مِن شهود على الحرب إلى ضحاياها... كيف يعمل الصحافيون في غزة؟

بلا كهرباء ولا إنترنت... ومع الجوع والعطش والاستهداف

الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
TT

مِن شهود على الحرب إلى ضحاياها... كيف يعمل الصحافيون في غزة؟

الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)
الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خلال عملها على تغطية الحرب في خان يونس (أ.ب)

وسط ظروف قاسية، ومخاطر جمة، يعمل الصحافيون في قطاع غزة بلا كلل، حاملين رسالة كشف الحقيقة وسبر أغوار الأحداث، ونقل الصورة وتوضيح المشهد، غير آبهين بخطر الموت أو الإصابة في قصف هنا أو تفجير هناك.

وهم يواجهون، مثلهم مثل باقي سكان القطاع، أزمات عديدة تعرقل سير عملهم، منها انقطاع كامل للتيار الكهربائي، مع الاعتماد على ما يتوفر من طاقة شمسية تعمدت إسرائيل في أحيان استهدافها وتدميرها، إلى جانب انقطاع الإنترنت لفترات طويلة خصوصاً في مناطق شمال القطاع، وكل هذا يضع العراقيل أمام جهودهم لنقل جانب كبير من الصور الدامية في غزة وما تشهده من أهوال وفظائع.

وفي حالات عديدة، لم تقف الشارات والسترات التي تحمل كلمة «صحافة» حائلاً دون استهداف أصحابها. فعلى مدار فترة الحرب المتواصلة منذ نحو عامين، قُتل في قطاع غزة 246 صحافياً، وأصيب عدد آخر في غارات مختلفة، ومن بينهم من بُترت أطرافه، أو من يواجه خطر الشلل النصفي أو الكامل وبحاجة ماسة للعلاج في مستشفيات بالخارج مع انهيار منظومة الخدمات الطبية في الداخل.

ولا يجد القائم بأعمال مؤسسة بيت الصحافة، حكمت يوسف، أدنى شك في أن صحافيي غزة باتوا هدفاً للجيش الإسرائيلي، وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الصحافيون في غزة يدفعون ثمناً باهظاً من أجل نقل الواقع، والمخاطر التي يواجهونها، وهذه ليست مجرد صدفة».

وأكد أن الجيش الإسرائيلي يتعمد استهداف الصحافيين خلال تغطيتهم للأحداث، مشيراً إلى أن كثيراً من حالات الاستهداف تلك كانت في أثناء تأدية العمل الميداني في تغطية الوقائع على الأرض. وتابع أنه على الرغم من أن السلطات الإسرائيلية تنفي تعمد استهدافهم، فإن الأدلة والشهادات الميدانية تشير إلى عكس ذلك.

واستطرد قائلاً: «العمل في غزة تحت الاستهداف المتكرر للصحافيين يتطلب يقظة دائمة. وأنا شخصياً أحرص بشكل يومي على متابعة التطورات الميدانية، ومحاولة تحديد مكامن الخطر، وأين ممكن أن أتحرك لتفادي أي استهداف إسرائيلي، خصوصاً أن الصحافيين باتوا هدفاً مفضلاً للاحتلال».

الصعوبات والمعوقات

لا تقتصر العراقيل على العمل في بيئة حرب خطيرة، فهناك صعوبات جمة أخرى، ناهيك بالضغوط النفسية والمعنوية، مما يجعل العمل الصحافي في القطاع تحدياً مستمراً.

تقول المراسلة الصحافية أمل الوادية إن الصعوبات لا تُعد ولا تحصى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر انقطاع الإنترنت والاتصالات والكهرباء، مؤكدةً أن الجانب الإسرائيلي يتعمد هذا «للتغطية على جرائمه المرتكبة بحق الفلسطينيين، وحتى لا يسمع العالم أخبار غزة. وهذا يعوق بشكل كبير استمرار عملنا كصحافيين، إلى جانب انعدام المواصلات للذهاب إلى مكان الاستهداف أو أي حدث، وكذلك صعوبة الوصول إلى أي مكان لإعداد تقارير إخبارية».

وإلى جانب كل هذا، تحدثت الصحافية عن قلة الأدوات والمعدات اللازمة وعدم توفر قطع غيار بعضها أو الأجهزة الإلكترونية؛ مثل أجهزة الكمبيوتر وغيرها.

