رئيسة الوفد الكردي لـ«الشرق الأوسط»: طرحنا في اجتماع دمشق المشاركة بالبرلمان والتحفظ على الإعلان الدستوري

القيادية الكردية فوزة يوسف كبيرة مفاوضي وفد الإدارة الذاتية لدمشق (الشرق الأوسط)
القيادية الكردية فوزة يوسف كبيرة مفاوضي وفد الإدارة الذاتية لدمشق (الشرق الأوسط)
TT

رئيسة الوفد الكردي لـ«الشرق الأوسط»: طرحنا في اجتماع دمشق المشاركة بالبرلمان والتحفظ على الإعلان الدستوري

القيادية الكردية فوزة يوسف كبيرة مفاوضي وفد الإدارة الذاتية لدمشق (الشرق الأوسط)
القيادية الكردية فوزة يوسف كبيرة مفاوضي وفد الإدارة الذاتية لدمشق (الشرق الأوسط)

عُقد في العاصمة السورية، دمشق، بداية الشهر الحالي اجتماعٌ وُصف بالتاريخي بعدما طال انتظاره، ضم مسؤولين من الحكومة السورية ووفداً من «الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا» برئاسة كبيرة المفاوضين فوزة يوسف، وجرى خلاله بحث تشكيل لجان فرعية لتطبيق الاتفاق، الذي وقَّعه الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، مع القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، برعاية أميركية، وبإيجاد أرضية مشتركة للمفاوضات لحل القضايا الخلافية.

وأكدت القيادية الكردية فوزة يوسف، وهي من الرئاسة المشتركة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاءات كانت إيجابية وعُقدت بعلم ودعم من التحالف الدولي والولايات المتحدة وقوى إقليمية، وذكرت أنه تقرر تشكيل اللجان الفرعية بعد عطلة عيد الأضحى.

وقالت يوسف: «كان هناك توافق بين الجانبين بتشكيل لجان متخصصة في جميع المجالات تحت إشراف اللجنة المركزية، لوجود قضايا وملفات عدّة في حاجة إلى اختصاصين من كلا الطرفين؛ للوصول إلى رؤية مشتركة لدمج الإدارة الذاتية» في هياكل الدولة السورية.

أحمد الشرع ومظلوم عبدي يوقّعان على الاتفاق بين الحكومة و«قسد» في مارس الماضي بدمشق (أرشيفية - سانا)

تباين تجاه عملية الدمج

نص الاتفاق، الذي وقَّعه الشرع وعبدي في مارس (آذار) الماضي، على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية كافة في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة الجديدة، بما فيها المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، ومن بين اللجان المزمع تشكيلها «لجنة إدارية» لبحث كيفية دمج مؤسسات الإدارة والعاملين فيها في هياكل الدولة ودوائرها، ولجنة ثانية تعليمية لإلحاق الطلبة والمدارس والمجمعات التربوية في وزارة التربية والتعليم والاعتراف بشهاداتها ومراحلها، ولجنة متخصصة في الأمن والقوات العسكرية وطريقة دمج هذه القوات في هياكل وزارتي الدفاع والداخلية، ولجان أخرى ستحدد لاحقاً بحسب الحاجة.

وتتوزع مناطق الإدارة الذاتية على 4 محافظات سورية تقع شمال شرقي البلاد، هي: ريف حلب الشرقي، وريف دير الزور الشمالي والشرقي، ومركز مدينة الرقة والطبقة، إلى جانب محافظة الحسكة ومدينة القامشلي تديرها 7 مجالس محلية مدنية.

جانب من الاجتماع التاريخي الذي ضمَّ وفداً رسمياً من الحكومة السورية والإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا (متداول)

وعن مصير هذه المؤسسات والعاملين فيها، أوضحت القيادية الكردية أن هذه الهياكل ستقود المرحلة الانتقالية خلال عملية الدمج. وقالت: «من الواضح أن فهمنا للدمج والتكامل يختلف عن منظور دمشق؛ فالحكومة تفهم مسألة الدمج بإلغاء الإدارة الذاتية وحل قواتها العسكرية، بينما نحن نرى أن التكامل يعني أن تواصل مؤسساتنا الحالية عملها وأنشطتها لقيادة هذه المرحلة وتصبح مستقبلاً جزءاً من الدولة».

وشددت على أن هذه الإدارات المحلية جزء من منظومة الحوكمة التي يديرها أبناؤها وهم يدركون جيداً مشاكلها... «بمعنى آخر نريد حماية حقوق هذه الإدارات في التطور والتنسيق مع دمشق على أساس الترتيبات الدستورية وضمان استمراريتها قانونياً وشرعياً».

وعن دمج القوات العسكرية والأمنية في وزارة الدفاع ككتلة واحدة، والاحتفاظ بخصوصيتها وتوزيعها الجغرافي، علقت يوسف بالقول: «لا يمكن مقارنة (قسد) بباقي الفصائل الثانية من حيث العدد والنوعية والأسلحة والتجربة القتالية، (قسد) درَّبتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وستشكل نواة جيش سوريا المستقبل ويجب أن يكون لها دور قيادي؛ لأنها قوات منضبطة ومنظمة، وأثبتت جدارتها في حماية مناطقها والحدود السورية على مدار أعوام».

