لماذا تتعمد إسرائيل استهداف أبراج غزة؟

برج المشتهى في غزة خلال عملية تدميره يوم الجمعة (أ.ف.ب)
برج المشتهى في غزة خلال عملية تدميره يوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

لماذا تتعمد إسرائيل استهداف أبراج غزة؟

برج المشتهى في غزة خلال عملية تدميره يوم الجمعة (أ.ف.ب)
برج المشتهى في غزة خلال عملية تدميره يوم الجمعة (أ.ف.ب)

شنّ الطيران الإسرائيلي غارة جديدة على بناية مرتفعة في مدينة غزة، الاثنين، وزعم الجيش الإسرائيلي أن «حماس» كانت تستخدمها، وذلك ضمن سياسته بتدمير المباني المرتفعة (الأبراج) في غزة.

وقال الجيش، وفقاً لموقع «تايمز أوف إسرائيل»، إن عناصر من «حماس» نشرت نقاط مراقبة ومعدات مراقبة في المبنى، إلى جانب أجهزة تفجير، مضيفاً أن «الضربة نُفّذت باستخدام ذخائر دقيقة ومراقبة جوية لتقليل الأضرار المدنية».

هذا هو المبنى الشاهق الرابع في مدينة غزة الذي يستهدفه الجيش الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية، ويقول إن «كل هذه المباني كانت تستخدمها (حماس) لأغراض إرهابية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أنه سيهاجم على مدار الأيام المقبلة عدة مباني مرتفعة، موضحاً أنه أجرى «بحثاً استخباراتياً واسعاً، ورصد نشاطاً إرهابياً مكثفاً لمنظمة (حماس) في مجموعة واسعة من البنى التحتية في مدينة غزة، وخاصة في الأبراج متعددة الطوابق».

وتابع: «بحسب عقيدة القتال المتبعة لدى (حماس)، قامت المنظمة بدمج وسائل جمع معلومات استخبارية، وكاميرات، ومواقع قنص وإطلاق صواريخ مضادة للدروع داخل هذه المباني، وفي بعضها أُنشئت غرف مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة. إضافة إلى ذلك، تمر البنى التحتية تحت الأرض التابعة لـ(حماس) بالقرب من هذه المباني بهدف وضع كمائن ضد قوات الجيش». وتنفي إدارة الأبراج المزاعم الإسرائيلية، مؤكدة أنها مخصصة فقط للمدنيين والنازحيين.

وخلال الأيام الماضية، دمر الطيران الإسرائيلي أبراج الرؤيا في حي تل الهوى، والسوسي ومكة والمشتهى، وكلها مرتفعة وتحتوي على ما يصل إلى 15 طابقاً.

«تكتيك هدم الأبراج»

وتمثل سياسة هدم الأبراج مشكلة كبيرة للفلسطينيين لأنها تحتوي على عدد كبير من الشقق السكنية، وبسبب الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، فإن تلك الشقق السكنية تحتوي، في الغالب، على عدة أسر نزحت من أماكن أخرى، ما يجعل تدمير البرج هو تشريد لعشرات الأسر.

وهذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الجيش الإسرائيلي الأبراج السكنية، فبعد ساعات قليلة من هجوم حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شن الجيش الإسرائيلي عدة غارات استهدفت أحدها برج فلسطين.

وقال أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في 7 أكتوبر 2023: «تم شن غارة على برج يسمى مبنى (فلسطين) الذي احتوى على مكاتب لعدة وحدات ومنظومات تابعة لمنظمة (حماس) الإرهابية تُستخدم لتوجيه العمليات الإرهابية. كما تم شن غارة على برج احتوى على مكاتب استخدمه جهاز الأمن الوطني لمنظمة (حماس) الإرهابية في قطاع غزة».

واستهدف الجيش الإسرائيلي الأبراج السكنية أيضاً خلال حربي عام 2014 و2021.

في 11 مايو (أيار) 2021، استهدفت ضربة جوية إسرائيلية برجاً سكنياً من 13 طابقاً في قطاع غزة مما أدى لانهياره، وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن البرج يضم مكتباً تستخدمه القيادة السياسية لحركة «حماس».

