مِن شهود على الحرب إلى ضحاياها... كيف يعمل الصحافيون في غزة؟

بلا كهرباء ولا إنترنت... ومع الجوع والعطش والاستهداف

الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
TT

مِن شهود على الحرب إلى ضحاياها... كيف يعمل الصحافيون في غزة؟

الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)

وسط ظروف قاسية، ومخاطر جمة، يعمل الصحافيون في قطاع غزة بلا كلل، حاملين رسالة كشف الحقيقة وسبر أغوار الأحداث، ونقل الصورة وتوضيح المشهد، غير آبهين بخطر الموت أو الإصابة في قصف هنا أو تفجير هناك.

وهم يواجهون، مثلهم مثل باقي سكان القطاع، أزمات عديدة تعرقل سير عملهم، منها انقطاع كامل للتيار الكهربائي، مع الاعتماد على ما يتوفر من طاقة شمسية تعمدت إسرائيل في أحيان استهدافها وتدميرها، إلى جانب انقطاع الإنترنت لفترات طويلة خصوصاً في مناطق شمال القطاع، وكل هذا يضع العراقيل أمام جهودهم لنقل جانب كبير من الصور الدامية في غزة وما تشهده من أهوال وفظائع.

وفي حالات عديدة، لم تقف الشارات والسترات التي تحمل كلمة «صحافة» حائلاً دون استهداف أصحابها. فعلى مدار فترة الحرب المتواصلة منذ نحو عامين، قُتل في قطاع غزة 246 صحافياً، وأصيب عدد آخر في غارات مختلفة، ومن بينهم من بُترت أطرافه، أو من يواجه خطر الشلل النصفي أو الكامل وبحاجة ماسة للعلاج في مستشفيات بالخارج مع انهيار منظومة الخدمات الطبية في الداخل.

ولا يجد القائم بأعمال مؤسسة بيت الصحافة، حكمت يوسف، أدنى شك في أن صحافيي غزة باتوا هدفاً للجيش الإسرائيلي، وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الصحافيون في غزة يدفعون ثمناً باهظاً من أجل نقل الواقع، والمخاطر التي يواجهونها، وهذه ليست مجرد صدفة».

وأكد أن الجيش الإسرائيلي يتعمد استهداف الصحافيين خلال تغطيتهم للأحداث، مشيراً إلى أن كثيراً من حالات الاستهداف تلك كانت في أثناء تأدية العمل الميداني في تغطية الوقائع على الأرض. وتابع أنه على الرغم من أن السلطات الإسرائيلية تنفي تعمد استهدافهم، فإن الأدلة والشهادات الميدانية تشير إلى عكس ذلك.

واستطرد قائلاً: «العمل في غزة تحت الاستهداف المتكرر للصحافيين يتطلب يقظة دائمة. وأنا شخصياً أحرص بشكل يومي على متابعة التطورات الميدانية، ومحاولة تحديد مكامن الخطر، وأين ممكن أن أتحرك لتفادي أي استهداف إسرائيلي، خصوصاً أن الصحافيين باتوا هدفاً مفضلاً للاحتلال».

الصعوبات والمعوقات

لا تقتصر العراقيل على العمل في بيئة حرب خطيرة، فهناك صعوبات جمة أخرى، ناهيك بالضغوط النفسية والمعنوية، مما يجعل العمل الصحافي في القطاع تحدياً مستمراً.

تقول المراسلة الصحافية أمل الوادية إن الصعوبات لا تُعد ولا تحصى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر انقطاع الإنترنت والاتصالات والكهرباء، مؤكدةً أن الجانب الإسرائيلي يتعمد هذا «للتغطية على جرائمه المرتكبة بحق الفلسطينيين، وحتى لا يسمع العالم أخبار غزة. وهذا يعوق بشكل كبير استمرار عملنا كصحافيين، إلى جانب انعدام المواصلات للذهاب إلى مكان الاستهداف أو أي حدث، وكذلك صعوبة الوصول إلى أي مكان لإعداد تقارير إخبارية».

وإلى جانب كل هذا، تحدثت الصحافية عن قلة الأدوات والمعدات اللازمة وعدم توفر قطع غيار بعضها أو الأجهزة الإلكترونية؛ مثل أجهزة الكمبيوتر وغيرها.

وضربت مثالاً على تعمد قتل الصحافيين بمقتل مريم أبو دقة في أثناء تغطيتها استهداف زملاء آخرين في مجمع ناصر الطبي في خان يونس.

