هل طفح الكيل الأوروبي من نتنياهو؟

لندن تعلق مفاوضات التجارة الحرة مع تل أبيب... وباريس تدعم مراجعة الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
TT

هل طفح الكيل الأوروبي من نتنياهو؟

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)

طيلة سنوات كانت آيرلندا وحدها هي الطائر الذي يغرّد خارج السرب الأوروبي في الانتقاد المباشر والصريح لإسرائيل والتنديد بسياساتها الاستيطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية. ثم انضمت إليها بعض الدول الاسكندنافية مثل: النرويج والسويد اللتين اعترفتا بالدول الفلسطينية وتجاهلتا التحذيرات، وأحياناً التهديدات الإسرائيلية، فيما بقيت الدول الوازنة داخل الاتحاد الأوروبي على مواقفها المتساهلة مع تل أبيب، أو المؤيدة لتجاوزاتها، مثل ألمانيا وهولندا.

لكن بعد أسابيع قليلة من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما أعقبه من رد إسرائيلي على قطاع غزة، بدأت تتبدّى علامات تغيير في الموقف الأوروبي من تل أبيب، ساعدت على ظهورها التصريحات التي كانت تصدر عن الإدارة الأميركية السابقة، داعية إلى احترام أحكام القانون الإنساني الدولي وقانون الحرب، والمواقف المنددة للأمم المتحدة وبعض وكالاتها المتخصصة والعديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.

تصاعد الدخان شمالاً بينما كان الفلسطينيون يتنقلون مع متعلقاتهم الشخصية عبر جباليا فراراً من شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

فاتحة المواقف الأوروبية الجديدة كانت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني ونظيره البلجيكي إلى تل أبيب وغزة بعد شهر تقريباً على انطلاق الأعمال العسكرية الإسرائيلية في القطاع. آنذاك صدر عنهما تصريحات تتهم الجيش الإسرائيلي بعدم احترام أحكام القانون الدولي، واستهدافه المدنيين والبنى التحتية بشكل متعمد.

رسالة ثلاثية وتعليق مفاوضات

أما أحدث المواقف فمثلته بداية الرسالة التي وجهتها حكومات إسبانيا وبلجيكا وآيرلندا وسلوفينيا إلى رئيسة المفوضية الأوروبية تطلب منها إعادة النظر في اتفاقية الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي بقيت طي التجاهل والنسيان بسبب من الضغوط التي كانت تمارسها العواصم الكبرى، خاصة باريس وبرلين، وأيضاً واشنطن.

ولقد عبّرت فرنسا، الثلاثاء، على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو، عن أنها «تدعم مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تحترم التزاماتها تجاه حقوق الإنسان» أم لا.

ومن خارج منظومة الاتحاد الأوروبي، وإن من داخل القارة، جاء القرار البريطاني، الثلاثاء، بتعليق مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل، وفرض عقوبات جديدة على مستوطنين في الضفة الغربية احتجاجاً على ممارساتها في قطاع غزة. كذلك، أعلن وزير الخارجية ديفيد لامي أن وزارته استدعت السفيرة الإسرائيلية تسيبي هاتوفيلي رداً على «تكثيف إسرائيل غاراتها وتوسيع عملياتها العسكرية» في القطاع الفلسطيني المحاصر.

وقللت الحكومة الإسرائيلية من أهمية الإعلان البريطاني، قائلة إن الحكومة البريطانية الحالية لم تحرز أي تقدم على الإطلاق في المفاوضات.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان: «هذه الاتفاقية كانت ستخدم مصلحة البلدين على حد سواء. وإذا كانت الحكومة البريطانية... على استعداد لإلحاق الضرر بالاقتصاد البريطاني، فهذا قرارها وحدها».

إشارات لم تقرأها إسرائيل

بوادر التغيير العام في الموقف الأوروبي بدأت بإشارات ظهرت مطلع العام الحالي بعد التصريحات الإسرائيلية والأميركية حول تفريغ غزة من سكانها، وتهجيرهم أو نقلهم إلى البلدان المجاورة، أو أبعد منها، والمضي في سياسة قضم المزيد من أراضي الضفة الغربية.

في موازاة ذلك كانت «المحكمة الجنائية الدولية» قد أصدرت مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأمر الذي أثار حرجاً كبيراً في العواصم الأوروبية، رغم أن بعضها مثل بودابست، قرر تحدي القرار، أو باريس ولندن اللتين أظهرتا مواقف مرتبكة ومراوغة أحياناً بشأن إمكانية اعتقال نتنياهو إذا قرر زيارة فرنسا أو بريطانيا.

