«نعيش أهوال يوم القيامة»... الإصابات قرب مراكز توزيع المساعدات تثقل كاهل عمال إغاثة في غزة

فلسطينيون يجمعون بواقي مساعدات إنسانية في رفح بجنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يجمعون بواقي مساعدات إنسانية في رفح بجنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

«نعيش أهوال يوم القيامة»... الإصابات قرب مراكز توزيع المساعدات تثقل كاهل عمال إغاثة في غزة

فلسطينيون يجمعون بواقي مساعدات إنسانية في رفح بجنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يجمعون بواقي مساعدات إنسانية في رفح بجنوب قطاع غزة (رويترز)

أعلن مسؤولون طبيون وعاملون في المجال الإنساني وأطباء في غزة إنهم يعانون وطأة «حوادث الإصابات الجماعية» شبه اليومية، في ظل محاولتهم التعامل مع جرحى النيران الإسرائيلية على الفلسطينيين الذين يطلبون المساعدة.

وقال أطباء إن كثيراً من المصابين الذين يعالجونهم يصفون تعرضهم لإطلاق النار أثناء محاولتهم الوصول إلى مواقع التوزيع التي تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي منظمة سرية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت بتوزيع المواد الغذائية في أواخر مايو (أيار).

وأصيب آخرون مع تجمّع حشود ضخمة حول القوافل التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى غزة، والتي يتم إيقاف الكثير منها ونهبها.

وقال الدكتور محمد صقر، مدير التمريض في مجمع ناصر الطبي في خان يونس بغزة، إنه شهد بنفسه عدداً لا يحصى من حوادث الإصابات الجماعية في الأسابيع الأخيرة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وتابع صقر: «المشاهد صادمة حقاً، تُشبه أهوال يوم القيامة. أحياناً، خلال نصف ساعة فقط، نستقبل أكثر من 100 إلى 150 حالة، تتراوح بين إصابات بالغة ووفيات... نحو 95 في المائة من هذه الإصابات والوفيات تأتي من مراكز توزيع الغذاء - ما يُشار إليه بـ(مراكز توزيع الغذاء الأميركية)».

وأثقلت الخسائر البشرية بين طالبي المساعدة - والتي بلغ مجموعها 640 قتيلاً وأكثر من 4500 جريح بين 27 مايو و2 يوليو (تموز)، وفقاً لوزارة الصحة في غزة - كاهل نظام صحي على وشك الانهيار.

وقال صقر للصحيفة: «يشغل كل سرير مريض، وهذه الإصابات الإضافية تُشكل عبئاً لا يُصدق علينا. نُضطر إلى علاج المرضى على أرضية قسم الطوارئ... معظم هذه الإصابات ناجمة عن طلقات نارية في الصدر والرأس... يصل المرضى بأرجل وأذرع مبتورة».

وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الثلاثاء، أن أطباءها في غزة لاحظوا ارتفاعاً حاداً خلال الشهر الماضي في حوادث الإصابات الجماعية المرتبطة بمواقع توزيع المساعدات.

ومنذ إطلاق نظام توزيع المساعدات الجديد، الذي تُصرّ إسرائيل على أنه ضروري لمنع «حماس» من تحويل المساعدات الإنسانية، عالج مستشفى اللجنة الدولية للصليب الأحمر الميداني، الذي يضم 60 سريراً، في رفح، جنوب غزة، أكثر من 2200 جريح جراء الأسلحة، وسجَّل أكثر من 200 حالة وفاة.

وصرحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيان لها، بأن «نطاق هذه الحوادث وتواترها غير مسبوقين. ففي غضون شهر واحد فقط، تجاوز عدد المرضى الذين عُولجوا إجمالي عدد الإصابات الجماعية المسجلة خلال العام الماضي بأكمله».

من بين الجرحى أطفال صغار ومراهقون وكبار في السن وأمهات، وأغلبهم من الشباب والفتيان. ويقول معظمهم إنهم كانوا يحاولون ببساطة الحصول على طعام أو مساعدات لعائلاتهم.