وضربت مثالاً على تعمد قتل الصحافيين بمقتل مريم أبو دقة في أثناء تغطيتها استهداف زملاء آخرين في مجمع ناصر الطبي في خان يونس.

مندوب الجزائر بالأمم المتحدة عمار بن جامع يرفع صورة مريم أبو دقة التي قُتلت مع 4 صحافيين آخرين خلال حديثه بمقر المنظمة في نيويورك يوم الأربعاء (رويترز)

وعنها قالت: «لم يكن بيدها سلاح أو غيره، وكانت تحمل فقط كاميرا توثق من خلالها الجرائم الإسرائيلية. لكن الاحتلال لا يريد للصورة أن تخرج، ولا يريد أن يسمع العالم بجرائمه بحق المستشفيات والمدنيين، لأنه على يقين أن الصورة هي الأساس في كشف جرائمه».

كان قصف إسرائيلي قد استهدف مجمع ناصر الطبي في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الاثنين الماضي، ولدى توجه الصحافيين وطواقم الإسعاف لتفقد الأضرار والإصابات، وقعت ضربة ثانية أوقعت 22 قتيلاً بينهم 5 صحافيين يعملون لدى جهات إعلامية مختلفة، ومن بينهم مريم أبو دقة.

وعن العمل وسط كل هذه المخاطر قالت أمل الوادية: «أعمل وأنا تحت تهديد الخطر في أي وقت. وخلال العمل الميداني أعلم أنه يمكن استهدافي في أي لحظة، لكنني مثل أي زميل صحافي، ملزمون بإيصال رسالتنا وفضح جرائم الاحتلال».

أناس يصعدون الدرج لتفقد الأضرار والإصابات الناجمة عن ضربة إسرائيلية استهدفت مجمع ناصر الطبي في خان يونس يوم الاثنين الماضي قبل دقائق من ضربة ثانية أوقعت 22 قتيلاً بينهم 5 صحافيين (أ.ب)

وأضافت: «إذا أنا كصحافية أوقفت التغطية، وكل زميل فعل نفس الشيء بسبب الشعور بالخطر، فلن يكمل أحد.، لكن في النهاية كل واحد فينا مكتوب قدره ونصيبه وكل شيء بيد ربنا».

وقال حكمت يوسف: «رغم المخاطر، يبقى دورنا في نقل الحقيقة أساساً لا غنى عنه، وهو ما يدفعنا للاستمرار في العمل».

«الفاتورة الكبرى»

ومع منع إسرائيل الصحافيين الأجانب من دخول القطاع، تقع مسؤولية مضاعَفة على الصحافيين المحليين الذين باتوا ملزمين بتكثيف العمل لإبراز معاناة القطاع.

وتؤكد مؤسسات محلية وعربية ودولية تتابع شؤون الصحافيين الفلسطينيين أن إسرائيل ترتكب انتهاكات ممنهجة بحق صحافيي غزة، وأن الهجوم الأخير الذي سقط فيه الصحافيون الخمسة في مجمع ناصر الطبي يمثل جريمة حرب، وانتهاكاً للقانون الدولي الإنساني الذي ينص على حظر استهداف المنشآت الطبية والطواقم الصحافية والإغاثية.

وقفة في واشنطن العاصمة يوم الأربعاء تكريماً للصحافيين والمسعفين الذين قُتلوا بهجوم إسرائيلي على مجمع ناصر الطبي بخان يونس هذا الأسبوع (رويترز)

ويقول المراسل الصحافي أشرف أبو عمرة إن إسرائيل تسعى حثيثاً لمنع إخراج الصورة الحقيقية من داخل غزة إلى العالم، مضيفاً أنه على الرغم من الاستهداف المتكرر للصحافيين الفلسطينيين وصعوبة عملهم فإنهم ما زالوا يحاولون بالأدوات المتاحة «نقل مشاهد قتل الناس وإبادتهم عبر الهواء مباشرةً ليرى العالم بشاعة المشاهد».

ويضيف: «منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم يرُق للاحتلال وجود صحافيين فلسطينيين يكشفون حقيقة جرائمه»، مشيراً إلى أن تعاون وكالات دولية وأجنبية وعربية مع صحافيين محليين أثار غضب إسرائيل بعدما منعت الصحافة الأجنبية من دخول القطاع، مما دفعها إلى استهداف عدد كبير ممن يغطون مجريات الحرب لصالح تلك الوكالات.