مسيرة مؤيدة للفلسطينيين تسير من بنك إنجلترا إلى ساحة البرلمان للدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء حصار غزة خلال حدث «المسيرة الوطنية من أجل فلسطين» في لندن أول من أمس (إ.ب.أ)

غير أن هذه المواقف والتطورات لم تغيّر شيئاً في القراءة الإسرائيلية لسياسة الاتحاد الأوروبي، خاصة أن الإدارة الأميركية الجديدة كانت أعطتها الضوء الأخضر لمواصلة عملياتها في الأراضي الفلسطينية، لا بل إلى تصعيدها.

تغيير واضح بعد «عربات جدعون»

لكن في الأسابيع الأخيرة المنصرمة، وبعد إعلان حكومة نتنياهو عن إطلاق عملية «عربات جدعون»، وإعلان نيتها السيطرة على كامل قطاع غزة وتماديها في منع دخول المساعدات الغذائية والإنسانية إلى القطاع، بدأت تظهر علامات تغيير واضحة على مشهد العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية، فيما كان فتور غير مسبوق ينسدل على العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.

وفي حين كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يخصّ السعودية وقطر والإمارات بزيارته الأولى إلى الخارج، ويوقع شراكات استراتيجية معها، ويسقط إسرائيل من جولته الإقليمية، كانت العواصم الأوروبية ترفع الصوت مُنددة بسياسة حكومة نتنياهو، وتطلق تحذيرات غير معهودة باتجاه الدولة العبرية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى العاصمة السعودية (أ.ب)

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز طالب، الاثنين، بمنع إسرائيل من المشاركة في مهرجان الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» على غرار ما حصل عندما طردت منه روسيا منذ ثلاث سنوات بعد غزو أوكرانيا.

كما أعلن من بغداد خلال مشاركته في القمة العربية أن إسبانيا ستطرح مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يطلب تكليف محكمة العدل الدولية إصدار قرار بشأن رفض إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأضاف أن حزبه سيدعم مشروع قانون في البرلمان لحظر بيع الأسلحة إلى إسرائيل.

وكان سانشيز أعلن منذ أيام، بعد إلغاء صفقة لشراء ذخائر من إسرائيل، أن بلاده «لا تتاجر مع دولة تمارس الإبادة الجماعية».

في موازاة ذلك، كانت الحكومة الإيطالية، التي ترأسها اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني، تتعرّض لضغوط متزايدة من المعارضة والكنيسة الكاثوليكية وحتى من حزب «فورزا إيطاليا» المشارك في الائتلاف الحكومي، إلى أن صدرت تصريحات بلسان وزير الخارجية أنطونيو تاجاني يدعو فيها إسرائيل إلى التراجع عن حملتها العسكرية الأخيرة والسماح بدخول المساعدات إلى القطاع.

تطور أعمق وأبعد تأثيراً

لكن التطور الأعمق والأبعد تأثيراً في الموقف الأوروبي جاء صباح الاثنين عندما صدر بيان مشترك عن حكومات فرنسا وبريطانيا وكندا، يطلب من إسرائيل أن «تضع حداً للعمليات الفاضحة في غزة»، ويهدد باتخاذ تدابير ملموسة في حال استمرار الهجوم على القطاع ومنع دخول المساعدات الإنسانية والغذائية.

وجاء في البيان المشترك: «تعرّضت إسرائيل لهجوم مروّع في السابع من أكتوبر، وقد دعمنا دائماً حقها في الرد والدفاع عن مواطنيها ضد الإرهاب، لكن هذا التصعيد الأخير مبالغ فيه كلياً».

وتوعدت الحكومات الثلاث (الفرنسية والبريطانية والكندية) بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي في حال واصلت الحكومة الإسرائيلية عملياتها».

كما ندد البيان بالتصريحات «البغيضة» التي صدرت عن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، مؤكداً أن البلدان الثلاثة ستعمل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في مؤتمر نيويورك، منتصف الشهر المقبل، للتوصل إلى توافق دولي بشأن حل الدولتين ومستقبل قطاع غزة استناداً إلى الخطة التي أقرتها القمة العربية.

كما جاء في البيان: «نحن عازمون على الاعتراف بالدولة الفلسطينية كمساهمة في التوصل إلى تحقيق حل الدولتين، وندعم جهود الوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة وقطر ومصر للتوصل إلى وقف إطلاق النار في القطاع، وتحرير جميع الرهائن، وإنهاء سيطرة (حماس) على غزة».

وجاءت ردة الفعل الإسرائيلية حتى الآن على هذه التطورات في الموقف الأوروبي مقتصرة التنديد واتهام الدول المعنية بأنها «تقدّم خدمة لـ(حماس)».

