بوادر اتفاق بين بغداد وأربيل تحت ضغط المسيّرات

«الإطار التنسيقي» ينفي عن الفصائل تهمة قصف حقول النفط

تصاعد الدخان بعد هجوم بطائرة من دون طيار استهدف منشآت نفطية بمنطقة زاخو بإقليم كردستان العراق يوم 16 يوليو 2025 (رويترز)
تصاعد الدخان بعد هجوم بطائرة من دون طيار استهدف منشآت نفطية بمنطقة زاخو بإقليم كردستان العراق يوم 16 يوليو 2025 (رويترز)
TT

بوادر اتفاق بين بغداد وأربيل تحت ضغط المسيّرات

تصاعد الدخان بعد هجوم بطائرة من دون طيار استهدف منشآت نفطية بمنطقة زاخو بإقليم كردستان العراق يوم 16 يوليو 2025 (رويترز)
تصاعد الدخان بعد هجوم بطائرة من دون طيار استهدف منشآت نفطية بمنطقة زاخو بإقليم كردستان العراق يوم 16 يوليو 2025 (رويترز)

جددت طائرات مسيّرة، الأربعاء، هجماتها على حقول نفط في كردستان العراق، من دون أن تتمكن السلطات الأمنية في الإقليم أو الحكومة الاتحادية من معرفة الجهات المتورطة في الاعتداءات التي تلحق أضراراً كبيرة بصناعة النفط في كردستان.

وجاءت الهجمات الجديدة بعد أقل من 48 ساعة على استهداف حقل «خورمالة» النفطي بمحافظة أربيل بطائرتين مسيّرتين، وبالتزامن مع الحديث عن بوادر اتفاق بين بغداد وأربيل لحسم الخلافات المالية بينهما، وحل مشكلة تأخر وصول الأموال اللازمة لصرف مرتبات الموظفين بالإقليم من وزارة المالية الاتحادية.

وأشارت مصادر إلى أن الاتفاق يقضي بأن تسلم حكومةُ الإقليم بغدادَ 120 مليار دينار شهرياً من الموارد المالية غير النفطية، إلى جانب 230 ألف برميل من النفط.

ومنح زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني، السبت الماضي، بغداد ما وصفها بـ«الفرصة الأخيرة» لإنهاء مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان.

ولم تصل المرتبات إلى مستحقيها منذ نحو 70 يوماً، نتيجة خلافات عميقة بشأن قضايا مالية بين بغداد وأربيل، مما يُعرّض سلطات الإقليم لحرج شديد أمام مواطنيها الذين يعانون منذ سنوات نتيجة تلك الخلافات.

ومع حالة الغموض المرتبطة باعتداءات الطائرات المسيّرة، فإنه غالباً ما تشير أصابع الاتهام، خصوصاً في إقليم كردستان، إلى تورط بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تلك الهجمات، بالنظر إلى امتلاكها هذا النوع من الطائرات، على حد قول مسؤول كردي.

وطبقاً لبيان جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان، فان الهجمات وقعت عند الساعة السادسة من صباح الأربعاء، مستهدفة حقل «دي إن أو (DNO)» النفطي في بيشخابور ضمن إدارة زاخو المستقلة، عبر طائرتين مسيّرتين مفخختين.

وعند الساعة السابعة صباحاً، جرى استهداف حقل «دي إن أو (DNO)» النفطي في طاوكي ضمن حدود إدارة زاخو المستقلة، عبر طائرة مسيّرة مفخخة.

وأكدت وزارة الثروات في إقليم كردستان وقوع الهجمات، وذكرت في بيان أن «هجوماً إرهابياً بطائرات مسيرة مفخخة استهدف فجر اليوم حقول (طاوكي) و(بيشخابور) و(عين سفني) النفطية».

ورأت الوزارة أن «الهجمات تهدف إلى ضرب البنية التحتية الاقتصادية لإقليم كردستان»، ودعت الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي إلى منع تكرار هذه الهجمات.

جانب من حقل نفطي في شيخان قرب دهوك بإقليم كردستان العراق يوم 16 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

أهداف أميركية

وقال الخبير الأمني مخلد حازم لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات الحالية ضبابية جداً؛ نظراً إلى أن معظم الاستهدافات شملت مواقع مختلفة، بين منشآت نفطية ومدنية؛ مما يعني أن الجهات المنفذة، التي قد تكون محلية، لا يمكنها القيام بهذه الهجمات لأسباب تتعلق بصراع سياسي أو ترغب في تعديل كفتها أو تحقيق مكاسب سياسية؛ لأن الأمر يفوق هذه التوقعات».

