قنوات تواصل مفتوحة بين «حزب الله» والمسؤولين في لبنان

تأكيد على «الحياد» يترك ارتياحاً رئاسياً

الرئيس جوزيف عون يتوسط الرئيسين نبيه بري ونواف سلام خلال أحد لقاءاتهم في قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون يتوسط الرئيسين نبيه بري ونواف سلام خلال أحد لقاءاتهم في قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)
TT

قنوات تواصل مفتوحة بين «حزب الله» والمسؤولين في لبنان

الرئيس جوزيف عون يتوسط الرئيسين نبيه بري ونواف سلام خلال أحد لقاءاتهم في قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون يتوسط الرئيسين نبيه بري ونواف سلام خلال أحد لقاءاتهم في قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)

بعد 10 أيام على بدء المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية، تبدو المواقف اللبنانية تصب في الاتجاه نفسه مع تباين نسبي يختلف بحسب التوجهات السياسية لكل فريق، بين من يتضامن بشكل كامل ونهائي مع إيران، ومن يركّز على أمر أساسي؛ وهو تحييد لبنان من الحرب الدائرة وعدم توريطه بها.

وكان موقف رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، واضحاً بتأكيده، الأحد، أن «لبنان قيادة وأحزاباً وشعباً، مدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنه دفع غالياً ثمن الحروب التي نشبت على أرضه وفي المنطقة، وهو غير راغب في دفع المزيد ولا مصلحة وطنية في ذلك، لا سيما أن تكلفة هذه الحروب كانت وستكون أكبر من قدرته على الاحتمال».

من هنا يبدو واضحاً أن التواصل المباشر وغير المباشر بين المسؤولين في لبنان و«حزب الله» الذي لا تزال مواقفه تحت الدعم المعنوي والتضامن، قائماً.

وهذا التواصل كان قد بدأ منذ اللحظة الأولى عبر قيادة الجيش اللبناني، التي نقلت قراراً حاسماً من رئاستي الجمهورية والحكومة إلى الحزب بعدم توريط لبنان، فيما يبدو أن رئيس البرلمان نبيه بري، الذي سبق أن وصفه الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بـ«الأخ الأكبر»، يتولى بدوره هذه المهمة ويصدر مواقف تعكس توجهّه وتوجّه الحزب من خلفه، وكان قد حسم مرات عدة أن لبنان لن يدخل في الحرب.

جلسة لمجلس الوزراء اللبناني في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

وتقول مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئاسة اللبنانية مطمئنة إلى وحدة الموقف اللبناني والإجماع الذي يؤكد حرص كل الأفرقاء على عدم زج لبنان في هذه الحرب، مشيرة إلى أن البيان الذي صدر مساء الأحد عن رئيس الجمهورية، وتحدث خلاله عن الموقف اللبناني الجامع يعكس حقيقة توجّه الأفرقاء، بمن فيهم المسؤولون في «حزب الله» الذين أكدوا مراراً أن الحزب لن يدخل في الحرب. وتلفت إلى أن التواصل مع «حزب الله» يتم بشكل مباشر أو غير مباشر عبر مديرية المخابرات والأجهزة الأمنية.

وفي ردّ على سؤال عما إذا كان الموقف «حزب الله» حاسم، أو قد يتبدّل «إذا أتت الإشارة من الخارج»، وهو ما يخشى منه اللبنانيون اليوم، تكتفي المصادر بالقول: «لم يعُد هناك من إشارات خارجية».

والخشية من تمدد الصراع بين إيران وإسرائيل إلى لبنان كانت حاضرة في اجتماع هيئة مكتب مجلس النواب، برئاسة بري الاثنين، وهو ما لفت إليه نائبه إلياس بو صعب، مشيراً إلى أن بري عاد وأكد أنه ومنذ إعلان وقف إطلاق النار إلى اليوم، لم تطلق المقاومة في لبنان رصاصة «وهو باقٍ على كلامه، وإن شاء الله لبنان يبقى محايداً، ولكن لا يكفي أن نكون نحن مقتنعين بذلك. المطلوب من العدو الإسرائيلي أن يقتنع، لأنه أي العدو الإسرائيلي، إذا وصل إلى مكان يبحث فيه عن مخرج ما». وأضاف: «الخشية أن يفتعل هو مشكلة، أما نحن في لبنان حتى الآن فإن كل القيادات، دولة الرئيس بري أكد هذا الكلام، وكذلك كلام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، بالاتجاه نفسه».

