لبنانيون ينتظرون ودائعهم في المصارف بعد 6 سنوات على الأزمة

تعاميم «المركزي» تُحدد المسحوبات بسقف أقصى 800 دولار شهرياً

احتجاجات للمودعين في لبنان للمطالبة باستعادة ودائعهم المحتجزة في المصارف ويرفع أحدهم لافتة كُتب عليها «المصرفيون يعيشون في الجنة والمودعون يعيشون في الجحيم» (أرشيفية - د.ب.أ)
احتجاجات للمودعين في لبنان للمطالبة باستعادة ودائعهم المحتجزة في المصارف ويرفع أحدهم لافتة كُتب عليها «المصرفيون يعيشون في الجنة والمودعون يعيشون في الجحيم» (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

لبنانيون ينتظرون ودائعهم في المصارف بعد 6 سنوات على الأزمة

احتجاجات للمودعين في لبنان للمطالبة باستعادة ودائعهم المحتجزة في المصارف ويرفع أحدهم لافتة كُتب عليها «المصرفيون يعيشون في الجنة والمودعون يعيشون في الجحيم» (أرشيفية - د.ب.أ)
احتجاجات للمودعين في لبنان للمطالبة باستعادة ودائعهم المحتجزة في المصارف ويرفع أحدهم لافتة كُتب عليها «المصرفيون يعيشون في الجنة والمودعون يعيشون في الجحيم» (أرشيفية - د.ب.أ)

لم تنهِ السنوات الستّ التي مضت على الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بلبنان، معاناة أبو زياد وارتياده شهرياً أحد المصارف في بيروت. يحمل دفتر حسابه بيد مرتجفة، ويأمل في أن يخرج ببضع أوراق نقدية لا تكفي سوى شراء دواء زوجته. يقول لـ«الشرق الأوسط» بغصّة: «ادّخرت أكثر من 100 ألف دولار خلال مسيرتي، واليوم لا أستطيع أن أسحب سوى 800 دولار، تتبخر قيمتها قبل أن أصل إلى البيت».

وأبو زياد، واحد من بين عشرات آلاف اللبنانيين الذين احتجزت المصارف مدخراتهم، ولا تُصرف إلا بالتقنين، بانتظار خطة حكومية لجدولة صرف الودائع.

ففي تصريح له، أكّد رئيس لجنة المال والموازنة البرلمانية، النائب إبراهيم كنعان، الخميس، أن «ودائع اللبنانيين مرتبطة بقانون الفجوة المالية واسترداد الودائع»، مضيفاً: «لم نرَ منذ 5 سنوات وحتى اليوم أي خطة».

مقر مصرف لبنان المركزي في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

وخلف هذا الموقف النيابي، تستمر معاناة آلاف المودعين عند أبواب المصارف. على مقربة من أبو زياد، تقف مريم، أم لطفلين، تحمل كشف حسابها الذي لم يتغيّر منذ سنوات. تروي لـ«الشرق الأوسط»: «كل شهر أذهب لأقبض 400 دولار بموجب التعميم، لكن المبلغ لا يكفي لنفقات الكهرباء والهاتف»، متسائلة: «كيف يمكنني أن أؤمّن قسط المدرسة والكتب والقرطاسية؟».

هذه الصور لم تعد استثناءً. منذ خريف 2019، تحوّلت حياة المودعين في لبنان إلى مشاهد انتظار طويلة، وودائع مجمّدة، وقيود غير مكتوبة. موظف يعمل في أحد المصارف يصف المشهد قائلاً: «المودع تحوّل من صاحب وديعة إلى شخص ينتظر قراراً جديداً من مصرف لبنان ليعرف قيمة المبلغ الذي يستطيع سحبه».

تعاميم مصرف لبنان

على مدار السنوات الست، عاش المودعون على تدابير مؤقتة. في عام 2019، فرضت المصارف قيوداً غير رسمية جمَّدت الحسابات، وأغلقت أبوابها أمام المودعين، قبل أن يصدر التعميم 151 عام 2020 الذي «سمح بالسحب من الودائع الدولارية، لكن بالليرة اللبنانية وبأسعار زهيدة».

وفي عام 2021، جاء التعميم 158 ليمنح المودعين بعض الأمل، إذ سمح بسحب 400 دولار نقداً و400 بالليرة شهرياً، ضمن سقف أقصى يبلغ 50 ألف دولار... تبعه في نهاية العام التعميم 161، الذي أطلق «منصة صيرفة» لتوفير الدولار النقدي وتهدئة السوق، لكنه توقف منتصف 2023، ليُستتبع في 2024، بالتعميم 166 الذي يستهدف الحسابات التي لم يشملها 158، وبدأ بسقف 150 دولاراً في الشهر، ليرتفع تدريجياً إلى 400 دولار. وفي 2025، رُفعت سقوف السحب، بحيث وصل التعميم 158 إلى 800 دولار شهرياً، والتعميم 166 إلى 400 دولار، لكن في الوقت نفسه صدر التعميم 169، الذي شدّد القيود، وجعل أي سحب يتجاوز هذه الحدود يحتاج إلى موافقة خطية مسبقة من مصرف لبنان.