ولاحظ الخبير الأمني أن القاسم المشترك بين الأهداف هو «وجود شركات أميركية في الغالب»، مما يرفع احتمالات أن تبادر واشنطن إلى اتخاذ رد فعل تجاه الأطراف المتورطة.

وأوضح حازم أن «الحالة معقدة وقد تكون خطيرة في المستقبل، لا سيما لو ثبت أن الفصائل المسلحة وراء الهجمات، خصوصاً أن السفارة الأميركية في بغداد قد أشارت في بيانها الأخير إلى أنها تبحث عن مصادر النيران، رغم أن قوات التحالف الدولي بقيادة الأميركيين هي التي تسيطر على الأجواء العراقية».

ووجه رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بـ«فتح تحقيق فوري وموسّع، لتحديد الجهات التي تقف وراء هذه الهجمات، واتخاذ الإجراءات الحازمة لمحاسبة المتورطين دون تهاون أو تردد».

وجاء في بيان من الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن «الهجمات بطائرات مسيّرة تشكل تهديداً مباشراً لمصالح العراقيين، واعتداءً على جهود الدولة في ترسيخ الاستقرار ودفع عجلة التنمية».

وأدان «حزب الاتحاد الوطني» الكردستاني الهجمات والاعتداءات التي تعرضت لها الحقول النفطية في إقليم كردستان. وقال بيان الحزب إنه «يجب وقف الهجمات بالطائرات المسيّرة على الإقليم».

وكان زعيم «حزب الاتحاد الوطني»، بافل طالباني، التقى رئيس الوزراء محمد السوداني في بغداد، الثلاثاء، لبحث حل الخلافات بين بغداد وأربيل.

وأعلن مجلس وزراء الإقليم، الأربعاء، عن حدوث تفاهم جديد مع الحكومة الاتحادية بشأن الرواتب والمستحقات المالية للموظفين والعاملين بالقطاع العام في كردستان.

وكان مجلس وزراء إقليم كردستان عقد اجتماعاً برئاسة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني، وبمشاركة نائب رئيس الوزراء، قوباد طالباني، لإدانة الهجمات الإرهابية التي استهدفت الإقليم، لا سيما الحقول النفطية، والتي تسببت في أضرار مادية جسيمة لقطاع إنتاج النفط.

ودعا المجلس الحكومة الاتحادية إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ خطوات فعلية لوقف هذه الهجمات، ومحاسبة المتسببين فيها، وفق الأطر القانونية.

ويقضي الاتفاق بموافقة حكومة إقليم كردستان على تسليم 120 مليار دينار شهرياً من الإيرادات المحلية، و230 ألف برميل من النفط يومياً إلى بغداد.

أفادت السلطات بأن طائرات محملة بالمتفجرات ضربت 3 حقول نفطية في إقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

«الفصائل بريئة»

من جهته، حاول «الإطار التنسيقي» تبرئة الفصائل المسلحة من استهداف الحقول النفطية في إقليم كردستان. وقال القيادي في «الإطار» النائب عامر الفايز في تصريح صحافي، إن «الحكومة العراقية جادة في البحث عن مصادر المسيّرات»، مشيراً إلى أن التحالف الحاكم «يرفض الزج بالعراق في أي صراع بالمنطقة، وهذا الأمر عليه إجماع سياسي، وكذلك إجماع من قبل الفصائل المسلحة».

وأضاف الفايز أن «توجه الفصائل المسلحة الحالي مع استقرار العراق، ومع عدم التورط في أي معارك جانبية أو أي صراع في المنطقة»، مؤكداً أن «قادة فصائل أبلغوا (الإطار التنسيقي) والحكومة العراقية عدم وجود أي علاقة لها بعمليات القصف عبر المسيّرات».


