«دولة فارماكون» مشروع فني لتظهير واقع المخدرات والإدمان في سوريا ومعالجته

صورة للوحة تحمل عنوان المعرض وضعت في أعلى مبنى فرع مكافحة المخدرات في جرمانا بريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)
صورة للوحة تحمل عنوان المعرض وضعت في أعلى مبنى فرع مكافحة المخدرات في جرمانا بريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)
TT

«دولة فارماكون» مشروع فني لتظهير واقع المخدرات والإدمان في سوريا ومعالجته

صورة للوحة تحمل عنوان المعرض وضعت في أعلى مبنى فرع مكافحة المخدرات في جرمانا بريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)
صورة للوحة تحمل عنوان المعرض وضعت في أعلى مبنى فرع مكافحة المخدرات في جرمانا بريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)

رغم سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لا تزال «إمبراطورية الكبتاغون» التي أسسها قائمة تتنفس من بين أنقاض الدولة، وتواصل زحفها داخل المجتمع وخارجه. فبينما تتفكك أدوات القمع السياسي، يبقى الإدمان سلاحاً صامتاً يغزو الأجساد والبيوت والعلاقات، ويحوّل الهشاشة الفردية إلى ظاهرة وطنية معقدة.

رداً على هذا الواقع، أطلق فنانون وفنانات ومثقفون سوريون مشروعاً بعنوان «دولة فارماكون - سمٌ لا حياة»، كمنصة بصرية وفكرية لمساءلة العلاقة المتشابكة بين السلطة والمخدرات والإدمان.

عمل فني للفنانة ندى عقل والفنان وسيم الحميدي بعنوان «مواد متعددة» وفي هذا العمل التركيبي يُسند كرسي رئيس فرع مكافحة المخدرات - المتآكل والمغلف بالأسمنت الثقيل - فوق كومة من الأوراق والملفات الرسمية المهترئة وكأن النظام السابق بأكمله كان يقف على بيروقراطية جوفاء (الشرق الأوسط)

طرح فكرة المشروع الفنان المفاهيمي خالد بركة، المختص بالفن المجتمعي، والذي يفضل العمل مع المجتمعات في مواضيع تخصها بعيداً عن فن النخبة وصالات العرض التجارية.

وبعد أن أسس مطلع هذا العام مع مجموعة من الفنانين والفنانات في مدينة جرمانا بريف دمشق الشرقي، تجمعاً أطلقوا عليه اسم «تراكم»، نفذ مشروع «دولة فارماكون - سمٌ لا حياة»، بمشاركة أعضاء التجمع إلى جانب متطوعين ومتطوعات من المجتمع المحلي.

عمل فني بعنوان «طيور في أمل» للفنان بسام الحجلي والطيور في اللوحة ليست رموزاً للحرية بل لحظة عابرة من الخفة وسط كثافة الوجود وتلمّح بأن التحرر ليس دائماً في الطيران بل أحياناً في الجذور وتنسج اللوحة من الهشاشة احتمالاً للحياة... ولأمل ما زال ممكناً (الشرق الأوسط)

وفقاً للمنظمين، فالمشروع هو «ملتقى فني وثقافي ومشروع مجتمعي وتفكيك بصري وسياسي واجتماعي للعلاقة المعقدة بين الحروب وتجارة المخدرات واستخدام الإدمان أداةً للقمع والسيطرة والتمويل».

جرى اختيار مقر فرع مكافحة المخدرات سابقاً في جرمانا، مكاناً لإطلاق أولى فعاليات التجمع. استُخدِم المبنى نفسه من دون أي تعديلات على عمارته أو معالمه كشهادة بصرية. فصار الجدار الذي شهد صراخ الضحايا، هو الجدار الذي تتدلّى عليه أعمال عن الألم والأمل.

80 عملاً متنوعاً

ضمّ المعرض أكثر من ثمانين عملاً فنياً متنوعاً في الأسلوب والخامة، ولم تُصمَّم لترف النخبة، بل جاءت من الجذر، وواقع المدينة، محمّلة بالشهادات والطبقات البصرية والرموز التي لا تحتاج إلى ترجمة. أجسادٌ تتشظّى، شجرة يابسة تلد وجهاً بشرياً، أقنعة فارغة، رئتان من حجر... كل قطعة تحكي عن وجه من وجوه العلاقة المعقدة بين الإنسان والمخدر، بين الفرد ونظام الأسد، بين الهروب والخلاص.

صورة للوحة تحمل عنوان المعرض وقد تضمنت شرحاً وافياً عنه وتم تثبيتها في مدخل مبنى فرع مكافحة المخدرات في جرمانا بريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)

بين خوذات وأدرع فارغة، وأحذية بلا أجساد، وسيارات مقلوبة، يكشف عمل بركة التركيبي المثبت في مدخل مقر المركز عن خواء السلطة حين تسقط الأقنعة.

