«رسائل كبرياء وكسر عظام» بين الصدر و«الإطار التنسيقي»

التيار ناور بـ800 ألف ناخب... وخصومه طلبوا «رسالة بخط اليد»

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
TT

«رسائل كبرياء وكسر عظام» بين الصدر و«الإطار التنسيقي»

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)

عند منتصف ليل الأحد - الاثنين في النجف جنوب العراق، خرج «وزير القائد»، وهو حساب على «إكس» يتحدث باسم مقتدى الصدر، ليقول إن قادة التيار الصدري في «اجتماع مستمر»، ويسألون عمّن يمكن دعمه بالانتخابات المقرّرة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

فتح البيان المقتضب مزاداً ساخناً على نحو 800 ألف صوت حصدها التيار الصدري في انتخابات 2020، وقيل إن سياسيين «لم يخلدوا إلى النوم تلك الليلة، يتخيّلون كيف سيكون مذاق الفوز» بأصوات الكتلة الانتخابية الأكثر تماسكاً في العراق، لكن «أيقظت الضرائب والشكوك الجميع».

سأل المتحدث باسم الصدر عن «كتلة مرشحة يكون برنامجها حلّ الميليشيات ودمج الحشد الشعبي في القوات الأمنية». وفي الأجواء العراقية الملبدة يُعدّ هذا ضرباً للخطوط الحمراء، على الأقل بالنسبة لتحالف «الإطار التنسيقي»، وفصائل موالية لإيران.

قبل ذلك بساعات، كان مطبخ الانتخابات «الشيعي» مشغولاً باحتمالات عودة الصدر إلى الانتخابات؛ إذ علمت «الشرق الأوسط» من مصادر متقاطعة أن لقاءات كثيرة أُجريت لاختبار تغيير مواعيد مفوضية الانتخابات «من أجل عيون الصدر».

مطلع يوليو (تموز) تسرّب أن وسطاء التقوا قيادات من «الإطار التنسيقي» لاختبار الفرصة التي يمكن من خلالها تغيير مواعيد مفوضية الانتخابات التي كانت أغلقت، بعد تمديد متكرّر، باب تسجيل المرشحين والكتل المتنافسة دون أن يبادر الصدر.

وأُثير لغط حول هوية الوسطاء ومصالحهم، وكيف لهم أن يغامروا بتحريك قطعة شطرنج لصالح زعيم منسحب مثل الصدر. وادّعى كثيرون أنها «مجرد قصة للمناورة»، وفي حالة التيار الصدري الذي بات يجيد المناورات مع الصحافيين، يصعب الجزم بشيء.

الآلاف من أتباع الصدر في مظاهرة بساحة التحرير وسط بغداد (د.ب.أ)

«بخط يد الصدر»

إلّا أن المصادر تحدّثت عن تصعيد مواقف متسارع بعد ردود فعل شيعية نقلها الوسطاء إلى التيار الصدري. إذ طالب زعيم بارز في «الإطار التنسيقي» بورقة مكتوبة «بخط يد الصدر» يشرح فيها مطالبه «إن كان يريد المشاركة في الانتخابات فعلاً». كان هذا الزعيم يريد تنازلاً صريحاً من الصدر، يمكن استخدامه ضمانة.

تنقّل الوسطاء بين مكاتب أحزاب شيعية، وتعرّفوا على مواقف أكثر ممانعة لتغيير القواعد من أجل الصدر، وقالت مصادر إن «زعيمين آخرين في الإطار التنسيقي شكّكا في الوساطة ولم يتحمّسا لعودة الصدر، وقال أحدهما إنه لا وقت للمناورات».

فضل القادة الأقل تحفظاً في «الإطار التنسيقي» إرسال طلب إلى مقرّبين من المرجع الديني علي السيستاني للسؤال عمّا إذا كانت «هناك مباركة بأي اتجاه لزعيم التيار الصدري، الذي يقاطع وربما يعود».

