أميركا تصر على «جدول زمني واضح» لسحب «اليونيفيل» من جنوب لبنان

هل تضغط إسرائيل لإنهاء الدور الأوروبي في لبنان والشرق الأوسط؟

دورية لقوات «اليونيفيل» في بلدة حولا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان (أ.ب)
دورية لقوات «اليونيفيل» في بلدة حولا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

أميركا تصر على «جدول زمني واضح» لسحب «اليونيفيل» من جنوب لبنان

دورية لقوات «اليونيفيل» في بلدة حولا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان (أ.ب)
دورية لقوات «اليونيفيل» في بلدة حولا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان (أ.ب)

​كشف دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» أنهم يتوقعون اتصالاً وشيكاً بين وزيرَي الخارجية: الفرنسي جان نويل بارو، والأميركي ماركو روبيو، سعياً إلى تذليل عقبة وُصفت بأنها «أخيرة» أمام تصويت مجلس الأمن على التمديد 12 شهراً إضافية للقوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

وجاء ذلك بعدما كسرت الولايات المتحدة الجمعة «الإجراء الصامت» على مشروع القرار المعدل الذي أعدته فرنسا، بوصفها حاملة القلم في مجلس الأمن للقضايا الخاصة بلبنان، في ضوء المفاوضات التي أجراها الدبلوماسيون الفرنسيون مع نظرائهم الأميركيين في نيويورك، للتوصل إلى صيغة وسطية حيال «اللغة التي ينبغي استخدامها في شأن إنهاء عمل (اليونيفيل) وسحبها من جنوب لبنان، بعد التمديد المتوقع لها خلال الأسبوع الجاري»، علماً بأن واشنطن أعطت مؤشرات واضحة إلى قبولها التجديد لمدة سنة كاملة.

وإذا لم يتفق الطرفان الأميركي والفرنسي على الصيغة النهائية خلال الاتصال المتوقع بين روبيو وبارو، يمكن لروسيا التي تترأس مجلس الأمن الشهر الحالي أن تؤجل الجلسة المقررة صباح الاثنين إلى موعد آخر، قبل انتهاء تفويضها الحالي في 31 أغسطس (آب) الجاري، وفقاً لما قاله دبلوماسي واسع الاطلاع، طالباً عدم نشر اسمه نظراً إلى حساسية المفاوضات الجارية.

إنهاء دور أوروبا في الشرق الأوسط

وعبَّر الدبلوماسي عن اعتقاده بأن الضغوط الإسرائيلية متصلة بمواقف الدول الأوروبية من قضايا أخرى في المنطقة، بما فيها إعلان فرنسا اعترافها بالدولة الفلسطينية، بينما ربط دبلوماسي آخر تشدد الولايات المتحدة في وضع جدول زمني واضح لسحب «اليونيفيل» بالضغوط التي تمارسها إسرائيل بغية «إنهاء أي دور لأوروبا في الشرق الأوسط»، علماً بأن الدول الأوروبية -ومنها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والنرويج وغيرها- تضطلع بدور رئيسي في القوة المؤقتة التي بدأت انتشارها الأول على أثر الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، ثم توسعت بعد حرب عام 2006 بين إسرائيل و«حزب الله».

وتستفيد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من «عدم شهيَّة» مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتعاون مع أدوار الأمم المتحدة، بما فيها عمليات حفظ السلام عبر العالم.

صيغة فرنسية معدلة

وبعد المفاوضات التي أُجريت طوال الأسبوع الماضي، وزَّعت فرنسا صيغة معدلة لمشروع قرار التمديد لـ«اليونيفيل» ضمنتها تعديلات تستجيب إلى حد بعيد لمطالب الولايات المتحدة. وأدخلت تعديلات على ديباجة مشروع القرار، بما يفيد أن مجلس الأمن «يرحب بجهود الحكومة اللبنانية لممارسة سيادتها على كامل أراضيها، من خلال القوات المسلحة اللبنانية، وعدم الاعتراف بأي سلطة سوى سلطة الحكومة اللبنانية»، ملاحظاً «إيجابية التقدم الذي أحرزته (اليونيفيل) منذ 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في اكتشاف مخابئ الأسلحة، وفي تعزيز وجودها من خلال الدوريات وعمليات التفتيش في المواقع ذات الأهمية، وكان ذلك بالاشتراك مع القوات المسلحة اللبنانية».

