تحليل: فشل «حل الدولتين» يعني أن إسرائيل ستعيش في حالة حرب إلى الأبد

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على غزة (رويترز)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على غزة (رويترز)
TT

تحليل: فشل «حل الدولتين» يعني أن إسرائيل ستعيش في حالة حرب إلى الأبد

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على غزة (رويترز)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على غزة (رويترز)

بعد مرور أكثر من نصف قرن على حرب عام 1967 العربية - الإسرائيلية، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي أرسى مبدأ انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في الحرب، مقابل السلام والأمن، لم يحقِّق الإسرائيليون والفلسطينيون أي تقدم يذكر، نحو تحقيق السلام الدائم والعادل.

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قال ريتشارد هاس، الدبلوماسي الأميركي السابق والرئيس الفخري لـ«مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي إن الوقت قد حان لكسر هذا الجمود؛ لآن الوقت المتاح لتحقيق تقدم نحو اتفاق دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين يخدم مصالح الطرفين، آخذ في التلاشي بسرعة. وستكون العوائق السياسية والمادية المطلوب تجاوزها للوصول إلى التسوية أصعب من أن يتم تجاوزها خلال فترة قصيرة من الآن.

ونتيجة جهودها الخاصة في الغالب، تجد إسرائيل نفسها الآن، في وضع أمني مواتٍ، حيث تراجعت التهديدات على طول حدودها وفي المنطقة بشكل كبير، إن لم يكن قد تم القضاء عليها تماماً. ولم تكن إسرائيل أبداً في وضع أفضل مما هي عليه الآن لمواجهة التحدي الاستراتيجي الذي تُشكِّله «القومية الفلسطينية»، الذي سيتطلب رداً ذا أبعاد سياسية وعسكرية. لكن هذا الوضع الجيد لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. فرغم وجود صديق في البيت الأبيض لإسرائيل مستعد لدعمها بطرق مهمة، فإن الدعم الأميركي والأوروبي طويل الأمد لإسرائيل غير مضمون، خصوصاً إذا أصبح مزيد من الأميركيين والأوروبيين ينظرون إليها بوصفها دولة منبوذةً تحرم الآخرين من حقوقهم، بحسب هاس الذي شغل منصب رئيس إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية في وقت سابق.

إسرائيل بين خيارين

والآن، تواجه إسرائيل خياراً صعباً. فإما أن تسعى بصدق إلى تسوية وتعايش سلمي مع الفلسطينيين، أو أن تخاطر بفقدان الدعم الدولي الذي تتطلبه رفاهيتها على المدى الطويل. ورغم أن «حل الدولتين» أصبح بغيضاً لدى كثير من الإسرائيليين، فإنه يبقى الأمل الأمثل لازدهارهم وأمنهم. وإذا كانت إقامة دولة فلسطينية في صالح الفلسطينيين، فإنها ستكون أيضاً في صالح إسرائيل. فالمساهمة في إقامة دولة فلسطينية من شأنها خدمة إسرائيل بقدر ما تخدم الآخرين.

وقد اقترب الإسرائيليون والفلسطينيون من التوصُّل إلى اتفاق وفق مبدأ «أرض مقابل سلام» في أكثر من مناسبة. لكن على مدار العقود الـ3 أو الـ4 الماضية، فشلت الدبلوماسية.

ويرى هاس أن الفشل في الوصول إلى اتفاق يعود في جزء كبير منه إلى عدم رغبة القادة الفلسطينيين، سواء من الرئيس الراحل ياسر عرفات، أو خلفائه، أو عدم قدرتهم؛ بسبب ضعفهم السياسي، على قبول ما عرضته إسرائيل بشأن الحدود، ووضع مدينة القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. أما معارضة حركة «حماس» للسلام فكانت ولا تزال أكثر جوهرية، لأن ذلك يتطلب ضرورة قبولها بوجود الدولة العبرية جزءاً دائماً من المنطقة.

