سوريا مهددة بالتقسيم في ظل مواجهة على جانبي الفرات

مشهد عام لسد تشرين في شمال سوريا (رويترز)
مشهد عام لسد تشرين في شمال سوريا (رويترز)
TT

سوريا مهددة بالتقسيم في ظل مواجهة على جانبي الفرات

مشهد عام لسد تشرين في شمال سوريا (رويترز)
مشهد عام لسد تشرين في شمال سوريا (رويترز)

أصبح نهر الفرات جبهة ساخنة في الصراع على سوريا الجديدة، إذ يفصل بين أكبر معسكرين مسلحين في البلاد، ويمثل بوناً شاسعاً بين رؤى متضاربة بشأن المستقبل.

يوجد على أحد جانبي النهر جيش الحكومة السورية التي أسقطت نظاماً دكتاتورياً. وعلى الجانب الآخر تنتشر قوات منطقة يديرها الأكراد المستعدون لحماية استقلالهم الذي حصلوا عليه بشق الأنفس.

ومع تصاعد التوتر، سافر صحافيون من وكالة «رويترز»، لمسافة 1800 كيلومتر عبر هذا الخط الفاصل في الصيف، وزاروا مراكز استراتيجية رئيسية على ضفتي النهر، وأجروا مقابلات مع عشرات المسؤولين العسكريين والمدنيين والنشطاء والنازحين.

ووجد صحافيو «رويترز» منطقة يغيب عنها حكم القانون، تقع تحت سيطرة فصائل مسلحة لديها حسابات تريد تصفيتها، وتوتراً محلياً يقوض آمال القادة في تحقيق الوحدة، وجنوداً مستعدين لقتل بعضهم قبل التنازل عن الأرض.

وتفصل بين هذه القوات مسافة 200 متر عند أقرب نقطة بينهما، وتتمركز عند طرفي جسر ترابي فوق النهر في مدينة دير الزور المقسمة بشرق سوريا.

وعندما اقترب فريق الصحافيين، تلقى المقاتلون على جانبي النهر أوامر بإغلاق الجسر أمام حركة المرور، لكن لم يوضح أيٌّ منهم السبب ولم يسمحوا بالعبور إلا بعد فحص أوراق الصحافيين مراراً.

ووقف مقاتلو الحكومة على جانب من الجسر بأسلحتهم مشهرة، وكان من بينهم مسلح عدواني بعينين حمراوين يحاول منع حشد من سكان المنطقة يتدافعون لمغادرة الجانب الكردي. وأدى إطلاق النار عبر النهر إلى إصابة عدد من المقاتلين والمدنيين في الأسابيع التي تلت ذلك. ويتهم كل طرف الآخر بالبدء في إطلاق النار.

يتمركز أحمد الهايس، وهو قائد الفرقة 86 في الجيش السوري الجديد يشرف على دير الزور، على الضفة الغربية لنهر الفرات. وتسيطر القوات الكردية على أرض أجداده على الجانب الآخر من النهر. وهو يحتفظ برشاش إلى جانبه وبمسدس وسكين في حزامه ويحيط نفسه بمقاتلين محنكين.

وقال في إشارة إلى سقوط الرئيس السوري بشار الأسد إنهم يتحدثون في دمشق عن التحرير، لكن «ما زلنا محتلين هنا».

وإلى الشرق من النهر، كانت سوزدار ديرك، وهي قائدة في الكتائب النسائية الكردية، تتخذ احتياطاتها الخاصة بعدم حمل هاتف محمول حتى لا يتم تعقبها، وبتغيير موقعها بانتظام. وقالت إنها لن تثق أبداً في الهايس ورفاقه الذين قاتلتهم في الماضي. وأضافت: «حرب؟ نحن مستعدون، لا نريد أن نحارب لكن من يهاجمنا سنضربه، يجب أن نحمي أنفسنا».

برز الطرفان على جانبي النهر باعتبارهما أقوى المعسكرات بعد الإطاحة بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتسيطر فصائل مسلحة كانت تنتمي للمعارضة تقريباً على كل المناطق الواقعة إلى الغرب من نهر الفرات، أي ما يقرب من ثلثي سوريا، بما يشمل مدنها الرئيسية وساحل البحر المتوسط. وتسعى إلى السيطرة الكاملة على البلاد وتحظى بدعم الإدارة الأميركية وتركيا العضو في حلف شمال الأطلسي.

ويسيطر مسلحون بقيادة الأكراد على ما يقرب من ثلث سوريا، ومعظمهم في شرق الفرات الذي يضم ثروة نفطية وسدوداً كهرومائية تساعد في تزويد البلاد بالطاقة. ويديرون منطقة خاصة بهم ويريدون الحفاظ عليها على هذا النحو. وعملت الولايات المتحدة على تدريبهم، لكنهم يخشون تخلي الحلفاء الأميركيين عنهم.