لم يحصل أحد على جواب صريح، نظراً لما تصفه المصادر، بـ«الطريقة الصارمة التي تتبعها المرجعية في إعلان المواقف»، لكن أجواء النجف القديمة، وهي الحيّ الذي يضم مدارس الحوزة الشيعية ومنازل المراجع الدينية، أفادت بأن «النصيحة المتاحة هي حماية الاستحقاق الانتخابي بشكل عام، وأنها لا تتدخل في التفاصيل».

ما يخشاه الصدر

خلال نقل الرسائل المزعومة، سمع المراقبون حديثاً عن مجموعات «ترغب بشدة» بأن يعود الصدر إلى العملية السياسية. تقول المصادر إن بينهم صدريين «يشعرون بالملل من انسحابهم الطويل، وتُقلقهم الآن 4 سنوات إضافية من الغياب عن البرلمان والحكومة والمجال العام»، وفق المصادر.

وتفيد المصادر بأن «الوسطاء الذين ينشطون في نقل الرسائل كانت فكرة طيف من صدريين شغوفين بالعودة إلى العمل السياسي».

يقول عقيل عباس، وهو باحث عراقي مقيم في واشنطن، إن «التحدي الذي يواجهه الصدر ولا يواجهه نوري المالكي - على سبيل المثال - إضافة لآخرين في الإطار التنسيقي، أن يكون قادراً على الاحتفاظ بتياره دون عصيان وهو خارج السلطة»، ويرى أن «قيادات الصدر انتظرت 4 سنوات بانضباط عالٍ، لكن المزيد سيكون صعباً عليهم».

ويعتقد الباحث أن أحزاب «الإطار التنسيقي» تحاول استقطاب قيادات صدرية للمشاركة في الانتخابات ضمن قوائمها، ومن وجهة نظره فإن حدوث هذا السيناريو سيشكل نقطة تحوّل في تماسك التيار الصدري.

وكان الصدر، قرر في 13 يوليو 2025، طرد 31 شخصاً من صفوف التيار، لمخالفتهم أوامره بمقاطعة الانتخابات، وقيامهم بالترشح للانتخابات، بحسب وثيقة أصدرتها «سرايا السلام»، وهي الجناح العسكري للصدر.

مع ذلك، وبالنسبة لمقرّبين من التيار الصدري، فإن «رواية أن الصدر احتاج إلى وسطاء شبه مستحيلة، وهي من قصص كثيرة يختلقها الإطار التنسيقي». يقول أحدهم، وهو مساهم سابق في القرار السياسي داخل التيار وقد انسحب إلى الدراسة، إن «مقاطعة العملية السياسية مريحة وغير مكلفة، وتسمح للصدر بمراقبة الآخرين يقعون في أخطاء كارثية».

جزء مما يقوله هذا القيادي للصحافيين «تكتيك»، خصوصاً أن «الصدر يحب الغموض، ويخلق الترقب لخصومه والمقرّبين منه، بينما يحتفظ بشيء من الحقائق لدائرة ضيقة جداً شديدة القرب منه»، بحسب عقيل عباس الذي يرى أن زعيم التيار يحب أيضاً «منح الانطباع دائماً بأن الأشياء ستحدث».

أرشيفية لمؤيدي مقتدى الصدر خلال احتجاج بمدينة الصدر في بغداد (أ.ب)

رسائل «كسر العظام»

كان الاجتماع الذي خرج منه وزير القائد ليدلي ببيان المزاد منعقداً في الحنانة، وهي بلدة في الطريق بين النجف القديمة حيث معقل الحوزة وبيوت المراجع الدينية، وبين الكوفة. وخلال السنوات الماضية تحوّلت إلى معقل رئيس للتيار منذ أن اتخذتها عائلة الصدر مقراً لإقامتها.

تزعم روايات أن قيادة التيار الصدري تفاجأت بالرسائل التي نقلها الوسطاء، وقالت مصادر من الحنانة، إن «الصدر لم يوسط أحداً»، لكنه شعر بالغضب من المضمون «المغرور» الوارد من الإطار التنسيقي، فقرّر اللجوء إلى «كسر العظام» بأصوات ناخبيه.