والآن أصبح ما كان ممكناً قبل سنوات، بالغ الصعوبة بالنسبة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويعود هذا، إلى حد كبير، إلى تغير الوضع على الأرض. فهناك الآن كثير من العقبات أمام السلام، لا سيما نحو 140 مستوطنة مرخصة من الحكومة الإسرائيلية و200 بؤرة استيطانية غير مرخصة أخرى في الضفة الغربية. وكل مستوطنة وبؤرة استيطانية تجعل تطبيق مبدأ «الأرض مقابل السلام» وبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة أشد صعوبة، وكل مستوطن إضافي يخلق مقاومةً سياسيةً لمثل هذه المقايضة، ويرفع التكاليف الاقتصادية لإعادة توطين الناس.

تغير في الشهد السياسي

كما أن المشهد السياسي في إسرائيل تغير... فقد تضاءل وجود أحزاب اليسار، وتعزَّزت أحزاب اليمين الرافضة للاعتراف بحقوق الفلسطينيين. وهذا التحول السياسي مستمر منذ عقود، ولكنه تسارع بسرعة منذ هجوم حركة «حماس» المسلح على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وقد عكست حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الائتلافية، التي تعتمد على دعم ما يمكن وصفه بـ«اليمين الديني القومي المتطرف»، هذا التحول وسرعته.

ومع ذلك، لم يمت «حل الدولتين» بعد. سيكون من الأفضل للإسرائيليين والفلسطينيين، على حد سواء، وجود دولة مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة، يسكنها الفلسطينيون ويديرونها بأنفسهم، ولكن بشروط تمنعها من أن تُشكِّل تهديداً أمنياً لإسرائيل.

فوجود دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة يمكن أن يقلص مخاطر العنف والإرهاب الذي يستهدف إسرائيل، بطرق لا تستطيعها القوات الإسرائيلية. فالمسلحون الفلسطينيون يتصرفون الآن بحصانة شبه كاملة، إذ لا يتحملون أي مسؤولية عن الأرض أو الاقتصاد، وليس لديهم مواطنون مسؤولون عن حياتهم ورفاههم. وفي غياب دولة فلسطينية، من المرجح أن تواجه إسرائيل حرباً أبدية.

في المقابل، ستواجه حكومة الدولة الفلسطينية المأمولة العواقب العسكرية والاقتصادية لأي هجمات تسمح بها ضد إسرائيل، التي ستكون في هذه الحالة أعمالاً حربية وليست إرهاباً. وكذلك عواقب الهجمات غير المصرح بها التي تنطلق من داخل حدودها، والمنتظر منها بصفتها حكومةً ذات سيادة منعها.

كما أنه في حالة فشل أو امتناع مثل هذه الحكومة الفلسطينية عن ضمان أمن إسرائيل أو الوفاء بالتزاماتها الدولية، ستحظى إسرائيل بالدعم الدولي لأي تحرك يستهدف هذه التهديدات، كما حدث في أعقاب هجمات 7 أكتوبر، الذي تلاشى بنسبة كبيرة بعد أكثر من 22 شهراً من الحرب المُدمِّرة التي تشنُّها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

«إسرائيل ستعيش في حالة حرب إلى الأبد»

كما أن قيام دولة فلسطينية مستقلة سيفيد هوية إسرائيل وتماسكها الداخلي. فإسرائيل تضم حالياً نحو مليونَي مواطن عربي، وقد يتجه بعضهم نحو التطرف إذا استمرَّت إسرائيل في إحباط الطموحات السياسية الفلسطينية، ومعاملة الفلسطينيين بهذه القسوة. والأهم من ذلك، أن الدولة الفلسطينية ستحرِّر إسرائيل من خيارها بين أن تكون دولةً ديمقراطيةً أو يهوديةً: فمنح 5 ملايين فلسطيني حقوقاً متساوية سيهدِّد يهودية الدولة اليهودية، بينما حرمانهم من هذه الحقوق يهدِّد ديمقراطية الدولة. ومن الواضح أن جميع الدلائل تشير إلى أن إسرائيل ستحرمهم من هذه الحقوق، وهو اتجاه لن يؤدي إلا إلى زيادة عزلة إسرائيل الدولية.