مقالات ذات صلة

قوات التحالف بقيادة أميركا بدأت الانسحاب من شمال العراق

المشرق العربي مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

قوات التحالف بقيادة أميركا بدأت الانسحاب من شمال العراق

أفاد وزير في إقليم كردستان العراق، الخميس، بأن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة المتطرفين بدأت الانسحاب من شمال العراق.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عبد الأمير الشمري مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية خلال اجتماع للتنسيق مع إقليم كردستان (إعلام حكومي)

بغداد وأربيل تتفقان على إغلاق معابر «التهريب والعصابات»

اتفاق من 17 نقطة بين بغداد وأربيل من شأنه «إغلاق معابر غير رسمية تستخدم للتهريب»، وفق بيان أمني عراقي...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

«الكردستاني» يهدد بوقف «عملية السلام» مع تركيا

هدد حزب «العمال الكردستاني» بوقف «عملية السلام» الجارية مع تركيا، بسبب التركيز على نزع السلاح، وطالب بتحديد وضع زعيمه عبد الله أوجلان وموقف قياداته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي ضابط في «بيشمركة روج» التابعة للمجلس الوطني الكردي السوري

مسؤول سوري ينفي وجود مباحثات لدمج «بيشمركة روج» بالجيش

نفى نائب محافظ الحسكة ما ورد في تقارير صحافية عن مقترح من الحكومة السورية يقضي بدمج قوات «بيشمركة روج» السورية الكردية الموجودة حالياً في إقليم كردستان العراق

موفق محمد (دمشق)
الاقتصاد رجل يسير في حقل للنفط بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

العراق: الزيدي يدعو للوصول بإنتاج النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً بحلول 2030

دعا رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الثلاثاء، إلى العمل على زيادة إنتاج النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً، بحلول عام 2030.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

أكراد سوريا يسعون إلى الحفاظ على التعليم بالكردية

طلاب يحضرون حصة دراسية في بداية العام الدراسي في القامشلي - سوريا 6 سبتمبر 2026 (رويترز)
طلاب يحضرون حصة دراسية في بداية العام الدراسي في القامشلي - سوريا 6 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

أكراد سوريا يسعون إلى الحفاظ على التعليم بالكردية

طلاب يحضرون حصة دراسية في بداية العام الدراسي في القامشلي - سوريا 6 سبتمبر 2026 (رويترز)
طلاب يحضرون حصة دراسية في بداية العام الدراسي في القامشلي - سوريا 6 سبتمبر 2026 (رويترز)

يسعى الأكراد السوريون إلى الحفاظ على التعليم بلغتهم الأم في الوقت الذي تعيد فيه دمشق فرض سلطتها على المناطق الكردية التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي خلال الحرب الأهلية التي استمرت سنوات، ورحّبوا بمرسوم يسمح بتدريس بعض المواد باللغة الكردية، لكنهم أشاروا إلى أنه لا يلبي مطلبهم بمنهج دراسي كامل باللغة الكردية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وبرزت هذه القضية في بداية أول عام دراسي منذ إعادة دمج المناطق السورية ذات الأغلبية الكردية في الدولة بموجب اتفاقيات بين دمشق والسلطات التي يقودها أكراد. واحتج التلاميذ في المناطق الكردية على تطبيق منهج دراسي جديد باللغة العربية.

ويُعد دور اللغة الكردية مسألة حساسة بالنسبة للأكراد. فقد كانت محظورة في المدارس في عهد عائلة الأسد، التي كانت تتبنى أفكار حزب البعث القومية العربية، لكنها ازدهرت خلال سنوات حكم الأكراد الذاتي في شمال سوريا.

وأطاحت المعارضة بالرئيس بشار الأسد في عام 2024. ويواجه أكراد سوريا حالياً واقعاً سريع التغيّر بعد أن استولت الدولة بقيادة الرئيس أحمد الشرع على المناطق التي كان يديرها الأكراد في هجوم شنته في يناير (كانون الثاني)، ما مهد الطريق لمفاوضات بشأن كيفية دمج مؤسساتهم الأمنية والمدنية، في الوقت الذي يسعى فيه الأكراد إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكاسبهم.

وقبل بدء العام الدراسي، أصدرت وزارة التربية والتعليم مرسوماً تعترف فيه بأن الكردية لغة وطنية ستدرس في المناطق التي يشكل فيها الأكراد جزءاً كبيراً من السكان، مستجيبة بذلك لمطلب كردي منذ فترة طويلة.

لكن الأكراد، الذين تلقوا تعليمهم باللغة الكردية بشكل شبه كامل منذ عام 2012، يعترضون على هذا القرار لأنه يقصّر تدريس اللغة الكردية على ثلاث حصص أسبوعياً.