حسابات خاطئة

في الظاهر يبدو أن تل أبيب لم تتأثر كثيراً بالتحذيرات الأوروبية، التي انضمت إليها كندا للمرة الأولى، وبالمواقف المنددة، خاصة أنها ما زالت تحظى بدعم غير مشروط من بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر، في الوقت الذي يواصل اليميني الأوروبي المتطرف صعوده في المشهد السياسي والاجتماعي.

لكن مسؤولاً أوروبياً رفيع المستوى يحذر من مغبّة الحسابات الإسرائيلية الخاطئة، لا سيما أن الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس الأميركي مؤخراً تنذر بتغييرات جيوسياسية لن تكون في مصلحة الدول العبرية.

ماذا نعرف عن اتفاقية الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية؟

بعد أربع سنوات من المفاوضات التي بدأت عام 1996، وقّع الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل اتفاقية شراكة دخلت حيّز التنفيذ عام 2000، وتتضمن مجموعة من المواثيق السياسية والتجارية، من شروطها الأساسية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وذلك على غرار الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد والبلدان المتوسطية الأخرى.

لكن بعد التطورات الأخيرة في قطاع غزة، لم تعد إسبانيا وآيرلندا وحدهما اللتين تعتبران أن حكومة نتنياهو لا تحترم شروط هذه الاتفاقية، بل انضمت إليهما هولندا وفرنسا والسويد والبرتغال وسلوفينيا وفنلندا وبلجيكا ولوكسمبورغ.

فلسطينيون قرب جثامين أقارب لهم قُتلوا في غارات إسرائيلية بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الأغلبية السياسية المطلوبة لتعليق الاتفاقية وفقاً لقواعد الاتحاد ما زالت بعيدة المنال، لكن التغيير الذي طرأ مؤخراً على المشهد الأوروبي يفرض على الحكومة الإسرائيلية التأمل كحد أدنى.

ويبدو أن الدول المؤيدة لإعادة النظر في الاتفاقية، أو تعليقها، باتت قاب قوسين من 14 دولة، وهي الأكثرية اللازمة لإجبار المفوضية على التحرك لتقول إذا كانت ستعيد النظر في الاتفاقية، أو لماذا لن تعيد النظر. وفي ذلك رسالة سياسية قوية إلى إسرائيل، مفادها أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما كانت عليه، خاصة أن 22 من وزراء خارجية الاتحاد وقعوا، الأحد، بياناً مشتركاً صدر عن مسؤولة السياسة الخارجية وعدد من المفوضين، يطالب إسرائيل باستئناف المساعدات الإنسانية فوراً ومن غير شروط إلى غزة .

والاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل التي تشكّل صادراتها إلى بلدان الاتحاد 28 في المائة من مجموع صادراتها، فيما تستورد إسرائيل من الاتحاد 32 في المائة من احتياجاتها، وقد بلغت قيمة المبادلات التجارية بين الطرفين 42.6 مليار يورو، العام الماضي.


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

تستضيف القاهرة، اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية دول السعودية وتركيا وباكستان، بعد أيام من بلورة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف الحرب.

محمد محمود (القاهرة)
خاص فلسطينيتان تبكيان أقارب لهما قتلوا بهجوم إسرائيلي خلال تشييعهم في مدينة غزة الخميس (رويترز)

خاص فصائل غزة تتشاور فيما بينها للرد قريباً على «تعديلات ملادينوف»

تجري قيادة «حماس» مشاورات مع الجناح العسكري «كتائب القسام» داخل القطاع، مشاورات بشأن التعديلات المقدمة من نيكولاي ملادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني نازح داخل خيمته في مدينة غزة (رويترز)

مسؤول أممي يطالب بإعادة «الكرامة» لسكان قطاع غزة

قال وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الخميس، إن سكان غزة يستحقون استعادة «كرامتهم» بدلا من مجرد البقاء على قيد الحياة، منتقدا عرقلة إسرائيل لتوزيع المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر في القاهرة الخميس (صفحة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

توافق مصري - بريطاني على دفع العلاقات السياسية والاقتصادية

ترأس وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر، الدورة الثالثة لـ«مجلس المشاركة المصرية - البريطانية»، الخميس.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

لبنان: إرهاق النزوح المتكرر... عائدون من الحرب إلى الحرب

عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
TT

لبنان: إرهاق النزوح المتكرر... عائدون من الحرب إلى الحرب

عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)

يتحول النزوح المتكرر إلى أحد أكثر التداعيات قسوة على اللبنانيين الذين غادروا منازلهم خلال الحرب؛ فالمعاناة لم تعد مرتبطة بقرار الرحيل الأول، بل بتكراره مرة بعد أخرى. يعود النازحون إلى منازلهم بعد حديث عن هدنة أو تهدئة أو تفاهمات سياسية، ثم يجدون أنفسهم مضطرين إلى المغادرة مجدداً بعد أيام أو أسابيع قليلة. وبين العودة والرحيل، تتآكل القدرة على التخطيط للحياة اليومية، فيما تتحول منازل النزوح إلى جزء ثابت من الواقع الذي يعيشه كثيرون.

