غزيون غاضبون يهاجمون الأسواق بعد ارتفاع جنوني للأسعار

رواتب لا تكفي لشيء مع إغلاق البنوك وسط أزمة سيولة... ووفيات بسبب الجوع

طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على غذاء في مدينة غزة (أ.ب)
طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على غذاء في مدينة غزة (أ.ب)
TT

غزيون غاضبون يهاجمون الأسواق بعد ارتفاع جنوني للأسعار

طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على غذاء في مدينة غزة (أ.ب)
طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على غذاء في مدينة غزة (أ.ب)

أغلق فلسطينيون غاضبون، الجمعة، غالبية الأسواق الرئيسية في مدينة غزة بعد أن هاجموها، وأجبروا أصحاب المحال والبسطات على مغادرة الأسواق ببضائعهم، بفعل الارتفاع الجنوني للأسعار ومحاولات احتكار البضائع، ورفع أسعارها من يوم إلى آخر وفق أهواء أولئك التجار، وسط غياب لحكومة «حماس» بفعل الملاحقات الإسرائيلية لعناصرها.

وشارك المئات من سكان مدينة غزة، وغالبيتهم من الشبان، في إغلاق الأسواق، في خطوة احتجاجية هي الأولى من نوعها التي تطال جميع أسواق المدينة، بعد الارتفاع الكبير في أسعار البضائع خصوصاً التي تأتي من مراكز توزيع المساعدات التي تشرف عليها «مؤسسة غزة الإنسانية» الأميركية.

فلسطينيون يصطفون للحصول على أكياس الدقيق التي يوزعها برنامج الغذاء العالمي في مدينة غزة (أ.ب)

ومن بين الأسواق التي تم إغلاقها، سوق شارع الوحدة، والساحة «ميدان فلسطين»، والصحابة، والمغربي، والشاطئ، والشيخ رضوان، وهي من أهم الأسواق الرئيسية في مدينة غزة.

ويصف بعض سكان قطاع غزة أسعار البضائع الموجودة في الأسواق بأنها «أوروبية» ودولية، في إشارة منهم للغلاء الفاحش الذي بات يواجهه السكان، والذي يفاقم معاناتهم في ظل حرب إسرائيلية مستمرة منذ نحو 21 شهراً، لم يشعروا فيها بالأمان، ووسط ارتفاع حاد في موجة المجاعة الثالثة التي يشهدها القطاع منذ بداية الحرب.

بيع المساعدات

المواطن تامر جودة (41 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»: «هؤلاء التجار يشترون المساعدات الإنسانية من الشبان الذين يتوجهون لجلبها من نقاط المساعدات الموجودة في رفح جنوب القطاع، وينقلونها لغزة ويبيعونها بأسعار باهظة الثمن، رغم أنهم يشترونها بأسعار زهيدة». ولفت إلى أن السكان يعانون من ظروف قاسية وبالكاد يستطيعون تدبر أمور حياتهم وتوفير لقمة العيش لأبنائهم في ظل هذه الأسعار الجنونية، وعدم توفر السيولة المالية التي بلغت نسبة صرفها من قِبَل الصرافين والتجار 42 في المائة، بسبب إغلاق البنوك والمؤسسات المصرفية الرسمية منذ بداية الحرب.

يجاهد سكان غزة للحصول على المساعدات... في حين تستثمر جهات أخرى في بيعها بالأسواق بأسعار باهظة (أ.ف.ب)

وأضاف جودة: «مقابل كل 1000 شيقل (نحو 300 دولار)، متوفر في حسابي الإلكتروني، أحصل على نحو 580 شيقلاً (170 دولاراً) أو أقل أو أكثر أحياناً وفق نسبة العمولة، وهذا المبلغ بالكاد يكفي لشراء بعض الخضار اللازم الذي لا يكفي لعدة أيام، وبالكاد أستطيع شراء الطحين (الدقيق) به، الذي وصل سعر الكيلو الواحد منه إلى 120 شيقلاً (أكثر من 35 دولاراً)، وهو لا يكاد يكفي حتى لوجبة واحدة في اليوم لعائلتي المكونة من 13 فرداً، ما يعني أنني بحاجة إلى 3 كيلوات من الطحين يومياً حتى أشعر أنا وعائلتي بأننا تناولنا وجبة طعام واحدة قد أشبعتنا، حتى ولو كانت من العدس أو الفول، أو الفاصولياء، أو حتى الفلافل، وهي الأصناف الأكثر وفرة التي نستطيع أن نأكلها لأنه لا يتوفر شيء آخر.

وجبة تكفي

فعلياً، فإن السكان في قطاع بغزة، بالكاد يتدبرون أمرهم لتناول وجبة واحدة تكون خفيفة، بدلاً من 3 وجبات، والكثير من السكان ينامون بلا عشاء ويتضورون جوعاً في ساعات الصباح، مضطرين الانتظار حتى ساعات الظهر لتناول وجبة الغذاء التي كانوا يعتمدون فيها على التكيات التي أغلقت معظمها بسبب عدم توفر البضائع.