ومضى قائلاً: «منظومة الصحافة في غزة دفعت الفاتورة الكبرى من القتل والاستهداف، ويسعى الاحتلال باستمرار لإيقاع أكبر عدد ممكن من الصحافيين، وهذا كان واضحاً وجلياً في الاستهداف المزدوج للصحافيين في مجمع ناصر الطبي، مما أدى إلى استشهاد 5 منهم. وسبق ذلك بأيام أن قُتل 6 منهم في مجمع الشفاء الطبي».

وأكد أن إسرائيل «تريد قتل الصورة ومَن يُخرجها». وطالب بتدخل دولي عاجل لحماية الصحافيين، والعمل على نقل الجرحى منهم الذين يعانون من إصابات خطيرة للعلاج في الخارج إنقاذاً لحياتهم.

صورة التُقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود يوم الأربعاء تُظهر مباني مدمرة في قطاع غزة (أ.ف.ب)

أما التجويع، فسلاحٌ آخر تُشهره إسرائيل ولم يسلم منه الصحافيون أيضاً.

وقال أبو عمرة: «أنا كصحافي مجوَّع، ولا أستطيع توفير الطعام لي ولعائلتي، ولا حتى توفير المياه إلا بصعوبات بالغة. نحن مثل أي إنسان في غزة، نعيش ظروفاً استثنائية، وعلينا عبء كبير وصعوبات، وفي بعض الأحيان لا نستطيع إكمال التغطية لساعات طويلة كما كنا نفعل من قبل، لأننا نشعر بالجوع أو لأننا نفتقر إلى المياه الصالحة للشرب».

الحرب الأكثر دموية

وأمام مقتل نحو 250 صحافياً خلال الحرب الجارية في غزة منذ أكتوبر 2023، تشير تقارير لمؤسسات صحافية، منها لجنة حماية الصحافيين، ومنتدى الحرية، إلى أن عددهم يتجاوز عدد من قُتلوا في الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، والحرب الكورية.

متضامنون مع الصحافيين الذين قُتلوا في قطاع غزة خلال وقفة أمام نقابة الصحافيين بمدينة غزة الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

ووفقاً لتلك التقارير، فإن 69 صحافياً فقدوا حياتهم خلال 6 سنوات في الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى مصرع عشرات الملايين، وتعد الحرب الأكثر دموية في التاريخ الحديث، وفقد 63 صحافياً حياتهم خلال الاحتلال الأميركي لفيتنام الذي استمر نحو 20 عاماً، وأودت الحرب الكورية التي استمرت 3 سنوات بحياة 17 صحافياً، فيما فقد 17 صحافياً حياتهم خلال الحرب الروسية - الأوكرانية منذ فبراير (شباط) 2022.


مقالات ذات صلة

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز) p-circle

خاص فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

تهدد إسرائيل بالعودة إلى الحرب في غزة حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى نزع سلاحها، بينما كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته في مناطق وسط القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي تستعد سفن أسطول الصمود العالمي للمغادرة إلى غزة من ميناء برشلونة (إ.ب.أ)

محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي... «أسطول الصمود» يبحر من برشلونة إلى غزة

أبحر أسطول «الصمود العالمي» الذي يضمّ نحو 40 قارباً من مدينة برشلونة الإسبانية إلى غزة، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«مؤتمر بيروت»: توافق لبناني واسع على عاصمة آمنة خالية من السلاح

عُقد مؤتمر بيروت بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين باستثناء «حزب الله» و«حركة أمل» (الشرق الأوسط)
عُقد مؤتمر بيروت بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين باستثناء «حزب الله» و«حركة أمل» (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر بيروت»: توافق لبناني واسع على عاصمة آمنة خالية من السلاح

عُقد مؤتمر بيروت بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين باستثناء «حزب الله» و«حركة أمل» (الشرق الأوسط)
عُقد مؤتمر بيروت بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين باستثناء «حزب الله» و«حركة أمل» (الشرق الأوسط)

عقد نواب مدينة بيروت، ممثلين غالبية الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية، مؤتمراً في العاصمة دعماً لإعلانها «آمنة وخالية من السلاح»، وذلك بعد قرار الحكومة إعلان العاصمة منزوعة السلاح، وعلى خلفية التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات الإسرائيلية التي طالت المدينة، بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين، باستثناء نواب «حزب الله» و«حركة أمل» و«الجماعة الإسلامية».