عنصران من القوة الفرنسية بـ«اليونيفيل» يحملان نظام «مسترال» للدفاع الجوي في قاعدة عسكرية أممية بجنوب لبنان (أ.ب)

فقرات إضافية

ووفقاً لمشروع القرار الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن التعديلات طالت أيضاً فقراته العاملة، فصارت الأولى منه تنص على أن مجلس الأمن «يقرر تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 أغسطس 2026، مع التخطيط لانسحابها» طبقاً لما تنص عليه الفقرة الخامسة التي تشكل محور المفاوضات الجارية حالياً.

وتنص الفقرة الخامسة بصيغتها المعدلة على أن مجلس الأمن «يُشير إلى عزمه العمل على انسحاب (اليونيفيل) بغية جعل الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان، شريطة أن تسيطر الحكومة اللبنانية بشكل كامل على كل الأراضي اللبنانية، ولا سيما من خلال الدور الذي تضطلع به القوات المسلحة اللبنانية وكل المؤسسات الأمنية للدولة، وأن يتفق الطرفان على ترتيب سياسي شامل».

وأضيفت إلى هذه النص فقرتان إضافيتان، تطلب الأولى من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن «يُجري بحلول الأول من مارس (آذار) 2026 مراجعة استراتيجية من أجل: (أ) تقييم شروط انسحاب اليونيفيل، بهدف أن يبدأ الانسحاب التدريجي لـ(اليونيفيل) في موعد أقصاه 31 أغسطس 2026، و(ب) استكشاف الخيارات المتاحة لمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انسحابها، ومنها سبل تعزيز الدعم لإعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني من خلال أدوات الأمم المتحدة».

جندي في القوة الفرنسية بـ«اليونيفيل» خلال مهمة في بلدة دير كيفا بجنوب لبنان (أ.ب)

وتنصّ الثانية على دعوة الحكومة اللبنانية إلى «الاحترام الكامل لكل أحكام اتفاق وضع القوات المؤرخ 15 ديسمبر (كانون الأول) 1995، حتى رحيل العنصر الأخير من القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان، وبخاصة الأحكام المتعلقة بحرية حركة قوة (اليونيفيل) في كل أنحاء لبنان، فضلاً عن امتيازاتها وحصاناتها»، مع مطالبة الحكومة اللبنانية بـ«اتخاذ كل الخطوات المناسبة لاحترام سلامة وأمن قوة الأمم المتحدة وأفرادها المرتبطين بها ومعداتهم ومبانيهم».

وكذلك يطلب من «(اليونيفيل) أثناء تنفيذ انسحابها، وبما يتماشى مع ممارسات الأمم المتحدة المعمول بها واللوائح والقواعد المالية، اتخاذ كل الخطوات والاحتياطات العملية لضمان نقل الأصول بأمان إلى سيطرة الكيان المُعيَّن، ويُطلب من الأمين العام للأمم المتحدة إبقاء مجلس الأمن على اطلاع منتظم بالتطورات المتعلقة بهذه العملية».

واعتبر المفاوضون الأميركيون أن هذه الفقرات تترك الباب مفتوحاً أمام بقاء «اليونيفيل» بعد 31 أغسطس 2026، وهذا ما تعارضه بشدة حكومة نتنياهو وبعض المسؤولين الأميركيين المؤيدين لإسرائيل.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

تحليل إخباري البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

أعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بابقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تستأنف قصف جنوب لبنان بعد لقاء نتنياهو - ترمب

استأنف الجيش الإسرائيلي الجمعة غاراته الجوية في جنوب لبنان، بعد انتهاء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

لم يكن جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، خارج دائرة الحرب بقدر ما كان خارج توقيتها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

أكدت «دار الفتوى» في لبنان أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق «رجل دين» متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ضابط إسرائيلي يستعرض خلال جولة إعلامية وسائل قتالية ضبطها الجيش في غزة ولبنان وسوريا (أ.ف.ب)

رئيس حكومة لبنان يتعهّد ببسط سلطة الدولة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بمواصلة مسيرة الاصلاح وبسط سلطة الدولة، وإنهاء الاعتداءات الاسرائيلية وإزالة الاحتلال

«الشرق الأوسط» (بيروت)

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، الجمعة، سلسلة غارات جوية عنيفة على جنوب لبنان.