الرئيس نبيه بري حسم مرات عدة أن لبنان لن يدخل الحرب (د.ب.أ)

كذلك، تؤكد مصادر نيابية في كتلة «التنمية والتحرير»، التي يرأسها بري، أنه إضافة إلى التواصل الدائم والمستمر بين الأخير و«حزب الله»، فإن قنوات التواصل مفتوحة بين الحزب ورئاستي الجمهورية والحكومة، إما بشكل مباشر أو عبر الجيش اللبناني. وتجدد التأكيد على ما سبق أن قاله بري لجهة أن لبنان لن يدخل في الحرب، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «رئيس البرلمان عندما يطلق مواقف حاسمة حيال حيادية لبنان لا يكون ذلك مبنياً فقط على الاتصالات، إنما أيضاً على حرصه على لبنان، لا سيما في هذه المرحلة، حيث لا بدّ أن تتقدم فيها لغة العقل ومصلحة البلد، وألا نقدم ذرائع للإسرائيلي الذي لا يتوقف بدوره عن الاعتداء على لبنان وممارسة انتهاكاته للقرارات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار».

تضامن «حزب الله»

وفي قراءة سريعة لمواقف «حزب الله» في الساعات الأخيرة، تحديداً منذ ضرب إسرائيل المنشآت الإيرانية، يبدو لافتاً التزامه بـ«حياد لبنان» والاكتفاء بالتضامن مع إيران، مع التأكيد أن طهران قادرة على الدفاع عن نفسها.

وهذا ما أشار إليه البيان الذي أصدره «حزب الله» مساء الأحد، بحيث اكتفى بإعلان «التضامن الكامل مع الجمهورية الإسلامية، قيادةً وشعباً»، معرباً عن ثقته «في قدرة إيران القوية... على مواجهة هذا العدوان وإذاقة العدو الأميركي والصهيوني مرّ ‏الهزيمة»، بعيداً عن التهديد والوعيد بدعم طهران.

مظاهرة تضامن مع إيران في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

كذلك وبعدما كان الشيخ نعيم قاسم، قال: «نحن إلى جانب إيران بكل أشكال الدعم التي نراها مناسبة وتُسهم في وضع حد للعدوان الأميركي - الإسرائيلي الذي يستهدفها»، وهو ما لاقى ردود فعل رافضة في لبنان، فإنه جدّد، الاثنين، موقفه التضامني مع إيران، وأكد في الوقت عينه في مقابلة تلفزيونية، أن إيران ستنتصر لأنَّها صاحبة حق ومُعتدَى عليها، و«الاعتداء عليها ستكون له أثمان كبيرة جداً، لأن المنطقة بأكملها في خطر».

ورغم التصعيد الإسرائيلي - الأميركي، لا تزال تدور مواقف المسؤولين بالحزب في إطار الدعم المعنوي والتضامن. وقال النائب في الحزب علي فياض: «نعيش أياماً تاريخية ومفصلية من عمر الأمة ووضع المنطقة، مشروع المواجهة مع العدو الإسرائيلي والتصدي للهيمنة الأميركية، بلغ مرحلة متقدمة، سَيقرر في ضوء نتائجها حقائق كثيرة تتصل بمستقبل المنطقة العربية - الإسلامية»، مضيفاً: «ليس بوسع أي كان، أكان كياناً أم فرداً أم مجتمعاً، عندما يتعرض وجوده لخطر، إلا أن يدافع عن وجوده وعن حقوقه ومصالحه»، مشيراً إلى أنه «يجب على أهلنا ومجتمعنا أن يعوا هذه الحقيقة جيداً، فنحن لسنا في موقع الاعتداء على أحد، إنما في موقع الدفاع عن النفس والوجود».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين».