وشكّل المؤتمر مساحة تقاطع بين نواب بيروت على اختلاف انتماءاتهم السياسية، حيث أكدوا موقفاً موحداً يدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، في مختلف أنحاء العاصمة، بما يضمن الاستقرار ويعيد الثقة بالأمن.

أجمع المشاركون في «مؤتمر بيروت» على دعم قرار الحكومة حول إعلان العاصمة منزوعة السلاح (الشرق الأوسط)

مخزومي: حماية بيروت تبدأ بحصر السلاح

وفي كلمة له شدّد النائب فؤاد مخزومي على أنّ بيروت «تستحق أن نحميها معاً، وهي كانت وستبقى مدينة تحتضن الجميع»، معتبراً أنّ ما سُمّي بـ«الأربعاء الأسود» شكّل إنذاراً جدياً يعكس حجم المخاطر التي لا تزال تهدد استقرار المدينة. ودعا إلى انتشار الجيش في كل شوارع العاصمة، وتعزيز الحواجز الشرعية والرقابة الأمنية الفعلية، مؤكداً أن بناء الدولة لا يكتمل إلا بحصر السلاح بيدها «من دون استثناء»، ومشدداً على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضبط الأمن، وصولاً إلى «إعلان التعبئة العامة إذا اقتضت الحاجة».

«القوات» : دعم قرارات الدولة ومنع أي سلاح خارج الشرعية

بدوره، أكد عضو حزب «القوات اللبنانية» النائب غسان حاصباني، أن الاجتماع يعكس موقفاً وطنياً نابعاً من مسؤولية تمثيل أهل بيروت، مشدداً على دعم قرارات الدولة المتعلقة ببسط سلطتها الكاملة، ومصادرة السلاح غير الشرعي، واعتبار أي نشاط عسكري خارج إطار الشرعية تهديداً مباشراً لأمن العاصمة واستقرارها. ولفت إلى أن مخاوف اللبنانيين مبرّرة في ظل تداعيات الحرب التي فُرضت عليهم، داعياً إلى منع تكرار هذه التجارب الأليمة.

مبنى مدمر نتيجة قصف إسرائيلي استهدف بيروت الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

«الكتائب»: تنفيذ قرارات الدولة واستعادة السيادة

كذلك، شدد عضو كتلة حزب «الكتائب اللبنانية» النائب نديم الجميّل على أن لبنان لم يعد ورقة تفاوض بيد أي جهة خارجية، داعياً إلى تنفيذ قرارات الحكومة بحزم، ونشر الجيش على كامل الأراضي اللبنانية بدءاً من بيروت، لحماية المواطنين وتعزيز سيادة الدولة.

منيمنة والصادق: رفض توريط لبنان والدعوة للالتفاف حول الدولة

من جهته، قال النائب إبراهيم منيمنة إن «(حزب الله) زجّ لبنان في حرب لا علاقة له بها، ما عرّض البلاد لأضرار جسيمة، في حين تدفع بيروت وسائر المناطق الثمن من أمنها واستقرارها»، معتبراً أن المرحلة الحالية تفرض إعادة الاعتبار لقرار الدولة وحصرية السلاح بيدها.

كما شدد النائب وضاح الصادق على أنّ «من حقّ اللبنانيين أن يحلموا بولاءٍ للبنان فقط»، معتبراً أنّ تحقيق ذلك يتطلّب عملاً جدياً ودعماً لقرارات الحكومة التي وصفها بـ«التاريخية». وأكد ضرورة التكاتف الداخلي والالتقاء في إطار دولة المؤسسات والقانون، داعياً إلى دعم الحكومة ورئيسها، وكذلك رئيس الجمهورية في مسعاه لحماية اللبنانيين، كما طالب القوى العسكرية والأمنية بالقيام بدورها الكامل في حفظ الأمن والاستقرار.