منذ اللحظة التي كتب فيها «وزير القائد» عن الجهة التي تستحق مئات الآلاف من الصدريين، اشتعلت مجموعات «واتساب» المغلقة في العراق، وفق تعبير سياسي منخرط في نقاشات انتخابية ساخنة تلك الليلة. «تخيّل الجميع نفسه على ظهر حصان أبيض بعباءة التيار الصدري يقتحم البرلمان بالعدد الأكبر من المقاعد»، يقول السياسي.

وسرعان ما انتبه سياسيون، بعضهم من أحزاب ناشئة، إلى مضمون رسالة الصدر؛ إذ فيها ما فيها من «مناورات وتأويلات يحبها الصدر، كان يمكن أن تُشمّ فيها رائحة الندية وإثبات الذات». يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» إن «الموافقة على عرض يتضمن 800 ألف خيال لا يتحمّله أحد، وقد لا نحظى بصوت واحد في النهاية».

ويرى الباحث عقيل عباس أن الصدر «يمتلك بعداً استراتيجياً»، وأن خطته وفق المنظور أن «يحمي النظام السياسي ويتخلص من الطبقة السياسية الحالية»، وهو أيضاً على حد تعبير منخرطين في حوارات عن مصير التيار الصدري «الزعيم الذي ينتظر انهيار الطبقة الحاكمة ليقدم نفسه أباً للأيتام».

لكن الأوراق التي يمكن للصدر استخدامها الآن غير مضمونة، إذ يواجه صعوبة في العثور على طريق عودة يتفوق فيها «كبرياؤه السياسي» على الإطار التنسيقي، كما أن استمراره في المقاطعة يجب أن يقترن بدعم قوى بديلة تنجز المهمة بدلاً منه، لكن الذين يقفون عند باب الصدر يسألون عن ضمانات لم يسبق له أن قدمها لأحد.


مقالات ذات صلة

27 شاحنة مساعدات من «التيار الصدري» إلى غزة

المشرق العربي جانب من شاحنات المساعدات الإنسانية المقدمة من «التيار الصدري» إلى أهالي غزة (مكتب الصدر)

27 شاحنة مساعدات من «التيار الصدري» إلى غزة

تجري التحضيرات لإدخال 27 شاحنة مساعدات إنسانية مقدمة من «التيار الصدري» في العراق إلى أهالي قطاع غزة، وتشمل خياماً وبطانيات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام»  (أ.ف.ب)

الصدر يجمّد جناحه العسكري في محافظتين بالعراق

أعلن زعيم «التيار الصدري» في العراق، مقتدى الصدر، الثلاثاء، أنه قرر تجميد جناحه العسكري المعروف باسم «سرايا السلام» في محافظتي البصرة وواسط جنوبي البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي زعيم التيار الشيعي الوطني العراقي مقتدى الصدر (أرشيفية - رويترز)

العراق... الصدر يجمّد قوات «سرايا السلام» في البصرة وواسط

قرر زعيم التيار الشيعي الوطني العراقي مقتدى الصدر، الثلاثاء، تجميد «سرايا السلام» وغلق مقراتها في محافظتي البصرة وواسط لمدة 6 أشهر.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي ناخبون عراقيون أمام مركز اقتراع في حي الشعلة غرب بغداد (الشرق الأوسط)

مقاطعة الانتخابات تحظر التجول في معاقل الصدر ببغداد

أفاد مراسل «الشرق الأوسط» في بغداد، الثلاثاء، بأن مناطق التيار الصدري في العاصمة العراق شهدت حركة انتخابية شبه معدومة خلال الساعات الأولى من التصويت.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مقتدى الصدر (أرشيفية)

انقسام حول الصدر «الحاضر الغائب» عن انتخابات العراق

رغم تكرار إعلان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مقاطعته للانتخابات البرلمانية العراقية، فإن تأثيره لا يزال يخيّم على أجواء الاستحقاق الدستوري.