وقال أحمد الشوا، عام 2014، لـ«الشرق الأوسط»، راوياً لحظات قصف برج «الظافر 4» الذي كان يقطنه مع عائلته: «كانت لحظات عصيبة. لم أتخيل لوهلة واحدة أننا سنصبح بلا مأوى. قصفوا البرج بأكمله وكأنه لم يكن. كان هناك برج والآن اختفى». وأضاف بمرارة: «لا أستطيع أن أعبر أكثر من ذلك. الصورة قاسية جداً؛ أن ترى كل أحلامك تهوي أمامك في ثوانٍ. ترعرعت هنا وعشت هنا وكبرت هنا حتى أصبحت شاباً ولكنني لن أكمل أحلامي بالزواج هنا حيث عشت طفولتي وحياتي كلها».

وتابع: «أسقطوا البرج بأربعة صواريخ وكأنّ شخصاً يكسر قطع بسكويت. كانت الصواريخ قوية جداً. لقد شفطت البرج شفطاً حتى أسقط كما هو. لم أرَ شيئاً مثل هذا في حياتي كلها». وكان يوجد في برج «الظافر 4» نحو 65 شقة سكنية تضم عشرات العائلات الفلسطينية؛ أي أن نحو 500 فرد باتوا جميعاً مشردين.

ورأت حركة «حماس» أن سياسة هدم الأبراج السكنية «إمعان واضح في ارتكاب جريمة تهجير قسري وتطهير عرقي ممنهج بحق المدنيين الأبرياء، ومحاولة لاقتلاعهم من مدينتهم، تحت وطأة المجازر وتدمير مقومات الحياة كافة».

وأضافت، في بيان، يوم السبت، أن «استهداف الأبراج السكنية المكتظة بالنازحين والنساء والأطفال، بذريعة استخدامها من المقاومة، أكاذيب مفضوحة وذرائع واهية، تمثّل استخفافاً بالمجتمع الدولي، وتغطية لجرائم حرب مكتملة الأركان ترتقي إلى جريمة إبادة جماعية».

وحذّرت من أن «استمرار هذه الجرائم يهدف إلى تدمير مدينة غزة بالكامل، وفرض تهجير قسري شامل على سكانها، في جريمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث».


مقالات ذات صلة

لماذا يثير امتلاك مصر «إس 300» الروسية قلقاً في إسرائيل؟

شمال افريقيا السيسي خلال افتتاح «الأوكتاغون» (الرئاسة المصرية)

لماذا يثير امتلاك مصر «إس 300» الروسية قلقاً في إسرائيل؟

ركزت وسائل إعلام عبرية على إعلان مصر امتلاكها منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-300» في سيناء، وأثارت مخاوف من فقدان التفوق الجوي.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)

جنوب لبنان بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

في الطريق إلى صور، ومنها إلى النبطية، في جنوب لبنان، تطالعك صور تحكي القصة. صور حسن نصر الله ورفاقه. وصور الخميني وخامنئي الأب ومعه خامنئي الابن وصور قاسم.

غسان شربل (النبطية (جنوب لبنان))
شؤون إقليمية مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مؤثرون غربيون في جنازة خامنئي أشعلوا الغضب في واشنطن

أثار حضور شخصيات أميركية تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي غضباً في واشنطن، وسط دعوات لملاحقة مؤثرين بتهم الخيانة العظمى عبر تمويل رقمي مشبوه لكسر عزلة طهران.

كوثر وكيل (لندن)
المشرق العربي مشهد للدمار الناجم عن الحرب في حي الزرقاء شرقي مدينة غزة (د.ب.أ) p-circle

4 غارات إسرائيلية على وادي غزة... ومقتل فلسطيني بجنوب القطاع

قُتل مواطن فلسطيني، السبت، متأثراً بإصابته بنيران إسرائيلية جنوبي قطاع غزة، فيما شنت الطائرات الإسرائيلية 4 غارات على منطقة وادي غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)

خاص جنوب لبنان المعلّق بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

جنوب لبنان معلّق على الحبل الممتد بين مضيق علي الطاهر ومضيق هرمز. ولبنان معلّق على ملامح أزمة بين مكوّناته.

غسان شربل (النبطية (جنوب لبنان))

رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن للقاء ترمب

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)
TT

رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن للقاء ترمب

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)

يتوجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الاثنين، في زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية تعد الأولى على المستوى الخارجي بعد نحو شهرين من تصويت البرلمان على الكابينة الوزارية.