في الوقت نفسه، سيساعد انفتاح إسرائيل على قبول وجود دولة فلسطينية على تجنب وضعية الدولة المنبوذة عالمياً، وهي وضيعة تترسخ يوماً بعد يوم في رد فعل على حربها في غزة. كما سيقلل هذا الانفتاح خطر فرض عقوبات اقتصادية أوروبية مشدَّدة عليها، ويكبح جماح انصراف الأميركيين المتزايد عن دعم إسرائيل، وهو اتجاه قد يعرِّض الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل للخطر مع مرور الوقت. كما أن انفتاح إسرائيل على قيام الدولة الفلسطينية قد يقلل من معاداة السامية عالمياً.

لكن قيام دولة فلسطينية سيحتاج إلى مساعدة من الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، والأهم سيحتاج إلى أن يؤكد الفلسطينيون بالكلام والفعل أنهم مستعدون للعيش في سلام مع إسرائيل. وإذا كانوا مستعدين لذلك فستكون هناك فرصة لتطور السياسة في إسرائيل، ناهيك عن أنه سيكون على إسرائيل التجاوب بطريقة جيدة مع التوجه الفلسطيني السلمي.

وأخيراً فإن عدم قيام دولة فلسطينية يعني أن إسرائيل ستعيش في حالة حرب إلى الأبد.


مقالات ذات صلة

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

المشرق العربي أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع وسط قصف متواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا امرأة تتفاعل بينما يستمع الناس إلى إجراءات المحكمة خارج المحاكم الملكية في وسط لندن (أ.ف.ب)

الحكومة البريطانية تفوز باستئناف يتعلق بقرار حظر «فلسطين أكشن»

فازت الحكومة البريطانية اليوم (الاثنين) في استئنافها على حكم قضائي بعدم قانونية حظرها لحركة «فلسطين أكشن».

«الشرق الأوسط» (لندن )
المشرق العربي عناصر إنقاذ فلسطينية في موقع غارة إسرائيلية استهدفت خان يونس جنوب غزة يوم الأحد (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» تعلن تسليم رد الفصائل على «خريطة الطريق» لغزة

أعلنت حركة «حماس» أنها سلمت، السبت، رد الفصائل الفلسطينية على خطة «خريطة الطريق» التي كانت قد تسلمتها من ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف في أبريل الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

«حماس» تسلّم رد الفصائل على «خريطة طريق» للمرحلة الثانية من خطة ترمب

أعلنت حركة «حماس»، اليوم (الأحد)، أن الفصائل الفلسطينية سلمت ردها الموحد على خريطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يزيلون الرمال والحطام عقب غارة عسكرية إسرائيلية استهدفت خيامهم (أ.ف.ب)

«صحة غزة» تحذر من أزمة متفاقمة في بنوك الدم

حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم (الأحد)، من التحديات المتزايدة التي تواجه بنوك الدم والمختبرات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

ينتظر لبنان الترجمة العملية لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.

وبينما لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً بالبنود المتفق عليها، وآليات التنفيذ، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمذكرة، وأثنى على «ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية»، وسط تركيز رسمي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت لم تتوقف فيه الغارات والمسيّرات الإسرائيلية عن التحليق في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان، في حين نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب قوله إن مقاتليه لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق الإيراني - الأميركي، وإن موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به أولاً.


عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تُجرى العام الحالي، بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لـ«منظمة التحرير»، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الفلسطينية، انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة».

وهاجم متحدث باسم حركة «حماس» إجراءات عباس، قائلاً إنها «استمرار لمنطق الاستفراد» بالسلطة.


«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended