خطة فرنسية - أميركية لإنهاء مهمة «اليونيفيل» في 18 شهراً

برّاك أقنع مسؤولي ترمب بالحفاظ على القوة المؤقتة حالياً وسط «تفهم» لبناني

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات الاثنين مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة وبدا في الخلف نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات الاثنين مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة وبدا في الخلف نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
TT

خطة فرنسية - أميركية لإنهاء مهمة «اليونيفيل» في 18 شهراً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات الاثنين مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة وبدا في الخلف نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات الاثنين مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة وبدا في الخلف نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)

كشف دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» عن أن مشروع القرار الذي وزعته فرنسا في مجلس الأمن للتجديد 12 شهراً للقوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل)، يواجه تحفظاً من الولايات المتحدة التي تسعى إلى وضع جدول زمني واضح للبدء في تصفية البعثة الأممية التي تنتشر في جنوب البلاد منذ 48 عاماً، وسط ضغوط إسرائيلية لإنهاء عملها فوراً.

وعملت الدبلوماسية الفرنسية بشكل دؤوب مع المفاوضين الأميركيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، للتوصل إلى مشروع القرار الذي وزع على أعضاء مجلس الأمن خلال جلسة مغلقة عقدت بعد ظهر الاثنين؛ لمناقشة وضع «اليونيفيل» التي ينتهي تفويضها الحالي في 31 أغسطس (آب) الحالي.

وبصفتها رئيسة لمجلس الأمن هذا الشهر، حددت روسيا، الاثنين المقبل، موعداً للتصويت على النص الذي وصفه دبلوماسيون بأنه «متوازن»؛ إذ إنه يستجيب لمطالبة الحكومة اللبنانية بالتجديد لـ«اليونيفيل» من جهة، ولمساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض مساهمة الولايات المتحدة في كل عمليات حفظ السلام عبر العالم، بما فيها «اليونيفيل»، من جهة أخرى.

وتضغط إدارة ترمب لسحب قوات الأمم المتحدة في كل من جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي. غير أن بريطانيا ودولاً أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وغيرها تصر على إبقاء مهمة «اليونيفيل» في لبنان، رغم مطالبة إسرائيل بسحبها.

الجدل الإسرائيلي

دورية للقوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز)

ورداً على ذريعة الجانب الإسرائيلي للمطالبة بإنهاء عمل «اليونيفيل» لأن اسمها يشير إلى أنها «قوة مؤقتة» وهي تواصل عملها منذ بدء انتشارها الأول عام 1978، كشف الدبلوماسي الذي طلب عدم نشر اسمه لأن المفاوضات لا تزال جارية على المسودة المقترحة، عن أن أعضاء مجلس الأمن عبروا عن «ارتياحهم»؛ لأن الجانب اللبناني يبدي «تفهماً لطبيعة العمل المؤقتة لليونيفيل»، علماً بأن ذلك «لا يعني انسحابها في هذا الوقت الحرج»، في إشارة إلى الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتق الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية المختلفة، والتي تشمل حفظ الأمن على طول الحدود اللبنانية - السورية لمنع تسلل أي إرهابيين، وفي محيط المخيمات الفلسطينية تمهيداً لسحب السلاح منها، فضلاً عن الاستعداد لتنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية في شأن «حصرية» السلاح ضمن مؤسسات الدولة، بما يشمل الأسلحة التي يملكها «حزب الله»، وتلبية التزامات لبنان في شأن التفاهمات الواردة في ورقة المبعوث الأميركي توم براك.

ووفقاً لمصدر أميركي، أبدى براك «تفهماً مقابلاً» لمشاغل المسؤولين اللبنانيين في شأن ضرورة استمرار عمل «اليونيفيل» خلال الأشهر المقبلة، علماً بأنه كان واضحاً لجهة أن مسؤولين كباراً في الإدارة لديهم موقف غير محبذ للعمل الذي تقوم به أجهزة الأمم المتحدة.

ويبدو أن ذلك يشير ضمناً إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، وهو قريب من الرئيس ترمب. ورغم ذلك، توجد تباينات رئيسية مع وجهة نظر إسرائيل التي تضغط لسحب للقوة بذريعة عدم فاعليتها. ويرى دبلوماسيون أن سحب «اليونيفيل» في الوقت الراهن «سيؤدي إلى فراغ هائل لا يمكن للحكومة اللبنانية وقواها الذاتية ملأه على الفور».

تشدد روبيو

ووقّع روبيو أخيراً على خطة من شأنها تقليص عمل «اليونيفيل»، وإنهاء وجودها في غضون الأشهر الستة المقبلة، علماً بأن «اليونيفيل» التي تتألف حالياً من نحو 10500 جندي من 47 دولة، اضطلعت بدور مهم في مراقبة الوضع الأمني في جنوب لبنان، لكنها أثارت انتقادات من عدد من المشرعين الأميركيين، الذين يعدّونها «هدراً غير فعال للمال، ولا تؤدي إلا إلى تأخير هدف القضاء على نفوذ (حزب الله)، واستعادة السيطرة الأمنية الكاملة للجيش اللبناني».

وهذه مجرد خطوة أخرى في ظل تقليص إدارة ترمب بشكل كبير لأولوياتها وميزانيتها للشؤون الخارجية، بما في ذلك التعبير عن تشككها في التحالفات الدولية، وخفض تمويل وكالات الأمم المتحدة وبعثاتها.

وبدعم من براك نجح المفاوضون اللبنانيون والفرنسيون في الضغط على روبيو وآخرين لدعم تمديد مهمة «اليونيفيل» لعام إضافي، تليه فترة ستة أشهر لتصفية عملياتها.

ودفعت هذه الأجواء المفاوضين الفرنسيين إلى توجيه «نصيحة» للجانب اللبناني بعدم الإصرار على «مجرد التجديد التقني» لبعثة «اليونيفيل» خشية أن يؤدي ذلك إلى استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لمنع ذلك.

المبعوث الأميركي توم براك خلال زيارته الأخيرة للبنان (د.ب.أ)

مشروع القرار

وصاغ الدبلوماسيون الفرنسيون مشروع القرار، الذي يتضمن ديباجة وعشر فقرات عاملة، بشكل يراعي مطالب الولايات المتحدة إلى حد ما. وتمثل ذلك خصوصاً في الفقرة العاملة الخامسة التي تنص على أن مجلس الأمن «ينوي العمل على انسحاب (اليونيفيل) بهدف جعل الحكومة اللبنانية الضامن الوحيد للأمن في جنوب لبنان، شريطة أن تسيطر حكومة لبنان سيطرة كاملة على كل الأراضي اللبنانية»، داعياً المجتمع الدولي إلى «تكثيف دعمه، بما في ذلك المعدات والمواد والمال» للجيش اللبناني. وربط سحب «اليونيفيل» بأن يتفق الطرفان اللبناني والإسرائيلي «على تسوية سياسية شاملة».

ولا يتضمن مشروع القرار موعداً محدداً لسحب «اليونيفيل». وخلال المفاوضات، اقترح المفاوضون الأميركيون تقليص المهمة لأسباب مالية، في ظل التخفيضات الكبيرة المتوقعة في ميزانية الأمم المتحدة، علماً بأن أحد الخيارات المطروحة يتمثل بتقليل عدد جنود «اليونيفيل» مع تعزيز وسائلها التكنولوجية لمراقبة الوضع على الأرض. غير أن النص الفرنسي المقترح لم يتضمن أياً من هذه التفاصيل.

وباستثناء ممثل الولايات المتحدة، أكد دبلوماسي في مجلس الأمن أن الأعضاء الـ14 الآخرين خلال الجلسة المغلقة أيدوا النص الذي اقترحته فرنسا، فيما حرص الجانب الأميركي على أنه ينبغي تمديد المهمة لعام أخير فقط. ولم يشأ الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية التعليق على «المفاوضات التي لا تزال جارية حول (اليونيفيل)»، أو على درجة مشاركة نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، في هذه المفاوضات نيابة عن إدارة الرئيس ترمب..

نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس خلال زيارتها الأخيرة للبنان (أ.ب)


مقالات ذات صلة

العيادات النقالة... خيار سكان جنوب لبنان للحصول على رعاية طبية

المشرق العربي عناصر من «يونيفيل» يقدمون الرعاية الصحية لمواطنة في جنوب لبنان (يونيفيل)

العيادات النقالة... خيار سكان جنوب لبنان للحصول على رعاية طبية

يلجأ غالبية سكان قرى الحافة الأمامية والخلفية، لخيار العيادات الطبية النقالة للحصول على الرعاية الطبية، خياراً «أكثر أماناً وأقل تكلفة»

حنان حمدان (بيروت)
خاص لقطة عامة تظهر الدمار اللاحق بكنيسة سان جورج في بلدة يارون الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

خاص كيف ترهب إسرائيل العائدين إلى القرى الحدودية اللبنانية؟

يقول أبناء المنطقة الحدودية اللبنانية إن القصف العشوائي الإسرائيلي يُدار بمنطق تكريس بيئة خوف تهدف إلى تعطيل الحياة اليومية ومنع تثبيت أي عودة طبيعية للسكان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ضابط في الجيش اللبناني إلى جانب ضابط إيطالي ضمن عديد «اليونيفيل» خلال مهمة مشتركة في جنوب لبنان (اليونيفيل)

إيطاليا تطلب رسمياً من لبنان إبقاء قواتها في الجنوب بعد انسحاب «اليونيفيل»

طلبت إيطاليا رسمياً من لبنان، إبقاء قوات لها في منطقة العمليات الدولية جنوب الليطاني بجنوب البلاد بعد انسحاب «اليونيفيل» منها، وهو مطلب رحب به لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

النازحون من جنوب لبنان ينتشرون في العمق... ويبدأون حياة جديدة

لا يزال نحو مائة ألف مواطن لبناني من الطائفة الشيعية، تهجروا من منازلهم ومناطقهم نتيجة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، يعيشون في مناطق متفرقة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» تعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

3 أولويات لاجتماع باريس لدعم الجيش اللبناني

3 أولويات لاجتماع باريس لدعم الجيش اللبناني، ولأن فرنسا قلقة من تصعيد إسرائيل، فإنها تقترح آلية تحقق مما يقوم به الجيش جنوباً في عملية نزع سلاح «حزب الله».

ميشال أبونجم (باريس)

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)

أكدت القيادة المركزية الأميركية، السبت، شن ضربات واسعة النطاق ضد أهداف لتنظيم «داعش» في سوريا.

وقالت القيادة المركزية، في بيان، إن الضربات جاءت ضمن العملية التي بدأت في 19 ديسمبر (كانون الأول) بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب.

وأضافت القيادة أن الضربات تأتي ضمن «التزامنا المستمر باستئصال الإرهاب ضد قواتنا وقوات التحالف بالمنطقة».

كانت قناة تلفزيون «فوكس نيوز» قد نقلت عن مسؤولين قولهم، في وقت سابق اليوم، إن عدة أهداف تابعة لـ«داعش» في سوريا تعرضت لضربات جوية. ولم تتضح بعد نتائج هذه الضربات.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، إن القوات الجوية البريطانية والفرنسية ​نفذت عملية مشتركة لقصف مستودع أسلحة تحت الأرض يشتبه في أن تنظيم «داعش» في سوريا كان يستخدمه.

وتقوم الطائرات الغربية بدوريات لمنع التنظيم المتشدد الذي حكم أجزاء ‌من سوريا ‌حتى عام 2019 ‌من ⁠الظهور ​مجدداً. ‌وقالت بريطانيا إن تحليلاً مخابراتياً حدد منشأة تحت الأرض يُعتقد أنها تُستخدم لتخزين الأسلحة والمتفجرات في الجبال الواقعة شمال تدمر.

وقال وزير ⁠الدفاع البريطاني جون هيلي: «يُظهر هذا العمل قيادة المملكة المتحدة وعزمها على الوقوف جنباً إلى جنب مع حلفائنا لمنع أي عودة لـ(داعش) وآيديولوجياتهم الخطيرة والعنيفة في الشرق الأوسط».


سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
TT

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء اليوم (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

وقالت وزارة الطاقة السورية في بيان لها، تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه: «توقف ضخ المياه من محطة البابيري في ريف حلب الشرقي عند الساعة 30: 5 من مساء اليوم، وذلك نتيجة إيعاز مباشر من عناصر عسكرية تابعة لتنظيم (قسد)».

وأكد بيان وزارة الطاقة أن «محطة البابيري تخضع لسيطرة تنظيم (قسد)، وتعد المصدر الرئيس المغذي لمدينة حلب وريفها، وقد أدى توقفها إلى حدوث أضرار مباشرة طالت كامل المحافظة، وانعكست سلباً على حياة المواطنين والخدمات الأساسية».

قوات أمن سورية تنتشر بحي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)

وحمّلت وزارة الطاقة السورية «تنظيم (قسد) المسؤولية الكاملة عن هذا الانقطاع المتعمد. ونؤكد أن استهداف البنية التحتية الحيوية وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية يعدان انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الإنسانية والدولية».

وجاء في بيان الوزارة: «التزامنا ببذل كل الجهود الممكنة لإعادة ضخ المياه وتأمين الخدمات، وندعو الجهات المعنية والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه هذه الممارسات التي تمس الأمن الخدمي والإنساني لملايين المواطنين».


ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
TT

ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)

تزامن مرور عام على تولّي الرئيس اللبناني جوزيف عون رئاسة الجمهورية، مع مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة يشهدها لبنان، في ظل تداخل الأزمات الداخلية مع تداعيات الحرب الإسرائيلية والتطورات الإقليمية. وخلال السنة الأولى من العهد، برزت مقاربات مختلفة في إدارة عدد من الملفات السيادية والأمنية والعلاقات الخارجية، بحيث يبقى ملف الأمن تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وانتخب قائد الجيش السابق جوزيف عون في 9 يناير (كانون الثاني) 2024 بعد أكثر من عامين من الفراغ في سدة الرئاسة، متعهداً بأن تبدأ معه «مرحلة جديدة من تاريخ لبنان».

وجاء انتخاب عون الذي حظي بتأييد واسع من الكتل النيابية، بمن فيهم الثنائي الشيعي؛ حركة «أمل» و«حزب الله»، بعد نحو ثلاثة أشهر من الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، التي انتهت بـ«اتفاق وقف الأعمال العدائية» ينص بشكل أساسي على حصرية السلاح بيد الدولة وسحب سلاح «حزب الله».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً البابا ليو الرابع عشر في بيروت (الرئاسة اللبنانية)

العهد أعاد انتظام المؤسسات

«مرور سنة على العهد يفرض تقييماً موضوعياً لما تحقق وما لم يتحقق على المستوى السياسي»، حسب ما يؤكد عضو اللقاء الديمقراطي (الحزب التقدمي الاشتراكي)، النائب بلال عبد الله، معتبراً أنّ أبرز ما يُسجَّل هو إعادة وضع المؤسسات الدستورية والإدارية على السكة الصحيحة.

وأوضح عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنّ السنة الأولى شهدت «قيام حكومة فعلية، وبداية تنشيط جدي للإدارة العامة، وملء مجالس إدارات وهيئات ناظمة طال انتظارها، إضافة إلى الشروع في معالجة ملفات مزمنة تتعلق بقوانين إصلاحية قديمة أو غير مكتملة»، لافتاً إلى أن «ملف القضاء كان من العناوين التي حظيت بتركيز واضح خلال هذه المرحلة».

اجتماع بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

واعتبر أنّ «أهم إنجاز سياسي يتمثّل في الالتزام العملي بخطاب القسم، ولا سيما العمل مع رئيس الحكومة على تثبيت منطق الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، من دون تعريض الساحة الداخلية لأي اهتزاز أمني»، مشيراً إلى أنّ سياسة الانفتاح على الدول الراغبة بمساعدة لبنان شكّلت خياراً ثابتاً، وتجلّت خصوصاً في تعزيز الحضور اللبناني ضمن المسارات الدبلوماسية والآليات الدولية المعنية بالوضع اللبناني».

إصلاحات لم تكتمل

في المقابل، شدّد عبد الله على أنّ «الإصلاحات المالية الجوهرية لم تُنجز بعد»، مؤكداً أنّ «أي إصلاح مالي لا قيمة له إذا لم ينصف المودعين، ولم تُستكمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات والمساعدات».

ملف الأمن تحدٍّ مركزي

وقال عبد الله هذه الملفات «لا تقع على عاتق مجلس الوزراء والعهد وحدهما، بل تتطلب تعاوناً مباشراً ومسؤولاً مع مجلس النواب»، لافتاً إلى أنّ ملف الأمن وبسط سلطة الدولة يشكّل تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وأضاف: «خطة الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني أُنجزت، فيما يُفترض الانتقال إلى خطوات شمال الليطاني»، لكنه ربط ذلك «بالحاجة إلى حدّ أدنى من وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ووقف مناخ التهويل المستمر بحرب جديدة على لبنان»، معتبراً أنّ «غياب أي ضمانات فعلية بوقف العدوان أو الانسحاب الإسرائيلي يُعقّد مهمة الدولة».

الرئيس جوزيف عون خلال الاحتفال بذكرى شهداء الجيش في وزارة الدفاع الوطني (الرئاسة اللبنانية)

وفيما أكّد أنّ «العهد، ضمن الظروف الداخلية والخارجية القائمة، كان على مستوى المسؤولية وسعى إلى توفير الحد الأدنى من الاستقرار والأمان للبنانيين»، ولفت إلى أنّ «استكمال بناء الدولة لا يرتبط فقط بالعمل الداخلي، بل أيضاً بالمسار الخارجي»، مشدّداً على أنّ «(حزب الله) لا يسهّل هذه المهمة في كثير من المحطات، إلا أنّ الإسرائيلي يبقى العامل الأخطر والأكثر تهديداً للاستقرار اللبناني».

انتقال من الخطاب إلى الفعل

بدوره، رأى المحلل السياسي عباس ضاهر أن قضية حصر السلاح شكّلت الملف الأبرز في العام الأول من العهد.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن قرار دعم الخطة العسكرية لبسط سلطة الدولة جنوب نهر الليطاني، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة، أعادا تثبيت معادلة الدولة مرجعيةً وحيدةً للأمن، ولو ضمن نطاق جغرافي محدد.

وأشار ضاهر إلى أن «الملف الأبرز يتمثّل في مقاربة رئيس الجمهورية لمسألة حصر السلاح بيد الدولة، من خلال طرح مفهوم الاستراتيجية الأمنية الوطنية، وما رافقه من دعم سياسي لإقرار الخطة العسكرية في مجلس الوزراء»، معتبراً أن «هذا المسار شكّل الإطار العملي الأول لمعالجة هذا الملف الشائك، لا سيما جنوب نهر الليطاني، في انتظار استكمال المعطيات المرتبطة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطورات الوضع الميداني».

غير أن هذا التقدّم بقي محكوماً بسقف التوازنات الداخلية والإقليمية، في ظل استمرار الخلاف حول مصير سلاح «حزب الله» خارج الجنوب، ما دفع العهد إلى اعتماد مقاربة تدريجية، تُراكم الوقائع بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

الرئيس عون متفقداً غرفة عمليات الأمن الداخلي ليلة رأس السنة (الرئاسة اللبنانية)

استعادة هيبة الدولة

وشدّد ضاهر على «أنّ الإصرار على معالجة الواقع الأمني، وهو أحد العناوين الأساسية في خطاب القسم، تُرجم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بسلسلة توقيفات طالت كبار تجّار المخدرات والمتورطين في الجرائم المنظمة»، معتبراً أن «هذا التحوّل يعكس قراراً سياسياً واضحاً بإعادة الاعتبار لهيبة الدولة، بعيداً عن منطق التسويات أو المحسوبيات».

عودة إلى الحضن العربي

على المستوى الخارجي، سجّل العهد اختراقاً واضحاً في ملف العلاقات العربية، بعد سنوات من القطيعة والجفاء. فقد أعاد لبنان فتح قنوات التواصل السياسي مع عواصم عربية أساسية، مستنداً إلى خطاب رسمي أقل استفزازاً، وأكثر التزاماً بالحياد.