ويحاول مفاوضون من الجانبين داخل قاعات الاجتماعات المضي قدماً في اتفاق وحدة متعثر تم توقيعه في مارس (آذار). ومن شأن الاتفاق، الذي يجري التفاوض عليه الآن في دمشق، أن يدمج القوات التي يقودها الأكراد في الجيش.

ميدانياً، تشير الدلائل على الأرض إلى أن التقسيم سيستمر لفترة طويلة أو ستحدث مواجهة. ولن يجلب أي من ذلك الاستقرار أو الوحدة التي كان كثير من السوريين يأملون بشدة في أن ينعموا بهما بعد سقوط الأسد.

ووقعت اشتباكات في كل نقطة من النقاط التي زارها فريق الصحافيين على خط المواجهة على نهر الفرات، سواء في الأسابيع التي سبقت وجود الفريق هناك أو بعدها.

وفي الوقت الذي اندلعت فيه مناوشات عبر النهر في دير الزور، قتلت القوات الكردية عند المنبع أحد أقارب قائد عربي، أجرت معه «رويترز» مقابلة، في معركة جديدة بالأسلحة النارية. وردّاً على ذلك، أرسل القائد رجالاً وأسلحة إلى الجبهة. وشنّت تركيا في غضون ذلك أول غارات جوية لها منذ شهور على المواقع الكردية، وحفر الأكراد أنفاقاً دفاعية جديدة.

وبعد مرور شهور على الإطاحة بالأسد، خبت الآمال في انتقال سلمي للسلطة. وسحقت قوات الأمن التابعة للحكومة تمرداً مؤيداً للأسد بقتل مئات من أفراد الأقلية العلوية في المناطق الساحلية. وأدت أحداث دموية بين مسلحين دروز وعشائر بدوية إلى جانب غارات جوية إسرائيلية في الآونة الأخيرة إلى زعزعة الاستقرار في جنوب سوريا.

وتهدد المناوشات عند نهر الفرات بإشعال معركة أكبر. ويوجد على الجانبين عشرات الآلاف من المقاتلين الذين حصلوا على تمويل وتدريب وأسلحة من الولايات المتحدة وحلفائها في مختلف مراحل الحرب الأهلية. ولم ترد الحكومة السورية على طلبات للتعليق على الوضع عند نهر الفرات.

وقال أحمد الشرع، في مقابلة أجراها مع التلفزيون السوري الرسمي في وقت سابق من الشهر، إن المفاوضات توقفت «وتتدخل أطراف دولية مثل الولايات المتحدة وتركيا». وأضاف: «كل ما يسهل عملية ألا تحصل معركة أو حرب لعلاج هذه المشكلة أنا فعلته»، مشدداً أن سوريا لن «تتنازل عن ذرة تراب واحدة».

وتساءل فرهاد شامي، المتحدث باسم «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي يقودها الأكراد، عن إمكانية تشكيل جيش سوري موحد.

وقال لوكالة «رويترز»: «نريد بناء جيش سوري يقوم على المواطنة والتعددية وليس على الهوية الواحدة، لذا، الاختلاف معهم ليس عسكرياً بحتاً، إنما اختلاف هوية بالمعنى الصحيح».

ويخشى السوريون من أن يؤدي التدخل الخارجي الجديد وأمراء الحرب المحليون والعنف بين الفصائل إلى دفع البلاد نحو الصراع من جديد.

وعاد طارق، خريج كلية الهندسة من تركيا، هذا العام إلى دير الزور مسقط رأسه المدمر. وقال: «أخبرتني عائلتي أن الأمور تحسنت... لا أشعر بأمان... ليتني لم أعد».

الجبهة الشمالية: مواجهة على السد

بدأ فريق التغطية رحلته عند منبع النهر، حيث أشعلت الإطاحة بالأسد صراعاً كامناً وصل الآن إلى طريق مسدود بسبب تسرب المياه من سد على نهر الفرات.

كان النهر في الماضي يغذي حضارات قديمة. أما الآن، فهو يمد تركيا وسوريا والعراق بالمياه والطاقة، ما يجعل السيطرة عليه من الدعائم الأساسية للقوة في المنطقة.

فمع اقتحام مسلحي المعارضة بقيادة الشرع، الذي تولى الرئاسة فيما بعد، دمشق في ديسمبر، خاضت جماعات مدعومة من تركيا تحت قيادة منفصلة معارك مع القوات الكردية في محاولة للسيطرة على أراضٍ في شمال سوريا. وطردت الأكراد من الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها غرب النهر، منها مناطق قرب مدينة حلب على بعد نحو 100 كيلومتر، وصولاً إلى سد تشرين.

وقالت السلطات الكردية، لوكالة «رويترز»، إن 418 من مقاتليها و57 مدنياً، بالإضافة إلى 3 صحافيين، لقوا حتفهم في اشتباكات منذ ديسمبر، معظمهم في الأسابيع الأولى من الاضطرابات.