وتأتي الزيارة في غمرة التوترات الإقليمية والأحداث العراقية المرتبطة بعمليات إلقاء القبض على مسؤولين بارزين وأعضاء في البرلمان بتهم فساد وتعهدات حكومية بتفكيك الفصائل المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، خلال مؤتمر صحافي، الأحد، أن الزيدي سيتوجه إلى العاصمة الأميركية واشنطن، الاثنين، على رأس وفد رفيع في زيارة تتضمن عقد لقاءات مهمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤولين ومؤسسات اقتصادية ومالية أميركية.

وقال العبودي إن «الزيارة تأتي تجسيداً لتطوير العلاقات الخارجية المتوازنة التي تقوم على المصالح المشتركة، وأنها تكتسب أهمية كبيرة، لا سيما أنها تأتي في ظروف إقليمية دقيقة».

وأضاف أنه «من ضمن مذكرات التفاهم التي ستوقَّع بين العراق والولايات المتحدة ما يخص مجالات النفط والغاز وإدخال الشركات الأميركية المتخصصة التي سترفع مستوى الطاقة الإنتاجية، وإيجاد منافذ تقلل من تأثيرات مضيق هرمز».

زيارة مختلفة

وتابع العبودي أن «الزيارة تهدف لتوطيد العلاقة مع واشنطن، وأن مباحثات الزيارة ستركز على ملفات مهمة أبرزها تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية».

وبيّن أن «الجديد في هذه الزيارة أنها تختلف عن سابقاتها بأن ثيمتها الأساسية هي الاقتصاد، ولا تغيير على اتفاقية الإطار الاستراتيجي وكل التفاهمات التي ستجرى، والاتفاقات التي ستوقَّع تستند إلى هذه الاتفاقية».

وتأتي الزيارة مع عدم اكتمال الكابينة الوزارية، حيث ما زال نحو 9 مناصب وزارية شاغرة، وضمنها وزارتا الدفاع والداخلية، الأمر الذي قد يشكل مشكلة أمام نجاح الزيارة بحسب مراقبين، لكن العبودي ذكر أن «استكمال الكابينة يرتبط بالتوافقات السياسية، والحكومة ستعالج نقص الكابينة عبر الوفد الذي سيذهب وسيتم توقيع مذكرات في مجالات النفط والغاز، وإدخال شركات أميركية نفطية لرفع الإنتاجية».

تطوير التعاون

وأوضح العبودي أن «المباحثات ستركز على أولوية لملفات تطوير العلاقات والتعاون الاقتصادي والاستثماري، وتفعيل الجانب التنموي بالتعاون مع الجانب الأميركي، وتحفيز بيئة الاستثمار في قطاعات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا».

وذكر أن «وفد العراق سيطرح في دائرة الحوار كل ما يتعلق بالاقتصاد، وتوجد مذكرات تفاهم ستترجم ضمن الصندوق العراقي الأميركي للتنمية والطاقة».

وبينما يعتقد الكثير من المراقبين أن «الموقف الأميركي الصارم بشأن نزع سلاح الفصائل المسلحة وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة» يمثل أحد التحديات الرئيسة أمام طموحات بغداد في جذب الشركات والاستثمارات الأميركية والأجنبية، لفت المتحدث الحكومي إلى أن «شكل العلاقة مع الولايات المتحدة سينتقل من إدارة الأزمات إلى شراكة اقتصادية طويلة الأمد، وسيكون ملف تسليح القوات الأمنية وتطوير قواتنا ضمن أولويات الزيارة».

وأشار إلى أن «قرار حصر السلاح بيد الدولة عراقي لتأمين أجواء الاستثمار والاستقرار الداخلي».

أهمية استثنائية

يرى الدبلوماسي السابق وأستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية الدكتور غازي فيصل، أن زيارة الزيدي لواشنطن «تكتسب أهمية استثنائية؛ لأنها تهدف إلى إعادة صياغة مضمون العلاقات الثنائية والانتقال بها نحو مرحلة جديدة ترتكز على المصالح المشتركة والملفات الحيوية».

ويتوقع فيصل في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة ستركز على مناقشة المحاور الاقتصادية والأمنية والسياسية، خصوصاً الملف المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة الذي يمثل ركيزة أساسية في المباحثات».