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية «وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض»، وأن لبنان «ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور»، آسفاً لأن مساعي الدولة لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، «تواجه طرفاً داخلياً، هو (حزب الله)، الذي لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمة لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة»، مؤكداً أنه «لا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض». واستنكر «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية»، مُديناً في الوقت نفسه استهداف الدول العربية الشقيقة واستهداف أمنها واستقرارها.

حصرية التفاوض بيد الدولة

عقدت السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، مع نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لقاءً مباشراً ثانياً في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين، ضمن مسار هو الأول في المحادثات المباشرة منذ عام 1993.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

وقال رجي: «لقد أدخلت إيران لبنان في حربٍ لم تكن خيار الدولة اللبنانية ولا خيار غالبية اللبنانيين، بل فرضت عليه ضمن مقاربة تَعدّ لبنان ورقة ضغط تُستخدم على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية». وتابع: «من هنا جاءت الخطوة المتقدمة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون، حين اختار الذهاب إلى مسار التفاوض المباشر، معلناً بوضوح أن الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض، وأن لبنان ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور». وشدد رجي على أن «هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها التفاوضي، بل تؤسس لاستعادة القرار الوطني المستقل، ولإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في الحرب والسلم والسياسة الخارجية».

وجدد رجي التأكيد «أن المسار اللبناني بات منفصلاً عن المسار الإيراني»، وأن «مصلحة لبنان لم تعد رهينة تعثر المفاوضات الإيرانية أو تقدمها»، بدليل أن «الاجتماع التمهيدي الثاني يُعقد فيما المفاوضات المتعلقة بإيران تشهد جموداً وتعقيدات، مما يثبت أن لبنان بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين». وقال: «هذه نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تُنهي مرحلة طويلة جرى فيها ربط الاستحقاقات الوطنية بالأجندات الخارجية».

نهاية الساحات

وأكد رجي «أننا لن نقبل بعد اليوم أن يكون لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة للمغامرات العسكرية والسياسية التي يدفع ثمنها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الوطنية»، شارحاً: «لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات لم يجلب له إلا الدمار والعزلة والانهيار، فيما المطلوب اليوم إعادة تثبيت موقعه كدولة ذات سيادة، لا كساحة نفوذ أو خط تماسٍّ دائم».

أهداف التفاوض

وحول أهداف التفاوض، قال رجي إن «ذهاب لبنان إلى التفاوض يهدف إلى معالجة النقاط العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها القضايا الحدودية والأمنية والإنسانية»، مشدداً على أن «التفاوض ليس استسلاماً كما يحاول البعض تصويره، بل هو أداة من أدوات الدفاع عن المصالح الوطنية حين يُدار من موقع الدولة وبحسابات دقيقة». وقال إن «ميزان القوى لا يُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بشرعية الدولة، ووحدة الموقف الوطني، والدعم الدولي، والقدرة على استخدام القانون والدبلوماسية لحماية الحقوق»، مشيراً إلى أنه «من الخطأ الجسيم تصوير لبنان كأنه في موقع ضعف مطلق، كما من الخطأ المقابل تصويره في موقع استسلامي. الحقيقة أن لبنان يستطيع، إذا توحدت مؤسساته، أن يفاوض من موقع المصلحة الوطنية الواضحة».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة عمليات السلام جان بيار لاكروا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأوضح رجي: «الأولوية الوطنية اليوم هي لاستعادة السيادة كاملة غير منقوصة. ولا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، وتأمين سلام مستدام يحفظ كرامة اللبنانيين ويمنع تكرار المآسي، ولا سيما لأهلنا في الجنوب الذين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم». وتابع: «لقد أثبتت المغامرات العبثية التي جرى خوضها عبر ما تسمى (الأذرع) أن نتائجها لم تكن تحريراً ولا نصراً، بل مزيداً من تفكيك الدولة اللبنانية وإضعافها واستنزاف مجتمعها واقتصادها».