حمزة مصطفى (بغداد)

لبنان بين حرب 2026 واستحقاق التفاوض الأسبوع المقبل

مواطنون يبحثون عن أغراضهم بين أنقاض مبنى تعرَّض لقصف إسرائيلي بمنطقة عين المريسة في بيروت (رويترز)
مواطنون يبحثون عن أغراضهم بين أنقاض مبنى تعرَّض لقصف إسرائيلي بمنطقة عين المريسة في بيروت (رويترز)
TT

لبنان بين حرب 2026 واستحقاق التفاوض الأسبوع المقبل

مواطنون يبحثون عن أغراضهم بين أنقاض مبنى تعرَّض لقصف إسرائيلي بمنطقة عين المريسة في بيروت (رويترز)
مواطنون يبحثون عن أغراضهم بين أنقاض مبنى تعرَّض لقصف إسرائيلي بمنطقة عين المريسة في بيروت (رويترز)

يدخل لبنان، تحت وقع الحرب المفتوحة والغارات الإسرائيلية المتواصلة، أسبوعاً مفصلياً مع التحضير لاجتماعات تمهيدية مرتقبة الأسبوع المقبل، يفترض أن تفتح مساراً تفاوضياً جديداً لوقف النار وتثبيت الحدود وضبط الجنوب. ويعيد هذا المسار إلى الواجهة ملف التفاوض اللبناني - الإسرائيلي، لا بوصفه سابقة، بل بوصفه امتداداً لمسار فرضته الحروب والوقائع الميدانية.

لكنّ الفارق الجوهري اليوم يكمن في شكل التفاوض: فمعظم المحطات السابقة جرت بصورة غير مباشرة، عبر الأمم المتحدة أو وسطاء دوليين أو لجان تقنية، في حين لم يعرف لبنان تفاوضاً مباشراً رسمياً بهذا المستوى سوى مرة واحدة سابقاً، في اتفاق 17 مايو (أيار) 1983. وهذا ما يجعل مسار 2026، من حيث الشكل، أقرب إلى سابقة «17 أيار»، وإن اختلف عنها جذرياً في السياق والظروف والأهداف.

من الهدنة إلى ترسيم الحدود... تفاوض غير مباشر

بدأ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل مع اتفاقية الهدنة عام 1949، التي وُقّعت في رأس الناقورة بعد حرب 1948 ومشاركة الجيش اللبناني في معركة المالكية، وأرست وقف الأعمال العدائية، واعتماد خط الهدنة على أساس الحدود الدولية، وإنشاء لجنة مشتركة برعاية الأمم المتحدة.

ومنذ ذلك الحين، بقيت كل الصيغ اللاحقة، باستثناء اتفاق 17 أيار 1983، ضمن إطار التفاوض غير المباشر أو التقني. ففي أبريل (نيسان) 1996، أفضت عملية «عناقيد الغضب» ومجزرة قانا إلى «تفاهم نيسان»، الذي نص على عدم استهداف المدنيين، وأسس لجنة مراقبة ضمت لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، وأسهم في خفض التصعيد حتى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000.

وبعد حرب يوليو (تموز) 2006، شكّل القرار 1701 الإطار الدولي لضبط الحدود الجنوبية، مع وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز مهمة «يونيفيل»، وحصر السلاح في تلك المنطقة بيد الدولة.

وفي 2022، خاض لبنان مفاوضات غير مباشرة بوساطة أميركية لترسيم الحدود البحرية، انتهت باعتماد الخط 23 وتثبيت حقه في استثمار حقل قانا، في تجربة عُدَّت نموذجاً للتفاوض التقني غير السياسي.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أفضى التصعيد الحدودي إلى اتفاق وقف إطلاق نار هشّ، نص على انسحاب إسرائيلي من بعض النقاط، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، ومنع الأعمال العدائية. لكنّ هشاشة التنفيذ والخروق المتكررة دفعت إلى البحث عن آلية أكثر صرامة.

