة من الشمال.

رضيعة تحت القصف

بعد يوم، رافقت فوغان ممرضات وحدة حديثي الولادة. ضمت إحدى الرضيعتين المتبقيتين - وعمرها 13 يوماً فقط - إلى جسدها محاولةً تهدئتها. وقالت فوغان إن معدل ضربات قلب الرضيعة انخفض بشكل خطير مع وقوع انفجارات قريبة. ومن نافذة غرفتها في الطابق الخامس، سجّلت فوغان ضربات قريبة.

وقالت فوغان في مقطع فيديو: «لقد قصفوا المستشفى مرة أخرى». وسجّلت فوغان غارة جوية لطائرة «أباتشي» من بعيد. وفي الطابق الرابع، كانت هناك شظايا زجاج على بعض الأسرّة من النوافذ المحطمة. ولطخت دماء جديدة فراشاً مهجوراً. وصوّرت فوغان أرضية مستشفى فارغة تم تنظيفها.

وقالت في مقطع الفيديو الذي صُوّر يوم الاثنين: «كانت الأرضية تعجّ بالمرضى في الممرات، والآن أصبحت مهجورة لأن الجميع اضطر إلى الفرار»، وحرصاً على سلامتها، انتقلت فوغان في ذلك اليوم إلى القبو.

وفي اليوم التالي، بعد مغادرة فوغان بوقت قصير، أبلغها زملاؤها بأن مركبات عسكرية إسرائيلية اقتربت من البوابة الجنوبية للمستشفى.


مقالات ذات صلة

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

المشرق العربي وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

قالت حركة «فتح» الفلسطينية إن مشاورات القاهرة تمهد لإطلاق حوار وطني شامل من خلال التوصل إلى تفاهمات مع حركة «حماس» وبقية الفصائل، في إطار جهود تقودها مصر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جنود إسرائيليون يتجهون إلى قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة والتي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين الإسرائيليين (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن تطالب إسرائيل بـ«ردع» عنف المستوطنين في الضفة الغربية

قال ‌وزير الخارجية ‌الأميركي، ​ماركو ‌روبيو، إن ⁠مشاهد ‌عنف المستوطنين ‌في ​الضفة ‌الغربية «مزعجة»، بما ‌في ‌ذلك لقطات لواقعة تعرِّض ⁠مصورة صحفية للاعتداء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

إيطاليا تدرج كاتس ومسؤولين إسرائيليين كباراً في تحقيق «أسطول غزة»

أدرجت إيطاليا أسماء وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولين في الجيش والشرطة والسجون الإسرائيلية ضمن تحقيق يتعلق بمعاملة نشطاء أسطول غزة.

«الشرق الأوسط» (روما )

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
TT

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

قال موقع قناة الإخبارية السورية إن «المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء» منعت، اليوم الأحد، وفداً أممياً إنسانياً مشتركاً من الدخول إلى المدينة بذريعة «عدم التنسيق معهم».

ضم الوفد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية برفقة منظمات دولية، وجرى التنسيق مع فريق الهلال الأحمر السوري فرع السويداء لمرافقتهم بالزيارات الميدانية في مدينة السوبداء وشهبا وقرية عرى.

وأوقفت المجموعات الوفد الأممي لمدة تتراوح بين ساعتين و3 ساعات عند حاجز أم الزيتون قبل تبليغه منع الدخول، وذلك عقب عبور الوفد حاجز «المتونة» التابع لمديرية أمن السويداء.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

يذكر أن المجموعات الخارجة عن القانون التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، منعت في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي دخول الشاحنات التجارية المحملة بالمواد الأساسية والمحروقات إلى محافظة السويداء، حسب ما أفاد به مراسل الإخبارية حينذاك. وتزامن منع دخول القوافل التجارية إلى المدينة مع قيام المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء بمنع نحو 12 ألف طالب من التوجه إلى المراكز الامتحانية لتقديم الامتحانات الاستثنائية الخاصة بطلاب السويداء.


نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل البقاء فيما وصفه بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان.

جاء ذلك بالتزامن مع رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته على الحدود الشمالية مع لبنان، وتعزيز قواته تحسباً لاحتمال تصعيد جديد. ويترافق هذا المشهد مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب، في وقت تتحدث فيه تقديرات إسرائيلية عن احتمال مبادرة «حزب الله» إلى هجوم ضد القوات الإسرائيلية، وسط ترقب لمسار التطورات الميدانية.

«إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية»

وفي مقابلة إذاعية مع «راديو الشمال» الإسرائيلي، قال نتنياهو، رداً على سؤال عن مدى ثقته بالحكومة اللبنانية: «لا، لا أثق بأنهم سينزعون سلاح (حزب الله)»، مؤكداً أن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية ما دام لم يتم نزع سلاح الحزب. واعتبر أن الوجود العسكري الإسرائيلي يهدف إلى منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد البلدات الشمالية؛ مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي أقام منطقة أمنية وصفها بأنها خالية من المنظومات الإرهابية، وأن عدداً من القرى التي كانت -حسب قوله- معاقل للحزب، لم تعد كذلك.

وشدد نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تنفيذ عملياته ضد «حزب الله» كلما اقتضت الحاجة، معتبراً أن الحزب أصبح أضعف مما كان عليه سابقاً، ولكنه أشار إلى استمرار التحديات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بالطائرات المُسيَّرة التي يستخدمها الحزب.

الجيش الإسرائيلي ينفِّذ تفجيراً كبيراً في زوطر الشرقية (الوكالة الوطنية للإعلام)

رفع مستوى التأهب

وفي موازاة هذه التصريحات، أفادت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن الجيش رفع مستوى التأهب على الجبهة الشمالية؛ حيث تنتشر الفرقتان 36 و91 في هضبة الجولان وجنوب لبنان، مع تعزيز القوات بوحدات إضافية، بينها كتائب من لواء غولاني ووحدات تدريب.