كما استقبل مستشفى ميداني، يضم 86 سريراً وتديره منظمة «المملكة المتحدة - ميد» في المواصي، على ساحل جنوب غزة، كثيراً من المصابين الذين كانوا يسعون للحصول على المساعدة عند إصابتهم.

فلسطينيون أُصيبوا أثناء عودتهم من أحد مراكز توزيع المساعدات الإنسانية التابعة لـ«مؤسسة غزة الإنسانية» التي تديرها المنظمة المدعومة من الولايات المتحدة وفقاً لمستشفى ناصر يتلقون العلاج في خان يونس (أ.ب)

في هذا الصدد، قالت الدكتورة كلير جيفريز، اختصاصية طب الطوارئ البريطانية التي تعمل في المستشفى: «منذ وصولي، سُجلت الكثير من الإصابات بطلقات نارية. أخبروني كيف أُصيبوا، وقالوا إنها كانت في مواقع توزيع الطعام أو بالقرب منها».

أخبر أحد المرضى المصابين بجروح خطيرة في البطن جيفريز أنه أصيب أثناء استلامه صندوقاً من الطعام من أحد مواقع التوزيع. ولم يرد تأكيد مستقل لهذا الادعاء، ونفت «مؤسسة غزة الإنسانية» بشدة وقوع أي إصابات في أي من مواقعها، وألقت باللوم على القوات الإسرائيلية في إطلاق النار على الفلسطينيين الذين يحاولون الوصول إلى المراكز الأربعة التي أقامتها في جنوب ووسط غزة. وقالت في بيان: «حتى الآن، لم تُسجل أي حوادث أو وفيات في أي من مواقع توزيعنا أو في محيطها المباشر خلال ساعات عملنا». وأعلنت المنظمة هذا الأسبوع أنها وزعت 62 مليون وجبة في القطاع، وأنها «تعمل بلا كلل لتوزيع مساعدات غذائية مجانية مباشرة على سكان غزة بأمان ودون أي تدخل».

وأكد الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف المدنيين، ويتخذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالأشخاص غير المقاتلين، ويلتزم بالقانون الدولي. ولكن في أعقاب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس»، نقل عن جنود وصفهم أوامر بإطلاق النار على المدنيين الذين يطلبون المساعدة، قال الجيش الإسرائيلي إنه يُراجع عملياته حول مواقع توزيع المساعدات.

وأضافت جيفريز أن مستشفى «المملكة المتحدة - ميد» يعاني أيضاً نقصاً حاداً في الإمدادات الأساسية.

وقالت: «نحن نعاني بشدة... لقد نفدت لدينا المثبتات الخارجية، وهي ضرورية لعلاج الكسور المفتوحة، والأدوية الضرورية، بما في ذلك مسكنات الألم والمضادات الحيوية والمخدرات. وبالنسبة لبعض الأدوية، لا يوجد سوى صفر من المخزون».

فلسطينيون يحملون إمدادات مساعدات من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

وتعرّض نظام الرعاية الصحية في غزة لتدميرٍ شامل خلال الحرب التي استمرت 21 شهراً، والذي اندلع في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عندما شنّ مسلحو حماس هجوماً مفاجئاً على إسرائيل، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، واحتجاز 250 رهينة. وأدت الحرب الإسرائيلية إلى مقُتل أكثر من 57 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، ودُمّرت أجزاء كبيرة من القطاع.

وخرج ما يقرب من نصف مستشفيات القطاع، البالغ عددها 36 مستشفى، عن الخدمة، وتعمل المرافق المتبقية بجزءٍ ضئيلٍ من طاقتها الاستيعابية المعتادة. وتعاني جميعها نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية الأساسية والمعدات الأساسية، مثل أجهزة التنفس الاصطناعي، وأجهزة الأشعة السينية، والماسحات الضوئية، أو حتى مصابيح غرف العمليات.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: «يُسارع العاملون إلى علاج موجةٍ متواصلةٍ من الإصابات، والغالبية العظمى منها ناجمة عن إطلاق النار... (الذي) أرهق نظام الرعاية الصحية المُدمّر في غزة، ودفع قدرته المحدودة أصلاً إلى ما يتجاوز حدوده القصوى».