وزار الصحافيون الجيوب التي كانت تحت سيطرة الأكراد سابقاً قبل أن يتجهوا شرقاً نحو نهر الفرات متتبعين خط انسحاب الأكراد. وكانت محطتهم الأولى مقر قيادة قائد عربي مدعوم من تركيا قاد التقدم. وقال معتصم عباس، القائد في الفرقة 80، إن القوات الكردية «ما قاوموا كثيراً».

وكان عباس يتحدث قبل أسابيع قليلة من منع وزارة الدفاع السورية المسؤولين العسكريين من مقابلة وسائل الإعلام دون موافقة مسبقة.

ويقود عباس نحو ألفي مقاتل في مناطق تمتد من مسقط رأسه مارع قرب حلب إلى نهر الفرات. وتمت ترقيته في الربيع إلى قائد لواء الفرقة 80 الجديدة في الجيش السوري، وهو منصب يمنحه رسميّاً السيطرة على هذا الجزء الشمالي من خط المواجهة مع الأكراد.

ويقاتل عباس، صاحب البنية الضخمة والجسم الرياضي والبالغ من العمر 38 عاماً، منذ أن كان في الرابعة والعشرين من عمره. ويصف نظام الأسد وتنظيم «داعش» بأنهما ألد أعدائه. لكن بعد رحيلهما، صارت خصومته مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد. وسيطر تنظيم «داعش» على أراضٍ في سوريا بين عامي 2014 و2019.

وقال عباس: «إذا حصل استقرار ولم يعد يوجد تنظيم اسمه قسد (قوات سوريا الديمقراطية) واندمجوا ضمن الجيش والحكومة... إن شاء الله يحدث استقرار وانتعاش».

وأضاف أنه على الرغم من الهدنة غير الدائمة حول السد، استمرت القوات الكردية في إرسال طائرات مسيرة للتجسس على قواته أو مهاجمتها. وتنفي السلطات الكردية شن أي هجمات، قائلة إنها كانت ترد على أفعال القوات الحكومية السورية.

ويحمل عباس أيضاً ضغينة شخصية الآن، فقد قال إن قريباً له قتل في اشتباكات مع الأكراد الشهر الماضي. وأضاف: «الطلقة جاءت في ظهره... تم تعزيز نقاط الحراسة ومنع الاختراق... بالبشر والسلاح».

ونفت السلطات الكردية أي تورط لها في القتال، وألقت باللوم في وفاته على نزاع داخلي بين الفصائل الحكومية على النفوذ. ولم يتسنَّ لوكالة «رويترز» التحقق من ملابسات الوفاة.

ومقر قيادة عباس عبارة عن مجموعة من المباني المنخفضة تنتشر خارجها ناقلات جند مدرعة وسيارات نصف نقل مزودة بأسلحة. والمقر محاط بشبكة أسلاك لحمايته من هجمات الطائرات المسيرة. ويتنقل عباس في سيارات مدرعة محاطاً بحرّاس شخصيين. وهو الآن يتبع رسمياً وزارة الدفاع في دمشق، لكنه لا يزال على ولائه القوي لداعمه الرئيسي تركيا التي تقول مصادر من كلا الطرفين إنها زوّدت مجموعته بالأسلحة والذخيرة منذ فترة طويلة.

وأفاد عدد من مسؤولي الأمن في كلا البلدين بأن تركيا تدفع أيضاً أجوراً شهرية لكل من المقاتلين بنحو 3 آلاف ليرة تركية (80 دولاراً). ولم ترد الحكومة التركية على طلبات للتعليق سواء بشأن الرواتب أو أي تفاصيل أخرى عن جهودها في سوريا.

ويعود ظهور الفصائل المدعومة من تركيا وخلافها مع الأكراد إلى الحرب الأهلية السورية. وعندما تحولت الانتفاضة السلمية المناهضة للأسد في 2011 إلى حرب، عمدت دول غربية وتركيا إلى تسليح مجموعة كبيرة من فصائل المعارضة.

واندمجت هذه الفصائل في نهاية المطاف في تحالفين رئيسيين، هما «هيئة تحرير الشام» التي كان يقودها الشرع، و«الجيش الوطني السوري»، وهو مجموعة من الفصائل المسلحة والمدربة من تركيا، وهو الآن شريك صغير في الحكومة الجديدة.

وامتد التوتر العرقي داخل تركيا إلى شمال سوريا لسنوات في ظل هدف تركي معلن منذ فترة طويلة لطرد المسلحين الأكراد من الحدود. ويرتبط المسلحون الأكراد السوريون بحزب العمال الكردستاني، وهو جماعة مسلحة انفصالية حاربتها تركيا في الداخل لعقود.

وقال عباس إن القضية الكردية بدت الأكثر بروزاً بين المشكلات التي تواجه سوريا.

ويتميز الطريق بين قوات عباس والأكراد بمساحات ريفية شاسعة مع وجود عدد قليل من نقاط التفتيش العسكرية. وقرب البلدة التي قتل فيها قريب عباس، كانت مجموعة من المسلحين الذين لا يضعون أي شارات أو رتب يأخذون أموالاً من سائقي السيارات للسماح لهم بالمرور بأمان.