«مؤتمر بيروت» عُقد دعماً لقرار الحكومة إعلان العاصمة منزوعة السلاح (الشرق الأوسط)

«الوطني الحر»: مقاربة جامعة ووحدة لحماية العاصمة

بدوره، دعا عضو كتلة «التيار الوطني الحر» النائب نقولا الصحناوي إلى مقاربة وطنية جامعة تعزز وحدة اللبنانيين وتعيد بناء الثقة بالدولة، مشدداً على أن حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الشرعية تبقى شرطاً أساسياً لقيام الدولة، مع ضرورة تجنّب الخطاب الإقصائي والعمل على طمأنة جميع المكوّنات اللبنانية.

كذلك، اعتبر زميله في كتلة «الوطني الحر» النائب إدغار طرابلسي، أن بيروت، رغم كل ما مرت به من حروب وأزمات، «لا تموت»، مشدداً على أن ما تحتاجه اليوم هو تضامن جميع أبنائها بعيداً عن الإقصاء والانقسام، وحمايتها من خطاب التطرف والتخوين، مؤكداً أن وحدة اللبنانيين تبقى الأساس في مواجهة التحديات.

طرابلسي: وقف النار وتعزيز انتشار الجيش مسؤولية وطنية

ودعا النائب عن جمعية «المشاريع الخيرية الإسلامية» عدنان طرابلسي إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإفساح المجال أمام الدولة لبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن حماية بيروت مسؤولية وطنية جامعة تتطلب تضافر الجهود وتعزيز انتشار الجيش والقوى الأمنية بما يطمئن المواطنين والنازحين على حد سواء.

«الاشتراكي»: أمن بيروت من أمن لبنان

كما أكد عضو كتلة الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب فيصل الصايغ أن أمن بيروت هو من أمن لبنان، مشدداً على ضرورة التمسك بثوابت السيادة والاستقلال، وتطبيق اتفاق الطائف والقرارات الحكومية ذات الصلة.


أول اتصال بين ترمب وعون

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

أول اتصال بين ترمب وعون

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، اليوم الخميس، أن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس جوزيف عون.

وهذا ​أول ‌اتصال ‌بينهما منذ تولي ⁠عون منصبه. ويرجَّح أن موضوعه كان احتمال وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» بعد ما تردد عن رفض عون الاتصال بأي مسؤول إسرائيلي قبل وقف النار، إثر كلام عن احتمال حصول اتصال بيته وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

واعتبر عون، اليوم (الخميس)، أن وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل ينبغي أن يشكّل «المدخل الطبيعي» للمفاوضات المباشرة المقبلة مع الدولة العبرية، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال عون، وفق بيان صادر عن الرئاسة: «وقف إطلاق النار الذي يطالب به لبنان مع إسرائيل سيكون المدخل الطبيعي للمفاوضات المباشرة بين البلدين»، وذلك بعد يومين من عقد سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة أول محادثات مباشرة بين البلدين منذ عقود، اتفقا خلالها على إجراء مفاوضات مباشرة في موعد يُحدد لاحقاً.

ولم يُشر بيان الرئاسة، الذي صدر عقب لقاء عون مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، هاميش فالكونر، إلى أي اتصال مرتقب بين مسؤول لبناني وإسرائيلي، كما كان قد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، في حين قالت وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية جيلا غمليئيل، اليوم، إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيتحدث مع الرئيس اللبناني.


مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة، مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، لتكليف مرشح رئاسة الوزراء، في وقت قرر فيه «الإطار التنسيقي» تأجيل اجتماع كان يُنظَر إليه على أنه مفصلي، إلى السبت المقبل، وسط مؤشرات على تفاهمات أولية لم تنضج بعد.

وتنص المهلة، وهي أسبوعان من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية، على تكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة، إلا أن انقسام القوى الشيعية، وتأجيل اجتماعها، قلَّصا فعلياً الوقت المتاح إلى نحو أسبوع، ما يزيد من احتمالات الدخول في أزمة دستورية وسياسية جديدة، في حال عدم التوصل إلى توافق.

خلاف «الكتلة الأكبر»

لا يزال تعريف «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» موضع جدل منذ عام 2010، بين تفسير يعتبرها الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، وتفسير آخر يرى أنها الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات عبر التحالفات.

وفي هذا السياق، تطرح كتلة «الإعمار والتنمية»، بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني نفسها، بوصفها الكتلة الفائزة، بينما يتمسك «الإطار التنسيقي» بخيار تشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان، وهو محل جدل سياسي وقانوني.