من زبقين إلى الباروك... عودة لم تعش سوى أيام

تعكس تجربة الحاجة أمينة، التي فضّلت عدم الكشف عن كامل اسمها، واقع عائلات جنوبية كثيرة لم تتمكن من استعادة الاستقرار منذ حرب عام 2024. فبعدما تضرر منزلها في زبقين ودُمرت منازل أبنائها ومحالهم التجارية، انتقلت العائلة إلى منطقة الباروك حيث استأجرت منزلاً تحوّل مع الوقت إلى ملاذ دائم.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحنا إلى الباروك في جبل لبنان بعد تضرر منزلنا وتدمير منازل أبنائي. تركنا كل شيء خلفنا وذهبنا إلى منطقة بعيدة عنا. استأجرنا منزلاً رغم أن الإيجارات كانت مرتفعة لأنه لم يكن لدينا خيار آخر».

لم تستطع كامل العائلة العودة نهائياً بعد انتهاء الحرب الأولى، فالمنازل المتضررة والمخاوف الأمنية أبقت الجميع بين مكانين. وتقول: «منذ عام 2024 ونحن نعيش بين مكانين. نعود عندما يهدأ الوضع، ثم نغادر مجدداً عند أول تصعيد. لم نشعر يوماً بأننا استعدنا حياتنا الطبيعية».

وعندما قررت العائلة العودة إلى زبقين، الأربعاء الماضي، أبقت المنزل المستأجر في الباروك ولم تتخلَّ عنه. وتوضح: «أبلغنا أصحاب المنزل أننا عدنا إلى الجنوب، لكننا طلبنا منهم إبقاء المنزل لنا لشهرين أو ثلاثة أشهر إضافية حتى نتأكد من استقرار الأوضاع».

لكن الغارات التي استهدفت الجنوب، الجمعة، دفعت العائلة إلى المغادرة مجدداً. ورغم صعوبة التجربة، تستذكر الحاجة أمينة الدعم الذي تلقته من أبناء المنطقة التي استضافتها، وتقول: «الناس هناك كانوا طيبين جداً معنا. لم نشعر أننا غرباء، وكان الجميع يحاول مساعدتنا والوقوف إلى جانبنا».

عائلة لبنانية تغادر جنوب لبنان مجدداً محمّلة بمقتنياتها على متن سيارة متجهة نحو الشمال بعد أيام من عودتها إلى صور إثر دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ (رويترز)

كفررمان والسعديات... عودة تنتهي قبل أن تبدأ

في كفررمان، عاشت حنان حسين تجربة مختلفة في تفاصيلها، لكنها مشابهة في نتيجتها؛ فمنذ اندلاع الحرب، تنقلت بين منزلها في البلدة ومركز استقبال النازحين في السعديات.

وتروي لـ«الشرق الأوسط»: «عندما اندلعت الحرب نزحنا إلى صيدا. بحثنا كثيراً عن منزل لكننا لم نجد، فأُبلغنا بوجود مركز لاستقبال النازحين في السعديات. يومها كنا قد أمضينا ليلة كاملة على الطريق قبل أن نصل إلى هناك».

وبعد نحو 45 يوماً من اندلاع الحرب، قررت العودة إلى كفررمان. وتقول: «عندما هدأت الأمور نسبياً عدت إلى البلدة لأنني كنت أريد المحافظة على منزلي والبقاء فيه. بقيت هناك فترة رغم القصف الذي كان يقع في محيط المنطقة».

لكن الهدوء لم يستمر طويلاً. وتضيف: «مع تجدد الغارات والضربات حولنا اضطررنا إلى المغادرة مجدداً والعودة إلى مكان النزوح. وبعد ذلك تكررت محاولات العودة أكثر من مرة، وفي كل مرة كنا نغادر عندما تتدهور الأوضاع الأمنية».

وعندما أُعلن عن الاتفاق الأميركي - الإيراني، الأسبوع الماضي، اعتقدت أن مرحلة النزوح انتهت. وتقول: «عندما أُعلن عن اتفاق أميركي - إيراني اعتقدنا أن الأمور انتهت وأن بإمكاننا العودة بشكل نهائي، لذلك توجهنا فوراً إلى كفررمان. لكننا لم نستطع النوم تلك الليلة بسبب شدة القصف الذي استهدف محيط المنطقة».