وعند سد تشرين، ألقت القوات الكردية المتمركزة هناك باللوم في المعارك الأخيرة على الفصائل المدعومة من تركيا، وقالت إنها تعرضت للقصف 6 مرات من القوات المتناحرة معها.

وقال خليل قهرمان، القائد الكردي في الموقع: «كان آخر هجوم علينا قبل أسبوع، بنيران المدفعية». وفي الأسابيع التي تلت ذلك، كان هناك مزيد من تبادل إطلاق النار في المنطقة، وهو ما شمل غارات جوية تركية حول السد لأول مرة منذ شهور.

وقال مهندسون في الموقع إن السد يزود البلدات القريبة الخاضعة للسيطرة الكردية بالكهرباء، لكن إذا تم إصلاحه، وإذا توصل الجانبان إلى اتفاق، فيمكنه تغذية المدن السورية التي مزقتها الحرب غرباً وشرقاً. وقال المهندسون إنه من أجل ذلك، يحتاج إلى تدفق منتظم من المنبع في تركيا وقطع غيار أجنبية لإصلاح التسريبات حول التوربينات التي قلّلت من توليد الطاقة.

لا يزال قهرمان، وهو مقاتل مخضرم شاحب الوجه ينتشر الشيب في شعره، يشعر بمرارة من اضطراره إلى التراجع أمام عباس والفصائل الأخرى المدعومة من تركيا. كما شعر بالصدمة من خطط الولايات المتحدة التي تدعم الأكراد منذ أكثر من عقد في القتال ضد تنظيم «داعش»، لسحب قواتها من شمال شرقي سوريا. وشاهد فريق «رويترز» قاعدتين أميركيتين تم إخلاؤهما حديثاً خلال الرحلة. وقال قهرمان إن قواته مستعدة للقتال بمفردها ضد جميع الأعداء لحماية السد.

وأكد: «اكتسبنا خبرة في قتال (داعش)، والآن نكتسب مزيداً من الخبرة في قتال هذه الفصائل. نطور تكتيكات جديدة».

كما يمتلكون أسلحة جديدة، وتحديداً أسطول طائرات مسيرة، قال قهرمان وقائدان آخران إنها أطلقت لأول مرة في ديسمبر وأثبتت أهميتها في وقف تقدم الجماعات المدعومة من تركيا نحو السد. وأضاف قهرمان أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ساعد في تطويرها.

وتلجأ القوات الكردية أيضاً إلى دفاعات تقليدية. فصدى أصوات المعاول والمجارف يتردد في التلال المحيطة بسدّ تشرين، حيث يحفر العمال شبكات أنفاق جديدة.

وتتسع الممرات تحت الأرض لمرور مقاتل عريض المنكبين ومعداته فقط. وتمتد الأنفاق على عمق 30 متراً على الأقل تحت الأرض. ولدى حفاري الأنفاق تصميمات لشبكة تتفرع بين التلال كل 100 متر تقريباً.

الجبهة الشرقية: تصفية حسابات

على مسافة نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب في دير الزور، ينظر‭ ‬الهايس القائد في الجيش السوري المدعوم من تركيا، والمعروف باسمه الحركي أبو حاتم شقرا، عبر النهر إلى قريته التي يقطنها ويشعر بضغينة.

وقال الهايس، الذي جلس محاطاً بمقاتلين ملتحين في قاعة طعام للضباط كانت مخصصة لجيش الأسد في السابق، إن «الرئيس الشرع كان ينظر دائماً إلى تحرير الشام (دمشق) أنا أنظر إلى الأراضي المحتلة من (قسد) أنا أقاتل أشد 100 مرة من أجل هذا».

وتقع دير الزور في الطرف الجنوبي الشرقي من الخط الفاصل الذي يمثله نهر الفرات عند أقصى مناطق سيطرة دمشق. ولا يفصل العاصمة عن هذه المدينة المهملة التي أصبحت شوارعها المدمرة خاوية بعد سنوات من الحرب إلا صحراء منخفضة الكثافة السكانية لطالما استغلها تنظيم «داعش»، وتمتد لما يقارب 500 كيلومتر. ولم تبدأ إعادة الإعمار بعد.

وللوصول إليها، تحرك المراسلون بالسيارات عبر الصحراء التي تضمنت نقطة تفتيش مؤقتة، قال سكان محليون إنها بدأت العمل منذ أيام قليلة فقط. ولم يتعرف السكان على هوية المسلحين القائمين على نقطة التفتيش.

وعيّنت الحكومة السورية في مايو (أيار) الهايس قائداً للفرقة 86 في الجيش السوري الجديد، ما يجعله مسيطراً على مساحة 150 كيلومتراً من الأراضي على طول نهر الفرات من أطراف الرقة، العاصمة السورية السابقة لتنظيم «داعش»، إلى دير الزور.