امرأة فلسطينية وهي تحمل جثمان أحد أقاربها الذي قُتل بغارة إسرائيلية قبل الجنازة في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال مسعفون لصحيفة «الغارديان» إن النقص في المواد الغذائية أصبح الآن أكثر حدة مما كان عليه منذ بداية الحرب، مع نقص الوقود الذي يُشغّل المولدات التي تُوفّر معظم الطاقة؛ ما يُهدد بتوقف شبه كامل لجميع الخدمات الطبية.

على مدار أحد عشر شهراً، منعت إسرائيل دخول جميع المواد الغذائية والأدوية وغيرها من الإمدادات إلى غزة، متهمةً حركة «حماس» بتحويل مسار المساعدات لتمويل أنشطتها العسكرية وغيرها، على الرغم من أن الأمم المتحدة أكدت أن أنظمة الرصد لديها كانت فعّالة. منذ منتصف مايو، سمحت إسرائيل بدخول كميات ضئيلة من المساعدات، بما في ذلك الإمدادات الطبية.

وقال هيثم الحسن، ممرض غرفة العمليات في مستشفى رفح التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر: «في الدورات السابقة، كنا نعمل في غرفة العمليات على ما بين ثماني وعشر حالات. أما الآن، فنعمل على 30 - 40 حالة يومياً. لدينا أشخاص يصرخون، ويهرعون، ويحاولون أن يكونوا الأوائل في الصف؛ لأن الجميع، بالطبع، يريد أن يتلقى العلاج أولاً. لدينا مجموعة متنوعة من الإصابات، معظمها إصابات معقدة، وإصابات ناجمة عن انفجارات، ولكن بشكل رئيسي إصابات بطلقات نارية».

ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل 1580 طبيباً وعاملاً طبياً في الحرب. وفي 2 يوليو، أدت غارة جوية إسرائيلية إلى مقتل الدكتور مروان السلطان، وهو طبيب القلب الشهير ذو الخبرة الواسعة ومدير المستشفى الإندونيسي في غزة.

ومن بين العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين قُتلوا في الأيام الخمسين الماضية ثلاثة أطباء آخرين، والممرضات الرئيسيات في المستشفى الإندونيسي ومستشفى النصر للأطفال، وإحدى أقدم القابلات في غزة، وفني أشعة كبير وعشرات من خريجي الطب الشباب والممرضات المتدربات.


مقالات ذات صلة

مستشار الرئيس الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مجالس وهيئات غزة «وضع مؤقت» لا نقبل استمراره

خاص محمود الهباش مستشار الرئيس الفسطيني (وكالة وفا) play-circle

مستشار الرئيس الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مجالس وهيئات غزة «وضع مؤقت» لا نقبل استمراره

الهباش يقول إن الواقع في غزة هو أقل الشرور وإن السلطة الفلسطينية ليست راضية لكنها ليست غائبة ولن تستبدل احتلالاً باحتلال وستحكم القطاع بنهاية الفترة الانتقالية

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)

نتنياهو يجتمع بالائتلاف غداة اعتراضه على «مجلس السلام» بشأن غزة

دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم (الأحد) إلى اجتماع لشركائه في الائتلاف الحاكم، غداة اعتراضه على تركيبة الهيئة التنفيذية للمجلس.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة «اليونيفيل» يعبر بلدة القليعة (جنوب لبنان) يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

إسرائيل تستهدف «اليونيفيل» بجنوب لبنان رغم التنسيق الأممي معها

أعادت قنبلة بلدة العديسة بجنوب لبنان فتح ملف الاستهدافات المتواصلة لقوات حفظ السلام، في حين رأت مصادر لبنانية مواكبة أن «إسرائيل تتعمد الاستهداف رغم التنسيق».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ) play-circle