حصرية السلاح

ورأى رجي أن لبنان «تأخر كثيراً في تنفيذ القرارات الحكومية والدستورية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما سلاح (حزب الله)، في وقت تطالب فيه غالبية اللبنانيين بقيام دولة فعلية تحتكر وحدها حق استخدام القوة». وقال: «حصر السلاح ليس مطلباً سياسياً لفريق ضد آخر، بل هو المدخل الوحيد لبناء الدولة الحديثة، لأن مفهوم الدولة يتناقض جذرياً مع وجود مجموعات مسلحة خارجة عن سلطتها. فلا يمكن أن تقوم دولة بسلاحين، ولا بسيادتين، ولا بقرارين في الحرب والسلم».

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي (أ.ف.ب)

ولفت رجي إلى أن الوقائع «أثبتت أن السلاح الموازي لم يحرر الأراضي المحتلة، ولم يحمِ المواطن اللبناني، ولم يمنع الدمار، بل أسهم في تعميق الخسائر الوطنية»، موضحاً: «قبل حرب (إسناد غزة) وربط لبنان بالمواجهة الإيرانية، كانت النقاط الخلافية الحدودية محدودة ومحصورة بمسائل معروفة، منها النقاط الثلاث عشرة، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. أما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد توسع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في خمس نقاط، وبعد الثاني من مارس (آذار) الماضي، أصبحت المساحات المحتلة أوسع، فيما دُمّرت عشرات القرى وتعرضت مناطق واسعة للخراب والتهجير». وأضاف: «هذه الحصيلة الكارثية تؤكد أن منطق السلاح المنفلت لم ينتج حماية، بل إن معادلات (حزب الله) القاتلة هي ما فرض في نهاية المطاف مسار التفاوض المباشر بوصفه المخرج الوحيد لاستعادة ما خسره لبنان».

استهداف الدول العربية

وأعلن رجي استنكار الدولة اللبنانية بأشد العبارات «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية». وقال: «هذا السلوك يشكل نموذجاً إضافياً لطبيعة المشروع الإيراني العابر للحدود، وخطورته ليست فقط على سيادة لبنان، بل أيضاً على أمن الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف». وتابع: «أبلغنا الأصدقاء في الدول المعنية استعداد لبنان الكامل للتعاون القضائي والأمني، ولملاحقة المسؤولين عن هذه الشبكات وتقديم كل مساعدة لازمة. كما نجدد رفضنا المطلق استخدام الأراضي اللبنانية أو أي جهة لبنانية للإضرار بأمن أي دولة عربية أو صديقة».

«حزب الله» يقامر بالجنوبيين

في هذا الوقت، تواصل إسرائيل التفجيرات داخل القرى الحدودية في الجنوب. وقال رجي: «نتابع بقلق بالغ التطورات الميدانية في الجنوب، لا سيما الحزام الأمني الذي فرضته إسرائيل، وتعمل وزارة الخارجية عبر مختلف القنوات الدبلوماسية المتاحة للوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار». وتابع: «لكن المؤسف أن الدولة، بينما تسعى لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، تواجه في المقابل طرفاً داخلياً هو (حزب الله)، لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمةً لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي: «إن المشهد المحزن للقرى المدمرة في الجنوب، وللأهالي الذين خسروا بيوتهم ومواسمهم وأمانهم، يجب أن يشكل لحظة مراجعة وطنية شجاعة»، مضيفاً: «على من تسبب بهذه الحرب وأدخل لبنان فيها رغماً عن إرادة شعبه أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والتاريخية، وأن يراجع حساباته قبل فوات الأوان»، مشدداً على أن «لبنان لم يعد يحتمل حروب الآخرين، ولا مشاريعهم، ولا أوهام الانتصارات التي لا تخلّف إلا الخراب». وقال: «المستقبل يجب أن يكون للدولة، للسيادة، وللسلام العادل الذي يحمي جميع اللبنانيين».


فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».


إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.