وبرأيه، فإن «لقاءات الزيدي بالمسؤولين الأميركيين ستناقش آليات تنفيذ الخطط العراقية للنزع الكامل للسلاح، وحل الجماعات والتشكيلات المسلحة الخارجة عن سلطة وسيطرة الدولة».

ويسير فيصل إلى أن «الزيارة تحمل رسالة واضحة من بغداد برغبتها في تحقيق انفتاح اقتصادي وأمني حقيقي مع الغرب، يقابله تطلع واشنطن لرؤية عراق مستقر، يتمتع بسيادة كاملة على أراضيه وسلاحه، ويوفر بيئة آمنة وجاذبة للاستثمارات الأميركية».

وتركز واشنطن منذ فوز الرئيس دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، على محاصرة النفوذ الإيراني في العراق من خلال المطالب المتكررة للحكومات العراقية بملاحقة وتفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وتخفيف منابع تمويلها والحيلولة دون وصول الأموال العراقية إلى طهران.


مقتل 3 فلسطينيين بينهم طفلة بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينيون نازحون يلجؤون إلى مخيم في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون نازحون يلجؤون إلى مخيم في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

مقتل 3 فلسطينيين بينهم طفلة بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينيون نازحون يلجؤون إلى مخيم في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون نازحون يلجؤون إلى مخيم في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

قال مسؤولون بوزارة الصحة في قطاع غزة إن ما لا يقل عن 3 أشخاص، بينهم طفلة يبلغ عمرها 9 سنوات، قُتلوا في غارة إسرائيلية وإطلاق نار في القطاع، الأحد.

وذكر مسعفون أن نيراناً إسرائيلية استهدفت مخيماً في الجانب الشرقي من مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة؛ ما أدى إلى مقتل الطفلة تالا أبو مطر (9 أعوام). ولم يصدر الجيش الإسرائيلي تعليقاً بعد بشأن مقتل الطفلة. وأودت غارة أخرى استهدفت ورشة في حي الصبرة بمدينة غزة بحياة شخصين. وقال شهود إن 3 صواريخ إسرائيلية استهدفت المكان.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ«رويترز» إنه استهدف بنية تحتية «إرهابية»، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وربما أنهى وقف إطلاق النار الذي تسنى التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول) العمليات القتالية واسعة النطاق، لكنه لم ينجح في وقف الهجمات الإسرائيلية التي أودت بحياة أكثر من ألف فلسطيني منذ دخوله حيز التنفيذ.

وفي المقابل، قتل مسلحون في غزة 4 جنود إسرائيليين خلال الفترة نفسها.

ويأتي هذا التصعيد الجديد في وقت يزور فيه قادة من حركة «حماس» القاهرة لإجراء جولة جديدة من المناقشات بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخاصة بغزة.

وأفادت مصادر مطلعة على المحادثات بأن المناقشات تشمل نزع سلاح «حماس» وانسحاب الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى عدم إحراز تقدم حتى الآن.

ويعيش حالياً نحو مليوني فلسطيني في شريط ساحلي ضيق تسيطر عليه «حماس»، معظمهم في خيام مؤقتة أو مبانٍ متضررة جراء الحرب. ويشكل النازحون الذين اضطر كثير منهم إلى النزوح مرات عدة الغالبية العظمى من هذا العدد.


الاحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب اللبناني يُحدد خريطة عودة الأهالي

علم إسرائيلي معلق على مبنى متضرر في جنوب لبنان (أ.ب)
علم إسرائيلي معلق على مبنى متضرر في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

الاحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب اللبناني يُحدد خريطة عودة الأهالي

علم إسرائيلي معلق على مبنى متضرر في جنوب لبنان (أ.ب)
علم إسرائيلي معلق على مبنى متضرر في جنوب لبنان (أ.ب)

ترسم خريطة الوجود العسكري الإسرائيلي على امتداد الخط الأصفر والشريط الحدودي في جنوب لبنان مسار عودة السكان إلى قراهم، إذ ترتفع نسب العودة كلما ابتعدت البلدات عن مناطق الانتشار والتحركات الإسرائيلية، فيما لا تزال القرى المحاذية للخط الأصفر أو الواقعة ضمن نطاق النشاط العسكري الإسرائيلي شبه خالية من سكانها.