والرقة والريف الشرقي لدير الزور منطقتان يعتقد الهايس والحكومة في دمشق وتركيا أنه ما كان ينبغي أن تكونا تحت سيطرة الأكراد.

ووقعت اشتباكات بين المسلحين الأكراد وقوات الأسد في بداية الحرب الأهلية، ثم تجنب كل منهما الآخر إلى حد كبير، ما سمح للأكراد بفرض نوع من الحكم الذاتي. واعتمدت الولايات المتحدة في ما بعد على القوات الكردية في قتال تنظيم «داعش».

خليل قهرمان القائد الكردي يقف فوق سد تشرين شمال سوريا (رويترز)

ومع تقهقر تنظيم «داعش» بعد 2017، انتزعت القوات التي يهيمن عليها الأكراد الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم حول الفرات، ما دفع تركيا إلى شنّ عمليات توغل شاركت فيها قوات الهايس.

وأثار تعيين الهايس غضب الأكراد لما يقال عن أنه ساعد في انشقاق أعضاء سابقين في تنظيم «داعش» قسم منهم انضم لفصائل أخرى، ولأنهم يتهمونه بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك ضد الأكراد.

وقال الهايس إنهم ساعدوا في انشقاق مقاتلين سابقين من تنظيم «داعش»، وأضاف أن ذلك كان انتقاماً من التنظيم الذي استقطب عدداً من مقاتليه خلال الحرب الأهلية. وهو ساخط على القوات الكردية لحصولها على القسم الأكبر من الدعم الأميركي لمحاربة تنظيم «داعش» عندما كان هو ورفاقه يقاتلون التنظيم أيضاً.

ونفى الهايس ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وقال إنه لا يشعر بالقلق من أن يفقد منصبه بسبب غضب الغرب حيال اتهامات بارتكاب انتهاكات. وكان الهايس يخطط لإضعاف القوات التي يقودها الأكراد في المناطق القريبة، فهو يأمل في تشجيع الانشقاق عن الكتيبة العربية التابعة لهم، وهو تكتيك يقول إنه حقّق نجاحاً في الماضي. وأضاف: «أراقب وأستمع. عندي ناس في أراضيهم».

وعلى مشارف الرقة، يجري حفر مزيد من الأنفاق، وتنقل الشاحنات الملاجئ الخرسانية الجاهزة باتجاه المدينة. ويقع المقر الرئيسي للإدارة المحلية في مجمع محاط بجدران واقية من الانفجارات، مع إطلالة بانورامية على النهر، وعلى أي قوات متقدمة تنشرها دمشق.

السياسية الكردية فوزة يوسف (رويترز)

وعلى مسافة أبعد، في مقر القيادة العسكرية الكردية، قالت ديرك، قائدة الكتيبة النسائية، إن تعيين الهايس ورفاقه المدعومين من تركيا في مناصب عسكرية رفيعة استفزاز من الحكومة الجديدة. وأضافت: «هؤلاء الأشخاص يجب معاقبتهم دولياً... عليهم كثير من القضايا».

وعبّرت ديرك عن قلقها من أن يكون تعيين الهايس إشارة إلى أن الحكومة السورية تعتزم انتزاع السيطرة على دير الزور والرقة والحسكة من القوات الكردية. وقالت: «أنا أظن أنه غلط أنه يتم فرض شخص على أي منطقة».

ولدى ديرك ذكريات مؤلمة عن قتال رجال الهايس الذين استولوا على أراضٍ من الأكراد في إطار توغل تركي في 2019، وهي المرة الأخيرة التي أمر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بانسحاب كبير للقوات من سوريا.

وقالت إنها لن تنضم مطلقاً إلى الجيش السوري الذي يضم الهايس ومجموعة كبيرة من القادة الآخرين المدعومين من تركيا.

وعقدت ديرك آمالاً جديدة على الطائرات المسيرة والأنفاق في صد الهايس وقواته. وعلى الرغم من التراجع الكردي، قالت إن الطائرات المسيرة المستخدمة في ديسمبر كانت اختباراً جيداً في مواجهة القوات المدعومة من تركيا وتمكنت من تجاوز التشويش على الرادار. وقالت مبتسمة: «كانت كابوساً للعدو».

رؤى متباينة

بعيداً عن خطوط المواجهة، تلتقي السياسية الكردية فوزة يوسف والمسؤول الحكومي عن منطقة عفرين مسعود بطال وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات. وتتمثل مهمتهما في توحيد هؤلاء القادة تحت قيادة عسكرية واحدة ودمج الإدارة التي يقودها الأكراد في حكومة دمشق. يتعرض الطرفان لضغوط شديدة من واشنطن التي تدعو إلى سوريا موحدة.

قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، لـ«رويترز»: «الولايات المتحدة مهتمة بخلق مسار سلمي ومزدهر ومستقر لسوريا. لن يحدث هذا من دون وحدة سورية».