واستهدف الطيران الإسرائيلي بغارات سهل عقماتة وأطراف الريحان في منطقة جبل الريحان، واتبعها بعد دقائق بسلسلة غارات عنيفة مستهدفاً المنطقة الواقعة بين بلدتي أنصار والزرارية ملقياً عدداً من الصواريخ من نوع «جو - أرض».

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن «غارة العدو الإسرائيلي اليوم على بلدة أنصار قضاء النبطية أدت إلى إصابة مواطن بجروح».

كما تعرضت الوادي الواقعة بين بلدتي كفروة وعزة في قضاء النبطية لـ3 غارات جوية إسرائيلية.

من جهته، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قواته نفذت غارات على مواقع لـ«حزب الله» في عدة مناطق بجنوب لبنان.

وأكد أدرعي عبر منصة «إكس» أن الجيش استهدف «بنى تحتية إرهابية» تابعة لـ«حزب الله» منها مجمع تدريبات لوحدة قوة الرضوان ومبانٍ عسكرية قال إنها كانت تُستخدم لتخزين وسائل قتالية.

وقال المتحدث إن «وجود البنى التحتية التي تم استهدافها إلى جانب إجراء التدريبات العسكرية يُشكّل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان».

وجرى التوصل إلى هدنة بين إسرائيل و«حزب الله» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بوساطة أميركية بعد قصف متبادل لأكثر من عام، لكن إسرائيل ما زالت تسيطر على مواقع في جنوب لبنان رغم اتفاق الهدنة وتواصل شن هجمات على شرق البلاد وجنوبها.


«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

رغم المواقف الحاسمة للبطريركية المارونية المتمسكة بحصرية السلاح، وباتفاق هدنة مع إسرائيل، فإن قيادة «حزب الله» تبدو متمسكة بإبقاء قنوات التواصل فاعلة مع بكركي (مقر البطريركية) بعدما كانت قد شهدت خلال فترة حرب إسناد غزة وما تلاها، نوعاً من البرودة.

وأعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي، وضم النائبين علي فياض ورائد برو، وعضوي المكتب السياسي في الحزب أبو سعيد الخنسا وعبد الله زيعور للتهنئة بالأعياد وعرض الأوضاع الراهنة على الساحتين المحلية والإقليمية مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بإبقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية، رغم الخلاف بينهما في مقاربة ملفات استراتيجية.

حوار ضمن ثوابت بكركي

وأكد مصدر كنسي فضّل عدم ذكر اسمه أن «العلاقة والتواصل لم يتوقفا بين الحزب وبكركي حتى خلال الحرب الأخيرة، وإن كانت لم تُسجل زيارات لاعتبارات أمنية مرتبطة بـ(حزب الله)»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «النقاشات الحاصلة بين الطرفين كانت ولا تزال قائمة ضمن ثوابت بكركي التي يشكل اعتمادها طريق خلاص لبنان». وأضاف المصدر: «البطريركية مصرة على أن خلاص لبنان بحياده وبحصرية السلاح، وتطبيق القرارات الدولية وصولاً لإطلاق بحث جدي بموضوع الهدنة».

وأشار المصدر إلى أن «(حزب الله) يُظهر انفتاحاً في مقاربة كل هذه الملفات، ولا يعلن رفضاً قاطعاً لأي طرح... حتى إنه يقول إنه مع حصرية السلاح، ولكن وفق ظروف ومعطيات معينة وأنه مع الهدنة لا الاستسلام»، لافتاً إلى أن ما يسعى الحزب إليه راهناً، «هو إظهار أنه جاهز للحوار والتلاقي مع الداخل، ولا يريد الصدام، وقد يكون ذلك يندرج بإطار سعيه لكسب الوقت معولاً على متغيرات معينة بالمنطقة».