جنود إسرائيليون يقتلون صبياً فلسطينياً في الضفة الغربية

قال الجيش الإسرائيلي إن جنوداً قتلوا بالرصاص فلسطينياً كان يرشقهم بالحجارة في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

قائد كردي يدعو أميركا إلى «التدخل بقوة» في الاشتباكات بسوريا

سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
TT

قائد كردي يدعو أميركا إلى «التدخل بقوة» في الاشتباكات بسوريا

سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)

قال قائد «وحدات حماية الشعب» ​الكردية سيبان حمو، لوكالة «رويترز»، إن على الولايات المتحدة أن تتدخل بقوة أكبر لإنهاء هجوم سوري انتزع السيطرة على أراضٍ رئيسية من المقاتلين ‌الأكراد في ‌الأيام القليلة ‌الماضية.

وقال مسؤولون ​ومصادر ‌أمنية إن القوات الحكومية شنت هجوماً، السبت، على أراضٍ كانت تديرها السلطات الكردية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال شرقي سوريا على مدى ‌العقد الماضي، وسيطرت على بلدات على جانبي نهر الفرات وأكبر حقل نفطي وحقل للغاز في البلاد.

وأشار إلى أن اجتماعاً عُقد، السبت، ​بين المبعوث الأميركي توم برّاك ومسؤولين أكراد لم يسفر عن وضع خريطة طريق لوقف إطلاق النار. ونفى رغبة أكراد سوريا في الانفصال، أو إقامة دولة مستقلة، وقال إن مستقبلهم في سوريا.

وواصل الجيش السوري تقدمه في محافظة الرقة شرق سوريا؛ إذ أعلن السيطرة على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات من المقاتلين الأكراد، بينما أفادت «وكالة الأنباء السورية» بأن قوات «قسد» قد فجرت جسرين على نهر الفرات.

كما سيطر الجيش السوري على حقل العمر النفطي، وهو الأكبر في سوريا وحقل كونيكو للغاز في شرق البلاد.

وأفادت وسائل إعلام كردية بأن قائد «قسد» مظلوم عبدي قد تحدث هاتفياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد تقارير عن زيارة عبدي إلى دمشق.

وأعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية في وقت لاحق أنها أخرجت «قسد» من غرب الفرات، بينما انقطعت المياه عن مدينة الرقة بشكل كامل بعد تفجير «قسد» الأنابيب الرئيسية للمياه المغذية للمدينة.


رفض لبناني واسع لمواقف قاسم: للتوقف عن التلويح بالحرب الأهلية

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
TT

رفض لبناني واسع لمواقف قاسم: للتوقف عن التلويح بالحرب الأهلية

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)

برفض لبناني واسع، قوبلت مواقف الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، التي جدد فيها التمسك بسلاحه، والتي قُرئ فيها رد على رئيس الجمهورية، جوزيف عون، الذي دعا «حزب الله»، من دون أن يسيمه، إلى «التعقّل والعودة إلى الدولة بتسليم سلاحه الذي أصبح بقاؤه عبئاً على بيئته ولبنان في آن واحد».

وفي إطلالته مساء السبت، هاجم قاسم قرار تجريده من سلاحه، قائلاً إن حزبه «لن يستسلم، ودفاعنا مشروع في أي وقت»، متهماً وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بـ«التلاعب بالسلم الأهلي، والتحريض على الفتنة»، وداعياً الحكومة إلى «تغييره».

ردود كلامية

ورغم أن مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية عدّت كلام قاسم، في جزء منه، ردّاً على الرئيس عون، فإنها قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القرارات اتُّخذت كي تنفَّذ، ولا شيء سيغيّر قناعات الرئيس».

وأضافت أن «قاسم أراد أن يعترض ويصعّد أمام بيئته، وهذا كلّه يبقى في إطار الردود الكلامية»، مستبعدة أن «يعمد (حزب الله) إلى أي خطوات اعتراضية على الأرض»، ومؤكدة أن «مسار حصر السلاح يسير في طريقه الصحيحة».