«الميكانيزم»... تفاوض مباشر لضبط النار

في هذا السياق، برز عام 2025 مصطلح «الميكانيزم» بوصفه إطاراً عملياً لتثبيت وقف النار. وتشمل الصيغة المطروحة لجنة خماسية تضم لبنان، وإسرائيل، والولايات المتحدة، وفرنسا والأمم المتحدة، إلى جانب آليات رقابة تقنية وميدانية.

ويتمسك لبنان بأن يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المخولة تنفيذ أي ترتيبات داخل الأراضي اللبنانية، رافضاً منح إسرائيل أي هامش حركة ميداني.

وهنا يكمن الفارق الأساسي: فبخلاف الهدنة وتفاهم نيسان وترسيم الحدود، التي جرت كلها بصيغ غير مباشرة أو تقنية، فإنّ اجتماعات 2026 تحمل طابعاً مباشراً أو شبه مباشر؛ ما يجعلها ثاني اختبار تفاوضي مباشر بعد «17 أيار».

صورة تجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمبعوثة الأميركية مورغن أورتاغوس (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

المرّة الثانية بعد 1983

يقول النائب السابق فارس سعيد لـ«الشرق الأوسط» إنّ «ما يجري اليوم يُعدّ المرة الثانية التي تدخل فيها الجمهورية اللبنانية في تفاوض رسمي مباشر مع إسرائيل، بعد التجربة الأولى التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين استكمل الرئيس أمين الجميل مسار التفاوض بهدف تأمين الانسحاب الإسرائيلي والتوصل إلى تفاهم مع الجانب الإسرائيلي».

ويوضح سعيد أنّ «ظروف عام 1983 تختلف جذرياً عن ظروف اليوم»، مشيراً إلى أنّ «العراقيل في تلك المرحلة كانت هائلة. إذ كان العالم يعيش في ظل الحرب الباردة، وكان الاتحاد السوفياتي بقيادة يوري أندروبوف يرفض أي مسار تفاوضي قد يُخرج لبنان بالكامل إلى الضفة الأميركية». مضيفاً: «كما لم تكن العواصم العربية، وفي مقدمتها دمشق بقيادة حافظ الأسد، مشجعة على التفاوض، فضلاً عن أنّ الرأي العام اللبناني، ولا سيما في البيئة المسلمة، لم يكن مهيّأً لهذا الخيار».

ويشرح: «صحيح أنّ اتفاق 17 أيار حاز يومها تأييد غالبية النواب، لكنّ دمشق، وبالتنسيق مع المناخ الدولي الدائر في الفلك السوفياتي، حرّكت قوى شعبية وسياسية داخلية؛ ما أدى إلى انتفاضة 6 فبراير (شباط)، ثم الانقلاب على الاتفاق ومحاصرة الرئيس اللبناني آنذاك أمين الجميل في بعبدا».

ويرى سعيد أنّ «ظروف عام 2026 مختلفة تماماً. فالمناخ الدولي اليوم أكثر إيجابية، ولم يعد هناك اتحاد سوفياتي يضع فيتو على خيارات لبنان. كما أنّ المناخَين العربي والإسلامي باتا أكثر تقبلاً لفكرة التفاوض». متابعاً: «لا يوجد اليوم اعتراض من دمشق، كما لا يوجد اعتراض وطني داخلي فعلي. والمعطيات تشير إلى أنّ تشكيل الوفد المفاوض سيتمّ بما ينسجم مع الدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية».

ويؤكد سعيد أنّ «ظروف التفاوض في عام 2026 تختلف كلياً عن ظروف عام 1983؛ ما يجعل فرصة نجاح هذا المسار أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق».

تفاوض لا يعني تطبيعاً

من جهة أخرى، يلفت مصدر نيابي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الخلط بين التفاوض والتطبيع لا يستند إلى وقائع قانونية أو سياسية»، موضحاً أنّ «التفاوض، لا يعني اعترافاً دبلوماسياً أو علاقات طبيعية».

دخان متصاعد من جنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية (رويترز)

ويذكّر المصدر بأنّ لبنان سبق أن فاوض في أكثر من محطة، من الهدنة إلى تفاهم أبريل وترسيم الحدود البحرية، «من دون أن يبدّل موقعه السياسي أو القانوني من إسرائيل».