أموال تبدّدت

قبل الانهيار، بلغت الودائع بالدولار نحو 125 مليار دولار، إضافة إلى 55 ملياراً بالليرة. لكن هذه الأرقام تلاشت تدريجياً. سمير، موظف في منتصف الخمسينات، يروي: «كنت أظن أن مدخراتي في المصرف ستكفي لتعليم أولادي في الخارج، لكنني اليوم أبحث عن منح دراسية بعدما ذاب رصيدي».

الأرقام التي يسردها الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين تؤكد هذه الخسائر، إذ يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الودائع تقلصت اليوم إلى نحو 90 مليار دولار فقط، أي أن المودعين خسروا عملياً ما يقارب 35 مليار دولار، فضلاً عن تآكل شبه كامل للودائع بالليرة اللبنانية». ويُشدّد على أنّ «المطلوب اليوم خطة رسمية تُعيد الحقوق، وتمنع استمرار استنزاف الثقة بالنظام المصرفي».

عسكريون متقاعدون يتظاهرون للمطالبة بودائعهم بعد انهيار النظام المصرفي (أرشيفية - د.ب.أ)

السياسة تتقاذف المسؤوليات

في الممرات السياسية، لا يقلّ الغضب عن الشارع، لكن لغة الاتهامات تطغى على البحث عن حلول. النائب وضّاح الصادق يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن أموال المودعين لم تعد موجودة فعلياً، بعدما جرى تبديدها عبر سياسات الدعم والفساد والمحاصصة، وصُرفت لتغطية عجز السلطة وتمويل مصالح بعض الأشخاص».

ويضيف: «لو اتُّخذت الإجراءات الصحيحة منذ 2019، لكان بالإمكان حماية المودعين عبر خطة واضحة، تشمل ضخ السيولة وضبط التحويلات بقانون (كابيتال كونترول)». ويُشير إلى أنّ البرلمان أقرّ قوانين إصلاحية، منها رفع السرية المصرفية، وقانون إعادة هيكلة المصارف، لكنه يُشخّص المشكلة بالقول: «نحن أمام تركة ثقيلة راكمتها عقود من السياسات الخاطئة، والحل لن يكون بكبسة زر، لكنه يتطلَّب خطة شفافة ومحاسبة فعلية لكل من نهب أموال الناس».

الفقراء يدفعون الثمن مضاعفاً

يدفع الفقراء ثمن هذه الأزمة. يجلس أبو سامر، وهو سائق سيارة أجرة، في أحد مقاهي منطقة الحمرا في بيروت يروي قصته: «كان لديَّ 20 ألف دولار في المصرف، أصبحت اليوم أقبضهم بالقطارة، صرت أقتصد في الأكل، وأعمل ساعات إضافية فقط لأدفع إيجار المنزل».

في هذا السياق، يُعلّق المحامي علي عباس، قائلاً: «كشفت الأزمة عن حجم الفوضى والتمييز في إدارة أموال الناس، ففي حين استفاد أصحاب النفوذ من تحويل أموالهم إلى الخارج قبل الانهيار، وجد صغار المودعين أنفسهم أمام تعاميم وقيود قاسية».

ويضيف: «سُمح لهم بسحب مدخراتهم بالليرة على أسعار صرف منخفضة (3900 ثم 8000 ليرة)، ما جعلهم يخسرون معظم أموالهم».

ويرى أنّ «غياب قانون (كابيتال كونترول) منذ البداية سمح باستمرار النزف، وحمى المصارف من المحاسبة، في حين دفع المواطن الثمن كاملاً».

العودة إلى الطابور

6 سنوات مضت على الانهيار، ولا يزال المشهد يتكرر، مودعون يطرقون أبواب المصارف بحثاً عن فتات مدخراتهم، ومصارف محكومة للتعاميم، وسياسيون يتقاذفون المسؤوليات.

يقول عباس: «حتى منتصف 2025، لا تزال التعاميم تحكم حياة الناس، والودائع (الفريش) شحيحة، وصندوق النقد يُكرر أنّ إعادة هيكلة المصارف أولوية عاجلة، لكن الحل الجذري ما زال بعيد المنال، في ظل المماطلة السياسية وغياب خطة شاملة لتوزيع الخسائر وحماية صغار المودعين».


مقالات ذات صلة

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد وقف النار مع إسرائيل، أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية».

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار... ومقترح فرنسي لتجاوز عقدة الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح «حزب الله».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص.

نظير مجلي (تل أبيب)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.