وزير العدل: للتوقف عن إعطاء دروس في الوطنية

ورد وزير العدل، عادل نصار، على قاسم، كاتباً في حسابه على «إكس»: «على كل من يلوّح بالحرب الأهلية لأجل الحفاظ على سلاحه أن يتوقف عن إعطاء دروس في الوطنية لوزير في الحكومة».

الحاج: مصيبة لبنان

بدوره، وصف عضو كتلة حزب «القوات اللبنانية»، النائب رازي الحاج، «حزب الله» بأنه «مصيبة لبنان». وكتب في حسابه على «إكس»: «مَن يعمل خارج سياسة الدولة والعهد، ويتلاعب بالسلم الأهلي ويحرّض على الفتنة، ويقف في موقعٍ معادٍ للعهد والحكومة ولإرادة الشعب اللبناني، هو الشيخ نعيم قاسم».

وأضاف: «فهو يرفض تسليم سلاح (حزب الله)، ويُطلق تهديدات بالحرب الأهلية، ولا يتوقّف ليلاً ونهاراً عن مهاجمة الموقف الرسمي للدولة اللبنانية ويعمل بعكسه... مصيبة لبنان الحقيقية هي (حزب الله)».

يزبك: يمهد لاغتيال جسدي

من جهته، رأى عضو كتلة «القوات اللبنانية»، النائب غياث يزبك، أن «كلام قاسم يمهّد للاغتيال الجسدي لوزير الخارجية». وكتب يزبك على «إكس» قائلاً: «كل من يعتدي لفظياً أو معنوياً على وزراء (القوات اللبنانية) متجاوزاً الأطر الأدبية والنقدية والرقابية الصحيحة المتعارف عليها في الدول المحترمة... إن هذا المعتدي، ومهما علت رتبته، مدنياً كان أم رجل دين وما بينهما من اختصاصات ووظائف، إنما يمهِّد لاغتيال جسدي لهؤلاء الوزراء، كما أنه يَغتال الدولة اللبنانية في سمعتها ومؤسساتها، ويتعاقد مع أشرار لإيذاء شعبها وتدميرها؛ لأن وزراءنا يمثلون الكرامة والسيادة والدولة ويعملون لحماية هذه القِيَم».

وأضاف: «لهذا المعتدي نقول: شوية ذكاء... لقد ارتكب من سبقوك هذه الأفعال وانتهوا في مزابل التاريخ، ألا تتعلم؟».

الجميّل: موقف رجّي يستند إلى «اتفاق الذلّ»

وتعليقاً على كلام قاسم، توجه النائب نديم الجميّل، عبر حسابه على منصة «إكس»، إلى قاسم قائلاً: «إن موقف وزير الخارجية يستند إلى (اتفاق الذلّ) الذي وقّعتم عليه بعد حرب الإسناد، والذي وافق عليه لبنان رسمياً، وهو يُجسّد فعلياً خطاب القسم وبيان مجلس الوزراء لناحية حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية».

وأمل الجميل أن «يكون هناك موقف واضح من رئيس الجمهورية والحكومة لدعم وزير الخارجية في مواقفه».

حنكش: عصابة خارج القانون

كذلك كتب عضو كتلة «الكتائب»، النائب إلياس حنكش، على «إكس» متوجهاً إلى قاسم: «أولاً مع استمرار المتمرّدة على قرار الدولة وتهديد اللبنانيين، أصبحتم عصابة خارج القانون. ثانياً شهدنا في الفترة الأخيرة أين كان العملاء (معشعشين)، فالتهمة مردودة لأصحابها. ثالثاً مثل ما تم حصر الجيش السلاح في جنوب الليطاني، كذلك شماله... قريباً».