وبينما استعادت بلدات في العمق جانباً كبيراً من حياتها الطبيعية، بقيت العودة إلى القرى رهينة عاملين أساسيين؛ هما استمرار المخاطر الأمنية، وحجم الدمار الذي خلفته الحرب، ما يجعل ملف العودة انعكاساً مباشراً للواقع الميداني القائم.

النبطية والقطاع الأوسط

قال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إن خريطة عودة الأهالي إلى القرى الجنوبية «ما زالت تعكس بصورة كبيرة الواقع الأمني القائم، إذ ترتفع نسب العودة كلما ابتعدت البلدات عن الخط الأصفر ومناطق الوجود العسكري الإسرائيلي، فيما تبقى العودة محدودة أو شبه معدومة في القرى المواجهة أو الواقعة ضمن نطاق التحركات العسكرية الإسرائيلية».

وأوضح أن «مدينة النبطية تشهد عودة محدودة للسكان، فيما تسجل كفر رمان عودة جزئية بسبب استمرار تعذر الوصول إلى أجزاء من البلدة، في حين لم تشهد كفر تبنيت أي عودة فعلية». وأضاف أن «بلدتي ميفدون وشوكين شهدتا في مرحلة سابقة عودة جزئية، لكن هذه العودة تقلصت مع تجدد الاستهدافات الإسرائيلية في محيطهما».

وأشار إلى أن زوطر الشرقية وزوطر الغربية «لا تزالان خاليتين تقريباً من السكان»، موضحاً «أن هذا الواقع ينسحب على معظم القرى الواقعة مباشرة بمحاذاة (الخط الأصفر)؛ حيث لا تزال الظروف الأمنية تحول دون عودة الأهالي بصورة مستقرة».

رجل يسير وسط الدمار في بلدة فرون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشف أن «بلدتي فرون والغندورية تُسجلان عودة محدودة تقتصر في معظمها على المزارعين والرعاة الذين يترددون إلى أراضيهم خلال ساعات النهار، من دون أن تتحول إلى عودة سكنية دائمة»، مع الإشارة إلى أن المعطيات الميدانية تبقى عرضة للتغير المستمر.

ولفت إلى أن «القرى المقابلة لوادي الحجير، وبينها برج قلاوية ومجدل سلم والسلطانية، تشهد بدورها عودة جزئية، إلا أنها تبقى أفضل نسبياً من القرى الواقعة شرق النبطية أو جنوب مدينة صور، وإن كانت لا تزال دون المستوى الطبيعي الذي كانت عليه قبل الحرب».

وأكد أن «بلدات حداثا وبرعشيت وبيت ياحون ما زالت خالية من سكانها، نظراً لاستمرار وجود القوات الإسرائيلية على أطرافها، ومواصلة تنفيذ دوريات وتحركات عسكرية في محيطها، الأمر الذي يمنع الأهالي من العودة إليها بصورة آمنة».

وأضاف أن المشهد نفسه ينسحب على عدد من القرى المواجهة لمناطق الاحتلال في القطاع الأوسط، مثل حاريص وكفرا وصديقين؛ حيث لا تزال العودة محدودة جداً، كما ينطبق الأمر على قرى في القطاع الغربي، بينها المنصوري وزبقين، اللتان لا تزالان تسجلان نسب عودة متدنية، معتبراً أن هذه الصورة تكاد تشمل جميع القرى المحاذية للشريط الحدودي، والتي ما زالت تتأثر مباشرة بالوضع الأمني القائم.

في المقابل، أوضح المصدر أن «المناطق الأبعد عن حدود الخط الأصفر استعادت إلى حد كبير وتيرة الحياة الطبيعية، رغم تعرض عدد منها للقصف خلال الحرب».

وأشار إلى «أن قرى إقليم التفاح تشهد عودة طبيعية، إذ عاد إليها معظم السكان الذين بقيت منازلهم صالحة للسكن، كما تشهد بلدات العمق الواقعة شرق صور ضمن منطقة جنوب الليطاني، مثل البازورية ودير قانون وجويا، عودة شبه كاملة، مستفيدة من بُعدها عن الحدود بنحو 20 كيلومتراً، وهو ما جعلها أقل تأثراً بالمخاطر الأمنية المباشرة».