ونقلت الصحيفة عن مصادر لبنانية قولها إن «حزب الله» يوسِّع استعداداته العسكرية، بما يشمل تجنيد عناصر وإعداد منظومات دفاعية في مناطق مختلفة من البقاع، وعلى امتداد الساحل، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. كما أوردت تقديرات إسرائيلية تتحدث عن احتمال مبادرة الحزب إلى هجوم قد يستهدف موقعاً عسكرياً أو دورية إسرائيلية، وصولاً إلى محاولة خطف جنود.

وربطت هذه التقديرات التصعيد المحتمل بالدور الإيراني، بينما تحدث مصدر عسكري إسرائيلي عن ضرورة إبقاء القوات في حالة يقظة فترة طويلة.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان؛ إذ استهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري وأطراف بلدة زبقين في قضاء صور، كما طالت القذائف الثقيلة وسط المنصوري وأطراف بلدات برعشيت وحداثا وحاريص. وسُمع دوي انفجار ضخم في بلدة القنطرة بقضاء مرجعيون، بينما نفَّذت القوات الإسرائيلية عملية نسف عنيفة في بلدة الخيام ليلاً، وفجَّرت مدرسة المبرَّات في البلدة عند منتصف الليل.


وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
TT

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

واصل وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو، والوفد المرافق، لقاءاتهم في بيروت، في زيارة يتصدر جدول أعمالها مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة «يونيفيل»، والجهود الفرنسية الرامية إلى تفادي أي فراغ أمني في المنطقة، وضمان استمرار آلية دولية تواكب تنفيذ القرار 1701.

وبعدما التقى الوفد الفرنسي مساء السبت رئيس الجمهورية جوزيف عون، عقد الأحد لقاءين مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تركز البحث خلالهما على سبل تعزيز الدعم الدولي للبنان، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في ظل المخاوف من تداعيات انتهاء مهمة الـ«يونيفيل» قبل استكمال تطبيق القرار الدولي.

سلام: منع الفراغ ودعم الجيش وإعادة الإعمار

في السرايا الحكومي، بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع بارو وروفو والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل، ووزير الثقافة غسان سلامة، آخر التطورات اللبنانية والإقليمية، مع تركيز على الترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد «يونيفيل».

وشدد سلام على ضرورة تفادي أي فراغ في جنوب لبنان، وضمان استمرار حضور دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، تحت مظلة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي. ويأتي هذا الموقف في إطار المساعي اللبنانية للتوصل إلى صيغة تضمن استمرارية الدور الدولي، وتمنع نشوء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية.

كما ثمّن سلام استمرار الدعم الفرنسي للبنان، ولا سيما الجهود الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها. وأكد أهمية مواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته الأمنية.

وتناول اللقاء كذلك ملف التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، مع التشديد على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية وتثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة. أما اقتصادياً، فجرى البحث في الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وأهمية التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.

من جهته، جدد بارو تأكيد دعم فرنسا لسيادة لبنان واستقراره، واستعداد بلاده لمواصلة مساندة الدولة والجيش، والمساهمة في بلورة الترتيبات الدولية المقبلة، إلى جانب دعم الإصلاحات والتعافي وإعادة الإعمار.

بري: التمسك بـ«يونيفيل» ورفض أي فراغ

وبعد الظهر، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الوفد الفرنسي، بحضور السفير دوريل ومستشار رئيس المجلس محمود بري، حيث تناول البحث التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، والعلاقات الثنائية، وموقف لبنان المتمسك ببقاء قوات «يونيفيل».

وشكر بري فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون على دعمهما للبنان، منوهاً بتضحيات الوحدة الفرنسية المشاركة في القوة الدولية، ودور جنود الـ«يونيفيل» على مدى أكثر من 48 عاماً في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القرارين 425 و1701.

وأكد أن دور القوات الدولية لا يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل يشمل أيضاً أدواراً إنسانية وثقافية واقتصادية واجتماعية. وشدد على أن لبنان الرسمي واللبنانيين موحدون في التمسك ببقاء هذه القوات، داعياً إلى دور فرنسي وأوروبي ودولي وإقليمي لتجنب الفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء ولايتها قبل استكمال تطبيق القرار 1701.

وفي موقف يعكس المخاوف اللبنانية من المرحلة المقبلة، أشار بري إلى أن لبنان التزم بالقرار الدولي، فيما تواصل إسرائيل خرقه وانتهاك بنوده، فضلاً عن استمرار الحرب واحتلال مساحات من الجنوب. وشدد على ضرورة توحيد الجهود لوقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، لا الإطاحة بها.

وكان عون قد أكد، خلال استقباله بارو وروفو مساء السبت، ترحيب لبنان بأي جهد فرنسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتوصل إلى صيغة تمنع الفراغ الأمني. وجدد تمسكه بتمديد ولاية يونيفيل، مع الاستعداد لبحث أي صيغة بديلة تضمن استمرار الوجود الدولي في الجنوب، وتفادي وضع الجيش اللبناني على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية في ضوء قرار مجلس الأمن الصادر في أغسطس (آب) 2025 إنهاء ولاية «يونيفيل» بحلول نهاية عام 2026. وكانت فرنسا وإيطاليا قد أعلنتا في شهر يونيو (حزيران) عزمهما العمل على إنشاء قوة متعددة الجنسيات بعد انتهاء المهمة الأممية، فيما تؤكد باريس ضرورة إرساء هيكلية دولية جديدة لدعم سيادة لبنان وتجنب فراغ أمني قد تترتب عليه تداعيات سلبية على الاستقرار في الجنوب.