الصادق: خطاب لن يقدّم أو يؤخّر

وعلّق أيضاً النائب وضاح الصادق على مواقف قاسم، وكتب على «منصة إكس» قائلاً: «هو نفسه لا يصدّق ما يقول... يعيش في عالمٍ موازٍ، فيما استعادة دولة المؤسّسات مستمرة بصلابة مهما رفعوا الصوت».

وتوجه إليه قائلاً: «صدقت شيخ نعيم في أمر وحيد؛ نعم لبنان دخل مرحلة جديدة وعهداً جديداً. سلاحك فيه عبء. لم يعد له أي جدوى، وجارٍ التخلص منه من أجل بناء دولة حقيقية. سمعنا خطاباتكم لسنوات، وعشنا الهزائم والخراب الذي جلبتموه على البلد... خطابٌ إضافي، لن يقدّم أو يؤخّر».

مخزومي: تحدٍّ صريح للدولة

بدوره، أكد النائب فؤاد مخزومي أن «مواقف قاسم مرفوضة، ولا تمتّ إلى الواقع بصلة، وتشكل تحدياً صريحاً للدولة ولمؤسساتها». وتوجه له عبر منصة «إكس» قائلاً: «أنتم جزء من الحكومة وتشاركون في مجلس الوزراء، فكيف تعترضون على قرارات أنتم شركاء فيها؟ من يرفض قرارات الحكومة؛ فعليه أن يستقيل، لا أن يتحدّى الدولة من داخلها».

وأضاف: «إما الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار (1701) وتسليم السلاح للدولة، وإما تحمّل مسؤولية الخروج على الشرعية. لا أحد فوق القانون في لبنان، ولغة التهديد لم تنتج إلا دماراً يدفع ثمنه اللبنانيون وحدهم».


مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
TT

مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

قالت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن التطورات العسكرية على الأرض شرق وشمال سوريا، فرضت واقعاً جديداً فيما يخص عملية التفاوض مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وإن عملية التفاوض اختلفت الآن، مرجحة أن المفاوضات في دمشق ستركز على «مسألة دمج قوات (قسد) في الجيش السوري بأسرع وقت ممكن ودون مماطلة»، مؤكدة أن دمشق مصرّة على فرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية بعد انتفاضة العشائر العربية ضد «قسد»، وإخراجها من دير الزور وصولاً إلى مشارف الحسكة.

وفرض تسارُع التطورات الميدانية في مناطق واسعة شرق الفرات تغييراً جذرياً في الأمور المطروحة على طاولة التفاوض، وفق الباحث السياسي بسام سليمان الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، ان الدولة السورية تضغط على "قسد" للاندماج في الجيش السوري كأفراد، كما يمكن أن يكون لقائد "قسد" دور في مستقبل سوريا، كونه "مختلف عن التيار المتطرف ويمكن أن يساعد كثيرا في تثبيت الأمن والاستقرار في محافظة الحسكة، كونه على معرفة واسعة بالتيارات القنديلية والطائفية وحتى فلول النظام التي استقطبتها التيارات داخل قسد خلال الفترة الماضية"، مضيفاً بأن الأحداث على الأرض تتجه نحو "بسط سيطرة الدولة على كامل مناطق الجزيرة السورية سواء سلما أم حربا".

خريطة من مركز «جسور» توضح مناطق نفوذ «قسد» بعد عمليات الجيش السوري في شرق وشمال شرقي سوريا

ولف إلى أن بقاء تنظيم «قسد» بهذا الشكل «لم يعد مقبولاً في المناطق التي سيطرت عليها العشائر العربية، ومن حق الدولة السورية إدارتها»، وهذا غير خاضع للتفاوض الآن. اليوم هناك دولة يجب أن تفرض سيطرتها على مختلف المناطق السورية، و«قسد» لم تعد في موقع يسمح لها بالتفاوض، لا سيما أن «الدولة السورية أعطتها فرصة كبيرة لتثبت أنها فاعل قادر على أن يدخل في مسار بناء الدولة، لكن للأسف استغلت الفرصة في تأجيج الفتن والصراعات، وإثارة النعرات والانقسامات، وخلق تحالفات عسكرية ضد الدولة السورية»، بحسب تعبير الباحث بسام سليمان.