وتضيف: «في صباح اليوم التالي، غادرنا مجدداً وعدنا إلى السعديات. وبعدها قيل لنا مرة أخرى إن بإمكان الأهالي العودة وإن الأمور هدأت، فقررنا المحاولة من جديد، لكن ليلة الخميس - الجمعة كانت صعبة أيضاً بسبب الغارات».

وتتابع: «عند الخامسة فجراً غادرت وعدت إلى مكان النزوح. منذ أشهر ونحن ننتقل بين كفررمان والسعديات، وكلما اعتقدنا أن العودة أصبحت ممكنة نُفاجأ بأن الظروف لا تزال غير مستقرة».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

شقة ميروبا... شبكة أمان لا يمكن التخلي عنها

في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يتمكن كريم علّو من إنهاء علاقته بشقة استأجرها في ميروبا قبل عامين. فالرجل الثمانيني، الجد لتسعة أحفاد، اعتقد أن النزوح سيكون مؤقتاً عندما غادر الضاحية خلال حرب 2024.

ويقول: «غادرت الضاحية خلال حرب 2024 مع أفراد عائلتي، واستأجرت شقة في ميروبا. كنت أعتقد أن النزوح سيكون لفترة قصيرة، لكننا دخلنا عامنا الثاني ونحن نعيش بين منزلين».

ومع اندلاع الحرب الحالية في الثاني من مارس (آذار) 2026 عاد إلى شقة النزوح مجدداً، قبل أن يعود إلى الضاحية بعد الحديث عن تحييد بيروت. ثم غادر مرة أخرى بعد الغارة التي استهدفت المريجة قبل نحو أسبوعين، قبل أن يعود مع تصاعد الحديث عن تقدم المفاوضات الأميركية - الإيرانية.

ويقول: «في الأسبوع التالي، عدنا إلى منزلنا بعدما سمعنا كثيراً من الكلام عن أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية تتجه نحو الحل، وأن هناك فرصة لتهدئة شاملة».

لكن الغارة التي استهدفت الغبيري، الأسبوع الماضي، أعادت إليه المخاوف نفسها. ويضيف: «كلما اعتقدنا أن الأزمة شارفت على النهاية يحدث أمر يعيدنا إلى نقطة البداية».

وكان علّو قد قرر عدم تجديد عقد إيجار الشقة الذي ينتهي مع نهاية الشهر الحالي، لكنه تراجع عن قراره بعد التصعيد الأخير. ويقول: «بعد ما جرى الجمعة في الجنوب والبقاع من تصعيد، تواصلت مع مالك الشقة واتفقنا معه على تمديد عقد الإيجار حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فضلت الانتظار وعدم التسرع لأن الصورة لا تزال غير واضحة».

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

أربع محاولات للعودة إلى شوكين

في شوكين، تنقلت فاطمة رضا وعائلتها أربع مرات تقريباً بين البلدة وبلدة برجا منذ اندلاع الحرب في الثاني من مارس الماضي. وتقول: «اخترنا برجا لأنها الأقرب إلى الجنوب، ولأن كثيراً من أبناء المنطقة نزحوا إليها منذ الأيام الأولى للحرب».

وتضيف: «عدنا بعد وقف إطلاق النار الأول، ثم اضطررنا إلى المغادرة مع عودة التصعيد. تكرر الأمر أكثر من مرة، وهذه هي المرة الرابعة التي نجد أنفسنا فيها بين قرار العودة وقرار النزوح».

وتوضح أن أفراد العائلة كانوا يعودون بشكل متقطع لتفقد المنزل والأرض. وتقول: «لم نكن جميعاً نعود. كان الرجال يذهبون إلى البلدة لتفقد البيت والأرض ثم يعودون، لأن الظروف لم تكن تسمح ببقاء العائلة هناك».

ورغم أن المنزل لا يزال صالحاً للسكن، فإن ذلك لم يكن كافياً للعودة. وتضيف: «البيت لا يزال صالحاً للسكن، لكن هناك أضراراً في الجدران والأبواب والنوافذ ويحتاج إلى الكثير من الإصلاحات. لو كانت المشكلة محصورة بالبيت لكنا عدنا منذ فترة. ما يمنعنا من العودة هو غياب الثقة بأن الأوضاع ستبقى مستقرة».

وتختم بالقول: «في كل مرة نعتقد أن الأمور تحسنت ونفكر بالعودة، يحصل تصعيد جديد. أحياناً لا يمضي سوى يوم واحد أو ساعات قليلة حتى نجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى النزوح. البلدة أصبحت حلماً بالنسبة إلينا في الوقت الحالي».