ويُعد «الإطار التنسيقي» مظلة سياسية تضم قوى شيعية متعددة، لكنه ليس كتلة برلمانية موحدة؛ إذ تتباين أوزان مكوناته داخل مجلس النواب، رغم اعتماد آلية تصويت متساوية بين قياداته؛ الأمر الذي أسهم في تعقيد عملية اختيار المرشح.

وقال مصدر مطلع إن قادة «الإطار التنسيقي» توصلوا إلى تفاهمات أولية تقضي بأن يحصل المرشح على تأييد ثلثي القيادات، أي 8 من أصل 12، لضمان تمريره بالتوافق.

وأشار إلى أن هذا الاتفاق يحتاج إلى مزيد من الوقت لإنضاجه؛ ما دفع إلى تأجيل الاجتماع.

وأضاف المصدر أن بعض القوى أعلنت الحياد، في انتظار ضمان مكاسب سياسية ضمن أي تسوية مقبلة، بينما تستمر اللقاءات الثنائية في محاولة لإعادة رسم خريطة التوافق قبل اجتماع السبت.

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

مناورات سياسية

تدور المنافسة بشكل رئيسي بين رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إلى جانب أسماء أخرى تُطرح كمرشحين توافقيين. غير أن المالكي أعلن تراجعه عن الترشح، مع احتفاظه بحق تقديم بديل، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل «الإطار».

وطرح المالكي اسم باسم البدري، رئيس هيئة المساءلة والعدالة، كمرشح تسوية، في وقت تراجعت فيه حظوظ أسماء أخرى، مثل رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وفق مصادر سياسية.

وقال ضياء الناصري، عضو «ائتلاف دولة القانون»، إن المرشح باسم البدري يمتلك حالياً 6 تواقيع مقابل 3 فقط لمحمد شياع السوداني، مما يفند ادعاءات الأخير بامتلاك «الأغلبية»، مشيراً إلى أن إلى أن الآلية المتفَق عليها داخل «الإطار» تلزم الجميع بالمضي مع أي مرشح يحصد 8 تواقيع، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، لافتاً إلى وجود «فيتو» أميركي جديد ضد السوداني، على خلفية بيان يتهم حكومته بالضلوع في «كمين» استهدف القوات الأميركية، في سابقة أدَّت لاستدعاء السفير العراقي في واشنطن، لأول مرة منذ عام 2003، حسب تعبيره.

وكان قصي محبوبة، القيادي في ائتلاف «الإعمار والتنمية»، الذي يقوده السوداني، أوضح أن هناك أنباءً تشير إلى تنازل المالكي لصالح باسم البدري، متسائلاً عما إذا كان المالكي قد اتخذ قراراً فعلياً بـ«التقاعد سياسياً»، والخروج من دائرة الزعامات التقليدية التي تصدَّرت المشهد لسنوات.​

وتساءل محبوبة عن تداعيات هذه الخطوة على التحالفات القائمة، مشيراً إلى احتمال أن يكون هذا التنازل هو «القشة التي ستقسم ظهر (الإطار التنسيقي)»، في إشارة إلى عمق الخلافات أو التحولات التي قد يسببها هذا المتغيّر داخل التحالف الشيعي.

تأثيرات خارجية

تشير أوساط سياسية إلى أن الموقف الأميركي لا يزال عاملاً مؤثراً في مسار الترشيحات، خصوصاً بعد تقارير عن اعتراضات سابقة على بعض الأسماء. كما يبرز العامل الإيراني الذي لا يزال يطل على اجتماعات الغطار التسيني، وفقاً للمصادر، مع توقعات بأن تؤثر نتائج أي مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة على مآلات تشكيل الحكومة.

وفي موازاة ذلك، يزداد تعقيد المشهد، مع صعود عدد من النواب المرتبطين بفصائل مسلحة داخل البرلمان، في ظل ضغوط وعقوبات أميركية متصاعدة على بعض تلك الفصائل.

وفي حال فشل «الإطار التنسيقي» في التوصل إلى مرشح، ضمن المهلة المحددة، قد يضطر رئيس الجمهورية إلى تكليف مرشح الكتلة التي يُتفق على كونها «الأكثر عدداً»؛ ما قد يفتح الباب أمام نزاع قانوني وسياسي جديد.