وتابع قائلاً: «إننا أمام واقع جديد ومعطيات جديدة، وطاولة المفاوضات لن تكون كسابقتها، ومظلوم عبدي الذي كانت تحت سيطرته مناطق واسعة، اليوم أغلب تلك المناطق تشهد انهياراً متسارعاً؛ غرب الفرات انهيار كامل، شرق الفرات انهيار شعبي ومجتمعي وأخلاقي»؛ لذلك، أكد سليمان أن التفاوض الآن سيركز على «مصير (قسد)».

جنديان سوريان يمزقان صورة لأوجلان في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ف.ب)

أما الباحث السياسي وائل علوان، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن المؤشرات تتجه نحو احتمالين، الأول، أن تنجح مساعي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ويكون هناك قرار حكيم بالاندماج، والاحتمال الثاني: أن يبقى التيار المتشدد داخل «قسد» مصرّاً على المواجهة والسلوك الميداني المعادي للحكومة السورية، ومن ثم الهزيمة الكاملة

وانطلق علوان برؤيته من أن تسارع التطورات بعد السيطرة على دير حافر أعاد الحسابات ليس فقط للأطراف المحلية وإنما أيضاً أعاد حسابات الدول، وذلك بالنظر إلى الانهيار السريع لقوات «قسد»، وتزامن ذلك مع استياء كبير جداً كانت تشعر به الولايات المتحدة نتيجة مماطلة «قسد»، وعدم اندماجها الفعلي مع الحكومة السورية، وعدم تنفيذ اتفاق مارس (آذار) 2025، بالإضافة إلى تولي تيار متشدد ضمن «قسد» القرار الميداني الذي كان يميل إلى الصدام العسكري، بينما كانت الحكومة السورية تميل إلى تجنُّب اللجوء إلى الحل العسكري.

وكان قرار الحكومة السورية واحداً ومركزياً ومنسجماً مع التوجه الإقليمي والدولي. وكان هناك استياء أميركي من تعنت «قسد»، وسيصنع التقييم الأميركي الجديد لـ«قسد» بعد انهيار صفوفها طريقة جديدة لرسم الخريطة الداخلية لسوريا، ومن المرجح استمرار العمليات العسكرية ما دامت «قسد» لم تعلن بشكل جاد تنفيذ اتفاق مارس، والاندماج معه.

يُذْكر أن هناك تدخلات دولية وجهوداً يقودها الزعيم مسعود بارزاني، ولكنها تأخرت، ولا يزال التيار المتشدد في «قسد» متمسكاً بالمواجهة الميدانية رغم الخسائر الكبيرة، وفق المصادر المتابعة التي أكدت أن الأمور ميدانياً تتجه نحو سيطرة كامل بمحافظتي حلب والرقة التي بقيت أجزاء منها خارج سيطرة الدولة، ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة، في حين أن الوساطة الإقليمية والدولية داعمة لتفاهمات قد ترضخ لها «قسد» بناءً على شروط جديد، بحيث ينفَّذ إدماج قوات «قسد» مع الحكومة السورية في أجزاء من محافظة الحسكة فقط، بحسب الباحث وائل علوان.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)

وكانت الولايات المتحدة، لأكثر من عام كامل، متفقة على حل الإشكال مع «قسد» بالطرق الدبلوماسية، وعدم إدخال السوريين بمواجهات عسكرية تؤثر في الاستقرار، لكن تعنت «قسد»، وسيطرة التيار المتشدد فيها على القرار أفقداها كثيراً من الفرص، والولايات المتحدة الآن تتخلص من عبء ثقيل، وهو التيار المتشدد في «قسد» الذي هُزم، وستكون الولايات المتحدة الأميركية بشكل متفاعل مع المتغيرات الجديدة، وستتعامل بواقعية، وستخفف من وجود «قسد» التي تفاوض، ولا تلتزم.