وقال مسؤولون أكراد إن المرسوم أتاح خيار تدريس الجغرافيا والتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة باللغة الكردية، لكن العلوم والرياضيات ستدرس باللغة العربية بموجب الترتيبات الجديدة.

وقالت سوزان علي (16 عاماً): «درست اللغة الكردية منذ بداية دراستي وحتى الصف الحادي عشر، والآن يقولون إنهم سيخصصون ثلاث حصص دراسية فقط للغة الكردية. هذا أمر غير مقبول».

وأضافت: «نصف المنهج باللغة الكردية والنصف الآخر باللغة العربية، لا يمكننا الدراسة باللغة العربية. يجب أن ندرس بلغتنا الأم لأننا درسنا باللغة الكردية منذ البداية ويجب أن نستمر على ذلك حتى الجامعة».

وقالت ميرفا أمو (18 عاماً) إنها احتجت للمطالبة «بالعودة إلى المنهج السابق الذي كانت تدرس فيه جميع المواد باللغة الكردية»، وإنها ستواصل التظاهر.

ولم ترد وزارة التعليم على طلب للتعليق.

وقال وزير التعليم محمد عبد الرحمن تركو أمام البرلمان، أمس الاثنين، إن هناك رأيين، أحدهما يدعو إلى تدريس اللغة الكردية مع المواد الأخرى، والآخر يدعو إلى ترجمة المنهج الدراسي بالكامل إلى اللغة الكردية.

وأضاف، في مقتطفات من الجلسة نشرتها شبكة «عفرين الآن» الإخبارية على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ترجمة المنهج بالكامل إلى اللغة الكردية أمر صعب جداً بسبب ضرورة توفير معلمين لجميع التخصصات، متسائلاً كيف سيستكمل الطالب دراسته الجامعية.

طلاب يسيرون في مدرستهم في أول يوم من العام الدراسي الجديد في القامشلي - سوريا 6 سبتمبر 2026 (رويترز)

خطوة «جيدة» لكنها لا ترقى إلى مستوى آمال الأكراد

أكراد سوريا جزء من مجموعة عرقية وجدت نفسها بلا دولة عندما تشكلت حدود الشرق الأوسط الحديث في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية.

وفرضت جماعات كردية سيطرتها على مساحات شاسعة من شمال سوريا بعد عام 2011، وشكلت جماعة مسلحة قوية حاربت تنظيم «داعش»، إلى جانب قوات أميركية، وأقامت حكماً ذاتياً كانت تأمل في الحفاظ عليه.

لكن قبضتهم تراجعت عقب الهجوم الحكومي في يناير، وبسبب دعوة واشنطن لهم للاندماج مع دمشق.

وتمخضت المفاوضات منذ ذلك الحين عن حل القوات التي يقودها الأكراد ودمجها في وزارة الدفاع.

وقالت إلهام أحمد، وهي مسؤولة سورية كردية، إن المرسوم يمثل «خطوة أولية جيدة» لكنه لا يلبي «مطالب مجتمعنا».

وأضافت لوكالة «رويترز»: «نعتقد أن جميع المواد الدراسية ينبغي تدريسها باللغة الكردية، إلى جانب الإنجليزية والعربية ولغات أخرى، لا سيما في هذه المناطق. من الضروري للشعب الكردي أن يتعلم بلغته الأم، ومع ذلك فإن ما نراه الآن يُعد خطوة (إيجابية)».

ومضت تقول إن الدستور الجديد ينبغي أن يكرس الحق في التدريس باللغة الكردية.

ويتحدث أكراد سوريا الكرمانجية، وهي لهجة من اللغة الكردية تكتب بأحرف لاتينية. وتنتمي اللغة الكردية إلى عائلة اللغات الهندو-أوروبية، لذا فهي تختلف عن اللغة العربية.

معلّم يدعو إلى فترة انتقالية

تعهد الشرع بحماية حقوق الأقليات، كما عيّن مظلوم عبدي، القائد السابق للقوات الكردية التي جرى حلها، مستشاراً في الرئاسة السورية.

وكانت اللغة الكردية تدرس سراً في عهد الأسد.

وعبّر معلم يدعى محمد أحمد عن توقعه أن يواجه الطلاب الذين لم يتعلموا إلا باللغة الكردية صعوبات، وطالب بفترة انتقالية مدتها عام أو عامان.

وقال: «بالنهاية والله نتمنى أن الأمور تمشي بسهولة وبسلاسة. kتقبل وضع المنطقة هنا بالأخص أن هناك حساسية تتصل بهذه النقاط».


السفير الأميركي يجول في جنوب لبنان وسط تحركات إسرائيلية واستمرار التوتر الميداني

السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

السفير الأميركي يجول في جنوب لبنان وسط تحركات إسرائيلية واستمرار التوتر الميداني

السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

جال السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، الثلاثاء، في زوطر الغربية وقَعقعية الجسر بجنوب لبنان، برفقة وفد من مجلس الإنماء والإعمار، متفقداً مرافق خِدمية وبنى تحتية، في حين تزامنت جولته مع تحرك لآليات الجيش الإسرائيلي داخل زوطر الشرقية المجاورة وتحليق مُسيّرة إسرائيلية في أجواء المنطقة، في وقت أعادت فيه إسرائيل الحديث عن تعثر تجربة «المناطق التجريبية» التي كانت زوطر الغربية إحدى أولى ساحاتها.

واستهل عيسى جولته من دير سيدة البشارة في زوطر الغربية، حيث تفقّد عدداً من المرافق، في حين سجلت بالتزامن حركة للآليات الإسرائيلية داخل زوطر الشرقية، وحلقت مُسيّرة إسرائيلية في أجواء المنطقة.

وتكتسب الجولة أهمية بالنظر إلى موقع زوطر في الترتيبات الميدانية التي شهدها الجنوب، خلال الأشهر الأخيرة، بعدما شكلت زوطر الغربية إحدى بلدات المرحلة التجريبية الأولى، في حين بقيت زوطر الشرقية خارج انتشار الجيش اللبناني مع استمرار الوجود والتحركات الإسرائيلية فيها.

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني بالمنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو 2026 (رويترز)

زوطر الغربية ضمن المرحلة التجريبية

وبدأ الجيش اللبناني، في 21 يوليو (تموز) 2026، انتشار وحداته داخل زوطر الغربية، ضِمن المرحلة الأولى من «المناطق التجريبية» التي شملت أيضاً فرون وصريفا.

وأكد الجيش يومها أن وحداته دخلت زوطر الغربية، بعد التنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، في حين لم تدخل زوطر الشرقية. وأعلن أن القوات الإسرائيلية اقتربت من أطراف البلدة، وأطلقت النار على مقربة من عناصره أثناء تنفيذ مهمة الانتشار، ما عرقل استكمالها.

وبقيت زوطر الشرقية، منذ ذلك الحين، خارج انتشار الجيش اللبناني، وشهدت، خلال الأشهر الماضية، عمليات إسرائيلية طالت منازل ومباني ومرافق عامة. وكان الجيش اللبناني قد أعلن، في أغسطس (آب) الماضي، أن عمليات إسرائيلية أدت إلى تدمير مبنى البلدية والمدرسة الرسمية والمستوصف وحضانة للأطفال وعدد من المنازل، وعدَّ أن استمرار هذه العمليات يعرقل انتشار وحداته وعودة السكان.

وتزامنت جولة السفير الأميركي مع إعادة إسرائيل طرح مسألة «المناطق التجريبية» من زاوية مختلفة، إذ قالت «القناة 14» الإسرائيلية إن «المسار التجريبي» لنزع سلاح «حزب الله» فشل، محمّلة الجيش اللبناني مسؤولية عدم تنفيذ ما تعدُّه تل أبيب التزامات مطلوبة منه.

ونقلت القناة عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن التقديرات في تل أبيب تشير، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى وجود تنسيق بين عناصر في الجيش اللبناني و«حزب الله»، مضيفاً: «لقد فشل المسار التجريبي، ولا تعريف آخر يمكن إطلاقه عليه».

وتبقى هذه الاتهامات جزءاً من الموقف الإسرائيلي من أداء الجيش اللبناني، في مقابل تأكيدات لبنانية متكررة أن الجيش يُنفذ قرارات السلطة السياسية وينتشر ضِمن الإمكانات والظروف الميدانية المتاحة له، في حين يربط لبنان استكمال انتشاره بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف العمليات التي تعوق دخوله عدداً من المناطق.