مندوب الجزائر بالأمم المتحدة عمار بن جامع يرفع صورة مريم أبو دقة التي قُتلت مع 4 صحافيين آخرين خلال حديثه بمقر المنظمة في نيويورك يوم الأربعاء (رويترز)

وعنها قالت: «لم يكن بيدها سلاح أو غيره، وكانت تحمل فقط كاميرا توثق من خلالها الجرائم الإسرائيلية. لكن الاحتلال لا يريد للصورة أن تخرج، ولا يريد أن يسمع العالم بجرائمه بحق المستشفيات والمدنيين، لأنه على يقين أن الصورة هي الأساس في كشف جرائمه».

كان قصف إسرائيلي قد استهدف مجمع ناصر الطبي في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الاثنين الماضي، ولدى توجه الصحافيين وطواقم الإسعاف لتفقد الأضرار والإصابات، وقعت ضربة ثانية أوقعت 22 قتيلاً بينهم 5 صحافيين يعملون لدى جهات إعلامية مختلفة، ومن بينهم مريم أبو دقة.

وعن العمل وسط كل هذه المخاطر قالت أمل الوادية: «أعمل وأنا تحت تهديد الخطر في أي وقت. وخلال العمل الميداني أعلم أنه يمكن استهدافي في أي لحظة، لكنني مثل أي زميل صحافي، ملزمون بإيصال رسالتنا وفضح جرائم الاحتلال».

أناس يصعدون الدرج لتفقد الأضرار والإصابات الناجمة عن ضربة إسرائيلية استهدفت مجمع ناصر الطبي في خان يونس يوم الاثنين الماضي قبل دقائق من ضربة ثانية أوقعت 22 قتيلاً بينهم 5 صحافيين (أ.ب)

وأضافت: «إذا أنا كصحافية أوقفت التغطية، وكل زميل فعل نفس الشيء بسبب الشعور بالخطر، فلن يكمل أحد.، لكن في النهاية كل واحد فينا مكتوب قدره ونصيبه وكل شيء بيد ربنا».

وقال حكمت يوسف: «رغم المخاطر، يبقى دورنا في نقل الحقيقة أساساً لا غنى عنه، وهو ما يدفعنا للاستمرار في العمل».

«الفاتورة الكبرى»

ومع منع إسرائيل الصحافيين الأجانب من دخول القطاع، تقع مسؤولية مضاعَفة على الصحافيين المحليين الذين باتوا ملزمين بتكثيف العمل لإبراز معاناة القطاع.

وتؤكد مؤسسات محلية وعربية ودولية تتابع شؤون الصحافيين الفلسطينيين أن إسرائيل ترتكب انتهاكات ممنهجة بحق صحافيي غزة، وأن الهجوم الأخير الذي سقط فيه الصحافيون الخمسة في مجمع ناصر الطبي يمثل جريمة حرب، وانتهاكاً للقانون الدولي الإنساني الذي ينص على حظر استهداف المنشآت الطبية والطواقم الصحافية والإغاثية.

وقفة في واشنطن العاصمة يوم الأربعاء تكريماً للصحافيين والمسعفين الذين قُتلوا بهجوم إسرائيلي على مجمع ناصر الطبي بخان يونس هذا الأسبوع (رويترز)

ويقول المراسل الصحافي أشرف أبو عمرة إن إسرائيل تسعى حثيثاً لمنع إخراج الصورة الحقيقية من داخل غزة إلى العالم، مضيفاً أنه على الرغم من الاستهداف المتكرر للصحافيين الفلسطينيين وصعوبة عملهم فإنهم ما زالوا يحاولون بالأدوات المتاحة «نقل مشاهد قتل الناس وإبادتهم عبر الهواء مباشرةً ليرى العالم بشاعة المشاهد».

ويضيف: «منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم يرُق للاحتلال وجود صحافيين فلسطينيين يكشفون حقيقة جرائمه»، مشيراً إلى أن تعاون وكالات دولية وأجنبية وعربية مع صحافيين محليين أثار غضب إسرائيل بعدما منعت الصحافة الأجنبية من دخول القطاع، مما دفعها إلى استهداف عدد كبير ممن يغطون مجريات الحرب لصالح تلك الوكالات.

ومضى قائلاً: «منظومة الصحافة في غزة دفعت الفاتورة الكبرى من القتل والاستهداف، ويسعى الاحتلال باستمرار لإيقاع أكبر عدد ممكن من الصحافيين، وهذا كان واضحاً وجلياً في الاستهداف المزدوج للصحافيين في مجمع ناصر الطبي، مما أدى إلى استشهاد 5 منهم. وسبق ذلك بأيام أن قُتل 6 منهم في مجمع الشفاء الطبي».

وأكد أن إسرائيل «تريد قتل الصورة ومَن يُخرجها». وطالب بتدخل دولي عاجل لحماية الصحافيين، والعمل على نقل الجرحى منهم الذين يعانون من إصابات خطيرة للعلاج في الخارج إنقاذاً لحياتهم.

صورة التُقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود يوم الأربعاء تُظهر مباني مدمرة في قطاع غزة (أ.ف.ب)

أما التجويع، فسلاحٌ آخر تُشهره إسرائيل ولم يسلم منه الصحافيون أيضاً.

وقال أبو عمرة: «أنا كصحافي مجوَّع، ولا أستطيع توفير الطعام لي ولعائلتي، ولا حتى توفير المياه إلا بصعوبات بالغة. نحن مثل أي إنسان في غزة، نعيش ظروفاً استثنائية، وعلينا عبء كبير وصعوبات، وفي بعض الأحيان لا نستطيع إكمال التغطية لساعات طويلة كما كنا نفعل من قبل، لأننا نشعر بالجوع أو لأننا نفتقر إلى المياه الصالحة للشرب».

الحرب الأكثر دموية

وأمام مقتل نحو 250 صحافياً خلال الحرب الجارية في غزة منذ أكتوبر 2023، تشير تقارير لمؤسسات صحافية، منها لجنة حماية الصحافيين، ومنتدى الحرية، إلى أن عددهم يتجاوز عدد من قُتلوا في الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، والحرب الكورية.

متضامنون مع الصحافيين الذين قُتلوا في قطاع غزة خلال وقفة أمام نقابة الصحافيين بمدينة غزة الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

ووفقاً لتلك التقارير، فإن 69 صحافياً فقدوا حياتهم خلال 6 سنوات في الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى مصرع عشرات الملايين، وتعد الحرب الأكثر دموية في التاريخ الحديث، وفقد 63 صحافياً حياتهم خلال الاحتلال الأميركي لفيتنام الذي استمر نحو 20 عاماً، وأودت الحرب الكورية التي استمرت 3 سنوات بحياة 17 صحافياً، فيما فقد 17 صحافياً حياتهم خلال الحرب الروسية - الأوكرانية منذ فبراير (شباط) 2022.


مقالات ذات صلة

مَن هو الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه ترمب في «المجلس التنفيذي» لغزة؟

المشرق العربي فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

مَن هو الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه ترمب في «المجلس التنفيذي» لغزة؟

سلطت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية الضوء على الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه الرئيس دونالد ترمب في «المجلس التنفيذي التأسيسي» لقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة

مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ‌اليوم، ‌إن ⁠إعلان إدارة الرئيس ‌الأميركي تشكيل مجلس ⁠لإدارة غزة ‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تشكيل «مجلس السلام» يعزز تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»

أظهر تشكيل لـ«مجلس السلام» في غزة بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حضوراً عربياً وإسلامياً، وسط تأكيدات من واشنطن أنه يعزز مسار المرحلة الثانية من اتفاق غزة

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي.

هشام المياني (القاهرة)

أميركا: قواتنا قتلت قيادياً بـ«القاعدة» على صلة بكمين استهدف أميركيين في سوريا

استخدمت قوات القيادة المركزية الأميركية في عمليتها ضد تنظيم «داعش» طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية (سنتكوم)
استخدمت قوات القيادة المركزية الأميركية في عمليتها ضد تنظيم «داعش» طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية (سنتكوم)
TT

أميركا: قواتنا قتلت قيادياً بـ«القاعدة» على صلة بكمين استهدف أميركيين في سوريا

استخدمت قوات القيادة المركزية الأميركية في عمليتها ضد تنظيم «داعش» طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية (سنتكوم)
استخدمت قوات القيادة المركزية الأميركية في عمليتها ضد تنظيم «داعش» طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية (سنتكوم)

أعلنت القيادة المركزية ‌الأميركية ‌في ‌بيان ⁠اليوم (السبت) ‌أن قوات أميركية قتلت أمس (الجمعة) ⁠قيادياً ‌بتنظيم «القاعدة» على صلة بكمين نصبه تنظيم «​داعش» لأميركيين في سوريا ⁠الشهر الماضي.

عملية أمنية في مدينة تدمر عقب الهجوم الإرهابي على وفد سوري - أميركي مشترك (الداخلية السورية)

وقُتل ثلاثة أميركيين، هم جنديان ومترجمهما المدني، وأصيب آخرون في إطلاق نار استهدف وفداً عسكرياً مشتركاً أميركياً - سورياً، قرب مدينة تدمر وسط سوريا.


مَن هو الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه ترمب في «المجلس التنفيذي» لغزة؟

فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مَن هو الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه ترمب في «المجلس التنفيذي» لغزة؟

فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

سلطت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية الضوء على الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في «المجلس التنفيذي التأسيسي» لقطاع غزة.

وقالت إن المجلس هو هيئة دولية جديدة مُكلّفة بالمساعدة في إدارة غزة ما بعد الحرب، والذي سيعمل جنباً إلى جنب مع «مجلس السلام» بقيادة ترمب.

وأضافت أن غاباي، رجل الأعمال ذا الاستثمارات الواسعة في التكنولوجيا المتقدمة والعقارات والتمويل، يُقيم في قبرص والمملكة المتحدة.

وتعود علاقات غاباي بالبيت الأبيض إلى عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وتعمّقت في عهد ترمب. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بعد شهر واحد فقط من الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، انضمّ إلى عدد من قادة الأعمال من الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي لتقديم رؤية لغزة ما بعد الحرب، وقد لاقى هذا المقترح رواجاً تدريجياً في الكواليس.

ياكير غاباي (لينكد إن)

وذكرت أن نقطة التحول جاءت عندما كشف ترمب عن خطته المكونة من عشرين بنداً، وبعد ذلك بوقت قصير تواصل البيت الأبيض مع غاباي عارضاً عليه الانضمام إلى «المجلس التنفيذي» لغزة.

وبحسب الصحيفة، فإنه رغم أن الدعوة لم تكن مفاجئة، فإن غاباي تأثر بها بشدة. وعلى الرغم من اعتزازه بهويته الإسرائيلية، فقد أكد أن تعيينه يعكس دوره كرجل أعمال دولي، وليس كممثل لإسرائيل.

ولفتت الصحيفة إلى أن غاباي، 59 عاماً، وُلد في القدس لعائلة عريقة في المؤسسة القانونية الإسرائيلية؛ إذ شغل والده، مئير، منصب المدير العام لوزارة العدل، ثم مفوضاً للخدمة المدنية، في حين شغلت والدته، يميما، مناصب عليا في كل من مكتب المدعي العام ووزارة العدل.

وبدأ غاباي مسيرته المهنية في أسواق رأس المال. وبحلول منتصف التسعينيات، أصبح الرئيس التنفيذي لذراع الخدمات المصرفية الاستثمارية لبنك لئومي. وفي عام 2004 دخل سوق العقارات في برلين، وهو مشروع توسع باطراد. وتُقدّر ثروته الصافية بـ4.1 مليار دولار.

وقالت إنه مع الأعضاء الآخرين في «المجلس التنفيذي» الذي أعلنه ترمب، سيُطلب من غاباي زيارة قطاع غزة والتنسيق مع مجلس تكنوقراطي فلسطيني.

وذكرت أن غاباي علّق على التعيين قائلاً: «إنه لشرف عظيم لي أن يُعيّنني الرئيس الأميركي ترمب عضواً متطوعاً في (مجلس السلام) لغزة»، وأضاف: «أشكر الرئيس ترمب وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هذه الثقة».

وتابع: «لقد وضعوا فيّ الثقة. أعتزم العمل مع زملائي أعضاء مجلس الإدارة لتنفيذ رؤية الرئيس الأميركي للتنمية والبناء والازدهار والاقتصاد الحر في قطاع غزة، وتوسيع نطاق (اتفاقيات أبراهام) لتشمل دولاً أخرى. ويُعدّ نزع سلاح (حماس) بالكامل شرطاً أساسياً لتنفيذ خطة التنمية، وسنواصل بذل قصارى جهدنا لإعادة ضابط شرطة الحدود ران غفيلي إلى الوطن لدفنه في إسرائيل».

يُذكر أن البيت الأبيض أعلن، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة و«المجلس التنفيذي»، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».

ويضم «المجلس التنفيذي التأسيسي»، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إلى جانب نائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت جابرييل.

كما يضم «المجلس التنفيذي» لغزة، المبعوث الدولي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ووزيرة الدولة للتعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال ياكير غاباي، وكبيرة منسقي الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة سيغريد كاج.

وسيتولى ملادينوف مهام «الممثل الأعلى» لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين «مجلس السلام» و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة».


خطوة أولى «إيجابية»... ترحيب بمرسوم الشرع الخاص بالأكراد

قصف من القوات الحكومية السورية على مواقع الأكراد في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)
قصف من القوات الحكومية السورية على مواقع الأكراد في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)
TT

خطوة أولى «إيجابية»... ترحيب بمرسوم الشرع الخاص بالأكراد

قصف من القوات الحكومية السورية على مواقع الأكراد في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)
قصف من القوات الحكومية السورية على مواقع الأكراد في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)

عبّر أكراد سوريون في مناطق سيطرة الحكومة السورية عن ترحيبهم بالمرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، لمنح الأكراد حقوقاً كانوا محرومين منها، وخرج أكراد في حي ركن الدين بدمشق وفي مدينة عفرين بريف حلب إلى الشوارع للاحتفال بالمرسوم. ورأت جهات وحركات كردية مستقلة أن كلمة الرئيس الشرع الموجهة إلى الأكراد، مساء الجمعة، تفسح مكاناً لبدء حوار وتحمل أملاً بغدٍ أكثر سلاماً، وأن المرسوم الخاص بالأكراد «خطوة أولى إيجابية ومتقدمة باتجاه حل القضية الكردية والحقوق العادلة للأكراد»، وتحديداً الحقوق الذين ناضلوا من أجلها منذ عام 1962، وهو العام الذي شهد إصدار مرسوم جرّد كل من لم تثبت إقامته في سوريا قبل عام 1954 من الجنسية وحرمه من كامل حقوقه المدنية.

ودعا الشرع، في كلمة متلفزة، السوريين الكرد إلى عدم تصديق ما سماها «روايات الفتنة»، و«العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في بناء سوريا وطناً واحداً يتسع لجميع أبنائه» معلناً إصدار مرسوم خاص «يضمن حقوق الكرد وخصوصياتهم».

قوات الحكومة السورية في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)

وانتظر الأكراد السوريون مثل هذا المرسوم منذ عقود لإعادة الحقوق التي جرّدهم منها المرسوم التشريعي رقم 93 الصادر عن رئيس الجمهورية السورية ناظم قدسي عام 1962 والذي اعتمد على نتائج إحصاء استثنائي أُجري في محافظة الحسكة فقط في يوم واحد، وأسفر عن تصنيف الكرد في الحسكة إلى ثلاث فئات قانونية هي: مواطنون سوريون احتفظوا بالجنسية، وأجانب جُرّدوا من الجنسية وسُجلوا كأجانب مقيمين، ومكتومو القيد غير المسجلين أصلاً في سجلات الأحوال المدنية. وبالفعل، جُرّد من الجنسية الأكراد الذين لم يتمكنوا من تثبيت إقامتهم داخل الأراضي السورية قبل عام 1945. وأدى فقدانهم الجنسية إلى حرمان شامل من الحقوق المدنية، أبرزها منع الترشح والانتخاب والعمل السياسي، وعدم السماح بالتوظيف في القطاع العام، وحظر التملك العقاري وتسجيل المركبات، وقيود شديدة على السفر، وحرمان المرأة السورية من منح جنسيتها لزوجها وأبنائها إن كانوا مكتومي القيد، والاكتفاء ببطاقات تعريف صادرة عن المختار بدل الهوية الرسمية.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، انتظر الأكراد مرسوماً يعيد تصحيح أوضاعهم ويعترف بحقوقهم ضمن إعلان دستوري يضمن مشاركتهم في إعادة بناء الدولة، إلا أن المرسوم تأخر، حسبما قال المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سوريا، زيد سفوك، لـ«الشرق الأوسط»، وأضاف: «كان من الممكن تجنب كثير من الدماء والأرواح فيما لو صدر (المرسوم) منذ البداية»، مضيفاً أن ذلك «لا يقلل من أهميته الكبيرة في هذه المرحلة الحساسة»، حيث أدى إلى «خلق مساحة طمأنينة لدى الشارع الكردي والقوى السياسية والمجتمعية». وأكد رضا الأكراد «تماماً في هذا الظرف الحساس لأنه يحقن الدماء ويعطي أملاً بغدٍ أكثر سلاماً»، كما يؤدي إلى «فتح أبواب الحوار من جديد». وحسب سفوك، يطالب الأكراد أيضاً بـ«تضمين حقوقهم في دستور البلاد الدائم لتنتهي حقبة الصراع» بهدف «سد الثغرات الخارجية التي تستغل الخلافات السياسية بين جميع مكونات الشعب السوري من أجل أجنداتها ومصالحها».