«إمارة الخليل» تعود للواجهة وفقاً لترتيبات سموتريتش

الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الجمعة (رويترز)
الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الجمعة (رويترز)
TT

«إمارة الخليل» تعود للواجهة وفقاً لترتيبات سموتريتش

الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الجمعة (رويترز)
الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الجمعة (رويترز)

عادت خطة «إمارة الخليل» إلى الواجهة بعدما أعلن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل»، على الرغم من أن الفكرة طُرحت قبل أكثر من عام، ورفضها الفلسطينيون وتعهدوا بمقاومتها وإحباطها.

وفيما يبدو خطة منسقة، أعلن سموتريتش إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، في حين أحضر وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات 5 أشخاص من مدينة الخليل للكنيست، ليقدمهم كقادة مرشحين للإدارة ضمن ما يُعرف بـ«إمارة الخليل».

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون في حقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأكدت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن النقاش حول هذه القضية بلغ ذروته هذا الأسبوع، عندما حضر بركات اجتماعاً في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست برفقة خمسة من سكان الخليل الذين يروّجون للمبادرة. وقدّم بركات هؤلاء الأشخاص على أنهم مستعدون لتحمّل مسؤولية المناطق التي تسكنها عائلاتهم الممتدة، والانفصال عن السلطة، وإقامة نموذج للقيادة القبلية المحلية.

وخلال النقاش، ادّعى «الشيوخ» أن لديهم القدرة على إعادة النظام وحماية الناس.

وبحسب «هآرتس»، فقد «قدّم الشيوخ الخمسة مطالبَ واسعة النطاق للجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية خلال الاجتماع. من بين هذه المطالب امتناع القوات الإسرائيلية عن أي أنشطة تستهدفهم أو تستهدف الناس في مناطقهم، والحدّ من الاعتقالات، ووقف عمليات البحث عن الأسلحة لدى عائلاتهم. ويزعمون أن هذه الإجراءات تضرّ بمكانتهم وقدرتهم على ترسيخ نفوذهم المحلي».

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

حضر وزير الشتات عميحاي شيكلي الاجتماع، معرباً عن دعمه الكامل للمبادرة التي وصفها بأنها مرتبطة بـ«مستقبل الضفة الغربية»، وأنها تُعدّ البديل الأهمّ المطروح حتى الآن للسلطة الفلسطينية.

وأوضح شيكلي أن البنية القبلية المحلية قد تُشكّل أساساً أكثر استقراراً من السلطة، التي تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تفكيكها.

والخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين: «H1» و«H2»، فيما عُرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

والمنطقة المصنفة «H1» في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، تقع تحت مسؤولية السلطة أمنياً وإدارياً. والمنطقة «H2»، البالغة 20 في المائة من المدينة والتي تضم منطقة البلدة القديمة بما فيها الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، تقع أمنياً تحت سيطرة إسرائيل، ومدنياً تحت مسؤولية السلطة.

وإلغاء الاتفاقية يعني إعادة سيطرة إسرائيل بالكامل على المنطقة «H2»، بما في ذلك الشؤون المدنية وليست الأمنية فقط.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

وقالت «القناة 12» إن الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

وفوراً بدأت إسرائيل بأعمال بناء واسعة بمساحة 1000 متر مربع لصالح مدرسة «شافيه حبرون» الدينية في البلدة القديمة في الخليل من دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

وإلغاء دور البلدية الفلسطينية في قلب الخليل يتسق مع خطة «إمارة الخليل» التي تهدف إلى إلغاء السلطة الفلسطينية.

وهاجم رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، هذه المحاولات، مؤكداً خلال مقابلة مع «i24NEWS» الإسرائيلية الرفض القاطع لمشاريع «إقامة إمارة الخليل» وسحب صلاحيات البلدية.

وقال الجعبري للقناة الإسرائيلية: «الشعب الفلسطيني قادر على اختيار قيادته رغم محاولات التأثير الإسرائيلية». وأضاف: «لدينا بلدية نختار رئيسها وأعضاءها بصورة ديمقراطية. من يحكم الخليل هو الشرعية الفلسطينية ولن يحكمها أحد آخر... الشعب الفلسطيني قادر على اختيار قيادته، ونرفض كافة المحاولات لإقامة (إمارة الخليل)».

وطالب الجعبري الإدارة الأميركية والدول الغربية والمؤسسات الدولية بتحمل مسؤولياتها للجم كل هذه المحاولات، مشدداً على أن«التمثيل يأتي فقط من صندوق الاقتراع». وأضاف: «نحن أمام حملة مسعورة من الوزراء المتطرفين، وعلى رأسهم سموتريتش، في الضفة الغربية عموماً وفي الخليل على وجه الخصوص، لجلب أكبر عدد من المصوتين من المستوطنين في الانتخابات القادمة».