وكانت إسرائيل قد أبلغت واشنطن، في وقت سابق، باعتراضها على توسيع تجربة المناطق التجريبية، وربطت الانتقال إلى مناطق جديدة بشروط تتصل بنزع سلاح «حزب الله» وآليات المراقبة والتحقق، في وقت يتمسك لبنان بأن يكون وقف العمليات والتدمير والانسحاب الإسرائيلي مدخلاً لاستكمال انتشار الجيش.

دبابات إسرائيلية تتحرك ببلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان كما تبدو من بلدة زوطر الغربية 8 أغسطس 2026 في ظل استمرار الخلاف مع إسرائيل حول الانسحاب من مناطق إضافية بالجنوب وتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» (أ.ف.ب)

تحركات إسرائيلية بالتزامن مع الجولة

وسجل، خلال وجود الوفد الأميركي في زوطر الغربية، تحرك لآليات إسرائيلية داخل زوطر الشرقية، بالتزامن مع تحليق مسيّرة في أجواء المنطقة.

ترافق ذلك مع استمرار العمليات العسكرية في عدد من مناطق الجنوب، حيث طالت عمليات قصف وتفجير بلدات ومناطق؛ بينها المنصوري وكفرتبنيت وعلي الطاهر وكونين ومجدل زون، في حين استمر تحليق الطيران الحربي والمسيّر فوق مناطق جنوبية، وصولاً إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية.

وجاء التصعيد بعد مواقف لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال فيها إن قواته دمّرت ما وصفه بـ«أكبر معاقل (حزب الله)» في مرتفعات قلعة الشقيف وعلي الطاهر، معلناً مواصلة تدمير «البنية التحتية في المنطقة الأمنية بلبنان»، ومشيراً إلى أن العمليات لم تنتهِ بعد.

موكب السفير الأميركي ميشال عيسى خلال زيارته جنوب لبنان (وكالة الأنباء المركزية)

محطة «هاتفية» قرب دير البشارة

وخلال جولته في زوطر الغربية، تفقّد عيسى، برفقة موظفين من شركة للهاتف الخليوي، محطة للاتصالات وضعتها الشركة قرب دير سيدة البشارة.

وتندرج إعادة خدمات الاتصالات ضمن الجهود الهادفة إلى تأهيل البلدات المتضررة وتوفير مقوّمات عودة السكان، إلى جانب إعادة تشغيل شبكات الكهرباء وفتح الطرق وإزالة الأنقاض وإصلاح المرافق العامة.

وتُشكل إعادة البنى التحتية أحد المسارات الموازية لانتشار الجيش في البلدات التي تسمح الظروف الميدانية بدخوله إليها، في ظل أضرار واسعة لحقت الطرق والمنشآت والخدمات، خلال العمليات العسكرية.

جسر قعقعية الجسر

وانتقل عيسى، بعد زوطر الغربية، إلى بلدة قعقعية الجسر، حيث تفقّد الجسر ضمن جولته على مشاريع البنى التحتية في المنطقة.

ويُشكل خط قعقعية الجسر - زوطر الغربية ممراً أساسياً للوصول إلى البلدة، وكان الجيش اللبناني قد سلكه عند بدء انتشاره في زوطر الغربية، خلال يوليو الماضي، في ظل تعذر الوصول إليها من جهة زوطر الشرقية.

ويُعد الجسر من المرافق الحيوية في شبكة الطرق التي تربط منطقة النبطية بعدد من البلدات الجنوبية، في حين يندرج ملف تأهيل الطرق والجسور المتضررة ضمن مشاريع إعادة الخدمات وتسهيل عودة السكان وحركتهم في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة.


الجيش الإسرائيلي يخشى «شتاء لبنان»

مركبات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان في وقت سابق من هذا الشهر (أ.ف.ب)
مركبات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان في وقت سابق من هذا الشهر (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يخشى «شتاء لبنان»

مركبات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان في وقت سابق من هذا الشهر (أ.ف.ب)
مركبات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان في وقت سابق من هذا الشهر (أ.ف.ب)

يخشى قادة الجيش الإسرائيلي من أن بقاء القوات في الأراضي اللبنانية طيلة فترة الشتاء قد يكلفها ثمناً دموياً كبيراً، مع تراجع محتمل للقدرات العملياتية في الطقس الصعب، ومعلومات استخباراتية تفيد بأن «حزب الله» يحاول تشغيل خلايا في المنطقة من أجل حرب عصابات.