ويقول: إنّ «قرار التفاوض هو قرار سياسي بامتياز، تحكمه قواعد القانون الدولي العام واتفاقيات فيينا وجنيف»، مضيفاً أنّ «الفقه الدولي لا يعتبر التفاوض بحد ذاته اعترافاً. وقد خاض لبنان صيغاً متعددة، من غرف منفصلة إلى لجان تقنية، وكلها بقيت ضمن ملفات محددة تتصل بالأمن والحدود والسيادة».

ويشدد المصدر على أنّ «جوهر المسألة ليس في شكل التفاوض، بل في مضمونه. فإذا كان الهدف تثبيت الحدود، ووقف الاعتداءات، واستعادة السيادة، فهذا يدخل في صلب واجبات الدولة اللبنانية».


واشنطن تحث بغداد على «تفكيك الميليشيات فوراً»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تحث بغداد على «تفكيك الميليشيات فوراً»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

في تطور يعكس تصاعد الضغوط الأميركية على بغداد، وجّهت واشنطن رسالة تحذير شديدة اللهجة للحكومة العراقية، مطالبةً إياها باتخاذ خطوات فورية لتفكيك الميليشيات، في وقت تسعى فيه بغداد إلى احتواء تداعيات التوتر الإقليمي، وتوسيع نطاق الهدنة غير المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران لتشمل الساحة العراقية.

وبحسب مصادر عراقية مطلعة، فإن التزام الفصائل المسلحة، بما فيها «كتائب حزب الله»، بوقف الهجمات على المصالح الأميركية، جاء متزامناً مع سريان تفاهمات تهدئة بين واشنطن وطهران، شملت الحد من الهجمات في عدد من الساحات الإقليمية، باستثناء لبنان.

وتشير المصادر إلى أن هذه الفصائل امتنعت، خلال الأيام الماضية، عن استهداف السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء»، أو قاعدة الدعم اللوجيستي قرب مطار بغداد الدولي، وكذلك عن تنفيذ هجمات في أربيل، رغم انتهاء المهلة التي كانت قد أعلنتها سابقاً.

غير أن هذا الهدوء الميداني لم يمنع واشنطن من تصعيد لهجتها الدبلوماسية؛ فقد استدعت وزارة الخارجية الأميركية السفير العراقي في واشنطن، نزار الخيرالله، في خطوة نادرة حملت دلالات سياسية واضحة. ووفق بيان رسمي، عبّر نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، عن «إدانة شديدة» للهجمات التي وصفتها واشنطن بـ«الإرهابية»، والتي استهدفت دبلوماسيين ومنشآت أميركية، بما في ذلك هجوم وقع في الثامن من أبريل (نيسان) في بغداد.

وأكد البيان أن تلك الهجمات تأتي ضمن «سلسلة من مئات الهجمات» خلال الأسابيع الأخيرة، طالت إلى جانب المصالح الأميركية أهدافاً داخل العراق وخارجه، بما في ذلك في إقليم كردستان ودول مجاورة. وشدد المسؤول الأميركي على أن إخفاق الحكومة العراقية في منع هذه الهجمات، بالتوازي مع ما وصفه بـ«توفير غطاء سياسي ومالي وعملياتي لبعض الميليشيات»، ينعكس سلباً على العلاقات الثنائية.

واتضح من خلال البيان الأميركي أن دبلوماسيين أميركيين تعرضوا إلى كمين مسلح يوم 8 أبريل 2026؛ أي مع دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ بين إيران والولايات المتحدة. وقالت مصادر إن «مسلحين استخدموا غطاء الشرطة الاتحادية غطاء لتنفيذ الكمين الذي كاد يعترض طريق الدبلوماسيين غرب العراق».