جندي مسلح يظهر بينما يغادر مدنيون من دير حافر باتجاه الغرب خوفاً من تصعيد التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية (رويترز)

وفيما يتعلق بموقف الإدارة الذاتية و«قسد»، قال سفوك إن الإدارة الذاتية تمثّل شريحة من الأكراد السوريين ولا تمثل الجميع «لأنهم حزب سياسي ولديهم مشروع الأمة الديمقراطية وأسسوا إدارة ذاتية منها، ولديهم غير الكرد في إدارتهم ومؤسساتهم العسكرية»، مشيراً إلى أن «الحركة الكردستانية المستقلة» سبق أن طالبت بإجراء انتخابات نزيهة لتحديد ممثلين عن الشعب الكردي «لكن مع الأسف البعض رفض ذلك». وقال إن الأكراد هم أكثر قومية في سوريا «نادت بالعيش المشترك والحفاظ على السلم الأهلي ومدّوا يد العون لجميع السوريين».

من جهتها، أكدت الإدارة الكردية لشمال وشرق سوريا، السبت، أن المرسوم الصادر، ليلة الجمعة، من الرئيس أحمد الشرع «قد يعد خطوة أولى، لكنه لا يلبّي طموحات وآمال الشعب السوري»، مؤكدةً أهمية «وضع دستور ديمقراطي للبلاد يحمي حقوق جميع مكونات الشعب».

ورداً على المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري بمنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، شددت الإدارة الكردية في بيان، على أن «الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة، وإنما تُحمى وتُرسخ عبر الدساتير الدائمة».

وطالبت الإدارة الكردية لشمال وشرق سوريا بضرورة صياغة دستور ديمقراطي تعددي يحمي ويصون ويحافظ على حقوق جميع المكونات، مشددةً على أن إصدار أي مرسوم مهما كانت نيّاته لا يمكن أن يشكّل ضمانة حقيقية للحقوق ما لم يكن جزءاً من إطار دستوري شامل.

وأوضح البيان أن الإدارة الكردية لشمال وشرق سوريا ترى أن الحل الجذري لقضية الحقوق والحريات في سوريا يكمن في حوار وطني شامل، ودستور ديمقراطي.

ومنذ إحصاء 1962 ناضل الأكراد السوريون لاستعادة حقوقهم التي جُرِّدوا منها، وفي عام 2004 انتفض الأكراد في شمال شرقي سوريا لكن نظام بشار الأسد تمكن من إخماد الانتفاضة بالعنف والاعتقالات، إلى أن جاءت الاحتجاجات الشعبية عام 2011. وفي محاولة من النظام لعزل الحركة الكردية المناوئة للنظام عن الاحتجاجات السورية، أصدر الأسد المرسوم التشريعي رقم 49 القاضي بمنح الجنسية للمسجلين في سجلات «أجانب الحسكة» والتي حصل بموجبها آلاف الأكراد من فئة الأجانب على الجنسية السورية.

حقائق

أكراد الحسكة... 3 فئات قانونية

انتظر الأكراد السوريون منذ عقود لإعادة الحقوق التي جرّدهم منها المرسوم التشريعي رقم 93 الصادر عن رئيس الجمهورية السورية ناظم قدسي عام 1962 والذي اعتمد على نتائج إحصاء استثنائي أُجري في محافظة الحسكة فقط في يوم واحد، وأسفر عن تصنيف الكرد في الحسكة إلى ثلاث فئات قانونية هي: مواطنون سوريون احتفظوا بالجنسية، وأجانب جُرّدوا من الجنسية وسُجلوا كأجانب مقيمين، ومكتومو القيد غير المسجلين أصلاً في سجلات الأحوال المدنية.