يُعيد العمل تفكيك المشهد السلطوي الذي طالما ارتبط بالعنف والإذلال المؤسسي حيث يعرّي آليات القمع، ويُذكّر بأن السطوة تنهار حين تُفكّك أدواتها.

عمل فني بعنوان «تقاطعات أنين» وتتجسد فيه ملامح وجه شاب أثقلته الندبات النفسية ويواجه رغبة قسرية بالتعاطي نتيجة وجع متراكم ومن واقع لا يمنحه أي بديل والوجه في الصورة ليس مجرد ملامح بل خريطة للإجهاد ولتشوه الإدراك ولارتباك القرار (الشرق الأوسط)

عمل آخر يُشاهَد في حديقة المقر وهو مجسم لكرسي رئيس الفرع مغلف بالإأمنت معلقاً في الفراغ فوق كومة من الأوراق الرسمية المهترئة. ويعرّي العمل بنية السلطة الإدارية التي انهارت أخلاقياً قبل أن تنهار فعلياً.

في الجهة المقابلة، تتكدّس رؤوس وأيادٍ بلاستيكية مقطوعة خلف شبك حديدي كأجساد مشوهة، بلا هوية وبلا صوت وبلا مخرج، في مشهد يحاكي الوحشيّة الرمزية التي تعرّض لها الأفراد داخل مراكز الاعتقال.

رؤوس محترقة

أما في الباحة الخلفية، فهناك ثلاث منحوتات خشبية كأعواد كبريت نهاياتها رؤوس بشرية محترقة متشظّية، بلا تعابير، مشدودة كأنها أجزاء من جسد واحد مات أكثر من مرة معلّق بين الحياة والاحتراق.

عمل فني بعنوان «أنفاس مفقودة» للفنانة روان زهر الدين تعيد من خلاله تشكيل الرئتين بخامة بصرية تشبه الحجر - صلبة في ظاهرها هشّة في جوهرها وكأن الإدمان لم يخنق التنفّس فقط بل محا أثر الحياة من الداخل (الشرق الأوسط)

يمتد المعرض إلى غرف المركز الداخلية، حيث تتحوّل كل زاوية إلى شهادة بصرية على ألم إنساني غير مروي، وتتوزّع الأعمال بين لوحات زيتية ومنحوتات تتمحور حول المتعاطين بصفتهم ضحايا لا مجرمين، ووجوه متألمة، وأجساد منهكة، وعيون زائغة، وألوان تختنق بين العتمة والرجاء.

وتتناثر في كل زوايا المعرض مجسمات جبسية لأطفال الشوارع الذين يتعاطون مادة «الشعلة» هرباً من الجوع، والخوف، والخذلان.

عمل فني للفنان ربيع خليل بعنوان «خشب صنوبر» وهو عبارة عن أعواد كبريت نهاياتها رؤوس بشرية محترقة متشظّية، بلا تعابير، مشدودة كأنها أجزاء من جسد واحد مات أكثر من مرة (الشرق الأوسط)

في نهاية المسار البصري للمعرض، ننتقل إلى مجموعة أعمال تتناول «التعافي» ليس كحالة مثالية أو نهاية سعيدة، بل كرحلة شاقة تبدأ بالاعتراف، مروراً بالمواجهة، وصولاً إلى احتمال النجاة.

رحلة التعافي

لا تُقدّم هذه الأعمال خلاصاً نهائياً، بل تُذكّر بأن كل تعافٍ هو معركة يومية، وأن التعافي الجماعي لا يمكن أن يبدأ دون تغيير جذري في النظرة، والسياسة، والرعاية.

عمل فني يتمثل برؤوس وأيادٍ بلاستيكية مقطوعة تتكدس خلف شبك حديدي كأجساد مشوهة بلا هوية وبلا صوت وبلا مخرج في مشهد يحاكي الوحشيّة الرمزية التي تعرّض لها الأفراد داخل مراكز الاعتقال (الشرق الأوسط)

في حديث لـ«الشرق الأوسط» خلال الزيارة التي قامت بها للمعرض قبل يوم واحد من التوتر الذي حصل في جرمانا في 28 أبريل (نيسان) الماضي، بسبب أعمال عنف، يوضح بركة أن «دولة فارماكون هو مشروع يطمح لوضع خطة وطنية لمعالجة موضوع المخدرات والإدمان». ويقول: «نظام الأسد حوّل سوريا إلى (إمبراطورية كبتاغون)، وجعل منها عملة منشطة للحرب، حيث كان يدفع رواتب جيشه وموظفيه والميليشيات الموالية له من تجارتها».

الفنان خالد بركة يقف إلى جانب عمله الفني «الانكسار»

و«فارماكون» هي كلمة يونانية وتحمل معنيين متناقضين هما: «العلاج» و«السم». وهذه المفارقة، هي جوهر هذا المعرض، حيث يمكن أن يكون الشيء ذاته ونقيضه، دواءً وهلاكاً، مَهرَباً وسلاحاً، وفق بركة الذي يشير إلى أن المعرض يوظف هذه الثنائية لاستخدام مركز مكافحة المخدرات مساحةً فنية مؤقتة على أمل تحويله إلى مركز لإعادة تأهيل المدمنين مستقبلاً.