وقال الشرع، في حديث مع «رويترز» ومراسلين آخرين هذا الأسبوع، إنه لا بديل آخر بالنسبة لسوريا. وقال: «أعتقد أن سوريا لا تقبل القسمة، يتعذر عليها القسمة». لكن لدى يوسف وبطال وفريقيهما رؤى متابينة لبلدهما.

يتولى بطال مسؤولية منطقة عفرين الواقعة قرب حلب والمحاطة بقواعد عسكرية تركية حيث يرفرف علم تركي كبير بجوار مبنى البلدية. وقال أحد رفاقه إن تركيا كانت مستمرة في دفع رواتب العديد من المسؤولين المحليين حتى أواخر يونيو (حزيران).

يفرض مسلحون السيطرة الأمنية في منطقة بطال، ويرون في المنطقة التي يديرها الأكراد مشروعاً انفصالياً يرفض التخلي عن حقول النفط السورية ويستغل خطر عودة تنظيم «داعش» كورقة مساومة للحفاظ على الدعم الأميركي. وتحتجز القوات الكردية تقريباً جميع مسلحي تنظيم «داعش» وعائلاتهم الذين ألقي القبض عليهم في سوريا أثناء انهيار التنظيم المتشدد.

وقال بطال، وهو كردي من مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا: «سجنت في القامشلي وحاولوا تجنيدي إجبارياً». وفرّ إلى شمال غربي سوريا، وانضم بدلاً من ذلك للفصائل المسلحة. ولم تتمكن «رويترز» من التأكد من روايته بشكل مستقل. ونفت «قوات سوريا الديمقراطية» اعتقال بطال.

سوزدار ديرك قائدة في الكتائب النسائية الكردية (رويترز)

كانت منطقة عفرين، ذات الأغلبية الكردية التي يديرها بطال، بؤرة توترات عرقية منذ طرد القوات المدعومة من أنقرة القوات الكردية في 2018.

ويتمسك بطال مثل غيره من المسؤولين الجدد في المناطق الخاضعة لسيطرة دمشق ببعض الأفكار الدينية المحافظة.

أما فوزة يوسف فهي سيدة كردية تقيم في الجزء الكردي من سوريا ولديها إيمان راسخ بالمساواة في حقوق المرأة والأقليات. لكن منطقتها تعاني أيضاً من رقابة أمنية مشددة وبيروقراطية وتوترات عرقية خاصة بها. واستجوبت قوات الأمن الكردية عرباً عند نقاط التفتيش قرب الرقة. واعتقل مسلحون ملثمون رجلاً مسناً عند إحدى هذه النقاط واقتادوه في الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة.

ولا يعرف السوريون في المراكز الحضرية المنهكة على جانبي الخط الفاصل ما إذا كانوا أكثر أماناً مع الحكومة أم الأكراد.


مقالات ذات صلة

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

المشرق العربي إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد…

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

لا يزال نحو مليون لاجئ سوري في لبنان يرفضون العودة إلى بلادهم، رغم جولات الحرب المتتالية التي تشهدها البلاد وعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في منطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة في قصر العدل بدمشق سوريا اليوم الأحد (أ.ب)

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

حدَّدت محكمة الجنايات السورية موعد المحاكمة العلنية الثانية لكبار رموز نظام بشار الأسد يوم العاشر من شهر مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)

«استثمار القابضة» القطرية تتملك 49% من بنك سوري

أعلنت شركة «استثمار القابضة» القطرية، الأحد، عن إتمام توقيع اتفاقية للاستثمار في «شهبا بنك» السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجيش الإسرائيلي يعلن قصف بنى تحتية لـ«حزب الله» في البقاع

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن قصف بنى تحتية لـ«حزب الله» في البقاع

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، استهداف مواقع تابعة لـ«حزب الله» في سهل البقاع وفي مناطق أخرى في جنوب لبنان.

ويأتي هذا في الوقت الذي تبادلت فيه إسرائيل و«حزب الله» اتهامات جديدة بخرق الهدنة الهشة، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الجيش يستهدف حزب الله «بقوة»، بينما تعهد الحزب المدعوم من إيران بمواصلة الرد على «الانتهاكات».

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) بعد جولة مفاوضات بين سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن. وبينما كان من المقرر أن يمتد عشرة أيام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 23 منه، تمديده لثلاثة أسابيع إضافية، وذلك بعد جولة محادثات ثانية عُقدت في البيت الأبيض.

وتتواجد القوات الإسرائيلية داخل «الخط الأصفر» الذي أعلنت عنه إسرائيل بعمق نحو 10 كيلومترات على طول الحدود مع لبنان، حيث تم تحذير السكان من عدم العودة.