وينتمي الجعبري لعائلة كبيرة في الخليل، أكدت مراراً وقوفها ضد كل من يعمل على دفع فكرة «إمارة الخليل»، ومن بينهم وديع الجعبري، الذي برز اسمه مع بداية طرح الفكرة بعد توجيهه رسالة إلى بركات اقترح فيها إقامة «إمارة الخليل»، والاعتراف بإسرائيل باعتبارها «الدولة القومية للشعب اليهودي»، والانضمام إلى «اتفاقيات أبراهام».

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة في المسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

وقالت عائلة الجعبري إلى جانب عشائر المدينة إنهم مستمسكون بالمشروع الوطني الفلسطيني، وبالسلطة الوطنية ومؤسساتها، وإن أي محاولة للمساس بوحدة الموقف الفلسطيني أو التلاعب بالثوابت الوطنية ستُقابل بالرفض والإدانة.

وإضافة إلى السلطة الفلسطينية وعشائر الخليل، ترفض المؤسسة الأمنية في إسرائيل المبادرة.

وقالت «هآرتس» إن المؤسسة العسكرية ترفض دعم الحكومة مبادرة الانفصال عن السلطة الفلسطينية في الخليل، وإقامة إمارة مستقلة. ويصف الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الدفاعية هذه الخطة بأنها غير قابلة للتنفيذ عملياً وسياسياً، ويحذران من أن تنفيذها قد يُجبر إسرائيل على التدخل العسكري المباشر في الصراعات الداخلية في الضفة الغربية.

وقالت مصادر إسرائيلية أمنية إن «معظم الشخصيات التي يتم تقديمها على أنها ذات نفوذ تفتقر إلى مكانة عامة في الخليل، ولا يُعترف بها كمراكز قوة في المدينة».

ورفضت المؤسسة الأمنية حتى عقد جلسة نقاش في الكنيست، باعتبار أن ذلك يمثل منح شرعية رسمية لنموذج قيادة قبلية تدعمه إسرائيل. ووفقاً لهذه المصادر، فقد يُوحي ذلك بأن إسرائيل تسعى إلى تفكيك القيادة الفلسطينية، عبر تعيين حلفاء من عشائر يُنظر إليها على أنها «متعاونة».

ويحذر مسؤولون في المؤسسة الأمنية من أن خطوة كهذه قد تُعزز في الواقع الدعم للعناصر المتطرفة، وتُعمِّق حالة عدم الاستقرار في الضفة الغربية.

وقال مصدر أمني لصحيفة «هآرتس»: «عندما يستقدم الوزراء الشيوخ إلى الكنيست، ويمنحونهم منصة رسمية، ويقدمونهم كبديل حكومي للسلطة الفلسطينية، لا يمكن اعتبار ذلك مجرد تمرين علاقات عامة، بل له تداعيات مباشرة على أرض الواقع؛ فهذه عشائر لا تملك قوة عسكرية، ولا قدرة على السيطرة على الأرض، وبالتأكيد لا قدرة لها على التعامل مع السلطة الفلسطينية أو أجهزتها الأمنية أو (حماس). ومن يظن أنه يستطيع أن يصبح كياناً حاكماً، فعليه أن يوضح من سيقاتل إلى جانبه عندما تتحرك السلطة لإزاحته. والجواب واضح: جنود الجيش الإسرائيلي».


«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
TT

«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد

بعد 9 أيام من البحث والترقب، عُثر على جثة الطفلة العراقية رقية (11 عاماً) في وادٍ بمنطقة أحمد آوا السياحية بمحافظة حلبجة (شمال)، بعد حادث غرق أثار تعاطفاً واسعاً في أنحاء العراق وإقليم كردستان، ودفع مسؤولين إلى الدعوة لتشديد إجراءات السلامة في المواقع السياحية القريبة من المجاري المائية.

«ووُوري جثمان رقية الثرى في مسقط رأسها كربلاء، الجمعة، بعد مراسم وداع شهدتها محافظة حلبجة، حيث اصطف مئات السكان على جانبي الطرق لتوديعها حاملين الورد»، حسب مقاطع مصورة متداولة. وقال أحد المشيعين، إن «وداع الطفلة أوجع قلوبهم».

وقال مدير الدفاع المدني في حلبجة عابدين عبد الرحمن إن فرق الإنقاذ والغواصين والمتطوعين عثرت على جثة الطفلة الأربعاء الماضي بعد عمليات بحث مكثفة ومتواصلة شاركت فيها فرق متخصصة وعشرات المتطوعين من مناطق مختلفة.

وتعود تفاصيل الحادث إلى 9 يونيو (حزيران) الحالي عندما كانت رقية، وهي من سكان كربلاء، في رحلة سياحية مع عائلتها إلى مصيف أحمد آوا، أحد أبرز المواقع الطبيعية في محافظة حلبجة. وأثناء وجودها قرب منبع «زلم» سقطت في المياه قبل أن تجرفها التيارات القوية وتختفي عن الأنظار.