حوار عميق

يصف الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، الزيارة التي قام بها وفد الحزب إلى بكركي بـ«المهمة جداً»، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن «حوار عميق بين الحزب والبطريركية المارونية لم ينقطع منذ سنوات عدة؛ ولذلك هذا اللقاء الهام هو استكمال للحوار وليس مجرد تهنئة بروتوكولية بمناسبة الأعياد».

ويشير قصير إلى أن «(حزب الله) يشارك في حوار فكري وسياسي بإشراف بكركي حول مختلف التحديات التي تواجه لبنان، خصوصاً تطبيق اتفاق الطائف وملف الانتخابات البرلمانية والسلاح ودور لبنان في المنطقة»، موضحاً أن «هناك لقاءات حوارية تُعقد في جامعة القديس يوسف باشراف بكركي ومشاركة مؤسسة ألمانية، ويشارك الحزب فيها دورياً، وهناك جلسة ستُعقد، الأسبوع المقبل، وتشارك فيها 40 شخصية لبنانية».

إدارة الخلاف

من جهته، يرى جاد الأخوي، المعارض الشيعي اللبناني، ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» أن «حزب الله» يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكركي «لاعتبارات تتجاوز المجاملات البروتوكولية، وتدخل في صلب حساباته الوطنية والاستراتيجية»، موضحاً أن «المواقف العالية النبرة الصادرة عن البطريركية، لا سيما فيما يتصل بالسلاح أو بالسيادة أو بالحياد، تُدرَك في بيئة الحزب على أنها تعبير عن هواجس تاريخية لدى المسيحيين أكثر مما هي اصطفاف كامل في محور سياسي معادٍ؛ لذلك يفضّل بعض الحزبيين إدارة الخلاف عبر الحوار، لا تكريسه عبر القطيعة».

ويرى الأخوي: «بالنسبة للحزب، فإن إبقاء العلاقة مع بكركي يندرج في إطار استراتيجية لتظهير نفسه قوةً لبنانيةً لا طائفيةً، قادرة على التواصل مع جميع المكوّنات، لا كتنظيم مذهبي منغلق. هذا الأمر له أهمية خاصة في مراحل الضغط الداخلي والخارجي، حيث يحتاج الحزب إلى تثبيت صورة (الشريك الوطني) لا (الطرف المعزول)». ويضيف: «يفضّل الحزب علاقة متوترة، ولكن مفتوحة مع بكركي، في بلد تُدار أزماته دائماً على حافة الانقسام الوجودي».

نظرة تاريخية

كانت العلاقة بين الراعي والحزب اهتزت، الصيف الماضي، على خلفية مواقف عالية النبرة أطلقها البطريرك الماروني رأى فيها أن «المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران»، ووجَّه حينها رسالة إلى الحزب قائلاً: «رسالتي إلى (حزب الله): أعلِن ولاءك النهائي للبنان». وقال إن حرب إسناد غزة التي بدأها «حزب الله» قد «أتت بالخراب على أبناء لبنان»، معلناً أنه «لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة».

وكثيراً ما تولت لجنة مشتركة تضم ممثلين عن بكركي و«الثنائي الشيعي» تنظيم العلاقة بين الطرفين، والخوض في نقاشات شتى لتقريب وجهات النظر بينهما. وقد فعّلت نشاطها بعد تولي البطريرك الراعي سدة البطريركية على أساس أن علاقة بكركي والحزب ساءت جداً في عهد البطريرك الراحل نصر الله صفير نظراً لمواقفه السلبية الصريحة من «الحزب» وسلاحه والنظام السوري.

كذلك لم تستقر علاقة الطرفين منذ تولي الراعي مهامه؛ إذ ساءت في عام 2014 مع قرار الراعي زيارة القدس لملاقاة البابا فرنسيس. ونبّه «حزب الله» في وقتها الراعي من «مخاطر وتداعيات» الزيارة التي كانت في حينها الأولى من نوعها لبطريرك ماروني إلى القدس منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.


انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
TT

انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)

لا يزال ملف اختيار مرشح كردي لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، المخصص عرفاً للكرد، محاطاً بالغموض والتباينات السياسية بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسط ترقب لإعلان الاسم النهائي للمرشح عن الاتحاد الوطني.

وقال مصدر مقرب من الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يقدم مرشحه الرسمي حتى الآن، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الاسم النهائي يوم الاثنين المقبل، وهو الموعد النهائي لتسليم قائمة المرشحين إلى رئيس البرلمان».

وأضاف المصدر أن «وسائل الإعلام تتداول قائمة أسماء غير رسمية، ولم يجر الاتفاق على مرشح نهائي».

وأكدت مصادر سياسية أن الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد رشح نفسه من جديد للمنصب، في خطوة فاجأت قيادات كردية، فيما يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الدفع بمرشح تسوية، حتى لو كان من الاتحاد الوطني أو مقرباً منه، في إطار سعيه لإعادة صياغة التوازنات التقليدية داخل البيت الكردي.

اجتماعات للحسم

من المتوقع أن تعقد قيادتا الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان اجتماعين منفصلين، غداً السبت، في محافظتي أربيل والسليمانية، لمناقشة موقف كل حزب بشأن المنصب.

ووفق وكالة «شفق نيوز»، فإن الاتحاد الوطني سيعرض خلال اجتماعه أسماء مرشحيه، أبرزهم نزار آمدي وخالد شواني، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي بحضور رئيس الحزب بافل طالباني.

في المقابل، سيجتمع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة زعيمه مسعود بارزاني، وبحضور نائبيه نيجيرفان ومسرور بارزاني، لبحث ترشيح كل من ريبر أحمد وزير داخلية الإقليم الحالي، وفؤاد حسين وزير الخارجية، للمنصب ذاته.

ويتوقع أن يتبع الاجتماعين عقد لقاء موسع يضم قيادات الحزبين، في محاولة للتوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى اختيار مرشح واحد يمثل البيت الكردي، وهو ما تطالب به الكتل السياسية الأخرى لضمان تمرير الاستحقاق دون تعقيدات.

الرئيس العراقي الحالي عبد اللطيف رشيد (موقع رئاسة الجمهورية)

خلافات كردية

وتتسع دائرة الخلافات الكردية - الكردية، من دون سجالات علنية، بسبب آلية اختيار الرئيس المقترحة من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في وقت تشهد فيه العملية السياسية برمتها توازنات هشة داخل المكونات الرئيسية الثلاثة، وسط مخاوف من أن تنعكس هذه الخلافات على الاستحقاقات الدستورية المقبلة.

ويخصص العرف السياسي في العراق منصب رئيس الجمهورية للكرد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بينما تذهب رئاستا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة المحاصصة التقليدية.

وقد ظل المنصب، منذ عام 2005، من حصة الاتحاد الوطني بموجب تفاهمات غير مكتوبة، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي بالمناصب السيادية داخل الإقليم.

آلية انتخاب

في نهاية 2025، دعا بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية الكردي، مقترحاً ثلاث آليات: أن يسمي برلمان الإقليم شخصية تمثل الكرد، أو أن تتفق جميع الأطراف الكردستانية على مرشح واحد، أو أن تختار الكتل والنواب الكرد في البرلمان العراقي مرشحاً للمنصب. وأكد بارزاني أن الأهم هو تحقيق إجماع كردي، وأن يكون الرئيس «ممثلاً لشعب كردستان في بغداد»، من دون ربطه بحزب محدد.

غير أن هذا المقترح فتح باباً جديداً للنقاش داخل البيت الكردي، خصوصاً بين الحزبين الرئيسيين؛ إذ يرى الاتحاد الوطني في المنصب ركناً أساسياً من نفوذه السياسي، بينما يطمح الحزب الديمقراطي إلى كسر العرف التقليدي لضمان دور أكبر له في توزيع المناصب السيادية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار الخلافات الكردية، حتى وإن بقيت صامتة، قد ينعكس على مسار التفاوض داخل بغداد، خصوصاً مع ترابط استحقاق رئاسة الجمهورية بتوازنات أوسع تشمل اختيار رئيس الوزراء وترتيبات التحالفات داخل البرلمان.