عون: لن أقبل باتفاقية ذلّ مع إسرائيل... والخيانة يرتكبها من جرّ البلاد للحرب

صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب)
صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب)
TT

عون: لن أقبل باتفاقية ذلّ مع إسرائيل... والخيانة يرتكبها من جرّ البلاد للحرب

صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب)
صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، الاثنين، أن الهدف من التفاوض المباشر مع إسرائيل هو إنهاء الحرب، عادَّاً أن من جرّ البلاد إليها هو من يرتكب «الخيانة»، في إشارة ضمنية إلى «حزب الله» الذي وصف التفاوض المباشر بـ«خطيئة».

وخلال استقباله وفداً من منطقة حاصبيا في جنوب لبنان، قال عون وفق الرئاسة: «هدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة» التي وقّعها البلدان عام 1949، متسائلاً: «هل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟ أؤكد لكم أنني لن أقبل بالوصول إلى اتفاقية ذل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح عون رداً على اتهامات «حزب الله» من دون أن يسميه: «مَن جرّنا إلى الحرب في لبنان يحاسبنا اليوم لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وسؤالي لهم هو: هل عندما ذهبتم إلى الحرب، هل حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟»، مضيفاً: «ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية.

وأكّد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، في وقت سابق، الاثنين، رفض حزبه تفاوض السلطات اللبنانية المباشر مع إسرائيل، الذي وصفه بأنه «خطيئة خطيرة»، محذّراً بأن مِن شأن ذلك أن يُدخل البلاد في «دوامة عدم استقرار»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال قاسم، في بيانٍ بثّته وسائل الإعلام التابعة لـ«الحزب»: «نرفض التفاوض المباشر رفضاً قطعياً. وليعلم أصحاب السلطة بأن أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم»، وعَدَّ أن مِن مسؤولية السلطة أن «تتراجع عن خطيئاتها الخطيرة التي تضع لبنان في دوامة عدم الاستقرار، وهي مسؤولة أن تُوقف المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي وتعتمد غير المباشِرة».

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)

وأضاف قاسم: «هذه المفاوضات المباشرة ومُخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة إلينا، ولا تعنينا من قريب ولا بعيد». وأكد: «نحن مستمرون بمقاومتنا الدفاعية عن لبنان وشعبه... وسنردُّ على العدوان الإسرائيلي، ونواجهه»، مشدداً على أنه «مهما هدّد العدو فلن نتراجع، ولن ننحني، ولن ننهزم».

بعد اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله» التي بدأت في 2 مارس (آذار) الماضي، عقد سفيرا لبنان وإسرائيل في واشنطن جولتَيْ مباحثات مباشرة هي الأولى بين البلدين منذ عقود. إثر الجولة الأولى، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن وقف لإطلاق النار بدأ سريانه في 17 أبريل (نيسان) الحالي لمدة 10 أيام، قبل أن يعلن تمديده 3 أسابيع بعد جولة المحادثات الثانية. وتكرر السلطات اللبنانية أن هدف المفاوضات التي تعقد برعاية أميركية هو وقف الحرب وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وإعادة النازحين إلى مناطقهم، بعدما شرّدت المواجهات أكثر من مليون شخص.

ورغم وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل تواصل تنفيذ قصف جوي ومدفعي، خصوصاً على جنوب لبنان، وتنفذ قواتها عمليات هدم وتفجير واسعة النطاق في كثير من البلدات الحدودية، حيث أعلنت إقامة «خط أصفر» يفصل عشرات القرى عن بقية الأراضي اللبنانية.

من جهته، يعلن «الحزب» تنفيذ عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال إسرائيل. وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، الذي نشرت وزارة الخارجية الأميركية نصه وقالت إن حكومتَي لبنان وإسرائيل وافقتا عليه، «تحتفظ» إسرائيل «بحقها في اتخاذ التدابير الضرورية كافة للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات... ولا يتأثر هذا الحق بوقف الأعمال العدائية». ويثير هذا البند رفضاً قاطعاً من «حزب الله» الذي يقول إن نص الاتفاق لم يُعرض على الحكومة، الممثل فيها «الحزب» وحلفاؤه.

وقتل 2509 أشخاص وأصيب 7755 على الأقل في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية، منذ بدء الحرب في 2 مارس الماضي، وفق وزارة الصحة.


أعنف يوم منذ وقف النار... 14 قتيلاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

أعنف يوم منذ وقف النار... 14 قتيلاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الاثنين، أن الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد، الأحد، أسفرت عن مقتل 14 شخصاً، وهو اليوم الأعنف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» قبل أكثر من أسبوع، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي هذا في الوقت الذي تبادلت فيه إسرائيل و«حزب الله» اتهامات جديدة بخرق الهدنة الهشَّة، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن الجيش يستهدف الحزب «بقوة»، بينما تعهَّد «الحزب» المدعوم من إيران بمواصلة الرد على «الانتهاكات».

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الحالي بعد جولة مفاوضات بين سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن. وبينما كان من المقرر أن يمتد 10 أيام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 23 منه، تمديده 3 أسابيع إضافية، وذلك بعد جولة محادثات ثانية عُقدت في البيت الأبيض.