بين البكاء والنحيب على فقدان أقارب نتيجة الضربات الإسرائيلية أو الحسرة والأسف والجوع بسبب نقص الغذاء في غزة (رويترز)

ورغم الأسعار الباهظة التي يفرضها التجار على سكان القطاع، فإن ما يتوفر من بضائع يعتبر شحيحاً، وبالكاد يتوفر الخضار الذي يصل سعر كيلو الصنف الواحد منه إلى نحو 60 شيقلاً (نحو 18 دولاراً) فأكثر من ذلك، فيما تتوفر بعض معلبات الفول والفاصولياء التي يتراوح سعرها من 15 إلى 20 شيقلاً (من 4 إلى 7 دولارات) في أحسن الأحوال، وهي بالكاد تكفي المعلبة الواحدة لعائلة مكونة من 5 أفراد.

وتقول المواطنة حنين أبو علبة: «مش عارفين من وين نتلقاها، من قلة السيولة، ولا الأسعار الأوروبية والأميركية اللي بيفرضوها التجار علينا»، مشيرةً إلى أن زوجها لا يستطيع توفير الطحين يومياً لأطفالها الثلاثة الذين يلاحظ عليهم النقص الشديد في وزنهم نتيجة سوء التغذية الكبير.

رواتب تتبخر

يبلغ متوسط دخل المواطن في قطاع غزة، ما بين 1000 إلى 1800 شيقل (من 300 إلى 536 دولاراً)، ومع إغلاق البنوك يضطر غالبيتهم لسحب رواتبهم التي لا تكاد تكفي لشيء، عبر صرافين بتحويل ما لديهم من أموال في المحافظ الإلكترونية، لأولئك الصرافين والتجار الذين يسلمونهم مقابل ذلك أموالاً نقدية، كانت تصل نسبة عمولتها بداية الحرب 5 في المائة، حتى وصلت في الأشهر الستة الأخيرة من 38 إلى 42 في المائة.

واضطر هذا الأمر بعض الموظفين العاملين في القطاع العام وكذلك الخاص، وحتى الكثير من المواطنين، للبحث عن عمل آخر سواء بالتوجه للمساعدات وبيعها في بعض الأحيان أو جلبها لعوائلهم، وبعضهم اضطر لفتح بسطات صغيرة لبيع ما يمكن بيعه من مواد يتم تجهيزها في البيوت مثل محليات الأطفال وغيرها.

الحياة باتت لا تطاق وعشرات الآلاف يعيشون بين الأنقاض في غزة (رويترز)

يقول الموظف في حكومة السلطة الفلسطينية، معين أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اضطر لفتح بسطة صغيرة لبيع الشراب، والحلوى للأطفال التي تقوم زوجته بصنعها في البيت، من أجل أن يوفر له يومياً نحو 30 أو 50 شيقلاً (من 9 إلى 15 دولاراً)، لتكون بمثابة سيولة نقدية بيده يستطيع من خلالها شراء بعض الحاجيات من الخضار وغيره لمنزله.

وأضاف: «وصل بنا الحال لظروف صعبة وقاسية، لا يمكن لنا أن نتخيلها»، مشيراً إلى أنه يتلقى راتباً من السلطة الفلسطينية يصل إلى 3 آلاف شيقل (894 دولاراً)، لكنه بالكاد يكفيه لنحو 10 أيام بسبب المصروفات العالية والتي تصل لـ 500 شيقل يومياً (150 دولاراً)، من أجل توفير الطحين لعائلته مع بعض المنظفات وغيرها من الاحتياجات المنزلية.

وفيات بسبب الجوع

وتسببت الظروف الحالية في ازدياد كبير في حالة المجاعة بقطاع غزة، خصوصاً أن البطالة ارتفعت ووصلت إلى أكثر من 85 في المائة في صفوف السكان، وفق إحصاءات لحكومة «حماس» وجهات دولية، كما أن هناك زيادة ملحوظة في أعداد الوفيات بفعل سوء التغذية، حيث توفي ثلاثة أطفال في غضون يومين، آخرهم صباح الجمعة، الطفل زين الدريملي (عام ونصف العام).

الطفل أحمد طليب الذي تُوفي نتيجة سوء التغذية والحصار الإسرائيلي على غزة (المركز الفلسطيني للإعلام)

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإن أعداد غير مسبوقة من المواطنين من كل الأعمار تصل إلى أقسام الطوارئ في حالات إجهاد بسبب الجوع، مشيرةً إلى أن المئات نحلت أجسامهم سيكونون عرضة للموت المحتم نتيجة الجوع وتخطي قدرتها على الصمود.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

جددت القاهرة إدانتها للاعتداءات على الدول الخليجية الشقيقة مشددة على أهمية وقفها فوراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».