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

«ليس احتجاجاً»

ورأى الباحث العراقي باسل حسين، رئيس مركز «كلواذ» للدراسات، أن استدعاء السفير العراقي «ليس إجراءً بروتوكولياً عادياً»، مشيراً إلى أنه الأول من نوعه منذ استدعاء السفير الروسي في واشنطن عام 2023. ويضيف أن توقيت الاستدعاء في التاسع من أبريل يحمل «رمزية خاصة في الذاكرة العراقية»، لافتاً إلى أن الرسالة الأميركية تتجاوز الاحتجاج على هجوم بعينه، لتؤكد أن «مشكلة الدولة في العراق ما زالت تكمن في عدم حسم احتكار السلاح».

في المقابل، تتحرك الحكومة العراقية على مسارين متوازيين: الأول داخلي يهدف إلى احتواء الفصائل وضبط إيقاعها، والثاني إقليمي يسعى إلى تثبيت التهدئة وتوسيعها، وفق مسؤولين في الحكومة.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

وفي هذا السياق، أجرى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مباحثات مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، تناولت سبل احتواء التصعيد في المنطقة.

وأكد السوداني، وفق بيان رسمي، أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لتثبيت وقف إطلاق النار، مع التشديد على ضرورة أن يشمل ذلك لبنان، في إشارة إلى اتساع رقعة التوتر. كما دعا إلى تعزيز التنسيق العربي لتجنب مزيد من عدم الاستقرار، مؤكداً تمسك العراق بالحلول الدبلوماسية كخيار رئيسي.

من جانبه، أعرب الوزير المصري عن دعم بلاده للتحركات العراقية الرامية إلى تجنيب المنطقة تداعيات التصعيد، مشدداً على أهمية استمرار التعاون بين مختلف الأطراف لترسيخ الأمن والاستقرار.

وبين ضغوط واشنطن ومحاولات التهدئة الإقليمية، يجد العراق نفسه أمام اختبار دقيق: إما ترجمة التزاماته إلى إجراءات ملموسة لضبط السلاح خارج إطار الدولة، أو مواجهة تداعيات تصعيد قد يعيد خلط الأوراق في منطقة لم تلتقط أنفاسها بعد.


أمين عام «حزب الله» يدعو المسؤولين اللبنانيين للكف عن «التنازلات المجانية» لإسرائيل

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب-أرشيفية)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب-أرشيفية)
TT

أمين عام «حزب الله» يدعو المسؤولين اللبنانيين للكف عن «التنازلات المجانية» لإسرائيل

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب-أرشيفية)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب-أرشيفية)

دعا الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم، الجمعة، المسؤولين في لبنان إلى الكف عن تقديم «التنازلات المجانية» لإسرائيل، قبيل انطلاق مفاوضات مرتقبة بين البلدين في واشنطن الأسبوع المقبل، في ظل تواصل الحرب بين الدولة العبرية والحزب، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال قاسم في رسالة مكتوبة بخطّ اليد بثّتها قناة «المنار» التابعة للحزب: «لن نقبل بالعودة إلى الوضع السابق، وندعو المسؤولين إلى إيقاف التنازلات المجانية»، مندداً بـ«الإجرام الدموي يوم الأربعاء»، في إشارة إلى شنّ إسرائيل غارات متزامنة على نطاق واسع، لا سيّما في بيروت، أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص بحسب وزارة الصحة.

إلى ذلك، قال مسؤول لبناني كبير لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن لبنان يعتزم المشاركة في اجتماع خلال الأسبوع المقبل في واشنطن مع ممثلين عن الولايات المتحدة وإسرائيل للمناقشة، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن موعد المحادثات لم يحدد بعد.

ميدانياً، أعلن «حزب الله» اللبناني، في ثلاثة بيانات منفصلة، الجمعة، استهداف مستوطنات كريات شمونة والمطلة ومسكاف عام الإسرائيلية بالصواريخ، مؤكداً أن ذلك يأتي رداً على خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار واعتداءاتها المتكررة على قرى الجنوب.

ومنذ ليل الخميس وفجر الجمعة شهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً واسعاً، حيث شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات استهدفت بلدات عدة.