لافتة مرورية تشير إلى مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

أضافت أن الجانب الحكومي أظهر جدية في تطبيق بنود الاتفاق واستبعاده الخيارات العسكرية والحلول الأمنية، وأكد الجانبان «على أن عدم التصادم العسكري بين قوات وزارة الدفاع وقوات (قسد) كان خياراً استراتيجياً يجب الحفاظ عليه؛ لبناء التوافقات وبناء دولة قوية ذات سيادة على كامل الأراضي السورية».

نقطة خلافية في الإطار الزمني

غير أن الاتفاق الذي أبرمه الشرع وعبدي وضع خطة زمنية بما لا يتجاوز تنفيذها نهاية العام الحالي. فماذا عن هذه الحطة الزمنية؟ تشير يوسف إلى وجود قضايا وملفات شائكة عديدة «بحاجة للمزيد من الوقت، مثلاً كيفية دمج القوات العسكرية والأمنية لأنها منتشرة في مساحة جغرافية تعادل ثلث سوريا، أما مسألة تبييض السجون وإفراغ المخيمات فهما في حاجة إلى وقت أكبر».

وذكرت أنه وبعد إعلان الشرع وعبدي عقدت الإدارة أول اجتماع في الحسكة آنذاك مع وفد الحكومة، وجرى تبادل لوجهات النظر، وكانت من بين أكثر المسائل التي في حاجة إلى حلول سريعة مسألة الامتحانات النهائية للشهادتين الإعدادية والثانوية العامة، وقد «أبدى الوفد الحكومي استعداده لحلها، لكن وحتى تاريخ اليوم وبعد مضي 3 أشهر؛ لم يصدر أي قرار رسمي لتنظيم عملية الامتحانات في مناطق الإدارة وآلاف الطلبة مستقبلهم على المحك»، على حد قول يوسف.

وفي ردها على تهم الانفصال والتقسيم لمطالبتهم باللامركزية السياسية، عدَّت يوسف أن جلوس «الإدارة الذاتية» في دمشق ووجود وفدها هناك «أكبر دليل وبرهان على التمسك بالدولة السورية».

قادة الإدارة الذاتية خلال وقفة وقراءة بيان أمام مبنى هذه الإدارة في مدينة الرقة شمال سوريا (الشرق الأوسط)

وقالت: «نحن جزء من سوريا، وهذا موقف مبدئي بالنسبة لنا، واللامركزية لا تتناقض مع الوحدة، وكلنا سوريون، لكن هناك خصائص قومية لكل منطقة، مع وجود تنوع ديني وإثني»، كما توجد خصوصية ثقافية لكل منطقة «يجب أن توضع في الحسبان، والكثير من الدول المتقدمة نظامها لامركزي وهي دول قوية، حيث تم تشويه مصطلح اللامركزية وكأنه انقسام وانفصال».

وإلى جانب الملفات العسكرية والإدارية ستبحث هذه اللجان الملف الاقتصادي وتسليم حقول النفط والطاقة، حيث تبسط قوات «قسد» السيطرة على نحو 85 في المائة من الثروة النفطية، إضافة إلى 45 في المائة من حقول الغاز الطبيعي وإنتاجها، بما فيها حقول العمر والتنك بريف دير الزور شرق سوريا.

ويعد «حزب الاتحاد الديمقراطي» أحد أكبر الأحزاب الكردية التي تدير مناطق الإدارة الذاتية منذ تأسيسها سنة 2014.

وكشفت يوسف عن أنهم ناقشوا مع الجانب الحكومي مشاركتهم في تشكيلة البرلمان السوري الذي يتم الإعداد والتحضير له، ومن المرجح أن تبدأ المشاورات بعد عطلة العيد، كما نقل وفد الإدارة تحفظهم على الإعلان الدستوري.

أضافت: «تطرقنا إلى اللامركزية والمشاركة في البرلمان والإعلان الدستوري في بعض الأسطر، لكن الاجتماع كان الأول من نوعه؛ لذلك ناقشنا هذه الخطوط العريضة، وكانت جلسة تمهيدية وفي اجتماعات لاحقة سندخل في نقاشات معمقة».

مدخل مدينة القامشلي أحد أبرز المدن الحضرية الخاضعة لنفوذ الإدارة الذاتية وقواتها العسكرية (الشرق الأوسط)

وذكرت يوسف أن وفد الإدارة نقل للجانب الحكومي التحفظ على الإعلان الدستوري «لأن الإعلان يكرّس حكماً مركزياً، وتجب إعادة صياغة الإعلان بما يضمن توزيع السلطات بشكل عادل، واحترام حرية العمل السياسي والاعتراف بحقوق جميع المكونات السورية، واعتماد نظام حكم لامركزي ديمقراطي».

وختمت فوزة يوسف حديثها بالقول: «نحن مستعدون للحوار وننتظر الجانب الحكومي لتحديد موعد جديد لاستئناف المباحثات، والمباشرة في عمل اللجان».


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا - تركيا 17 أبريل 2026 (رويترز)

الشرع: التفاوض مع إسرائيل حول الجولان رهن إبرام اتفاق أمني

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن بلاده قد تنخرط في مفاوضات مع إسرائيل بشأن الجولان، في حال أبرم الطرفان اتفاقاً أمنياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».