ورأى المصدر أن التفاوت في نسب العودة بين القرى الجنوبية يعكس «استمرار الانقسام الميداني بين مناطق ما زالت تخضع لتأثير مباشر للتحركات العسكرية الإسرائيلية، وأخرى استعادت قدراً من الاستقرار يسمح بعودة السكان وممارسة حياتهم اليومية».

العامل الأمني يحكم عودة الجنوبيين

وقال رئيس اتحاد بلديات جبل عامل، قاسم حمدان، لـ«الشرق الأوسط» إن «قرى الاتحاد تشهد عودة واسعة للسكان مقارنة بالبلدات الملاصقة للشريط الحدودي، موضحاً أن وادي السلوقي يُشكّل فاصلاً جعل العودة في بلدات المنطقة أكبر من تلك المسجلة في عدد من قرى قضاء النبطية؛ حيث لا تزال الأوضاع الأمنية تحدّ من عودة الأهالي، ولا سيما في النبطية الفوقا، والغندورية، وبرج قلاوية».

وأوضح أن نسب العودة تختلف باختلاف الوضع الأمني وحجم الدمار، مشيراً إلى أن «بعض البلدات سجلت عودة مرتفعة وصلت في بعضها إلى نحو 70 في المائة، فيما لم تتجاوز في قبريخا والغندورية 20 في المائة بسبب الأضرار الكبيرة». وأضاف أن «العودة إلى برعشيت وبيت ياحون لا تزال محدودة نتيجة الاعتبارات الأمنية».

وشدد حمدان على أن «العامل الأمني يبقى المحدد الأساسي لحركة العودة، فكلما ابتعدت البلدة عن مناطق الخطر ارتفعت نسبة عودة سكانها، فيما لا تزال البلدات المعرضة للاستهداف تشهد عودة خجولة».

عمال بناء يرممون شرفة أحد المباني التي دمّرتها غارة جوية إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

قضاء صور... عودة شبه كاملة باستثناء القرى الحدودية

في قضاء صور، تبدو صورة العودة أكثر تقدماً، مع تسجيل معظم البلدات نسب عودة مرتفعة، فيما تبقى القرى المحاذية للمنطقة التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي خارج مسار العودة الكاملة.

وأكد نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أن معظم قرى القضاء شهدت عودة واسعة للسكان، باستثناء القرى المتاخمة للمنطقة التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث تحول الاعتبارات الأمنية وحجم الدمار دون عودة الأهالي بصورة كاملة.

وقال شرف الدين: «القرى المتاخمة للشريط المحتل، وفي مقدمها المنصوري ومجدل زون والقليلة، لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في العودة. ففي المنصوري، ما زالت العودة محدودة بسبب حجم الضرر الواسع الذي لحق بالمنازل والبنية العمرانية، إضافة إلى وجود جزء من البلدة لا يزال ممنوعاً الوصول إليه لدواعٍ أمنية مرتبطة باستمرار التهديدات الإسرائيلية».

وأضاف: «أما مجدل زون فلا تزال العودة إليها غير ممكنة في الوقت الراهن، وكذلك الحال بالنسبة إلى القليلة، وذلك بسبب الواقع الأمني القائم وقربهما من المنطقة المحتلة، إذ يبقى العامل الأمني هو الأساس في اتخاذ قرار عودة السكان إلى هذه القرى».

وأشار إلى أن «بقية قرى قضاء صور شهدت عودة شبه كاملة، وقد عاد معظم الأهالي إلى بلداتهم، باستثناء أصحاب المنازل المدمرة الذين لا يزال تعذر إعادة إعمار منازلهم يحول دون عودتهم إليها».

وأوضح أن «حركة العودة في القرى البعيدة نسبياً عن خط المواجهة تسير بصورة طبيعية، ويمكن القول إن نسبة العائدين فيها تتراوح بين 80 و90 في المائة، فيما تبلغ في بعض البلدات نحو 90 في المائة، وهو ما يعكس رغبة الأهالي في العودة فور توفّر الحد الأدنى من مقومات الأمان». مشدّداً على أنّ «العامل الأمني يبقى المعيار الأول والحاسم في ملف العودة، إلى جانب حجم الضرار الذي أصاب الأبنية والممتلكات، ولا سيما في القرى الحدودية التي تعرضت لدمار كبير خلال الحرب».