وحذر ضباط في القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، بحسب موقع «واللا»، من أن جمود القوات في الميدان وظروف الشتاء القاسية سيشكلان تهديداً طويل الأمد للجيش، وسيكلفانه ثمناً باهظاً، وسيؤديان إلى سقوط قتلى. وبحسب الضباط، تظهر المعلومات الاستخباراتية بالفعل أن العدو يتعلم ويستخلص الدروس ويحاول تشغيل خلايا حرب العصابات دون أن يلاحظه أحد.

والتقديرات في القيادة الشمالية للجيش أن «حزب الله» لن يبقى إلى الأبد في حالة من ضبط النفس التام ودون رد فعل، وينتظر كبار قادته بفارغ الصبر التطورات في الساحة الإيرانية، وكل شيء يعتمد على طهران.

مقابل ذلك، وفي هذه المرحلة، حدد الجيش الإسرائيلي «منطقة إبادة» بين المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمنطقة الخاضعة لسيطرة «حزب الله»، ووفقاً لتعريف قائد القيادة الشمالية، اللواء رافي ميلو، سيتم القضاء على أي شخص يدخل هذه المنطقة.

وقال موقع «واللا» إن جهوداً حثيثة بُذلت في الأسابيع الأخيرة لتعزيز التعاون بين القوات البرية والجوية والاستخبارات العسكرية «أمان» من أجل تسريع إغلاق دوائر النيران بدقة، وقد أثمر هذا التنسيق نتائج ميدانية ملموسة على أرض الواقع، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في أروقة القيادة هو: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وماذا سيحدث عند حلول فصل الشتاء القارس وما يصاحبه من طقس قاس يميز المنطقة، ويؤثر بشكل مباشر على قدرات القوات البرية والجوية؟

وكتب أمير بوخبوط، معلق الشؤون العسكرية والأمنية في «واللا»، أنه «يمكن وصف هذه المشكلة التي ستتفاقم بـ(الوحل اللبناني)». وأكد بوخبوط أنهم في المؤسسة الأمنية يدركون أن «حزب الله» هذا لم يعد هو نفسه الذي كان في بداية الحرب قبل نحو ثلاث سنوات، فالتنظيم يُدار دون قيادته القوية التي تمتلك الخبرة، ولا يستفيد مثل السابق من الميزانية الضخمة التي كان يتمتع بها عبر الدعم الإيراني، ودون ترسانته الهائلة من الأسلحة، والمواقع السرية تحت الأرض، والقادة الميدانيين المخضرمين الذين كانوا يعرفون كل مسار على الحدود الشمالية، ومع تحدٍّ كبير للغاية يتمثل في دفع الرواتب والمعاشات التقاعدية للمتقاعدين، ودعم أسر القتلى، وتقديم المساعدة للجرحى والأسر المحتاجة، واستياء في حاضنته، لكنهم يدركون أيضاً أنه لا ينبغي الاستهانة بالمنظمة الشيعية.

وقال الضباط في القيادة الشمالية إن المنظمة تعمل بالفعل على تعزيز قوتها وتستعد للمرحلة التالية، بما في ذلك زيادة استخدام الطائرات المسيّرة والطائرات االمزودة بتقنية الألياف الضوئية، والتي أثبتت فاعليتها في الاشتباكات الأخيرة. كل هذا يأتي في ظل مخاوف «حزب الله» من أن الخطوة التالية للجيش قد تكون نحو النبطية، التي تُعرف كما قال «واللا» بأنها القدس بالنسبة لـ«حزب الله»، وهي «معقل شيعي» يكتفي الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة بشن غارات جوية عليه.

وليس معروفاً كيف سيتصرف الجيش قبل حلول الشتاء. وقال بوخبوط إنه من غير الواضح ما إذا كان الجيش الإسرائيلي، في ظل أزمة الميزانية، يملك الأموال الكافية للاستعداد لفصل الشتاء في جميع الجبهات، حيث سيكون الوضع أكثر تعقيداً في لبنان، وما إذا كانت فرق الجيش الإسرائيلي، في ظل العبء الواقع على القوات النظامية، تتدرب على استئناف الحرب وتُعد خططاً عملياتية يمكن تنفيذها في أي لحظة. وأضاف: «قد يتحول التقاء كل هذه النقاط الحساسة إلى نقطة ضعف كبيرة في أي مواجهة».