«دولة مدمنة»

وعن رمزية اختيار جرمانا مكاناً للمشروع، يقول بركة: «سوريا باتت دولة مدمنة، وجرمانا للأسف سُمعتها في السنوات الأخيرة لم تكن الأفضل، لأنها وبسبب الكثافة السكانية فيها، التي تقدر بنحو مليوني نسمة من أصل 15 مليوناً يعيشون في أرجاء البلاد، أضحت سوقاً ممتازة وملاذاً لكثير من مصنعي ومهربي وتجار المخدرات، والذين في الغالب يمثلون نظام الأسد نفسه».

عمل فني للفنانة رؤى بريك هنيدي بعنوان «تعافي» اعتمدت فيه نهج البورتريه الواقعي لتجسيد لحظة إنسانية عميقة: لحظة مواجهة الذات والاعتراف بالخطأ، وينبض العمل بحساسية عالية بين الندم والصفح وبين الضعف والقوة الكامنة (الشرق الأوسط)

معالجة واقع المخدرات في سوريا، من وجهة نظر بركة، تكون بدايةً «بالاعتراف بالإدمان» بوصفه واقعاً ومشكلة، ومن ثم إزالة الوصمة الاجتماعية الثقيلة تجاه المدمنين، والمتمثلة بالنظَر إليهم كمجرمين بحاجة إلى العقاب وإنفاذ القانون. يضيف: «الحل بحاجة إلى العمل على خطة وطنية شاملة تتضمن محاربة تجارة وصناعة وتهريب المخدرات، وتفكيك الشبكات الموجودة، ومساعدة المدمنين من خلال اعتبارهم ضحايا بحاجة إلى العلاج والمساعدة، إضافة إلى تغيير قانون المخدرات لعام 1993، وإقامة مراكز علاجية تخصصية لعدم وجود أي منها في سوريا حالياً».

النتائج

وعن النتائج، يوضح بركة أنه «من المبكر الحديث عن ذلك، لكن على الأقل أصبح هناك طرح للموضوع بشكل جدي وعلني». ويضيف: «خلال أيام سمعنا ردود فعل إيجابية جداً من الجميع، وبالأخص من بعض المتعاطين أنفسهم وأهاليهم الذين زاروا المعرض».

عمل فني بعنوان «هشاشة» للفنان خالد بركة مثبت في مدخل مبنى فرع مكافحة المخدرات وهو عبارة عن خوذات وأدرع فارغة وأحذية بلا أجساد وسيارات مقلوبة يكشف من خلاله خواء السلطة حين تسقط الأقنعة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لبركة، فإن تحقيق نتائج إيجابية بحاجة إلى وقت، لأن أي فعل نجاح هو فعل تراكم وبالتالي معالجة واقع المخدرات يجب العمل عليه أكثر.

في ختام حديثه، يستبعد بركة إمكانية تجاوز أزمة المخدرات في سوريا خلال فترة قصيرة، مشيراً إلى أن البلاد، التي أنهكتها الحرب، تواجه تعقيدات اقتصادية وأمنية، إضافة إلى العقوبات ومشكلات الحدود والعلاقات مع دول الجوار.

ويتابع: «هناك أولويات كثيرة تفرض نفسها، ومع ذلك لا يمكن تجاهل هذه الكارثة المتفاقمة. ربما نحتاج إلى عقود حتى يتحسن الوضع فعلياً... لكن رغم كل شيء، سنبقى محكومين بالأمل».

عمل فني للفنان خالد بركة بعنوان «الانكسار» وفيه لا تقف الشفرة المعدنية كأداة بل كجسد معلّق بين الحياة والانطفاء (الشرق الأوسط)

وفي ظل التوتر الذي حدث في جرمانا، أعلن تجمع «تراكم» عن إغلاق أبواب معرض «دولة فارماكون» حتى إشعار آخر، والذي افتتح في 25 أبريل الماضي، وكان من المفترض أن يستمر حتى العاشر من مايو (أيار) الحالي. ويؤكد بركة أن المعرض أُعيد افتتاحه بعد أن عادت الحياة الطبيعية إلى المدينة.


مقالات ذات صلة

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

المشرق العربي حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسدين (اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع - حساب «فيسبوك»)

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد كبيرة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
خاص فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

خاص «العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من رجال الدفاع المدني السوري (حساب الدفاع المدني الرسمي على «إكس»)

شاهد... إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق 18 متراً شمال سوريا

أعلن «الدفاع المدني» السوري إنقاذ طفل عمره ثلاث سنوات سقط في بئر بعمق 18 متراً بريف حلب بشمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».


مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».