وتوجد القوات الإسرائيلية داخل «الخط الأصفر» الذي أعلنت عنه إسرائيل بعمق نحو 10 كيلومترات على طول الحدود مع لبنان، حيث جرى تحذير السكان من العودة.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن من بين القتلى امرأتين وطفلين، مضيفة أن 37 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح.

وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل من لا يقلون عن 36 شخصاً منذ بدء الهدنة، وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» التي تستند إلى أرقام وزارة الصحة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل جندي «في معارك» بجنوب لبنان جُرح خلالها ضابط و5 عناصر.

من جانبه، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أن «لواء جولاني» دمر أكثر من 50 موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» جنوب الخط الأصفر في لبنان خلال الأيام الماضية. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن المتحدث باسم الجيش القول إنه قد جرى خلال العملية تدمير مجمع تحت الأرض، «كان يستخدمه التنظيم الإرهابي لمهاجمة الجنود والمدنيين». وأضاف المتحدث: «كما عثرت القوات على متفجرات وأسلحة وقنابل وصواريخ ومعدات قتالية أخرى داخل غرفة أطفال». كما أفادت تقارير بأنه قد جرى، الأحد، اعتراض طائرة مسيرة مفخخة أُطلقت باتجاه القوات.

«حرية العمل»

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية بشن غارات جوية إسرائيلية على مواقع عدة في جنوب البلاد الأحد، شملت مناطق أصدرت إسرائيل تحذيراً بإخلائها.

وأفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» برصد نزوح أعداد كبيرة من سكان المناطق المشمولة بالإنذارات وبازدحام للسير باتجاه الشمال.

وقال نتنياهو خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة: «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار»، مضيفاً: «سنفعل كل ما يلزم لإعادة إرساء الأمن».

وجرَّ «حزب الله» لبنان إلى حرب الشرق الأوسط بعد إطلاقه في 2 مارس (آذار) الماضي صواريخ على إسرائيل «ثأراً» لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في مطلع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران يوم 28 فبراير (شباط) الماضي.

وأضاف نتنياهو الأحد: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة؛ وبالمناسبة؛ أيضاً، مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات، وهو أمر بديهي، بل أيضاً لإحباط التهديدات الفورية وحتى التهديدات الناشئة».

وبموجب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، فإن إسرائيل تحتفظ بحرية اتخاذ «كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة».

وقال نتنياهو: «هذا يعني حرية التصرف ليس فقط للرد على الهجمات... ولكن أيضاً لاستباق التهديدات المباشرة وحتى التهديدات الناشئة».

في لبنان، شدَّد «حزب الله»، المدعوم من إيران، في بيان على أن «مواصلة المقاومة استهداف تجمعات العدو الإسرائيلي على أرضنا التي يحتلها، وقصفها» شمال إسرائيل، هي «ردّ مشروع على خروقاته المتمادية لوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول».

أكثر من 2500 قتيل

وأنذر الجيش الإسرائيلي سكان 7 قرى شمال نهر الليطاني بالإخلاء «العاجل والفوري» تمهيداً لضربها، مشيراً إلى خرق «حزب الله» اتفاق وقف إطلاق النار.

وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفت قرية كفرتبنيت؛ ما أسفر عن سقوط ضحايا، وبعد ذلك بوقت قصير، أفادت «الوكالة» أيضاً بقصف إسرائيلي على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان؛ ما أسفر عن وقوع إصابات، في حين دمرت غارة على قرية زوطر الشرقية مسجداً ومبنى دينياً آخر.

كما أفادت «الوكالة» بقصف إسرائيلي على قرى حدودية عدة أخرى.

وأفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» بتصاعد الدخان من النبطية الفوقا ومناطق أخرى بعد ضربات إسرائيلية.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم «خلايا إطلاق صواريخ ومستودعات وسائل قتالية» تابعة لـ«حزب الله».

وأضاف أنه هاجم «من الجو وبنيران مدفعية مخربين وبنى تحتية عسكرية» استخدمها «حزب الله» شمال خط الدفاع الأمامي، في إشارة إلى «الخط الأصفر» الفاصل الذي أعلنت إسرائيل إقامته بعمق نحو 10 كيلومترات في جنوب لبنان.

وبعيد تصريحات نتنياهو، أعلن الجيش أنه اعترض 3 طائرات مسيَّرة قبل اختراقها الأجواء الإسرائيلية.

وقتل 2509 أشخاص وأصيب 7755 في لبنان جرَّاء الهجمات الإسرائيلية منذ 2 مارس (آذار) الماضي، وفق أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة.

وأقامت «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» مراسم تكريم في بيروت لجندي إندونيسي قضى الجمعة بعدما أُصيب الشهر الماضي في انفجار وقع بجنوب لبنان، خلص تحقيق أولي للأمم المتحدة إلى أنه نجم عن قذيفة دبابة إسرائيلية.