وأطلقت السلطات المحلية فور وقوع الحادث عمليات بحث واسعة شملت تمشيط مجرى الوادي والمناطق المحيطة به بمشاركة الدفاع المدني وغواصين متخصصين ومتطوعين من أهالي حلبجة وهورامان وشهرزور ومناطق أخرى، في محاولة للعثور على الطفلة.

وقال مسؤولون محليون إن طبيعة المنطقة الجبلية وكثرة الصخور وشدة تدفق المياه صعّبت عمليات البحث، التي استمرت لأكثر من أسبوع وسط متابعة شعبية وإعلامية واسعة.

وأثار العثور على الجثمان حالة من الحزن في العراق، حيث تحولت قصة الطفلة خلال الأيام الماضية قضية رأي عام حظيت بمتابعة واسعة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وعقب العثور على الجثمان، انطلق موكب التشييع من محافظة حلبجة باتجاه كربلاء وسط مشاركة رسمية وشعبية واسعة. واصطف مئات المواطنين على جانبي الطرق في عدد من مدن وبلدات محافظة السليمانية لتوديع الطفلة وإظهار التضامن مع عائلتها.

ورغم أن الترتيبات الأولية كانت تقضي بنقل الجثمان مباشرة إلى كربلاء صباح الخميس، فإن أهالي ناحية «خورمال» أصروا على مرور الجثمان عبر بلدتهم لإلقاء النظرة الأخيرة على الطفلة التي تابعوا أخبار البحث عنها طوال الأيام الماضية.

وأظهرت مشاهد مصورة تجمع أعداد كبيرة من السكان في خورمال وقضاء سيد صادق وهم يحملون الورد ويقفون على جانبي الطريق أثناء مرور موكب التشييع، في مشهد عكس حجم التفاعل الشعبي مع الحادثة.

كما تكفلت مجموعة من متطوعي سيارات الإسعاف في السليمانية بنقل الجثمان إلى كربلاء، في حين رافق عدد من المتطوعين الرحلة الطويلة لمساندة العائلة والمشاركة في مراسم العزاء.

ووصل الجثمان إلى كربلاء الخميس برفقة وفد رسمي من محافظة حلبجة ضم قائمقام المدينة سمكو سالار، ومدير الدفاع المدني عابدين عبد الرحمن. وتوقف الموكب في دائرة الطب العدلي لاستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بإصدار شهادة الوفاة قبل نقله إلى مقبرة جنة كربلاء.

وشارك مسؤولون محليون وشخصيات اجتماعية وأفراد من عائلة الطفلة ومئات المواطنين في مراسم التشييع التي انتهت بدفنها في المقبرة الواقعة جنوب المدينة.

وفي أول رد فعل رسمي بعد العثور على الجثمان، قدم رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني تعازيه إلى عائلة الطفلة، معرباً عن شكره لأهالي محافظة حلبجة ومنطقة هورامان والفرق التطوعية التي شاركت في عمليات البحث.

وقال بارزاني في بيان إن الحادث يستدعي تشديد إجراءات وتعليمات السلامة في المواقع السياحية، ولا سيما المناطق الواقعة بمحاذاة الأنهار والسدود والمصادر المائية، بهدف الحد من تكرار مثل هذه الحوادث.

أفراد من سكان حلبجة يضعون باقات ورد على سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان الطفلة رقية (إكس)

إجراءات السلامة

من جانبه، أعلن محافظ كربلاء نصيف جاسم الخطابي عزمه زيارة محافظة حلبجة خلال الأيام المقبلة لتقديم الشكر لمسؤوليها وأهاليها على ما وصفه بالموقف الإنساني الذي أظهروه تجاه عائلة الطفلة.

وقال الخطابي في بيان إن التضامن الذي رافق عمليات البحث والعثور على الجثمان ثم تشييعه «يجسد أسمى معاني الأخوة والوحدة الوطنية»، مضيفاً أن تلك المواقف ستبقى محل تقدير لدى أبناء محافظة كربلاء.

وتعد منطقة أحمد آوا من أبرز الوجهات السياحية في إقليم كردستان، وتستقطب سنوياً آلاف الزوار من مختلف المحافظات العراقية، خصوصاً خلال فصلي الربيع والصيف، بسبب طبيعتها الجبلية وينابيعها المائية.

وأعادت حادثة رقية إلى الواجهة مطالبات شعبية ورسمية بمراجعة إجراءات السلامة في المواقع الطبيعية والسياحية التي تشهد إقبالاً كثيفاً خلال مواسم العطل، خاصة في المناطق التي تتميز بتضاريس وعرة أو مجارٍ مائية سريعة الجريان.